المنهج البنيوي في النقد

رغم الضجيج الاعلامي الذي احدثته البنيوية على الساحة الادبية من حيث التنظير لمبادئها العامة وللانواع الادبية حتى اغرقت الاسواق بمؤلفاتها النظرية والتطبيقية ، لكن الزمن لم يمرّ الاّ عقدين تقريباً حتى غزتها التفكيكية ،"حيث إن بعض زعماء الحركة البنيوية تحولوا الى تفكيكيين وتبعاً لذلك تحول الكثير – ومنهم وفي مقدمتهم الادباء العرب  تحولو ايضاً بصورة ميكانيكية الى تفكيكيين ايضاً ، وبقي قسم آخر يأخذ من المذهبين ويلفق بينهما بشكل او بآخر "(4). وحقيقة هذا التحول أن الانسان الغربي وإن أبدى ترحيباً بالبنيوية بديلاً عن الوجودية ،"إلاّ أنه يعلم أنها ثمرة من ثمار العلم الذي زرع الخوف وجلب اليأس له في الحرب الكونية الثانية وليس أدل على ذلك من القنبلة الذرية في اليابان ، فقط هو يريد أن يجد بديلاً يقاوم به فشله في تحقيق السعادة ولو الى حين وهذا ما يفسر المدة القصيرة التي بقيت فيها البنيوية اذ ارتد عليها اهلها بارت ودريدا وفوكو سنة 1966في جامعة هوبكنز بالولايات المتحدة الامريكية اثر المحاضرة التي ألقاها دريدا حول التفكيك ، لتأتي ثورة للطلبة الفرنسيين سنة 1968 تأكيداً لأفول شمس البنيوية وكل ما يمت بصلة إلى الموضوعية ، ليجد الانسان الغربي نفسه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د.عدنان علي رضا النحوي ، النقد الادبي المعاصر بين الهدم والبناء/38
(2) معرفة الآخر/24
(3) المصدر السابق/25
(4) الاسلام والادب/35 

جديد فريسة التيه والضياع "(1) في اتون التفكيك الذي اتخذه الانسان الغربي طريقة يعبر بها عن تذمره من اليقين الموضوعي ورغبة في تجربة حياة الفوضى والحرية اللامتناهية بعد أن اكتسب من البنيوية ولعها الجنوني بالخطاطات والاحصائيات والجداول المتشابكة التي تشوه النصوص الأدبية وتضيع خطوطها تماماً .
   "فهذا الولع بعنفه يتحول الى ولع عند التفكيكيين الذين خلفوا البنيوية فنقلوا عدوى ذلك إليهم ولكن بإضافة جديدة هي(الفوضى) التي طبعت سلوكهم الأدبي والفكري ، فمن حيث الفكر يشير المؤرخون الى الخلفية الفلسفية التي تكمن لدى التفكيكيين وهي التشكيك بالوجود والمعرفة وانعكاسات ذلك على الحقل الأدبي حيث التشكيك بمصداقية التيارات السابقة وحتى ذلك التشكيك بالمعنى الأدبي حيث عرفوا باتجاههم الى(لانهائية المعنى) واللعب بـ(الدوال) والقفز على اشارات النص وفجواته...الخ ويمكن الذهاب إلى أن الحرية شبه المطلقة للتلاعب في صياغة النصوص ونقدها، هي الطابع للاتجاه التفكيكي"(2) الذي نادى بالتمرد على كل فكر مركزي والقضاء على كل يقين موضوعي من خلال اهتمامه بنقد الخطابات النقدية والفكرية والفلسفية ، ولذلك فهو أقرب ما يكون من الفلسفة منه إلى النقد الأدبي ، ونجد أصول هذه الفلسفة عند" هيدغر الذي يعده النقاد أول من قال بمصطلح التفكيك ، اذ حاول تعرية الفكر الفلسفس الغربي والنبش في أنساقه قصد الوقوف عند الجذور الاولى التي كان عليها مفهوم العقل عند الحكماء الطبيعيين قبل أن يتغير مفهومه عند أفلاطون وأرسطو ، حتى يتسنى له تقويض العقل الغربي ورده الى أصوله الحقيقية . ولما كان ذلك من الصعب تحقيقه بسبب قوة احكام نسيج العقل الاوربي وانغلاقه على نفسه ، لم يكن أمام هيدغر سوى زرع الشك في كل الخطابات الفلسفية من خلال فلسفته التأويلية التي حاول من خلالها فتح باب تعدد القراءات ولا نهائية التفسير، وهو اذ يفعل ذلك ، يقصد نزع اليقينية الموجودة في الفكر الفلسفي وجعله مجرد خطاب قابل للتفكيك بعدد القراء المقبلين عليه "(3) ومن هنا فان البؤرة التي يتمركز فيها محور القارئ عند التفكيكيين بخاصة هي (تعدد المعنى ولانهائيته) "وهو أمر لا يحمل الجدية التي يصاحبها الضجيج الاعلامي ، فتعدد المعنى قد توفرت الاتجاهات السابقة على الحداثية عليه بدءاً من الاتجاه الرمزي ... بل لا نكاد نعثر على ممارسة نظرية او تطبيقية حتى بالنسبة إلى الاتجاهات التي تعتمد النقد التاريخي أو الاجتماعي أو الايدلوجي أو النقد الذي يلفق بين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اشكالية تأصيل الحداثة /97-98
(2) الاسلام والادب/36
(3) إشكالية تأصيل الحداثة /108

الاتجاهات جميعاً ، عندما يتناول رموز النص وشفراته : يشير الى تعددية الدلالة بنحو اصبح له الفته وذيوعه كألفة وذيوع من يتناول عناصر الايقاع أو اللغة أو البناء ، أي اصبح احد مفردات التعامل مع النص"(1).
   أما لانهائية الدلالة فرغم استئثارها باهتمام النقد التفكيكي إلا أنها لا تبعد كثيراً عن تعددية الدلالة التي تعني أن علاقة ما أو دالاً او رمزاً يرشح بعدة دلالات تحددها أذواق القراء المختلفة ، وحيث لا نهاية لعدد القراء فسوف يكون الدال مرشحاً بدلالات لانهائية وبهذا الردم بين مصطلحي (تعدد المعنى) و(لانهائيته) لانظفر بجديد في هذا الحقل الذي احتله اسم جاك دريدا إذ اليه يعزى الفضل في تبني مصطلح التفكيك "والبراعة في استثمار آلياته مركزاً نقده على غرار أسلافه على مركزية العقل والمعنى وفلسفة الحضور.
   وقد بدا النقد التفكيكي معه مميزاً بجملة  من المصطلحات التي عرف بها نحو : الاختلاف ، الارجاء ، التشتت، الهوة، علم الكتابة ، ميتافيزيقا الحضور، المركزية الغربية ، مركزية العقل ، مركزية الذكر ومركزية الصوت"(2) "وتمكّن استراتيجية دريدا على العموم من تجزئة الالفاظ والفرضيات الفلسفية الاساسية ثم تطوير الابنية التناقضية والحجج التناقضية التي تنطوي عليها هذه الالفاظ والفرضيات.
   ويهدف دريدا من ذلك الى تفكيك تقليد الميتافيزيقية الغربية بأسره ليس الاّ، وما ينطوي عليه هذا التقليد من الزعم بوجود معنى موحد له هوية أو تطابق ذاتي يتميز من التدوين الثانوي المشتق لذلك المعنى في اللغة المكتوبة .
 ويسمي دريدا هذا التقليد والاتجاه (مركزية الكلمة)"(3) داعياً من خلال تجاوزها الى لا نهاية الدلالة بجعل القارئ هو من ينتج الدلالة ، محاولاً بهذه الدعوة انقاذ الحداثة من الانغلاق الذي نادت به البنيوية .      فما وصل اليه دريدا في استراتيجية التفكيك هو أن "المعنى مؤجل الى مالانهاية لأن الدال وهويبحث عن المدلول لا يعثر عليه لأن هذا الاخير يتحول بدوره الى دال يبحث عن مدلول وتبقــى الــدوال لــعبة دون الوصــول الــى معنى "(4)، ويســـتند دريدا فـــي هــذه اللــعبة الى اعتقاده بعدم وجود النسق البنيوي ونفيه لأية قاعدة او
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاسلام والادب/317
(2) إشكالية تأصيل الحداثة /109
(3) وليم راي، المعنى الادبي . من الظاهراتية الى التفكيكية /162
(4) اشكالية تأصيل الحداثة /111
نظام منطقي في علاقة اللغة بالواقع ، بل إنه يلقي بشكوكه حتى على اوضح البديهيات التي يعتمدها العقل الانساني في مجال الفلسفة او اللغة ، ولذلك فان التفكيك عند دريدا ينبذ الميتافيزيقا والفلسفة ويعدهما من انماط الادراك الخادعة "كما ان اللسانيات التي كانت تخفي الميتافيزيقا في نماذجها الخاصة باللغة لاتلائم التفكيك . وكذلك لايلجأ التفكيك الى البنيوية التي ترتكز بقوة على اللسانيات.                
    قد يبدو التفكيك حقلاً تحكمه قواعد وانظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها، الاّ أن الحقيقة مختلفة ، فنحن لدينا قواعد وانظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية اكثر مما في التفكيك"(1) الذي " لا يمنح الناقد أي نماذج ولا يطبق أي أنموذج على النصوص الادبية ، بل إنه يدمر جميع النماذج الموجودة ولا يقدم أي نموذج ، ولهذا تسبب الكتابة التفكيكية حيرة كبيرة . فعلى العكس من النقد البنيوي لا يؤمن النقد التفكيكي بوجود نسق يمكن فهمه "(2) لذلك يقول ليتش في كتابه (النقد التفكيكي) :" إن التفكيكية باعتبارها صيغة لنظرية النص تخرّب كل شيء في التقاليد تقريباً وتشكك في الافكار الموروثة عن العلامة واللغة والنص والسياق والمؤلف والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة النقدية "(3) ويؤكد هوار فلبيرن أن التفكيكيين هم السبب الوحيد لأزمة الدراسات النقدية .
   فهم يتصورون المؤسسة الادبية وقد تحولت الى كرنفال تختفي فيه التقسيمات والحدود التي تميز بين الشيء وغيره الى درجه يسود فيها الخلط ، ويمنح الطلبة درجات عالية مقابل السخرية التي يتقنونها مع جهلهم باكثر الاشياء بداهة (4). وتلجأ التفكيكية الى الاكثار من استخدام المصطلحات الغامضة لتغطي على نقائصها التقليدية المكتسبة من الاتجاهات والحركات النقدية السابقة عليها كحركة النقد الجديد وغيرها ." وقد الف جون إلس كتاباً ضمّنه الكثير مما يؤخذ على التفكيكية وهو كتاب (ضدالتفكيك) 1989. وفيه يثبت أن معظم التعبيرات والمقولات الاساسية للتيار التفكيكي كانت متداولة عند النقاد الجدد، ومن ذلك مقولة إحالة المعنى التي ظهرت عند دريدا بتعبير مختلف آخر هو ميتافيزيقا الحضور . أما انكار دريدا لثبوت المعنى في القراءة الاولى للنص فذلك تحوير لمقولة المغالطة القصدية التي تكلم عليها ويمزات وبيردسلي منذ العام1954. واخذ على التفكيكية ايضاً شغفها باستخدام كلمات واصطلاحات غير واضحة سعياً منها لابهار القارئ واقناعه بأن ما يقال له استثنائي وغير عادي . علاوة على أنها أعادت لبعض المقولات الفلسفية المعاصرة ولاسيما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البنيوية والتفكيك/163
(2) المصدر السابق/162 
(3) المرايا المحدبة/291
(4) المصدر السابق/292
الظاهراتية وفلسفة التأويل ، تحكمها بالدرس الأدبي "(1) ويتجلى هذا التحكم في افتقار التفكيكية للتفكير الحواري والتاريخي إذ"إن دريدا وأصدقاءه يظنون أنهم يميزون في كل النصوص مآزق منطقية أو آليات ولا يبدون مدركين إلى أي حدّ يُسقطون بناءات لما وراء مقالاتهم على النص المحلّل . إنهم يعيدون هكذا إنتاج بعض مساوئ اللوغو مركزية على غرار الهيغلي الذي يماثل النص مع جملته، وعلى غرار البنيوي الغريماسي الذي يماثله مع مفهوم التناظرية الخاص به ، يماثله دائماً ناقد كدومان مع المأزق المنطقي الذي اخترعه هو بالذات "(2). وحين" يؤكد النقد التفكيكي أن كل النصوص مأزقية وأنها تنتهي بتفكيك نفسها بنفسها ، ينزع الى الحد من البعد التاريخي والسوسيولوجي لتحليلاته.
   ذلك أن تنوع النصوص وسياقاتها التاريخية يجعل الفرضية التي تقول إن كل النصوص هي بنى مأزقية ، غير قابلة للتصديق إطلاقاً "(3). وبتجاوز سياق النص يتأكد أن هذه الفرضية التفكيكية تتعامل مع الوهم أكثر من تعاملها مع الحقائق ، ويتخذ الناقد التفكيكي من خلالها اسلوب المراوغة والمخاتلة في مطاردة الدوال دون اقتضاء من النص ذاته أو من سياقه ، بل يصطنع الناقد ذلك لأستعراض مهارته التذوقية مما يحيل ممارسته الى عبث قد يحقق الامتاع الفني ولكنه امتاع زائف لا يخدم الحقيقة :"إن الشخصية المنعزلة عن إدراك وظيفتها الجدية في الحياة – كما هو مناخ الحضارة الأوربية في تياراتها العابثة والمتخمة والباحثة عن الامتاع الرخيص – من الممكن أن تتساوق مع امثلة هذه المهارات التذوقية في موضوعيتها وعبثيتها ، مع ملاحظة أن الجناح الآخر من الحضارة الاوربية – وهي التيارات التي تناهض العبثية – لا تتجاوب مع هذه الاتجاهات حيث نلاحظ مقاومة حادة لها من خلال شخصيات لها ثقلها الأدبي "(4) ترفض هذا النوع من النقد المسمى بالتفكيكي وترى أنه يقوم على مواقف استعراضية أو استفزازية تصادف هوى من جانب المثقف الامريكي صاحب المزاج الذاتي الخاص أكثر مما يقوم على مرتكزات نظرية يسهل تلقفها وتطبيقها مثل ما كان الأمر في النقد الجديد.
   ويرى آخرون أن التفكيك يشبه الموضة التي تظهر في الوقت المناسب لاشباع حاجة مرتبطة بالذكاء التسويقي ليس غير (5) . "وتركزت المناقشات المعارضة للتفكيكية في معظمها على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النقد الادبي الحديث . من المحاكاة الى التفكيك /116
(2) بيير . ف . زيما ، التفكيكية دراسة نقدية /158-159
(3) المصدر السابق/159
(4) الاسلام والادب / 319
(5) ينظر: المرايا المحدبة /259 

البداهة أو اللغة الاعتيادية . وقد لعب الفيلسوف لودفيج ويتجنستون (1889-1951) دوراً كبيراً في دعمها من منطلق أن مثل هذه الفلسفات اللغوية التشككية تستند في جذورها على نظرية معرفية مموهة تدفع المرء للبحث عن تطابق منطقي بين اللغة والعالم "(1). ومن وجهة نظر هذا الفيلسوف"فهناك خطأ فكري مستمر في النظرة النصية ما بعد السوسرية التي توجد ظاهرة مروعة للفصل بن الدال والمدلول . ولننظر الى هذه الظاهرة كمشكلة او تناقض ظاهري معناه إعادة نفس الاخطاء التقليدية المتضمنة إعادة توقع ارتباط اللغة مباشرة بالأهداف أو الافكار .
   وهذا استناداً لرأي ويتجنستون واتباعه هو جذر جميع الفلسفات الشكوكية حيث دفعت هذه الفلسفات الى الارتباك والتناقض الظاهري بعدم الأخذ بنظر الاعتبار تنوع احتمالات المواءمة بين اللغة ،المنطق والواقع"(2) كما نجد هذا الارتباك والتناقض في العديد من مقولات التفكيكية التي تفتقد البرهان على صحتها كمقولة الكتابة التي يقدمها دريدا على الكلام مع استحالة البرهان على أولوية الكلمة المكتوبة ، كما يرى ذلك إيلس حيث يقول:"حتى اذا سلمنا بأن الكلام لا يمكن أن يوجد قبل إمكانية الكتابة ، فان دريدا يسلّم بأولوية الكلام المنطقية ، لأن وجود الكلام هو الذي يجعل الكتابة ممكنة "(3). "ويطور ايلس نقده لفكرة الكتابة بأخذه على دريدا كونه يعامل الكلام والكتابة كمترادفين: (لايعني الكلام كتابة ، واذا كنا نستخدم الكتابة كبديل من الكلام فنحن نقترف خطأ). إن الاتجاه الدريدي لاختزال مشكلات الكلام الى مشكلات كتابة – عظمى لا يشكل فقط نقطة ضعف في مقال التفكيكية، بل يشهد على القطع بين هذا المقال وعلم كالألسنية يميز بين خصوصيات اللغة المحكية وخصوصيات النص المكتوب"(4). وبالمثل تأتي مقولة (موت المؤلف) في التفكيكية كمغالطة يقصد منها جعل النص مفتوحاً لجميع الاحتمالات . وقد سجّلت هذه الفكرة حضورها" منذ ان دعا الاتجاه البنيوي الى عزل الكاتب عن نصه في مقاربة النصوص .
   لكن الذي طوّر الفكرة فيما بعد وأضفى عليها صبغة المشروع التأسيسي هو بارت في مشروعه التفكيكي وكذا دريدا ، ومن قبلهما نيتشة بدعوته الى موت الإله وفوكو الى موت الانسان . فهي من الافكار المتجذرة في الفكر الغربي، ، ومهما تلكأ هؤلاء المفكرون بأن الدعوة لاتعدو أن تكون مجرد قتل رمزي، إلاّ أنها تعبر عن حقيقة أزمة الانسان الأوربي الذي أوصله العقل الى التشكيك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كريستوفر نورس ، التفكيكية . النظرية والتطبيق /131
(2) المصدر السابق /132
(3) زيما، التفكيكية . دراسة نقدية /164
(4) المصدر السابق /165  

في كل شيء حتى ذاته"(1)، وقد قال ويتجنستون:" اذا حاولت ان تشكّ بكل شيء فلن تجد مالايشك به. إن لعبة الشك بذاتها تفترض مسبقاً وجود الموثوقية في ما يُشك به"(2). وهذه هي المغالطة التي اعتمدتها التفكيكية في تمسكها بفكرة موت المؤلف واتخاذها مدخلاً للقارئ التفكيكي ذي المآرب اليهودية ، واذا أضفنا الى هذه الفكرة جملة المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في تيار التفكيك ، تبين ارتباط هذا التيار بالعقيدة اليهودية والتفسير الحاخامي للتوراة ، وقد" سعى الدكتور عبد الوهاب المسيري – وهو الباحث المختص في التراث اليهودي – الى الإمساك بالخيط الذي يوصله الى الجذور التي تربط بين التفكيكية واليهودية ، وقد تمكن استناداً على المصطلحات التي يقوم عليها التفكيك الوصول الى الصلات الموجودة بينه وبين التراث اليهودي . أول هذه الخيوط هو أن معظم دعاة الحداثة (التفكيك) من أصل يهودي (دريدا، هارولدبلوم، جابيس، كريستيفا، ليفيناس..) اما الخطوط الرئيسية فتتمثل في المناهج التي اتبعها هؤلاء والمصطلحات التي استخدموها في الترويج لفلسفتهم "(3) إذ ارتبطت باوضاع اليهود الذين اقتلعوا من وطنهم الأصلي وتم إحلال شعب آخر محلهم ، كما تم توطينهم في بلاد غريبة عنهم واليهودي يعيش في بلاد الغير وكأنه مواطن فيها مندمج في أهلها مع أنه في واقع الأمر ليس كذلك ، فهو فيها وليس منها. فهو الغريب المقيم أو المقيم الغريب أو الحاضر الغائب ، وهو كذلك المتجول الدائم الذي يحلم دائماً بأرض الميعاد وعلى وشك العودة دائماً ولكنه لا يعود ، فهو الدال المنفصل عن المدلول أو الدال الذي له مدلولات متعددة بشكل مفرط (4). وهذه هي الدلالة المؤجلة ولا نهائية التفسير التي يقول بها دريدا وأتباعه ، ومن عدم الاقرار بوجود الفرد اليهودي الذي يبقى هائماً يؤجل العودة إلى أرض الميعاد ، يأتي الشك في كل قراءة تقوم على إقرار المعنى الواحد ، ومن تعدد تعريفات اليهودي وتقلبها بين المحافظ والاصلاحي والمجدد والملحد والمتهود ومن يصفه الناس بأنه يهودي ومن يشعر في قرارة نفسه أنه كذلك ، يأتي تعدد القراءات إذ لا حقيقة إلاّ ما تصنعه إرادة القوة من منظورها الخاص وما تعتقد أنه حقيقة ، فاليهودي/ الحقيقة اعتقاد من منظور معين يبقى قابلاً لتعدد الدلالة بتعدد قراءات الناس له (5). ومن تعدد التفاسير الحاخامية المدونة في التلمود وما تحيل عليه من تفاسير اخرى إلى مالانهاية دون الوصول إلى تفسير نهائي للكتاب المقدس الأصل (التوراة الغائبة) , يأتي غياب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اشكالية تاصيل الحداثة /221
(2) نورس، التفكيكية . النظرية والتطبيق /134
(3) اشكالية تأصيل الحداثة /114
(4) المصدر السابق/114
(5) المصدر السابق/115
تعريف المنهج البنيوي وخصائصه
المنهج البنيوي في النقد
المنهج البنيوي
المنهج البنيوي في النقد الادبي الحديث
تعريف البنيوية لغة واصطلاحا
النقد البنيوي
المنهج البنيوي
المنهج البنيوي في تحليل الخطاب

الدلالة وتأجيلها إلى مالانهاية لأنها تناص . "فالتفسير الحاخامي بهذا الشكل هو القاريء التفكيكي الذي اصطنعه نيتشة ودريدا , إنه إرادة القوة الذي يدخل النص من أية زاوية يشاء منصباً نفسه وصياً على النص /  التوراة بدعوى أن صاحبها قد مات (موت الإله , موت المؤلف) ولكن الاغرب في هذا أنه لايوجد قاريء واحد بل هم قراء كثيرون , أي لا يوجد تفسير حاخامي واحد بل هي تفاسير , كل واحد منهم يحيل على الآخر دون أن يكون هناك تفسير قار , فيحجب النص / الأصل ويضيع في ظل هذه التفاسير , فتتعدد الدلالة ويصبح النص نصوصاً والمقدس مدنساً والمطلق نسبياً والحاضر غائباً والقراءة إساءة قراءة .
   هو اليهودي الذي يعني كل شيء ولايعني أي شيء "(1) . وبالاضافة إلى ما تقدم تشير الباحثة جياتري سبفاك في ترجمتها لكتاب دريدا (في علم الكتابة) بأن هذا الفيلسوف الفرنسي يهودي سفاردي وبأن بعض مقالاته مذيلة بتوقيع حبر يهودي اسمه رابي , وقد تبنى التراث السفاردي أسلوباً في التفكير يسمى الاسلوب الماراني وهو ان تقول شيئاً وأنت تقصد غيره وأصله اخفاء اليهودية واظهار الكاثوليكية عند يهود المارانو , وهذا ما يريده دريدا من مبدأ تعدد القراءات ولانهائية الدلالة , لأنه يؤمن بأن مايقوله النص في اصل وضعه غير ما يقول في سطحه , وقد رهن ميلاد القاريء بموت المؤلف سعياً للتمويه والمغالطة ونشراً للشك في كل النصوص بدعوى انها تقف حاجزاً أمام حرية القاريء , لكن المضمر في كلامه هو ايمانه بالتفكير الماراني الذي يبدي صاحبه عكس ما يبطن , فما يبطنه هو الشك والغاء كل يقين , وما يبديه هو الحرص على حرية القاريء ومحاربة مركزية الصوت ومركزية العقل لكي يبقى تراثه الماراني بعيداً عن الانظار ولايثار الشك فيما يدعو اليه , ولايستطيع احد ان يصل إلى المسكوت عنه في خطابه مادام النص مفتوحاً لتعدد القراءات ولانهائية الدلالة .
   ورغم ذلك فإن المصطلحات الشائعة في كتابات دريدا تقوم دليلاً على ما ابقاه مستوراً , ومنها مصطلح التشتيت كرمز لتشتت اليهود في العالم وغياب أرض تؤويهم , والانتشار رمز الهجرة الابدية للفرد اليهودي الذي خرج من وطنه إلى غير رجعة , والاختلاف رمز التعدد في مفاهيم الفرد اليهودي , والهوة رمز التحول في دلالة كل قراءة وعدم ثبات المعنى المرتبط بانعدام تعريف اليهودي وانعدام اصل التفسير الحاخامي (2). وهذا هو وجه التفكيكية الحقيقي بعد ان تنزع عنه مساحيق المصطلحات الكثيفة والعبارات الغامضة . هو وجه الهارب من الحقيقة التي تصدمه واللاجئ إلى أوهام التأويل والشك والعدمية . ورغم كل المساوئ التي احاطت بمنهج التفكيك في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق/116
(2) ينظر: المصدر السابق/117 – 118
النقد , فقد تبناه بعض النقاد العرب في مشاريعهم الحداثية لقراءة الأدب العربي القديم والحديث وتحليله , كما نجد ذلك لدى ادونيس في قراءته للشعر الجاهلي حيث نجده متأثراً بالفكر البارتي التفكيكي , في محاولته إقرار وتثبيت مبدأ تعدد القراءات أو لانهائية الدلالة التي قال بها رولان بارت , "ولعل من ابرز العلامات التي تصل تجربة ادونيس النقدية بالناقد الفرنسي بارت مفهوم (الشهوة) أو (اللذة) , اذ كثيراً ما ورد ذكر هذين المصطلحين في مشروع قراءة امرئ القيس لأدونيس , وكما لايغيب عن الاذهان فان هذين المصطلحين كانا اساس قيام المشروع التفكيكي في النقد البارتي"(1) , فهناك كتابان لبارت في هذا المجال احدهما بعنوان (لذة النص) والآخر بعنوان (شذرات من خطاب في العشق) , يعدان اصلاً لما أسماه ادونيس (شعرية الجسد) وعرضه كمشروع قراءة للشعر الجاهلي ولاسيما شعر امرئ القيس حيث يقول عن المرأة في شعر امرئ القيس :"المسألة بالنسبة اليه ليست مسألة حب لامرأة معينة يجد فيها تكامله , وانما هي مسألة لذة وامتلاك لما يحقق هذه اللذة .
   المرأة هنا وسيلة ، وهي اذاً شيء يمتلك أي انها شيء يستهلك ... ومن هنا نرى ان علاقة امرئ القيس بالمرأة تكشف عن أن شهوته لا ترتوي . فما تكاد تنطفئ حتى تشتعل من جديد... والشاعر يقول الشعر فيما تقوله الشهوة . كأن الشهوة نسيج حياته وشعره معاً وكلامه يتفجر حراً بلا تحفظ كما تنبجس المتعة في ممارسة الشهوة . ثمة علاقة عضوية بين الانفعال الشهوي والانفعال الشعري"(2) ومثلما يعكس هذا النص تأثر ادونيس برولان بارت في نقله مفهوم اللذة والشهوة إلى عالم الشعر , فهو يعكس ايضاً تأثره بهيدغر في حديثه عن لغة الشعر واتخاذ الشاعر للغة وسيلة لإثبات ذاته وتحقيق وجوده , حيث يقول :"إن الشاعر نفسه يقف بين الاول : الآلهة , والآخر :البشر. إنه الانسان الذي تم طرده إلى منطقة الـ(بين بين) بين الآلهة والبشر .
   ولكن يتقرر للمرة الاولى في هذا الـ(بين بين) فقط , ما هو الانسان وأين يقيم وجوده "(3). وقد حاول ادونيس توظيف هذا الرأي الهيدغري في حديثه عن شعرية الجسد عند امريء القيس حيث رأى ان هذا الشاعر يعيش في اللغة بين فراغين / غيابين وكأن المكان المليء والزمان المليء هما النص – اللغة . وكأنما لامعنى لأي شيء إلا اذا اتخذ من اللغة جسداً له "ومن هنا يجب ان نلحظ أهمية اللغة للانسان كأن الانسان لايسكن في اللغة وحسب , كما يعبر هيدغر , وإنما يوجد فيها وبها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق/176 
(2) أدونيس ، كلام البدايات /47-48
(3) المرايا المحدبة /154

ايضاً "(1). ويلاحظ هنا ان ادونيس يذكر اسم هيدغرصراحة كمصدر لفكرته عن اللغة وأهميتها للانسان والشاعر بالذات . ويؤكد هذه الفكرة في حديثه عن الشاعر الجاهلي حيث يقول :"هكذا تتأرجح حياة الشاعر الجاهلي بين الشيئية ومحاولة السمو على كل شيء . وبهذا المعنى نقول ان الأنا للشاعر الجاهلي هي الكون كله .
    ولاتتأسس هذه الانا إلاّ باللغة وفيها . فاللغة للجاهلي طريقة وجود ومكان افصاح عن الوجود . انها وحدها وطنه فهو مقيم في كلماته لايبرح. اللغة لذلك مجده ونشوته "(2). وما اقرب المسافة بين هذا الكلام وكلام هيدغر حيث يقول عن لغة الشعر :"اللغة هي بيت الوجود . في بيتها يقيم الانسان. وهؤلاء الذين يفكرون بالكلمات ويخلقون بها هم حراس ذلك البيت وحراستهم تحقق الكشف عن الوجود "(3) . وهكذا يبدو واضحاً تأثر أدونيس بهيدغر في مفهوم اللغة الشعرية . ومن المعلوم ان فلسفة هيدغر تعد من الاسس المهمة لمنهج النقد التفكيكي . وفي معالجة ادونيس لشعر الشنفرى باعتباره زعيم الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي , يظهر تأثره بآراء فوكو التي ضمنها كتابه (تاريخ الجنون) , ويعد فوكو من الفلاسفة الذين تبنوا المشروع التفكيكي في قراءة الفكر الاوربي , وله كتاب (الكلمات والاشياء) الذي اثار جدلاً في الساحة الفكرية في النصف الثاني من القرن العشرين .
   وإن مجمل الدعاوى التي يتبناها ادونيس ويسعى إلى توظيفها في قراءة الشعر العربي القديم, تجعله اقرب ما يكون إلى الاتجاه التفكيكي الذي يتزعمه جاك دريدا . ولو اجرينا مقارنة بين ما قام به ادونيس في نقده للفكر العربي وبين ما قام به دريدا في تقويضه للعقل الغربي , لوجدنا تشابها ً بين المشروعين يصل إلى حد التطابق والتماثل ، فكما حاول دريدا تقويض العقل الغربي ووجه له النقد لكونه فكراً متمركزاً حول المنطق (اللوغوس) , حاول ادونيس تفكيك العقل العربي باعتباره فكراً متمركزاً حول الوحي , وكما ادان دريدا الفكر الغربي لتمركزه على سلطة الصوت (الحضور) , اتهم ادونيس الفكر العربي بأنه يقوم على سلطة الشفاهية ممثلة في الخطابة . وكما دعا دريدا إلى اللامركزية , لامركزية العقل والصوت , دعا ادونيس إلى لامركزية النص الديني القائم على المرجعية اليقينية . وكما دعا دريدا إلى إحلال علم الكتابة بديلاً عن الخطاب الشفاهي , دعا أدونيس إلى أحلال الكتابة بدلاً من اللغة المنطوقة (الخطابة) (4) وهذا التماثل بين الناقدين يدل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كلام البدايات /46 
(2) المصدر السابق /77
(3) المرايا المحدبة /153
(4) اشكالية تاصيل الحداثة /187
على مدى افتتان ادونيس بأفكار دريدا ومشروعه التفكيكي الذي عرفنا اصوله اليهودية فيما سبق . وبالاضافة إلى ما تقدم فقد ابدى خطاب ادونيس تأثراً كبيراً بآراء الفيلسوف الالماني نيتشه الأب الروحي للمشروع التفكيكي في أوربا.
   ويمثل ادونيس في حقل التفكيك , وكمال ابوديب في حقل البنيوية , وغيرهما في حقول اخرى يمثل هؤلاء جميعاً مدى سقوط النقد العربي الحداثي المعاصر في احضان النقد الغربي , ومدى تشرذم نقاد الحداثة العرب وانقسامهم بين مرجعيات متعددة يناقض بعضها بعضاً , ضائعين بين هالة الكشوفات التي وصل اليها الفكر الغربي واغراءاته المتكررة لهم بتبني مشاريعه النقدية , منساقين مع نظرياته الغريبة , باحثين عن نظير لها في التراث العربي , متناسين الفروق الجوهرية بين الحضارتين , مقلدين تقليداً اعمى مشاريع الغرب النقدية مكتفين بتعريب بعض افكاره وانجازاته .
   حتى اكد بعضهم ان الناقد العربي يعيش شرخاً ثقافياً نتيجة الثنائية الآتية : الانبهار بمنجزات النقد الغربي , واستصغار المنجز العربي , وأوضح ان الحداثة العربية كانت نتيجة لهذا الانبهار لا سبباً له , وأن المعادلة اصبحت تتحول من التأثر بالآخر إلى الاندماج فيه وأن الحداثيين العرب أضافوا إلى سوء الفهم والتشويه , غربة المفاهيم المستوردة ومصطلحها النقدي , أي أن الفكر الحداثي العربي في حقيقة الامر ولد محكوماً عليه بالغربة , وان القطيعة المعرفية مع التراث ولدت فجوة وفراغاً وجاء الفكر الغربي بوصفه البديل لملء ذلك الفراغ (1) وهذا هو الفارق الحاسم بين منتجي الحداثة ومستهلكيها .
   لذلك يمكن القول "ان مقولة (النقد العربي المعاصر) لاتشكّل سوى وهم منهجي أيديولوجي تأتى من (أنا) مفتعلة متضخمة لاتبصر إلاّ نفسها من خلال وهمها الميتافيزيقي , ولاتنظر إلى الآخر إلاّ من خلال تعاليها الذي لايستند على ابجديات التعالي وسماته , فليست هناك منهجية عربية معاصرة في التعامل مع النصوص الابداعية , ويرجع السبب في ذلك إلى غياب الخصوصية العربية النقدية لأنها تنظر بعين الآخر وتقرأ بأدواته , وتحليلاتها لاتحمل هوية ذات مفاهيم خاصة تسهم في بناء منهج عربي نقدي مميز "(2) .
   اما بالنسبة للنقاد الاسلاميين المعاصرين , فقد وقفوا موقف الناقد لمناهج الغرب ونظرياته النقدية, فوجد بعضهم ان اغلب هذه المناهج المتخذة في دراسة الأدب العربي تعتمد في الاساس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: د.عبد العزيز حمودة ، المرايا المقعرة /195،190،13
(2) د. محمد سالم سعد الله ، التطابق والاختلاف .. حول اعادة كتابة النقد الاسلامي المعاصر . رابطة ادباء الشام– لندن . نت. تحديث 2005.ص3
على نظريات العامل الواحد لتفسير الحياة وظواهر النشاط الإنساني وقد ثبت أن التفسير الواحد عاجز عن الوفاء بفهم الانسان ونشاطاته فهماً حقيقياً. وكانت تلك النظريات اوربية المنشأ , ولدت في ظروف الصراع بين العلم والكنيسة , فكانت ردة فعل مادية ضد التوجه الديني المنحرف , وهذا امر الإسلام منه بمنجى ولايمكن اخضاع الفكر الإسلامي أو الادب الإسلامي له . وكثير من المناهج النقدية الحديثة طبقت النتائج التي توصل اليها بعض العلوم الطبيعية أو الاجتماعية , ومهما يكن من أمر (علمية) هذه العلوم خاصة الانسانية منها , فان محاكاة تلك العلوم واستخدام معادلاتها قد انتهى بها إلى مسخ التاريخ الادبي وتشويهه .
   ومن الواضح ان هذه المناهج استعيرت من مناهج الدراسات الاوربية وطبقت على الادب العربي في مرحلة الضمور والتبعية والاستلاب , والفرق كبير بين التأثر بآداب الامم الاخرى في مرحلة التفوق الحضاري للامة كما حدث إبان رقي الحضارة الاسلامية وازدهارها , وبين تأثرنا في العصر الحديث بالحضارة الاوربية وآدابها في ظل التبعية والاعجاب والشعور بالقزمية والضآلة أمامها . وكان من نتائج هذه المناهج أن ألحق الادب العربي بمفاهيم غريبة عنه ودُرس على ضوء مفاهيم مستوردة طارئة شوهت هذا الأدب ومسخته مسخاً(1) و"لم نجد في النظريات والاتجاهات المختلفة التي تعاقبت على الادب العربي النظرية التي تفي بحاجة هذا الادب وتقنع في درسه وتاريخه , فقد كانت هذه النظريات جميعاً , المفترضة منها والمطبقة سواء في اللفت إلى نحو من انحاء الدراسة والقصور عما عداه , والنظر إلى الادب من جانب واهمال الجوانب الاخرى وبدت كلها وعليها هذه الجوانب من النقص"(2) وكان من نتائجها ايضاً ما وقع من الفوضى والاضطراب في المفاهيم النقدية واختلاط المصطلحات , حتى قال بعضهم :"اتحدّى أي قارئ أن يخرج من مؤلفات الحداثة في العالم العربي , بالفارق بين البنيوية والحداثة وما بعد الحداثة والسميولوجية والتشريحية والاسلوبية والألسنية أو يعرف الفروق الدقيقة بين مناهج كل من كافكا وبيكيت وسارتر ويونسكو وفولكنر والان روب جرييه .
   إن القارئ لايعرف ذلك لسبب بسيط وهو أن المؤلف نفسه لايعرف مايقرأ , هو فقط مأخوذ بالحداثة يسرع إلى تقديم المصطلحات الاعجمية والاعلام الاجنبية ويكتسب بذلك منزلة عند القارئ, وتتسابق الصحف واجهزة الاعلام إلى التقاط همهمته , فهو يعرف مالايعرف الغير وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الادب والصراع الحضاري/85 
(2) مناهج الدراسة الادبية /221


يجيد ثقافة العالم الغربي اكثر مما يجيدها الآخرون , وهو يرطن بلغاتهم ويتحمس لأفكارهم اكثر مما هم متحمسون "(1). ولذلك فقد تشدّد بعض النقاد الاسلاميين بإزاء المناهج والنظريات النقدية الحديثة وواجهها بالرفض لما رآه في أصحابها من حرص على هدفهم البعيد في محاربة الدين وافساد الاخلاق , والانسلاخ من أي معنى من معاني الايمان , وإحلال مذهبهم المادي الذي يؤثر المنفعة ويرفض كل امر غيبي, عاملين على تشويه الصورة الرائعة التي رسخت في اعماق المسلمين عن دينهم , بإثارة الشبهات حول تاريخ المسلمين وعقيدتهم, هذا فضلاً عما في مناهجهم النقدية الحديثة من تباعد وتناقض وتجافٍ مع روح الأدب العربي الإسلامي ومع حقيقة العصور التي يحاولون درسها وتقويمها , لذلك جاءت احكامهم متضاربة وبعيدة عن الموضوعية تتحكم فيها المناهج الحديثة وتفرض عليها هذه النتائج (2). وهناك بعض آخر من النقاد الاسلاميين يرى أن التعامل مع هذه المناهج المادية ضرورة عصرية لفهم الواقع واعتماد خطابه من اجل أن يكون التأثير أشد , اضافة إلى ثبوت التفوق الغربي في الخبرة الأدبية نقداً وإبداعاً مما يهئ لمزيد من إفادة الأديب المسلم بتعميق خبراته لانتقاد سيول الأدب المادي المتدفق من الغرب ولإخضاعه للمنظور الإسلامي .
وعند احالة المسألة إلى الاصول الفقهية والشرعية , فإن الأسس الشرعية للتعامل مع الموروث الجاهلي يمكن اتخاذها اساساً في التعامل مع المناهج المادية الحديثة , إضافة إلى المبدأ الفقهي الشهير الذي يقضي بأن الاصل في الامور هو الاباحة مالم يرد نص بالتقييد , فهذا المبدأ كفيل بدفع أدنى شبهة اعتراض أو توجس حول التعامل مع هذه المناهج مادام هذا التعامل يتم من خلال اصول ومعايير اسلامية إذ إن النصوص الواردة بهذا الصدد لاتلغي هذا التعامل ولاتشجبه بل تدعو اليه وتحبذه , ومن هنا ينتقل الامر من دائرة الاباحة إلى الطلب في حدود الضوابط والضرورات الشرعية والعملية , واذا كان (الفعل يعتبر شرعاً بما يكون عنه من المصالح أو المفاسد) فان التعامل الإسلامي مع المناهج المادية بما يحققه من درء للمفاسد وجلب للمصالح يمثل ضرورة شرعية (3).
    وإن"عدم التعامل الإسلامي مع هذا الوافد لايمنع سيوله المتدفقة إلى سائر بلدان العالم الإسلامي واضراره الناجمة عن ذلك في محيط الشعوب الاسلامية , تلك التي يعدّ من أبرزها طمس معالم الذاتية الاسلامية ومحوها تماماً وملء الفراغ العقلي بالقيم والمبادئ المادية , وصياغة العقلية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د. عبد الحميد ابراهيم ، المصادر الغربية لنقاد الحداثة ، موقع الاسلام اليوم . نت. تحديث 2006م. ص5 
(2) ينظر: في الادب الاسلامي المعاصر/41
(3) ينظر: المنهج الاسلامي في النقد الادبي /129
الاسلامية صياغة غربية خالصة أو على الاقل صياغة هشة غير ذات ارتباط بالأصول الاسلامية بقدر ارتباطها بالغرب وقيمه ومبادئه ونزعاته , وذلك عين الضرر والحرج الذي تأثم به الامة جمعاء . وعلى هذا فإن الضرر والفساد في الحقيقة إنما يقع بالتخلي عن التعامل الإسلامي مع الموروث المادي لابتسويغه وممارسته . ثم إنه مادام هذا التعامل يقوم على المعيار الإسلامي ويضع هذا النتاج في أطره الصحيحة فكيف يؤدي إلى التقبل والانبهار ؟ وكيف يخشى منه على ضياع الخصوصية الاسلامية ؟ ثم إن الأمر قبل هذا وبعده هو دعم للخبرة الذاتية التي لايمكن الاكتفاء فيها بتجربة الذات – أياً كانت – بمقتضى التسليم المبدئي بالقصور البشري ومحدودية الذات "(1). وقال من يناصر هذا الموقف من النقاد الاسلاميين :"إننا لاننكر في الأدب الإسلامي المذاهب الادبية والمناهج المختلفة وما اكثرها , بل نأخذ منها ما يوافق ثوابتنا وتصورنا الإسلامي . أما ما اثارته الحداثة في هذا المجال من البنيوية إلى التفكيكية فهي تعبر عن اتجاهاتها الغربية الخاصة,ونحن لانقرها ونختلف كثيراً معها مثل قضية (موت المؤلف) اذ اننا نهتم بكل عناصر العمل الأدبي فكيف نلغي المؤلف وله تأثيره في العمل الأدبي بل هو صورة له .
   وكذلك كيف نقر هذه القضية في القرآن الكريم والحديث الشريف؟ وهل هذا يقوله مسلم عاقل ؟! كما نرى أن التفكيكية مثلاً تدعو إلى لانهائية المعنى وهذا خطر عظيم على الفكر والأدب . إننا لانصادر الرأي الآخر , لكن ندعو إلى دراسته بما يوافق ثوابتنا الاسلامية وتصورات ديننا للانسان والكون والحياة"(2). وبهذا يتضح أن منهج النقد الأدبي الإسلامي ليس منغلقاً على نفسه أو منقطعاً عن المناهج الاخرى , بل هو يفيد مما في هذه المناهج من نظرات صائبة ويتلافى مافيها من نقائص بعد دراسة دقيقة لأصولها الفلسفية وما تنطوي عليه مفاهيمها ومصطلحاتها من حقائق دفينة تغطيها الكلمات والعبارات البراقة الزائفة التي ينخدع بها المنبهرون بالغرب وانجازاته الفكرية.                                                                    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق/131
(2) من حديث الدكتور سعد ابو الرضا في : حوار مفتوح حول الادب الاسلامي ، مجلة الدعوة الاسلامية ، العدد(63) السنة2003م.ص24