البطل

البطل
محمود قريطم هائل الجسم، ضخم الجثة، سائل الاطراف وهو إلى جانب طوله المفرط مقوس الظهر، محدودب المنكبين عند اتصالهما بالعنق، عريض الكتفين مقوس أرنبة الانف جاحظ الحدقتين، يشع منهما بريق غريب يوشي بهوسٍ وانجذاب.
يبدو وهو يمشي ويدلي يديه الطويلتين على جانبيه كمخلوقٍ هائلٍ مخيف.
ولكن سرعان ما تتبدل الهيبة من جثته الضخمة وملامحه الغريبة إلى ظرفٍ واستخفاف عندما يفتر فمه الواسع عن أسنانٍ صفراء بارزة، وهو يبتسم بهوسٍ داخليٍّ بسببٍ وبغير سبب. ولا تفارق السيجارة فمه، فهو دائم التدخين لا يستطيع مفارقته لحظةً واحدة.
قدم إلى البلدة مع من يتسللون إليها من عمال القرى المجاورة والمدن المحاصرة البعيدة، يأتونها بحثاً عن العمل ثم يتخذونها مسكنًا مؤقتًا لهم ويحطون بها ترحالهم، ريثما تتدبر احوالهم وأمورهم ويجدون عملاً يسدُّ رمقهم.
ولا أحد يعرف عن ماضي محمود قريطم شيئاً، سوى صاحب المسكن الذي استأجره وجيرانه وهم يتكتمون على أسراره ولا يظهرون شيئاً .
ويظهر أن محمود قريطم هذا لم يعثر على عملٍ أو لم يوفق إلى عمل يناسبه، فبقي هكذا دائم التدخين ويأكل سندويشاته من المطاعم.
فمن أين يحصل على النقود؟ لا أحد يعرف. ويقوم مع الصباح الباكر ويبدأ تجواله في شوارع "قلقيليه" بقدميه الكبيرتين وبردائه الخفيف غير مبالٍ ببرد الشتاء ولا بحر الصيف.
ويمر بهذا الشاب فيبتسم له ويمر بذاك فيرُدُّ على تعليقاته بلهجةٍ مُهادِنه وروحٍ طيبة، وكأنه مزهو بسخرية الناس به.
لا يعرف أحدٌ سبب تدخينه الشره ولا سبب هوسهِ المفرط بالاستخفاف بكل شيء، حتى شهر رمضان لا يقيم وزناً لحرمته، فيقف على قارعة الطريق ويدخن سجائره مستخفًا بمشاعر الناس وبرمضان.
لكن الناس كأنهم ألفوه بهذه الحالة وحبب إليهم مداعبته والسخرية منه، فيدعوه أحد الشبان الجالسين في مقهى على قارعة الطريق ويناوله سيجارة معلقاً عليه بكلامٍ ساخرٍ، فيأخذها ويمضي غير مبالٍ بتعليقاته.
ويدعوه شاب آخر على مقهى "الأندلس" مُتَندراً بالحديث عليه ومعه، فيدلف إلى المقهى ولا يخيب له طلباً، ثم يحتسي القهوة ويمضي في تجواله يبتسم وينفث دخان سيجارته مبرزاً أسنانه الصفراء الطويلة مستخفاً بكل شيء.
ذات مرةٍ دعاه أحد الفتيان ليكلمه ومال به جانبًا في ساحةٍ ممتدةٍ لمطعم ومقهى "أحمد راضي" بمحاذاة الشارع الرئيسي العام وسرعان ما دار بينهما شجار عنيف تطور إلى معركةٍ حامية، حطم فيها محمود قريطم بعض كراسي المطعم على رأسه، وتركه جثةً طريحةً تنسكب الدماء من رأسه.
استهجن شبان المقهى هذا الفعل منه، وتقاطروا إلى ساحة المعركة مجتمعين ينظرون ما جرى ويسألون عن السبب.
لكن محمود قريطم ترك الشاب طريحًا بدمائه ومشى مقوس الكتفين فاغراً فمه عن أسنانه الصفراء الطويلة ومنخاره المقوس كمنقار صقرٍ جارح، وهو يبتسم ابتسامته المعهودة ويهز كتفيه يميناً وشمالاً بمشيته الغريبة المثيرة للخوف والضحك معاً.
استغرب الناس كيف حدث ذلك منه! فهو دائم السخرية هازئٌ لا يعبأ بشيء، فما الذي بدل حاله حتى بدا جادَّاً عنيفاً بهذه الصورة؟...
وما الذي قاله ذلك الفتى حتى استفز قريطم وغير حاله؟...
وتكاثرت الأقاويل عن صداقةٍ قديمةٍ وغدرٍ، عن ظلمٍ وثأر، عن فنجان قهوةٍ ومخدرات. وَ... وَ...
لكن شيئاً من هذه التخمينات لم يرجح ولم يثبت. وبقي الناس مستغربين محتارين بشخص قريطم وسلوكه.
بينما هو لم يبال بشيءٍ وبقي سادراً في تجواله في شوارع قلقيلية بمشيته المعهودة المثيرة للخوف والضحك معاً وابتسامته المهووسة بسبب وبغير سبب، وسيجارة الدخان لا تفارق فمه.
وذات مرةٍ شب حريق في بيت "مسعود زهير" أحد جيران قريطم في بيته المستأجر. وشبت ألسنة النيران عالية، فأكلت أثاثه وكان طفل مسعود الذي لم يتجاوز تسع سنوات من عمره في البيت، فهرب من النيران إلى شرفة البيت المرتفعة كثيراً عن الأرض.
وأراد أن يلقي بنفسه ويقفز من الشرفة، لكنه خاف أن يكسر ويموت لبعد المسافة وعلو الشرفة عن الأرض، احتشد الناس حول البيت وتصايحوا مستغيثين واتصلوا بقسم الاطفائية لكن الاطفائية تأخرت عن المجيء. والطفل يصرخ ويهم بإلقاء نفسه من الشرفة، ثم يتراجع خوفاً ورعباً من الموت الذي ينتظره إذا قفز.
ينظر إلى النيران المشتعلة في البيت فيزداد خوفاً ويصرخ جزعا ببكاءٍ مرٍّ بأعلى صوته، والناس من أسفله يحاولون تهدئته وتسكين روعه، يقولون له أنهم سينقذونه وأن سيارة الإطفاء ستصل بعد لحظاتٍ. لكن أحداً منهم لا يجرؤ على اقتحام النيران والمخاطرة بنفسه.
فوجئ الجميع بمحمود قريطم يشق صف المحتشدين ويتسلق ما سورة المياه الحديدية الصاعدة من الأرض إلى سطح البناية، وبسرعةٍ وصل إلى حافة شباك وأمسك بحديده البارز في الهواء وبقوة جبارٍ تعلق به.
وزحف إلى الشرفة، امسك بدربزينها بيده الأخرى الطويلة ورمى بنفسه بقفزةٍ واحدةٍ داخلها. كأن كل جسمه الهائل ريشةٌ خفيفةٌ إذا ما أراد تحريكه بخفةٍ ومهارة.
دهش جمع المحتشدين. عقلت ألسنتهم الدهشة، أكبروه أَيُّما أكبار حينما رأوه يحتضن الطفل الصغير الذي تعلق بعنقه كما يتعلق الغريق بخشبةِ النجاة. ثم يقف على حافة الشرفه واضعاً قدمه على الدربزين بثبات ومهارة ويقفز برشاقةٍ وجرأة تاركاً ساقيه ينزلان في الهواء مقوسين كأنه أحد رجال المظلات المدربين. وعندما لامست قدماه الأرض كان الناس قد حبسوا أنفاسهم وهم لا يصدقون ما ترى أعينهم. لكن قريطم وقف منتصباً وحرر الطفل من يديه وتركه يركض نحو أبيه ويحتضنه فاحتضنه أبوه باكياً مسروراً بنجاته.
وثب الأب على قريطم وأشبعه عناقاً وتقبيلاً، وأخرج من محفظته رزمةً من الأوراق المالية وقدمها له مقابل معروفه، لكن قريطم رفض أن يأخذها وأغضى بابتسامته المعهودة وأسنانه الصفراء البارزة وهو يقول:
لم أفعل شيئاً، لم أفعل شيئاً.
قال الوالد بصوت تخنقه العبرات لشدة تأثره:
-       لقد كنت متأكداً أن أخلاقك العالية لا بد أن تنتصر على كل ما أصابك. وها أنت تؤكد أصالتك وشجاعتك. رغم كل التعذيب الذي لاقيته في السجون. وكل الإغراءات والملاحقات لم تزدك إلا تمسكاً بقيمك وأخلاقك العالية. إنك بطل، إنك بطل حقيقي.
قال الوالد ذلك وانتحب على صدر قريطم باكياً بصوتٍ مسموع.
ربت قريطم على كتفه مخففاً انفعاله، قال بلهجته الساخرة المعهودة:-
-       هون عليك، لم أفعل شيئاً، لم أفعل شيئاً.
فتعالت الهمسات بين الناس المحتشدين وقال أحدهم:-
-       يقال أن قريطم هذا هو أحد قادة انتفاضة الأقصى البارزين، وأن اسمه هذا ليس اسماً حقيقياً، واسمه الحقيقي "ماجد عبد الأعلى"، وقد سجن ما يزيد عن خمس سنوات ولاقى تعذيباً شديداً.
وحاولوا معه بكل طرق الإغراء والتخويف كي يجعلوه عميلاً لهم، لكنه رفض، وثبت على مبادئه
فتنهد الآخر قائلاً... آه... فهمت الآن لماذا هو دائماً يبدو هكذا ساخراً مستخفاً بكل شيء.