الشروط الواجب توافرها لشهر الإفلاس

شروط شهر إفلاس التاجر طبيعياً كان أو معنوياً
الشروط الشكلية لشهر الإفلاس :
        إن شهر إفلاس التاجر طبيعياً كان أو معنوياً يتطلب فضلاً عن تحقق الشروط الموضوعية، توافر الشروط الشكلية في الحكم الصادر بشهر الإفلاس، لذا و لتسليط الضوء على هذا الموضوع لابدّ من تحديد المحكمة المختصة بشهر الإفلاس وصاحب الحق في طلب شهره و أخيراً نشر حكم الإفلاس، وهذا ما سنتناوله تباعاً :-
1- المحكمة المختصة بشهر الإفلاس :
        تختص محكمة البداءة بدرجة أولى التي يقع ضمن صلاحيتها متجر المفلس وقت رفع الدعوى بالنظر في دعاوى الإفلاس وذلك في حالة عدم تعدد متاجر المفلس أما في حالة تعددها فتقام الدعوى في المحل الذي اتخذه التاجر مركزاً رئيسياً لاعماله التجارية(122)، استثناءً من القاعدة العامة التي تقضي باختصاص محكمة موطن المدعى عليه أو مركز معاملاته أو المحل الذي نشأ فيه الالتزام أو محل التنفيذ أو المحل الذي اختاره الطرفان لإقامة الدعوى بالنسبة للدعاوى المتعلقة بدين أو منقول(123) .
       و لكن ما الحكم في حالة عدم امتلاك التاجر لأي متجر كما لو كان المفلس تاجراً متجولاً ؟
        لم يضع المشرع العراقي في الباب الخامس النافذ من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970 حلاً لهذه المسألة و لكن بالرجوع إلى قانون المرافعات المدنية نجد نصوصه تقضي باختصاص محكمة موطن المدعى عليه بالنظر في الدعاوى المتعلقة بدين أو منقول، والحكم نفسه ينطبق على التاجر المتوفى أو المعتزل المطلوب شهر إفلاسه(124)، و جعل الاختصاص للمحكمة التي يوجد فيها متجر المفلس أو موطنه دون سواها من المحاكم مفاده أن هذه المحكمة أقدر من غيرها على تفهم مركز التاجر المراد شهر إفلاسه، فضلاً عن أن اموال المدين المفلس لا بدّ من حصرها و جردها و لا يتيسر ذلك إلا في الجهة التي يزاول فيها المدين نشاطه التجاري(125) .
        وما تقدم ذكره يتعلق بالشخص الطبيعي أما بالنسبة للشخص المعنوي فتقام دعوى الإفلاس ضد أي شركة سواء أكانت قائمة أم في دور التصفية في المحكمة التي يقع ضمن اختصاصها المكاني مركز الإدارة الرئيسي(126)، و يقصد بمركز الإدارة الرئيس، المكان الذي توجد فيه الهيئات التي تتولى إدارة الشركة إدارة فعلية من النواحي الفنية و الإقتصادية و التجارية و المالية و إن كان مركز الشركة الرئيس المحدد في عقد تأسيسها مغايراً للمركز الحقيقي لها(127)، أما إذا كانت الدعوى ناشئة من معاملة مع فرع تابع للشركة فيكون الاختصاص للمحكمة التي يقع ضمن اختصاصها مركز الإدارة الرئيس للشركة أو المحكمة التي يقع في دائرتها ذلك الفرع(128)، وذلك في حالة كون الشركة عراقية، أما إذا كانت اجنبية ولها فرع أو وكالة في العراق فتختص المحكمة التي يقع في دائرتها ذلك الفرع أو الوكالة بالنظر في دعوى إفلاسها من دون أن يكون لحكم شهر الإفلاس أثر على اموالها خارج العراق(129) .
        والجدير بالذكر فقد استقر الرأي الفقهي على عدّ قواعد الاختصاص المكاني بالنسبة لقضايا الإفلاس من النظام العام و من ثم يجوز للمحكمة أن تدفع به من تلقاء نفسها(130)، استثناءً من القواعد العامة التي لا تعدُّ قواعد الاختصاص المكاني من النظام العام لكون أن هذا الاختصاص مقرر لمصلحة المدعى عليه و من ثم يجوز النزول عنه و الاتفاق على خلافه فضلاً عن ذلك لا يجوز للمحكمة أن تدفع به من تلقاء نفسها(131) .
        و اخيراً ندعو المشرع العراقي إلى انشاء محاكم تجارية في كافة الدوائر الاستئنافية في العراق يكون من اختصاصها النظر في دعاوى الإفلاس -سواء أكان كلا طرفيها عراقيين أم لم يكونوا كذلك- وعدم جعل نظر هذه الدعاوى من اختصاص محاكم البداءة، لأن القاضي التجاري يكون اكثر قدرة وكفاءة في المسائل التجارية من القاضي المدني، فضلاً عن أن التخصص يتيح للقاضي البحث بصورة أكثر للوصول إلى افضل الحلول القانونية، على غرار المشرع المصري الذي جعل دعاوى الإفلاس و ما ينشأ عن التفليسة من اختصاص المحاكم الإقتصادية(132) .
2- صاحب الحق في طلب شهر الإفلاس :
إن طلب شهر الإفلاس يمكن تقديمه من قبل الجهات الآتية :-
أ-المدين :
        يجب على التاجر المتوقف عن دفع ديونه التجارية أن يطلب شهر إفلاسه من تلقاء نفسه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ توقفه عن الدفع(133)، و في حالة قيامه بتبليغ جميع دائنيه فتُمدد هذه الفترة إلى خمسة واربعين يوماً(134)، من أجل اعطاء التاجر المدين حسن النية فترة كافية للتفاوض مع دائنيه و محاولة الحصول على صلح يقيه من الإفلاس، أما المشرع المصري فأوجب على التاجر تقديم طلب شهر إفلاسه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ توقفه عن الدفع(135)، والمسوغ القانوني للأحكام المتقدمة يتمثل بأن المدين هو الذي يقدر ظروفه و ما إذا كانت احواله مؤدية في النهاية إلى اضطراب معاملاته المالية مع الغير أم لا و تجنيبه عقوبة الإفلاس بالتقصير أو التدليس و تمكينه من الاستفادة من نظام الصلح الواقي من الإفلاس ما دام حسن النية(136) .
      والجدير بالإشـــــارة إلى أن الحكم المــــتقدم لا يعدُّ جـــــوازياً للمـــدين بل وجوبياً أي يجب على التاجر المدين تقديم طلب شهر إفلاسه خلال المدة القانونية و إلا يعدُّ مرتكباً لجريمة الإفلاس التقصيري(137) .
      وكما يحق للتاجر طلب شهر إفلاسه، يحق لورثته طلب شهر إفلاس مورثهم إذا توقف عن دفع ديــونه قــبـل وفــاتــه وبــشرط تقديــم الطــــلب خلال السنة التالية للوفاة(138)، لأن الورثة قد تكون لهم مصلحة في اشهار إفلاس مورثهم أو قد يرغبون في الحصول على الصلح و الاستمرار في التجارة(139)، و يجوز للتاجر المعتزل طلب شهر إفلاسه ايضاً خلال سنة من تاريخ شطب اسمه من السجل التجاري(140) .
       و التساؤل الذي يثار في هذا الصدد حول مدى صلاحية المحكمة في رفض شهر إفلاس التاجر بناءً على طلبه من عدمه ؟
       يذهب بعض الفقه إلى أن تقديم التاجر تقريره بأنه قد توقف عن الدفع معناه أنه قد اظهر نيته في عدم الدفع مستقبلاً، و أن الاقرار حجة على المقر و من ثم لا يجوز للمحكمة رفض طلب شهر إفلاسه و إن كان مركزه المالي في حال جيد(141)، في حين يذهب الرأي الراجح إلى أن المحكمة غير ملزمة بشهر الإفلاس بل يجب عليها أن تتحقق من توافر جميع شروطه قبل الحكم به، لأن المدين قد يتقدم بطلب شهر الإفلاس من أجل ارهاب دائنيه، لإرغامهم على قبول الصلح أو تقسيط الدين أو تبرئته من قسم منه(142) .
ب- الدائن :
        أجاز المشرع العراقي لكل دائن أو مجموعة دائنين طلب اشهار إفلاس مدينهم التاجر إذا توقف عن دفع ديون تجارية حالة تزيد قيمتها على خمسمائة الف دينار(143)، في حين ذهب المشرع المصري إلى اعطاء كل دائن مهما كانت قيمة دينه الحق في طلب اشهار إفلاس مدينه التاجر(144)، و يشترط في الدين المبرر لشهر الافلاس أن يكون خالياً من النزاع و حال الاداء على النحو السابق ذكره في الموضوع المتعلق بشرط تجارية الدين المتوقف عن دفعه، و فضلاً عن ذلك أجاز المشرع العراقي لخمسة أو اكثر من العاملين لدى التاجر طلب شهر إفلاسه إذا تأخر عن دفع اجورهم لمدة تزيد على شهر واحد(145)، و أجاز ايضاً للجهات الحكومية المختصة بالتحصيل الجبري للضرائب وغيرها من الالتزامات المالية المستحقة لخزينة الدولة تقديم طلب اشهار إفلاس التاجر المدين(146) .
ج- الادعاء العام :
        اشار قانون التجارة المصري إلى جواز تقديم طلب الإفلاس من قبل النيابة العامــــة(147)، وأساس هذا الحق يتمثل بكونها أمينة على المصلحة العامة(148)، إلا أن عدم حضورها أو عدم إبداء رأيها في دعوى الإفلاس لا يحول دون الحكم بإفلاس التاجر المدين(149)، أما المشرع العراقي فلم يعطِ للادعاء العام حق طلب شهر الإفلاس و إنما قصر الأمر على المدين والدائن حصراً(150)، ونعتقد بضرورة تدخل المشرع العراقي والنص على جواز تقديم طلب شهر الإفلاس من قبل الادعاء العام و لاسيما في حال ارتكاب التاجر فعلاً من الافعال المكونة لجرائم الإفلاس بوصفه ممثلاً للحق العام .
د- المحكمة :
        اجازت بعض التشريعات للمحكمة المختصة أن تقضي بشهر افلاس التاجر المدين من تلقاء نفسها(151)، و غالباً ما يحصل ذلك في حال طلب التاجر صلحاً واقياً من الإفلاس و تبين عدم توفر شروط الصلح في طلبه كعدم تقديمه خلال المدة القانونية أو في حالة تقديم أحد الدائنين طلب شهر إفلاس مدينه التاجر ثم يتراجع عن طلبه أو تقديم الطلب من قبل شخص ليست له الصفة القانونية للتقدم به(152)، والحكم بشهر الإفـلاس من تلقاء نفس المحكمة يعدُّ استثناءً من قاعدة أن القاضي لايجوز له أن يحكم بعلمه الشخصي، إلا أن التشريعات التي اجازت ذلك ارادت رعاية مصالح الدائنين الذين يكونون متغيبين و لا يعلمون بتوقف مدينهم عن الدفع ولمنع تواطؤ التاجر مع الدائنين الحاضرين فلا يطلبون شهر إفلاسه الأمر الذي يؤدي إلى الاضرار بالدائنين الغائبين(153)، وقد انتقد بعض الفقه الحكم المتقدم إذ يرون أن الحجج أعلاه غير كافية لتبرير حق المحكمة في شهر إفلاس التاجر من تلقاء نفسها و لاسيما أن رعاية مصالح الدائنين الغائبين من الممكن أن تتقرر بوسائل شتى منها اعطاء المحكمة سلطة اتخاذ الاجراءات اللازمة للمحافظة على اموال المدين حتى يطلب الدائنون ذلك(154)، و نعتقد بصواب الرأي الثاني اسـتناداً إلى الحجج التي ذكروها لتبرير رأيهم، ويزاد على ذلك أنه لا يكفي في الحكم القضائي أن يكون في ذاته عادلاً بل يجب أن يكون مقنعاً للخصم الذي صدر الحكم ضد مصلحته(155)، وكيف يتحقق ذلك إذا كانت المحكمة خصماً و حكماً في آن واحد ؟


3- نشر حكم الإفلاس :
        إن لحكم الإفلاس حجية مطلقة، فآثاره لا تسري على الدائن والمدين فقط و إنما تمتد لكل من له حق لدى المفلس وذلك على خلاف القواعد العامة التي تقضي بحجية الأحكام القضائية على اطرافها دون غيرهم(156)، و حتى يكون الجميع على علم بحكم الإفلاس، و ليتمكن من لم يتقدم بدينه لعدم علمه به من تقديم طلباته إلى أمين التفليسة في الوقت المحدد(157)، فلا بدّ من نشر حكم الإفلاس وذلك من خلال اتباع الاجراءات الآتية :-
أ-على المحكمة المختصة لصق حكم الإفلاس في لوحة اعلانات المحكمة لمدة ثلاثين يوماً من اليوم التالي لصدوره و على أمين التفليسة ارسال الحكم خلال خمسة أيام إلى كل محكمة يقع في دائرتها محل رئيس أو فرع أو وكالة أو مكتب للمدين للصقه في لوحة الاعلانات لمدة ثلاثين يوماً(158) .
ب- نشر ملخص حكم الإفلاس في صحيفة يومية أو أكثر خلال عشرة أيام من تاريخ صدور الحكم، وذلك من قبل أمين التفليسة و يجب أن يحتوي الملخص على بيانات معينة تتمثل باسم المفلس ومحـل اقامته و رقم قيده في السجل التجاري و المحكمة التي أصدرت الحكم وتاريخ صدوره و التاريخ المؤقت للوقوف عن الدفع و اسم قاضي التفليسة و اسم أمينها وعنوانه فضلاً عن دعوة الدائنين للتقدم بتسجيل ديونهم في التفليسة(159) .
ج- تسجيل حكم الإفلاس والحكم الصادر بتعديل تاريخ التوقف عن الدفع في السجل التجاري من قبل أمين التفليسة(160) .
    و لكن هل يبطل الحكم الصادر بشهر الإفلاس في حالة عدم نشر الحكم أو تأخير نشره ؟
    يذهب الرأي الراجح إلى أن عدم نشر حكم الإفلاس أو تأخير نشره لا يؤدي إلى بطلانه، لأن المشرع يرتب على مجرد صدور الحكم بعض الآثار منها غل يد المدين عن إدارة امواله والتصرف فيها من دون أن يتوقف ذلك على استيفاء اجراءات النشر، و لكن في هذه الحالة تقام مسؤولية المتسبب عن عدم النشر أو تأخيره أمام الاشخاص حسني النية الذين تعاقدوا مع التاجر اعتقاداً منهم بأنه مـــــــوسر فأصابهم ضرر من جراء ذلك(161)، فضلاً عن أن مواعيد الطعن في حكم شهر الإفلاس لا تبدأ إلا من تاريخ الانتهاء من اجراءات النشر(162) .