البحث التجريبي


مصطلحات البحث التجريبي


يتأثر كل مرض بمجموعة من العوامل المؤثرة ، فمريض القصور الكلوي مثلاً ، يتأثر بعوامل مثل: إهماله الدواء ، قلة استهلاك المريض للسوائل ، التعرق الزائد ، الإجهاد  . إن لكل عامل من هذه العوامل تأثير على القصور الكلوي . فإذا أردنا أن نحدد أثر عامل من هذه العوامل مثل : قلة استهلاك المريض للسوائل مثلاً ، فإن ذلك يتطلب أن نبعد أثر العوامل الأخرى كإهمال الدواء والتعرق الزائد والإجهاد ، وبذلك نستطيع التحدث عن المصطلحات التالية :

أولاُ:   العوامل المؤثرة:
هي جميع العوامل التي تؤثر على المرض وشدته ، وهي هنا إهماله للدواء وقلة استهلاك المريض للسوائل والتعرق الزائد والإجهاد .

ثانياً:   العامل المستقل Independent Variable :
وهو العامل الذي نريد أن نقيس مدى تأثيره على شدة المرض عند المريض، وهو هنا قلة استهلاكه للسوائل ويسمى العامل التجريبي ، أو المتغير التجريبي .

ثالثاً: العامل التابع Dependent Variable :
وهو العامل الذي ينتج عن تأثير العامل المستقل . وهو هنا (قلة استهلاك المريض للسوائل) .
ويسمى العامل التابع ــ أيضاً ــ العامل الناتج أو المتغير الناتج .
إن المتغير المستقل أو التجريبي : هو العامل الذي يريد الباحث أن يقيس أثره على المتغير التابع . والفرض يتكون من عبارة تحدد علاقة ما بين متغير مستقل ومتغير تابع ، والتجربة تصمم لإثبات هذه العلاقة أو نفيها.

رابعاً:  ضبط العوامل:
يقصد بها إبعاد أثر جميع العوامل الأخرى ــ عدا العامل التجريبي ــ بحيث يتمكن الباحث من الربط بين العامل التجريبي وبين العامل التابع أو الناتج . فلكي نعرف أثر قلة استهلاك السوائل على مرضى القصور الكلوي ، فإن علينا أن نضبط العوامل الأخرى المؤثرة: مثل إهماله للدواء والتعرق الزائد والإجهاد . وبهذا يكون هدف التجربة محصوراً في العلاقة بين قلة استهلاك السوائل ومرض القصور الكلوي .

المصطلحات المتعلقة بمجموعات الدراسة :
تستخدم التجربة مجموعة للدراسة أو أكثر من مجموعة ، كأن تستخدم مجموعة تجريبية ومجموعة ضابطة .

أولاً:   المجموعة التجريبية Experimental Group :
وهي المجموعة التي تتعرض للمتغير التجريبي أو المتغير المستقل، لمعرفة تأثير هذا المتغير عليها .

ثانياً:   المجموعة الضابطة Controlled Group :
وهي المجموعة التي لا تتعرض للمتغير التجريبي ، وتبقى تحت ظروف عادية ، وتقدم هذه المجموعة فائدة كبيرة للباحث حيث تكون الفروق بين المجموعتين ــ التجريبية والضابطة ــ  ناتجة عن المتغير التجريبي الذي تعرضت له المجموعة التجريبية، فهي أساس الحكم ومعرفة النتيجة .


المبحث الثالث

ضبط المتغيرات في البحث الطبي التجريبي


يتأثر العامل أو المتغير التابع بعوامل متعددة غير العامل التجريبي، ولذلك لابد من ضبط هذه العوامل وإتاحة المجال للمتغير التجريبي وحده بالتأثير على المتغير التابع .

إذاً المتغير التابع يتأثر بخصائص العينات المجرى عليها التجربة (أفراداً، حيوانات) ولذلك يفترض أن يجري الباحث تجربته على مجموعتين متكافئتين.. بحيث لا تكون هناك فروق بين أفراد المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة ، إلا دخول المتغير التجريبي على المجموعة الضابطة . ويتأثر المتغير التابع - أيضاً - بإجراءات التجربة  ، ولذلك يفترض أن يميل الباحث إلى ضبط هذه الإجراءات بحيث لا تؤدي إلى أي تأثير سلبي أو إيجابي على النتيجة . فالباحث يقدم التعليمات إلى المفحوصين (في حالة الإنسان)  وحين يدربهم وحين يثير شوقهم (دافعيتهم) للاستجابة للتجربة ، فإنه يفترض أن يكون حريصاً على ألا تؤثر هذه التعليمات على نتائج الدراسة .

ويتأثر المتغير التابع أخيراً بالظروف الخارجية المتمثلة بدرجة الحرارة والتهوية والغذاء والعدوى ، واختلاط أفراد المجموعة الضابطة والتجريبية، ولذلك لا بد من ضبط هذه المتغيرات . وتهدف عملية الضبط هذه إلى ما يلي :
أ‌)       يقوم الباحث ــ أحياناً ــ بدراسة أثر متغير ما على صحة الإنسان ، ولكن صحة هذا الإنسان تتأثر ــ أيضاً ــ بمتغيرات وعوامل أخرى. وفي مثل هذه الحالة ، لا بد من عزل العوامل الأخرى وإبعادها عن التجربة .

         فإذا أراد باحث أن يدرس أثر دواء جديد خافض للضغط على صحة الإنسان ومستوى ضغطه الطبيعي ، فمن المفروض أن لا يقدم أو أن يطلب من هذا المريض عدم المبالغة في استهلاك كمية من الملح في طعامه أثناء فترة التجربة ، وبذلك يرسم تجربته وينفذها بعيداً عن تأثير الملح الزائد في الغذاء . لأنه لو حصل ذلك ، لكان له تأثير على نتائج تجربة هذا الدواء .

ب‌)     تثبيت المتغيرات :
         إن استخدام المجموعات المتكافئة يعني أن الباحث قام بتثبيت جميع المتغيرات المؤثرة ، لأن المجموعة التجريبية تماثل المجموعة الضابطة ، وما يؤثر على إحدى المجموعتين يؤثر على الأخرى ، فإذا أضاف الباحث المتغير التجريبي ، فإن المجموعة التجريبية تتميز به فقط . فالباحث الذي يريد أن يدرس أثر التدريب الموزع على حفظ الطلاب لمادة دراسية معينة ، فإنه يستخدم مجموعتين متكافئتين من الطلاب .. أي أن متوسط الذكاء والعمر في المجموعة التجريبية هو نفس متوسط الذكاء والعمر في المجموعة الضابطة ، وبذلك يثبت الباحث أثر العمر والذكاء ، ويقيس العلاقة بين التدريب الموزع الذي تعرضت له المجموعة التجريبية وبين الحفظ .

ج)      التحكم في مقدار المتغير التجريبي :
         يستخدم الباحث هذا الأسلوب من الضبط عن طريق تقديم كمية أو مقدار معين من المتغير التجريبي ثم يزيد هذا المقدار أو يقلل لمعرفة أثر الزيادة  أو النقص على المتغير التابع.  فالباحث الذي يريد أن يدرس الأثر السمي لمادة المورفين على الجهاز العصبي لجسم الحيوان المجرى عليه التجربة ، عن طريق حقنه بالمورفين ، فإنه يحقنه بكمية ولتكن (5 سم3) ثم يقيس أثر هذه الكمية على الجهاز العصبي لحيوان التجربة . بعد ذلك يزيد الكمية إلى (10 سم3 مثلاً) ، ثم يقيس أثرها الجديد على الجهاز العصبي للحيوان المجرب عليه .

         فإنه هنا يقوم بعملية ضبط للعامل أو المتغير التجريبي ،  فيزيد أو يقلل من مقداره ويسجل ما يحصل عليه من نتائج . إن الباحث هنا استطاع أن يكشف عن العلاقة بين المورفين والجهاز العصبي عند الكائن الحي ، كما استطاع أن يكشف عن مقدار هذه العلاقة والتعبير عنها رقمياً .

التعريف:
يعتبر المنهج التجريبي في البحث الطبي من أقرب مناهج البحوث لحل المشاكل الصحية والطبية بالطريقة العلمية . والتجريب سواء في المعمل (المختبر) أو في المشفى أو في العيادة أو في البيئة الخارجية ، هو محاولة للتحكم في جميع المتغيرات والعوامل الأساسية باستثناء متغير واحد ، حيث يقوم الباحث بتطويعه أو تغييره بهدف تحديد وقياس تأثيره في العملية . وتجربة المعمل الطبي هي من الطرق التقليدية التي نستطيع بواسطتها اكتشاف وتطوير معارفنا نحو التنبؤ والتحكم في التجارب (1) ، وهي ناجحة في العلوم الطبية من غير شك ، لكن من دون أن نقلل من أهمية البحث الطبي الحاصل في المستشفيات (الكبرى خاصة والتي يلحق بها عادة مركز للبحوث الطبية) وذلك بالنسبة لبعض الاختصاصات الطبية ، مثل (النسائية والجراحة العامة والعصبية وأمراض الدم والأطفال والهندسة الوراثية والأمراض السارية وغيرها من الاختصاصات) التي من شأنها الإشراف المباشر على حالة المرضى وإجراء البحوث اللازمة التي من غير الممكن إجراؤها في المختبرات العلمية الضيقة والمحدودة التجهيز - تقنياً وبشرياً - مقارنة بتلك المشافي والمراكز المتخصصة الضخمة . أما بالنسبة للعيادات والمستوصفات المتواضعة التجهيز ، فيمكن إجراء بعض الدراسات المحدودة ، ضمن نطاق ضيق من الاختصاصات الطبية المختلفة ، تتعلق بالمراجعين المرضى من مثل: (أمراض الأذن والأنف والحنجرة والعينية والجلدية ومختلف اختصاصات طب الفم والأسنان) والتي غالباً ما تأخذ الأسلوب الإحصائي Statistics أو التقصي Screening ، أو النماذج الوبائية Epidemiologic Models  بعيداً على الاختبار والتجريب Experimental لصعوبة إجراء ذلك من عدة وجوه ، منها صعوبة أخذ العينات العملية Purposive Sample .
تعريف البحث الطبي:
هو الجهد المبذول بشكل علمي ومنهجي للوصول إلى الحقيقة الصحية أو العلمية،التي سيحتاجها البشر. ويتفق الباحثون على طبيعة البحث التجريبي وأسسه العامة والتي تتمثل بما يلي(2):


المبحث الأول

الأسس العامة للبحث التجريبي


أ‌)       استخدام التجربة: وهي أحداث تغيير ما في الواقع (المتغير التجريبي) وملاحظة نتائج وآثار هذا التغير .
ب‌)     ضبط إجراءات التجربة للتأكد من عدم وجود عوامل أخرى غير المتغير التجريبي قد أثرت على هذا الواقع ، لأن عدم ضبط الإجراءات سيقلل من قدرة الباحث على حصر أثر المتغير التجريبي .

وبذلك نستطيع تعريف البحث التجريبي بأنه: (تغير متعمد ومضبوط للشروط المحددة للواقع أو للظاهرة ــ التي تكون موضوعاً للدراسة ــ وملاحظة ما ينتج عن هذا التغير من آثار) . أو : (هو ملاحظة  تتم تحت ظروف مضبوطة لإثبات الفروض ومعرفة العلاقات السببية) . ويقصد بالظروف المضبوطة طبعاً  هوإدخال المتغير التجريبي إلى الواقع وضبط تأثير المتغيرات الأخرى . أو هو المحاولة لضبط كل المتغيرات التي تؤثر على ظاهرة ما أو واقع ما ــ عدا المتغير التجريبي ــ وذلك لقياس أثره على الظاهرة أو الواقع .

وبأسلوب أكثر بساطة ، هو استخدام التجربة في إثبات الفروض. أو إثبات الفروض عن طريق التجريب .

أما أساس الأسلوب التجريبي في البحث فيتمثل بما يلي :
إذا كان لدينا موقفان متشابهان ( أ ، ب) وأدخلنا عاملاً جديداً (س) على الموقف (أ) ، فإن الفروق بين (أ) و (ب) تكون ناتجة عن إدخال العامل (س) .


وإذا كان لدينا موقفان متشابهان (ع) و (ل) وحذفنا عاملاً من العوامل المكونة للموقف (ع) ، فإن الفروق بين (ع) و (ل) تكون ناتجة عن حذف هذا العامل .

مثال عملي:
لو جئنا بمريضي سكر (متشابهان تماماً من ناحية العمر والوزن ودرجة السكر بالدم) وقدمنا لأحدهما الأنسولين ، وتركنا الآخر دون دواء ، فإن الفروق التي ستحدث بينهما (بعد إعادة تحليل نسبة السكر بالدم) تكون ناتجة عن تقديم الأنسولين للأول .




أنواع التجارب


تتنوع التجارب حسب طريقة إجرائها إلى تجربة معملية (في المختبر أو المشفى أو العيادة) وتجربة غير معملية . وتتنوع حسب مجموعات العينات التي تجرى عليها الدراسة ، إلى تجربة تجرى على مجموعة واحدة ، وتجارب تجرى على أكثر من مجموعة .

كما يمكن التحدث عن تجارب تحتاج إلى وقت طويل لإثبات الفرض العلمي وأخرى تحتاج إلى وقت قصير .

وفيما يلي توضيح لمختلف هذه الأنواع:





المبحث الأول

التجارب الطبية المعملية وغير المعملية(3)


التجربة المعملية هي التي تتم داخل المختبر أو المستشفى في ظروف صحية أو اصطناعية خاصة تصمم لأغراض هذا النوع من التجارب . والمعمل مكان مناسب لإجراء التجارب (كما المستشفى) فهو مزود بالأدوات والأجهزة اللازمة (شعاعية وتحليلية وغيرها من التقنيات الحديثة) كما أنه معزول عن كثير من المؤثرات الخارجية ، ولذلك يسهل ضبط وتثبيت وعزل العوامل الخارجية . وبذا نتمكن من إدخال المتغير التجريبي وقياس آثاره ونتائجه على المتغير التابع . والتجارب المعملية تتميز بدقتها .. حيث يسهل إعادة إجراء التجربة أكثر من مرة والتأكد من صحة النتائج .

أما التجارب الطبية غير المعملية : فهي التي تتم في ظروف طبيعية خارج المختبر أو المستشفى . وغالباً ما تجرى هذه التجارب على الإنسان (أفراداً أو مجموعات) حيث يصعب إدخال الناس إلى المختبر أو لا حاجة لإدخالهم إلى المختبر . فإذا أردنا دراسة أثر شرب الماء النقي على صحة المواطن ، فلا نستطيع إدخال الناس إلى المختبر ، ولابد من إجراء التجارب في ظروف الحياة الطبيعية خارج المختبر .

وتتميز التجارب غير المعملية في أنها تتم في ظروف طبيعية . وهذا يجعل هذه الدراسات أكثر صعوبة وأقل دقة ، وذلك لصعوبة ضبط العوامل المؤثرة .



تجارب تجرى على مجموعة واحدة
وتجارب على أكثر من مجموعة


قد تجرى التجربة على مجموعة واحدة من الأفراد لمعرفة أثر عامل مستقل عليها ، فقد تخضع هذه الجماعة لتأثير هذا العامل عليها ، وتدرس حالة الجماعة قبل وبعد تعرضها لتأثير العامل المستقل أو التجريبي عليها . فيكون الفرق في الجماعة قبل وبعد تأثيرها بالعامل التجريبي ناتجة عن هذا العامل .

فلو أردنا دراسة تأثير شرب القهوة (كمادة منبهة) على سهر الطلاب أيام الامتحانات ، فإننا نعرض مجموعة من الطلاب لشرب القهوة ليلاً ، ونحسب الفرق بين عدد ساعات النوم قبل وبعد تعرضهم لشرب القهوة المادة المنبهة للأعصاب .

ويمكن أن تجرى التجربة على مجموعة واحدة من الأفراد لمعرفة أثر حذف عامل معين عليها . ففي هذه الحالة نقيس سلوك الجماعة قبل وبعد حذف هذا العامل ، فيكون الفرق ناتجاً عن تأثرها بهذا العامل . فلو أردنا دراسة إقلاع الطلاب عن شرب المنبهات على نشاطهم أيام الامتحان ، فإننا ندرس سلوك مجموعة من الطلاب التي تشرب المنبهات ، ثم نمنع عنهم تناول المنبهات ونقيس مدى نشاطهم بعد إقلاعهم ، فيكون الفرق ناتجاً عن غياب العامل التجريبي وهو شرب المنبهات .
كما يمكن استخدام أكثر من مجموعة ، كأن نستخدم مجموعتين تجريبية وضابطة تخضع الأولى للعامل التجريبي ، ونترك المجموعة الثانية في ظروفها الطبيعية ، فيكون الفرق بين المجموعتين ناتجاً عن تأثر المجموعة الأولى (التجريبية) بالعامل التجريبي ، وقد نجري تجارب باستخدام أكثر من مجموعتين زيادة في الدقة .. كأن نجعل مجموعتين تجريبيتين و مجموعتين ضابطتين .

المبحث الثالث

التجارب الطبية القصيرة والطويلة


قد تكون التجارب طويلة تحتاج إلى وقت طويل . كأن تدرس تأثير الرانيتيدين في معالجة القرحة الأثنى عشرية, أو الألياف الغذائية الموجودة في الحبوب والخضار على سرطان القولون, أو الوقاية من هذا السرطان . أو تلقيح البويضة من الأنثى بخلية مأخوذة من الضرع خارج الرحم وبدون الحيوان المنوي ــ كما جرى في استنساخ النعجة (دوللي) منذ سنوات ــ وغير ذلك من الأمثلة كثير . إذ قد تطول التجربة أشهراً وربما سنوات حتى تتبين النتيجة النهائية والمضمونة . ومثل هذه الأبحاث تجرى كثيراً على العقاقير والأدوية المركبة لعلاج مختلف الأمراض الحادة والمزمنة ، الخطيرة منها والخفيفة ، إذ قد تتطلب وقتاً طويلاً يتحدد بالفترة اللازمة لمتابعة ومراقبة أثر هذا العلاج في شفاء الحالة أو في غياب الأعراض المراد إزالتها .

وقد تتم التجارب في فترة زمنية قصيرة . كأن تدرس أثر عقار ما في إزالة أعراض الرشح ،  أو وقف نزيف ما في الجسم ،  أو حتى شفاء قرحة جلدية .

ويمكن ملاحظة أن التجارب التي تجرى في فترة زمنية قصيرة قد تكون أكثر دقة ، وذلك لسهولة السيطرة على العوامل المؤثرة الأخرى ــ غير العامل التجريبي ــ في فترة زمنية محددة . أما التجارب التي تحتاج إلى وقت طويل ، فإن نتائجها يمكن أن تتأثر ــ إلى حد ما ــ بعوامل أخرى غير العامل التجريبي . ففي دراسة لتأثير دواء ما على حالة سرطان جلد ،  لن نأمن كثرة تعرض هذا المريض لأشعة الشمس في بلده لفترات طويلة قد تسرع من مضاعفات وانتشار وانتقال هذا السرطان الخبيث بسرعة إلى باقي الأعضاء في جسمه . كذلك تأثير عقار ما على مريض بالخرف (الزهايمر) ، لن نستطيع بعد فترة طويلة من التقييم الجيد للنتائج ــ نتيجة تقدم هذا المريض بالسن ،  وبالتالي زيادة حدة الأعراض المرضية للزهايمر لديه ــ  وبذلك تتأثر النتيجة بهذه العوامل ،  ولا تكون ناتجة عن المتغير التجريبي وحده .



الشكل الملائم للتصميم
والتنفيذ في التجارب الطبية


أتضح مما سبق ،  أن لكل تجربة طبية حدوداً وأهدافاً معينة وخصائص ونواحي قصور وضعف معينة . فكل منها يخدم قضية علمية طبية (قديمة أو طارئة) لنوع من الاختصاصات والاهتمامات الطبية والصحية المختلفة . فهناك خصوصية لكل تجربة .ولكل دراسة بحثية طبية. فهي تختلف عن غيرها حتى وإن شابهتها في الاتجاه والهدف وكانتا تنتميان روحاً ونصاً لنفس الاختصاص الطبي الذي تتبع إليه . وفي الغالب ستكون النتائج مرحباً بها في اختصاصات أخرى ، هذا إذا لم تتعداها إلى بقية العلوم الإنسانية والحيوانية والطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الدينية والسياسية . وليس هناك تصميم تجريبي مثالي يصلح لكل أنواع التجارب والدراسات والأنشطة الصحية والطبية . ويمكن أن يقلل الباحث المتمرن من السلبيات في الطريقة والنتيجة ــ على السواء ــ  فيما إذا اتبع الإرشادات والمبادئ التالية:


المبحث الأول

الإرشادات والمبادئ العامة

أولاً:   أن يبدأ الباحث تجربته الصحية والطبية بمنهجية علمية هادفة، وأن تكون الغاية من البحث في أغلب الأحيان واضحة . وتكون الخطوات والمعلومات المتعلقة بالبحث وما جرى عليه من تراكمات، علمية مكتسبة عبر الأيام والسنين  ونتائج تلك البحوث العلمية وتطبيقاتها .

ثانياً:   أن يضبط الباحث كل العوامل والمؤثرات الأخرى (صغرت أم كبرت) ، عدا العامل التجريبي الذي بدونه لن يكون للتجربة المجراة أي معنى أو نتيجة هادفة .

ثالثاً:   أن يكون الباحث دقيقاً في تسجيل وملاحظة كل التغيرات والآثار المثارة والناتجة عن كل خطوة من خطوات البحث العلمي الذي يجريه ، والتي تحدث نتيجة لإدخال واستخدام المتغير التجريبي .

رابعاً: أن يحذر من التحيز لمتغير ما دون آخر ، ففي ذلك تغيير وتزييف لنتائج البحث ، وربما كان الضرر كبيراً من نواح صحية وطبية وعلمية وربما حتى اجتماعية واقتصادية وشرعية.

خامساً: أن يكون الباحث قادراً على تسجيل وملاحظة كل المتغيرات الناتجة وتقديرها كماً ونوعاً وطبيعة ، وذلك بإستخدام مختلف الاختبارات والمقاييس المناسبة .

سادساً: أن يصمم الباحث إجراءاته وخطواته بحيث يستطيع التمييز بين التغيرات (الصحية من المرضية والطبيعية من المصطنعة) الناتجة عن المتغير التجريبي ،  وتلك التبدلات الناتجة عن عوامل أخرى .

ثامناً:   أن يحاول الباحث في أثناء تنفيذه للتجربة استخدام قيماً متباينة للمتغير التجريبي ، لمعرفة أثر هذا التباين في المتغير التابع . فإذا أراد الباحث أن يعرف مدى تأثير (فيتامين ث) مثلاً على النسج اللثوية والفموية ، فما عليه إلا أن يقدم كمية محددة  معلومة من هذا الفيتامين ويقيس أثره اللاحق . ثم يزيد هذه الكمية ويقيس أثرها الجديد ، وهكذا.وإن مثل هذا الإستخدام للمتغير التجريبي سيمكن الباحث من دراسة أثر هذا الفيتامين على النسج الفموية واللثة بدقة وعمق ، على أن الباحث يفترض ألا يغالي في تقديم هذا المتغير ليصل إلى درجته القصوى ، وإلا أعطى نتائجاً سلبية (إلا إذا كان من ضمن موضوع بحثه دراسة أثر زيادة هذا الفيتامين على النسيج والمعدة والكلى مثلاً) .

تاسعاً: في الدراسات والبحوث الطبية التي تحتاج لتعاون عدد من الأشخاص، فإن المفحوصين الذين ستجرى عليهم هذه الدراسات يمثلون عاملاً هاماً في التأثير على النتائج . ولذلك فمن المفترض أن يدربهم الباحث على بعض مراحل التجربة ، وذلك لكي يضمن نجاح تجربته ، وعليه أن يراعي أمورأً متعددة.


شروط نجاح التجربة

أ‌)       عليه أن يثير دوافع المشاركة عند المفحوصين الذين سيخضعون للتجربة .  ومن المفروض أن تكون دوافعهم قوية وجادة ، وهذا يطلب أن يكونوا على وعي مسبق بأهداف التجربة وأغراضها ومجالات استخدام نتائجها وأهمية الحصول على نتائج دقيقة وانعكاس هذه النتائج على تحسين ظروف معينة تتعلق بالمفحوصين .

ب‌)     أن يتدرب المفحوصين على أداء أدوارهم من خلال تعليمات معينة ومن خلال مواقف تدريبية . وأن يتأكد الباحث - مسبقاً - من قدرة المفحوصين على القيام بهذه الأدوار ومن فهمهم للتعليمات التي قدمها لهم .

ج‌)      أن يحافظ على استمرارية دافعية والتزام المفحوصين ، ويفضل اختيارهم أصلاً من ذوي السمعة الحسنة والمعروفين بالصدق والالتزام الحسن بالأخلاق والأمانة والجدية .

د‌)       أن ينتبه ويحذر كل الحذر من إثارة تفاعلات أو إعطاء تعليمات يمكن أن تؤثر إيجاباً أو سلباً على النتائج النهائية للبحث . وعلى الباحث أن يحسب حساب هذه الأشياء ومدى تأثيرها على النتائج ، وأن يطرح هذا التأثير من النتائج النهائية للبحث .

هـ) أن يعزل الباحث أية عوامل ويبعدها من شأنها التأثير على النتائج ، في أثناء تنفيذ التجربة ، وأن يحافظ على ظروف بيئية ثابتة طوال فترة التجربة كالإضاءة أو الصوت أو الحرارة أو التهوية أو الضوضاء ، أو غير ذلك من العوامل .

و‌)      أن يحافظ على البيئة نظيفة ومعقمة إلى حد ما لاستبعاد عوامل الخطورة مثل : العدوى أو الإنتان أو التلوث والتي من شأنها تغيير النتائج الصحيحة المرجوة من البحث .

ز‌)      أن يحاول الباحث تقليل أثر اختلاط المجموعة الضابطة مع أفراد المجموعة التجريبية ، حيث يمكن أن يؤثر هذا الاختلاط على طبيعة النتائج أو يؤدي إلى تغيير في أداء المجموعة الضابطة .. مما يؤثر على دقة النتائج .