المغول يعترضون التوسع العثماني:



المغول يعترضون التوسع العثماني:
كان لنجاح العثمانيين في فتوحاتهم أثره في اشتعال نفوس الأوروبيين كراهية، فقاموا بنشاط معاد، وأثاروا المغول ضد العثمانيين، ورغم أن المغول في ذلك الوقت كانوا قد اعتنقوا الإسلام، إلا أن الأوروبيين لعبوا على المسألة المذهبية لتعميق هوة الخلاف بين الفريقين، فكان العثمانيون -كما هو معلوم- من السنة، بينما كان المغول بقيادة "تيمور لنك" من الشيعة، ومما أشعل الموقف بين الطرفين ما أقدم عليه "تيمور لنك" من احتلال منطقة "سيواس" بآسيا الصغرى، فتقدم السلطان "با يزيد" مسرعًا غلى هذه المنطقة خاصة بعدما تيقن من مقتل ابنه على أيدي المهاجمين المغول، ولم يتريث السلطان لاختيار الموقع المناسب ليكون مسرحًا لمعركة فاصلة بين قائدين من أكبر قواد العالم حينذاك، وكانت القوات المغولية تصل إلى ما يقرب من "800 ألف مقاتل" بينما بلغت القوات العثمانية "125 ألف مقاتل" ورغم الفارق العددي فإن السلطان "با يزيد" الصاعقة "يلدرم" قد أبدى من ضروب الشجاعة والإقدام والمهارة وسرعة الحركة والمناورة ما يذهل العقول، بيد أن القوات المغولية الكاسحة أحاطت به وبرجاله بعد ما أصاب التفكك جموع الجيش العثماني.
ووقع السلطان في الأسر هو وابنه "موسى"، وفشلت محاولات السلطان الأسير لفك الأسر والنجاة. وأطاح "تيمور لنك" بالأملاك العثمانية في آسيا وأعاد العديد من الإمارات لأصحابها السابقين.
السلطان سليمان الأول:
في الحقيقة كانت نكسة أنقرة مأساة درامية للروح العثمانية أدخلت السرور والفرح على نفوس حكام أوروبا المسيحيين وأهاليها، وتطلعت بعض الإمارات العثمانية الأوروبية إلى التحلل من الحكم العثماني وإعلان الانفصال.
وفي هذه الفترة تولى سليمان بن با يزيد مكان أبيه، ووافق "تيمور لنك" على أن يحكم سليمان البلاد كتابع للسلطان المغولي، ولكن هذه الفترة كانت قصيرة، فقد مات "تيمور لنك" سنة "808هـ/ 1405م" وتقاسم أبناؤه مملكته، ووقعت خلافات بين بعضهم البعض، وبينهم وبين بعض جيرانهم، مما أضعف سلطانهم في آسيا الصغرى وفي أكثر ممالكهم، فأخذت السيدة الكاملة تعود للعثمانيين مرة أخرى، وبدءوا يتخلصون من سلطة المغول.
ولكن العثمانيين عندما تخلصوا من القوة الخارجية ظهر بأسهم بينهم، فكثر الخلاف الداخلي على السلطة بين أبناء بايزيد "محمد وعيسى وسليمان وموسى" وكان لسليمان بعض النصر، ولكنه لم يكن مستقيمًا في خلقه، بل كان مستهترًا خليعًا، فلم يحتفظ بالنصر الذي أحرزه وهزمه أخوه موسى، فهرب سليمان فقبض عليه بعض الفلاحين وقتلوه سنة "813هـ/ 1410م".
السلطان محمد الأول:
أما "محمد" فقد رجحت كفته بعد ذلك؛ إذ استطاع أن يتغلب على أخيه "عيسى"، ثم استدار إلى أخيه "موسى" فقتله سنة "816هـ/ 1413م"، وبذلك آلت أمور العثمانيين للسلطان "محمد"، وقد تحمل مسئولية عظيمة، فكان عليه مواجهة العديد من الأخطار وإجبار الولايات السابقة على طاعة الدولة، كما أنه استخدم أسلوب السياسة والدبلوماسية في آن واحد مع بعض القوى الأوروبية، فقد تحالف مع الإمبراطور البيزنطي الحاكم وأرجع إليه بعض المدن، كما عقد صلحًا مع البندقية، وأعاد للسيطرة العثمانية بعض الإمارات التي أرجعها تيمور لنك لذويها.
السلطان مراد الثاني: وفي سنة "825هـ/ 1421م" توفي السلطان "محمد" في "أدرنة" فخلفه ابنه "مراد الثاني" الذي سلك مسلك أبيه منذ عام "825هـ/ 1421م" حيث أبرم هدنة واتفاقًا مع حاكم المجر ثم حاربه بعد ذلك عندما تحرش بالدولة ورده إلى الطاعة، حيث ألزمه بالتخلي عن أراض واسعة على شاطئ نهر الدانوب كان قد استولى عليها، كما أنه أعاد كلًّا من سالونيك، وألبانيا، كما أخضع الأفلاق والبوسنة والصرب؛ فكانت جموعهم كاسحة، وقد التقى بهم في معركة شهيرة هي: "موقعة نيش" بيد أنه لم يفلح في إخضاعهم، ودارت الدائرة على العثمانيين وهزموا في النهاية، وكان من الممكن لهذه الجيوش الأوروبية مطاردة وتعقب المهزومين، ولكنها لم تفعل، فكان ذلك التصرف لصالح العثمانيين حتى لا تتكدر أحوالهم أكثر من ذلك، وعقد السلطان صلحًا مع المنتصرين تنازل فيه عن صربيا والأفلاق.
لقد ألم الحزن الشديد بالسلطان "مراد الثاني" بعد وفاة ابنه "علاء الدين" فآثر الاعتكاف والتفرغ للعبادة، وتنازل عن الحكم لابنه الصغير "محمد الثاني" وكان في الرابعة عشرة من عمره، الأمر الذي أطمع فيه ملوك أوروبا فهاجموا الأراضي العثمانية ونقضوا الوعود والعهود، فعاثوا في الأرض فسادًا ونهبًا وتخريبًا حتى وصلوا إلى ساحل البحر الأسود، الأمر الذي جعل السلطان المعتكف يخرج من اعتكافه؛ فواجههم وهزمهم وأجبرهم على الانسحاب، ثم رجع إلى اعتكافه في بلدة "مغنيسيا" قرب أزمير، وبعدها قام هو أيضًا بسحق محاولة تمرد قام بها جنود الإنكشارية الذين استصغروا السلطان الشاب ونهبوا وسلبوا في المدينة، ثم رجع -السلطان مراد الثاني- إلى مستقره حتى وفاته بعد حكم دام ثلاثين عامًا.
محمد الثاني وفتح القسطنطينية:
بعد وفاة "مراد الثاني" سنة "855هـ/ 1451م" صار ابنه "محمد الثاني" -الفاتح فيما بعد- هو المتربع على العرش، فكان بذلك سابع السلاطين العثمانيين، وشرع في إنجاز المهام، وواصل جهود سابقيه، وأخذ يخطط منذ تولية الحكم لأكبر عملية في تاريخ الدولة العثمانية، وهي فتح القسطنطينية، تلك المدينة العريقة الحصينة ذات الموقع الاستراتيجي الهام حيث تقع في ملتقى الاتصال بين أوروبا وآسيا على مضيق البسفور الذي يربط البحرين الأسود والأبيض عبر بحر مرمرة، فكان -بحق- موقعها أنسب مكان لعاصمة عالمية.
سبقت محاولة السلطان محمد الفاتح محاولات عثمانية، كان أبرزها محاولة "بايزيد الصاعقة" الذي لقب بـ"سيد البلقان"، ولكنها كانت إرهاصات بحدث تاريخي ضخم كان بمثابة حجر الزاوية لتغيير مجريات الأحداث في تاريخ أوروبا والعالم على السواء. ففي فجر يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر مايو "1453م/ 867هـ"، ومع نسمات الصباح الأولى كانت نقطة التحول وبدء ساعة الصفر وإعلان الهجوم وإحكام قبضة حصار عثماني صارم حول هذه المدينة الحصينة، وكان قد اكتمل قرن من الزمان على وصول آل عثمان في عهد السلاطين الأوائل الذين عبروا إلى الجانب الأوروبي في شبه جزيرة "غاليبولي".
وبعد نصف قرن من محاولة السلطان "يلدرم بايزيد" أي: "بايزيد الصاعقة" لفتح المدينة، ولقد كان السلطان الشاب، القوي الإيمان، يجد في استعداداته؛ مدفوعًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مبشرًا ومشيدًا بفتح القسطنطينية، وقائدها، وجيشها، فجمع جموعه من كافة أرجاء الدولة العثمانية، وكانت المدينة قد بلغ عدد سكانها نحو "100 ألف" نسمة، تحيط بها الأسوار الشاهقة المتينة من جهة البر، بينما كانت المياه تدور حولها من ثلاث جهات، فكانت الأسوار الثلاثة المتوالية حولها تكسبها مناعة وحصانة لا مثيل لها، ويربض خلفها رجال القوات البيزنطية للدفاع عن عاصمة ملكهم، بينما استقر أسطول كبير قوي في خليج القرن الذهبي، وقد أحكم إغلاق هذا الخليج بسلسلة ضخمة حديدية.
أما السلطان "محمد الفاتح" فقد كان جيشه الضخم يتراوح عدده ما بين مائة ألف ومائة وخمسين ألفًا، يدعمه أسطول كبير شمل عدة مئات من السفن الحربية أخذت في مراقبة مضيق البسفور، كما أن السلطان قد تفتق ذهنه عن حيلة بارعة؛ حين تمكن من تكوين ما يقرب من سبعين سفينة أخرى؛ نقلت على هيئة ألواح خشبية عبر جسر "غلطة"، وجعلها في أعلى القرن الذهبي المذكور، وعلى هذا النحو صار الحصار العثماني يحيط بالمدينة من ثلاث جهات إحاطة السوار بالمعصم.
وكانت المهمة الأولى أمام المدافع الضخمة للسلطان الفاتح هي إحداث ثغرات في تلك الأسوار المذكورة خلال الأسابيع الأولى، ثم تم نقل سفن الأسطول عبر التلال خلف "غلطة" إلى القرن الذهبي. ورغم أن السلطان قد عقد المجلس الحربي لكبار مستشاريه، وكان رأي أحدهم وهو الوزير الأعظم "قرة خليل" هو: ترك هذه العملية التي تتسم بالمغامرة بيد أن السلطان الشاب الطموح عارض هذا الرأي وازداد إصرارًا وتمسكًا.
وبعد منتصف ليلة الثلاثاء المذكور ومع تباشير الصباح وانبلاج الفجر كانت ساعة الصفر، وتقدم المهاجمون بشجاعة وثبات، وتصدى المدافعون بصلابة لهذا الهجوم الأول وأنزلوا بالمهاجمين خسائر فادحة في الأرواح، ولكن المهاجمين من الجند العثماني -مع ذلك- تمكنوا من إضعاف قدرات المدافعين واستنفاد الذخائر، وبعد أن وصل المدد للقوات العثمانية توالت الهجمات تلو الهجمات في الأيام التالية.
وتخير السلطان "محمد الثاني" من خيرة جنوده من الرماة والفرسان والإنكشارية قرابة "12 ألفًا" قاموا بشن هجوم كبير، وبعد محاولات عديدة تمكن المهاجمون من إحداث ثغرة في الأسوار، تدفق جنود الجيش العثماني من خلالها، وخلال وقت قليل جدًّا دخل عشرات الآلاف من الجنود العثمانيين المدينة بعدما تجاوزوا تلك الأسوار الشاهقة في هجوم كالسيل الكاسح، بينما ارتفعت صرخات البيزنطيين من شدة الفزع والرعب، وبعدها ارتفعت الأعلام العثمانية فوق الأبراج، واستمر المهاجمون في الإجهاز على بقايا المقاومة في نواحي المدينة، وكان قد قتل في الميدان آخر الأباطرة البيزنطيين مدافعًا عن عاصمته وهو الإمبراطور "باليولوجويس دراغاسيس".
وهكذا دخل السلطان "محمد الفاتح" على جواده من باب "طوب قبو" تحيطه الحاشية السلطانية، وحراسة من الإنكشارية، وقصد الكنيسة الشهيرة "آيا صوفيا" وتعني "الحكمة المقدسة" وهناك نزل من على جواده وترجل حتى دخل الكنيسة، ثم أمر الإمام بالصعود على المنبر، وأعلن المؤذن أذان الإسلام، وبذلك تحولت الكنيسة إلى مسجد، وفي يوم الجمعة الأول بعد دخول العاصمة التي صارت تدعى "استانبول" أدى العساكر وقائدهم صلاة الجمعة في آيا صوفيا، ودعي للسلطان الفاتح لأول مرة على المنبر، وصارت مدينة الأباطرة آخر عاصمة للبيت العثماني.
وهكذا سقطت القسطنطينية معقل المسيحية في جنوب أوروبا؛ التي أنفذت حملاتها الصليبية إلى الشرق الإسلامي، وعلى حد قول أحد القساوسة آنذاك: "سقط هذا المعقل المسيحي العريق، وتأسس على أنقاضه إمبراطورية الأتراك المجيدة وإرهاب العالم الحالي". وهذه العبارة تعكس حسرة أوروبا؛ ملوكًا وشعوبًا على هذا التحول وذلك السقوط لعاصمة البيزنطيين في أوروبا.
وفي أعقاب الفتح المذكور الذي أهرب أوروبا وأخاف ملوكها وحكامها وجزع منه البابا في روما نفسه، أقبل السلطان "محمد الفاتح" في بقية مدة حكمه على خوض سلسلة من المعارك المتصلة بهدف تدعيم الموقف العسكري العثماني وتقوية الدولة العثمانية، ففي أوروبا أخضع الإمارات اليونانية المستبدة في "المورة" كما أنه أدخل صربيا والبوسنة في حظيرة الدولة العثمانية مباشرة وأحكامًا، كما أنه مد نفوذه على العديد من الجزر اليونانية.
أما في الأناضول؛ فقد أخضع سينوب وقرمان وطرابيزون، ولم يسع للزحف تجاه الشرق أبعد من هذا، ورفض رغبة رجاله في التوسع أبعد من ذلك؛ فقد كان يرى أن تحطيم الأسرات الإسلامية الحاكمة العريقة التي خدمت الدولة الإسلامية ليس من الأعمال الحسنة التي يشجعها، وإنما كان هدفه الأساسي هو الجهاد في أوروبا لنشر الإسلام على ربوعها.
وبعد وفاة "محمد الفاتح" في عام "886هـ/ 1481م" بدأ الصراع على وراثة العرش بين ولديه بايزيد وجم، وبعد صراع دام سبع سنوات انفرد بايزيد بالحكم عام "894هـ/ 1488م"، ولم تحدث فتوحات هامة في عهده، حيث اتجه إلى حياة الزهد والتصوف وإنشاء المزيد من المساجد، والتكايا، والزوايا، ولقبه الأتراك بلقب "الولي".
وفي آخر عهد بايزيد الثاني أوصى بولاية العهد لابنه أحمد، ولكن الابن الثاني "الأصغر" واسمه "سليم" ثار في وجه أبيه وأخيه، وقام صراع مرير انتصر فيه "سليم" سنة "918هـ/ 1512م" ويقال إنه دس السم لأبيه ليتخلص منه.