أصل الأتراك العثمانيين

أصل الأتراك العثمانيين:
ينسب الأتراك العثمانيون إلى قبيلة تدعى "قابتي" إحدى قبائل الغز التركية ومنشؤها بلاد تركستان، وأقدم زعيم معروف لهذه القبيلة اسمه "سليمان" وكان يهيم بقبيلته في آسيا الصغرى باحثًا عن أرض يقيم عليها دولته بعد موقعة "ملازكرد" التي أكدت سيطرة الدولة السلجوقية، وقد قتل سليمان عند مشارف حلب، وترددت فروع القبيلة بين العودة إلى موطنها الأصلي أو مواصلة المغامرة، وانقسمت القبيلة في ذلك باحثة عن ملاجئ تأوي إليها، لكن ابنه "أرطغرل" اختار أن يدخل آسيا الصغرى والتحق بخدمة الأمير السلجوقي علاء الدين الثاني الذي كان يواصل الحرب ضد البيزنطيين، وساعده في هذا الكفاح، فأقطعه السلطان السلجوقي مساحة من الأرض تقع غربي دولة السلاجقة على الحدود البيزنطية، وترك له فرصة توسيع ممتلكاته على حساب البيزنطيين، فاتخذ "شكور" عاصمة له.
عثمان:
توفي "أرطغرل" عام "687هـ/ 1288م"، وتولى ابنه "عثمان" مكانه بموافقة "علاء الدين" السلجوقي، وسار عثمان سيرة أبيه في مساعدة السلجوقيين وتأييدهم في حروبهم، فزاد "علاء الدين" في إكرامه، ومنحه نوعًا من الاستقلال، وأقطعه كافة الأراضي والقلاع التي فتحها، واستمر في التوسع على حساب دولة الروم الشرقية، واستولى على مدينة "قرة حصار" واتخذ هذه المدينة عاصمة له.
السلطنة العثمانية وجهودها في شرق أوروبا:
زالت دولة السلاجقة من آسيا الصغرى عام "1299م/ 699ه" بمداهمة "المغول"، وتوفي السلطان علاء الدين في نفس العام، وبعد وفاة السلطان السلجوقي المذكور أعلن عثمان استقلاله التام مكونًا السلطنة؛ معلنًا قيام "العثمانية" التي اتخذت تسميتها من اسمه، ومد نفوذه على معظم الأراضي والمقاطعات التي كان يحكمها "السلاجقة"، وجعل من مدينة "يكي شهر" الواقعة غربي "قونية" بالأناضول عاصمة له، كما اتخذ الراية "العلم" -والتي لا زالت تمثل العلم التركي حتى الآن- وهي الهلال وبداخلة النجمة.
وأسمى نفسه "بادشاه آل عثمان"، ودخل في سلسلة من الصراعات الطويلة ضد أعداء الإسلام من البيزنطيين والمغول وغيرهم بشجاعة وإقدام، وقد ظفر في صراعه بعدة انتصارات، ووضع يده على معقل هام في آسيا الصغرى وهو "بورصة" الواقعة شمال غربي تركيا، جنوبي بحر مرمرة حاليًا، ولما استنجد البيزنطيون بالتتار ضد آل عثمان تمكنوا من استرداد "بورصة" من أيدي آل عثمان، ولكن الأمير عثمان جرد جيشًا ضخمًا وتمكن من انتزاع "بورصة" من جديد من أيدي الحليفين عام "717هـ/ 1317م".
أورخان:
ثم انتقل الحكم إلى ابنه "أورخان" فجعل من "بورصة" عاصمة للدولة الجديدة، ولقد شهد عصره تطورين بارزين: أحدهما كسر شوكة البيزنطيين في آسيا الصغرى، والآخر الانتقال إلى الجانب الأوروبي وفتح أبواب أوروبا الواسعة أمام العثمانيين لرفع راية الجهاد، وإليه يرجع الفضل في تكوين الجيش الجديد المعروف باسم "يكي شري" أي: الانكشارية، ولقد تراءت أمام "أورخان" الفرصة الذهبية التي اقتنصها بعد طول انتظار عندما طلب منه أحد المتصارعين على العرض البيزنطي وهو "كانت كوزين" أن يساعده ضد خصمهن وبعد نصره إياه أخذ "قلعة تزيمب" الواقعة على شاطئ الدردنيل من الجانب الأوروبي مكافأة له، وهي أول مساحة من الأرض الأوروبية يحصل عليها آل عثمان.
مراد الأول:
توفي "أورخان" عام "761هـ/ 1359م"، فخلفه ابنه "مراد الأول" الذي بسط نفوذه على "كوتاهية" غربي الأناضول، وكانت تحت نفوذ حاكم "قرمان" بعدما عقد معه مصاهرة سياسية؛ حيث زوج ابنه "بايزيد" من كريمة هذا الحاكم، وتدريجيًّا اتسعت أملاك العثمانيين في آسيا الصغرى عن طريق الانتصارات التي حققوها على خصومهم، وظهور تفوقهم عليهم في كافة المجالات، وخاصة العسكرية.
ولقد اهتم السلطان "مراد الأول" بالتوسع في "بلغاري" واندلعت معركة حاسمة بين هذا السلطان وقواته من ناحية، والقوات الأوروبية المتحالفة تحت إمرة ملك الصرب العتيد "لازار" من ناحية أخرى. وقد كانت جيوش "لازار" متحدة مع جيوش المجر وبولندا والبلقان، ففاقوا بكثير من حيث العدد والعدة القوات العثمانية ورغم هذا فقد أنزل السلطان "مراد الأول" هزيمة ساحقة بهذا التحالف الصليبي أرهبت أوروبا كلها، بيد أن هذا القائد المنتصر لم يهنأ بنصره كثيرًا، فبينما كان يتفقد أرض المعركة -حيث القتلى والجرحى من الأوروبيين- غافله جندي صربي جريح بضربة قاتلة أودت بحياته، ففقدت الدولة قائدة مغوارًا محنكًا عام "792هـ/ 1389م".
بايزيد الأول:
تولى "بايزيد الأول" ابن مراد مكان أبيه عام "792هـ/ 1389م"، وثأر له؛ فقبض على ملك الصرب وقتله وقتل أعوانه، واصطنع "بايزيد الأول" سياسة مرنة ضد خصومه، حيث عين ابن الملك الصربي المذكور حاكمًا على بلاد الصرب على أساس تقديم الجزية، وإمداده بعدد من العسكر وقت الحرب، ثم شد الرحال إلى الأناضول واتجه إلى "فلادلفي" والتي كانت آخر المعاقل البيزنطية هناك ففتحها في عام "1391م" وبذلك صارت آسيا الصغرى تحت الحكم العثماني فيما عدا "أزمير، وطرابيزون".
ثم انتقل بعد ذلك إلى الجانب الأوروبي، حيث ضرب الحصار حول القسطنطينية وحارب حاكم "الأفلاق" وهزمه وألزمه بدفع الجزية، وبعدها اتجه إلى "قرمان" وحارب حاكمها الذي شن هجومًا ضد العثمانيين، وانتهى الأمر بهزيمة الأخير وضياع أملاكه فصارت أملاكًا عثمانية، ثم أعد العدة للاتجاه نحو مناطق أخرى مثل "نوفات وسيواس وقيصرية" وغيرها، ولم يتبق من بقايا الأملاك السلجوقية سوى مقاطعة "قسطموني" التي احتمى فيها المهزومون بحاكمها.
ولقد كان الوضع في الجانب الأوروبي يستدعي سرعة تحرك السلطان العثماني "بايزيد الأول" للتصدي لتكتل صليبي جديد من المجر وفرنسا وألمانيا يستهدف الوصول حتى بيت المقدس، واشتعلت الحرب بين العثمانيين وهذا التكتل الأوروبي في موقعة شهيرة هي موقعة "نيكوبوليس" على نهر الدانوب عام "798هـ/ 1395م" وفيها انتصر العثمانيون انتصارًا ساحقًا.
وتألقت الدولة العثمانية على ربوع أوروبا، وكان من الملاحظ أن المكائد الأوروبية والدسائس أخذت تحاك ضد العثمانيين، فقد سعى ملوك أوروبا نحو استثارة وتحريض المغول لمهاجمة العالم الإسلامي، وبخاصة الدولة العثمانية، وذلك من خلال الأوربيات اللاتي عملن في قصور حكام المغول ولدى الأمراء، واتبعن كافة الوسائل لإثارة عوامل الكراهية والعداء ضد المسلمين بصفة عامة، ولم يأبه العثمانيون لتلك الأخطار بل انصرفوا نحو توسعاتهم في صوفيا "العاصمة البلغارية -حاليً" وسلانيك في اليونان، ونيش شرقي يوغسلافيا قرب حدود البلغار، واضطر حاكم الصرب وملك البلغار لدفع الجزية للسلطان العثماني.