السُّكْر

السُّكْر :
حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه ، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والسيئة [1] .
والسّكرُ زوال العقل نتيجة تناول شيء مسكرٍ ، قد يكون خمراً ، وهذا المنتشر الأغلب ، وما كان معروفاً قديماً ، وقد يكون نتيجة تناول دواء ، أو نبات : كالحشيش ، والأفيون وما كان على شاكلته مما له صفة تفتير العقل ، أو إغفاله عن عمله ، فيختلط كلام السكران ، وقد لا يستقيم في مشيته ، ولا يميز بين الأرض والسماء [2] .
ومما ينبغي التنبه عليه أن السكر يكون باختيار الإنسان في أغلب الحالات ، ولكن قد يقع منه غير مختار ، فقد يكون مكرهاً على شرب الخمر [3] ، وقد يكون مضطراً إليه [4] ، وقد يقع الشرب منه خطأ [5] .
فالذي يشرب الخمر حراً مختاراً هو الذي يلحقه الإثم ، وتقع عليه العقوبة [6] ، وأما من شربه مضطراً إليه فلا إثم عليه لقوله تعالى : { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } (  البقرة173).
أثر السكر على الأهلية : لا تأثير للسكر على أهلية الوجوب ، ولا على أهلية الأداء ، لأن مناطهما الحياة والعقل ، وكل منهما متحقق في السكران .
فمن تناول مسكراً ، وهو مضطر إليه ، أو لم يكن يعلم بأنه مسكر ، ولا رغبة لديه لتعدي حدود الله ، فهو معذور ، ولا يُسأل عما بدر منه أثناء سكره ، إذ يمتنع التكليف في مثل هذه الحال ، وحكمه حكم المجنون [7] .
المطلب الأول  : تكليف السكران :
اختُلِفَ في تكليف السكران :   فذهب إمام الحرمين في البرهان[8] ، والباقلاني في التقريب [9] ، وابن عقيل [10]، والغزالي [11] ، وابن قدامة في الروضة [12] ، وابن القشيري [13]، والشيخ أبو إسحق الشيرازي [14] ، وابن بَرهان [15] ، والمعتزلة [16] ، وأكثر المتكلمين إلى أن السكران غير مكلف ، لأنه لو جاز خطابه لجاز خطاب البهيمة ، والطفل في المهد ، وهذا لا يقوله أحد . ثم إنه لا يفهم الخطاب فلا يصح تكليفه ، لأنه لو كلف ذلك لكان تكليف المحال [17] ، بل إن السكران أسوأ حالاً من النائم الذي يمكن تنبيهه [18] ، ومن الطفل إذ له عقل وتمييز وإن لم يكن مثل ما للبالغين [19] ،  ومن المجنون [20] .
وذهب الحنفية [21] ، والإمام أحمد [22] ، والإمام الشافعي[23] إلى أنه مكلف ، وهو قول عامة الفقهاء [24]
وبناءً على ذلك فإن السكر لا يبطل شيئاً من الأهلية لأنها بالعقل والبلوغ ، والسكر لا يؤثر في العقل بالإعدام ، فيلزم السكران أحكام الشرع كلها من الصلاة والصيام وغيرهما [25] ، وتصح عباراته كلها بالطلاق والعتاق [26] ، ويلزمه جميع التكاليف الشرعية ، ومنها العبادات ، وإن تعذر عليه أداؤها في حالة السكر فالواجب عليه قضاؤها عند إفاقته .
المطلب  الثاني : الفرق بين تكليف السكران وغيره  :
يمكن التفريق بين تكليف النائم والناسي والسكران والصبي والمجنون :
 بأن الصبي والمجنون لا يستدركان ما فاتهما من العبادات بخلاف الثلاثة الأُول ، فإنهم يقضون ما فاتهم لسبق الوجوب في حقهم .
ثم إن هؤلاء متفاوتون في فهمهم للخطاب ، فالصبي والمجنون لا يدركان معنى كلام الشارع ، ولا يفهمان المراد من التكليف :
 أما الصبي : فبالأصالة لعدم اكتمال قدرة عقله على الإدراك .
 وأما المجنون : فبعارض قهري وهو الجنون ، ولا سبيل له لدفعه .
أما السكران : فعدم فهمه لعارض لكنه اختياري ، فلذلك اختُلِفَ فيه اختلافاً كثيراً ، هل يعامل معاملة الصاحي أم المجنون ؟
وأما النائم : فإن عدم فهمه كان لعارض طبيعي وهو النوم ، وقد بيّن رسول الله r أنه " لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة " [27] .
أما الناسي : فيخالف كل هؤلاء في السبب والمسبب ، أما السبب : فلأن سبب عدم فهمه عارض ضروري خفيف أخف من جميع الأسباب ، لأنه يُذكّرُ بكلمة فيذكر ، بخلاف النائم والمجنون والسكران . وأما المسبب : ـ وهو عدم الفهم ـ فلأن غيره لو خوطب بخطاب الشرع لم يفهم ، أما هو فقد انقطع اتصال ذكره للتكليف بحيث لو نسي الصلاة أو سها عنها وقيل له : صلّ سمع وفهم وتذكر .
وهكذا يتبين أن عدم قدرة الصبي والمجنون والناسي على الفهم كان لأمر خارج عنهم ، بينما السكران إنما كان بفعله ، ويمكنه تلافي ذلك بترك تعاطي المسكر ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الله تعالى حرّم المسكر ولو لم يؤدّ إلى ترك الواجب ، أو فعل ما هو محرم ، بل إن فعل الشرب ذاته منهي عنه ، ولو أننا لم نرتب على فعله ما هو أثر له لسوّينا بين السكران والصاحي ، وبين من كان معذوراً وبين من لا عذر له .





[1] ) التفتازاني ، شرح التلويح على التوضيح 2 / 185 0
[2] ) هذا هو مقياس السكر عند أبي حنيفة ، انظر : الجرجاني ، التعريفات / 106، أمير باد شاة ، تيسير التحرير 2 / 289 0
[3] ) كمن أُكره على شرب عصير مثلاً فشرب منه ، ثم تبين أنه خمر وليس عصيراً 0
[4] ) كمن اشتد به العطش ولم يجد ما يحفظ حياته إلا بشرب الخمر ، أو كمن غُصّ بلقمة فلم يجد ما يُسيغها إلا الخمر ،
أو كمن أجرى له الطبيب عملية جراحية اضطر لأن يخدره ( البنج ) ففقد الوعي أثناءها 0
[5] ) كمن تناول شراباً ظنه مباحاً ، ثم اتضح أنه خمر ، أو شراب مسكر دون قصد منه لتعدٍ 0
[6] ) حدّ شرب الخمر أنه يجلد عملاً بحديث رسول الله r : " من شرب الخمر فاجلدوه فإن شرب فاجلدوه فإن شرب فاجلدوه فإن شرب فاقتلوه " ، الشافعي ، الأم  6 / 144 ، 6 / 180 ، الحاكم ، المستدرك على الصحيحين ، كتاب الحدود 4 / 413  ، 4 / 414 ، ابن حزم ، المحلى 11 / 133 ، ابن الهمام ، شرح فتح القدير 5 / 302 ، الصنعاني ، سبل السلام شرح بلوغ المرام 4 / 31  ، الزيلعي ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق 5 / 27  0
[7] ) ابن اللحام ، القواعد والفوائد الأصولية / 39 ، أمير باد شاة ، تيسير التحرير 2 / 287 0
[8] ) إمام الحرمين ، البرهان في أصول الفقه 1 / 91 0
[9] ) الباقلاني ، التقريب والإرشاد 1 / 241 – 242 0
[10] ) ابن اللحام ، القواعد والفوائد الأصولية / 39 0
[11] ) الغزالي ، المستصفى 1 / 84 ، والمنخول / 28  0
[12] ) ابن قدامة ، روضة الناظر 1 / 139 – 140 ، الطوفي ، شرح مختصر الروضة 1 / 188 0
[13] ) الزركشي ، البحر المحيط 1 / 488 0
[14] ) الشيرازي ، اللمع في أصول الفقه / 600
[15] ) ابن برهان ، الوصول إلى الأصول 1 / 80 0
[16] ) ابن اللحام ، القواعد والفوائد الأصولية / 39 0
[17] ) الشيرازي ، اللمع في أصول الفقه / 60 ، الغزالي ، المنخول / 28 ، ابن برهان ، الوصول إلى الأصول 1 / 80 0
[18] ) السبكي ، الإبهاج 1/120 0
[19] ) ابن السمعاني ، قواطع الأدلة / 190 0
[20] ) الباقلاني ، التقريب والإرشاد 1 / 244  0
[21] ) نقل الخبازي عن الحنفية قولهم : تلزم السكران كافة تصرفاته ما عدا الردة استحساناً والإقرار بالحدود الخالصة لله 
     تعالى 0
      الخبازي ، المغني في أصول الفقه / 389 0
[22] ) قال ابن اللحام : ( ولأحمد نصوص في تكليفه منها : في رواية عبد الله ـ السكران ليس بمرفوع عنه القلم ، وفي رواية 
     حنبل :   ليس هو ـ يعني السكران ـ  بمنزلة المجنون المرفوع عنه القلم ، هذا جناية من نفسه ) 0
     ابن اللحام ، القواعد والفوائد الأصولية / 37 0
[23] ) الشافعي ، الأم 5 / 2530
[24] ) الغزالي ، المنخول / 28 ، ابن السمعاني ، قواطع الأدلة / 1880
[25] ) الماوردي ، الحاوي الكبير 2 / 38 0
[26] ) هذا هو مذهب الحنفية ، وقول للإمام الشافعي ، وذهب أبو الحسن الكرخي وأبو جعفر الطحاوي من الحنفية إلى عدم وقوع طلاق السكران ، وهو أحد قولي الإمام الشافعي ، وقول الإمام مالك بن أنس ، وهو المنقول عن عثمان رضي الله عنه ، وحجتهم في ذلك أن غفلة السكران فوق غفلة النائم ، لأن النائم يتنبه إذا نُبّه ، والسكران لا ينتبه ، وطلاق النائم لا يقع ، فالأولى أن لا يقع طلاق السكران 0
 البخاري ، كشف الأسرار 5 / 575  ، العيني ، عمدة القارئ 20 / 251 0
[27] ) أحمد بن حنبل ، مسند أحمد 5 / 305 ، ابن عبد البر ، التمهيد 5 / 211 ، القاري ، مرقاة المفاتيح 2 / 264 0( صحيح ) الألباني ، صحيح سنن أبي داود 2 / 330 0