الأهداف والمبادئ العامَّة للسياسات الثَّقافيَّة

الأهداف والمبادئ العامَّة للسياسات الثَّقافيَّة.
العناصر الرئيسة لنموذج السياسات الثَّقافيَّة الحالي:
يمكن توصيف نموذج السياسات الثَّقافيَّة الحالي بعنوان التعاون والشراكة في المجال الثَّقافي بين وزارة الثَّقافة والجماعات الْمَحَلِّيَّة لتعزيز اللا مركزية الثَّقافيَّة.
اعتمدت وزارة الثَّقافة ضمن استراتيجيتها الرامية إلى دعم اللا مركزية وتوسيع شبكة المؤسَّسات الثَّقافيَّة، المصادر المتنوعة والغنية للثقافة المغربية بكل الجهات وتوفير البنيات التحتية الثَّقافيَّة، وتشجيع الطاقات الخلاقة للإسهام في تنمية وتطوير كل أشكال الابتكار والإبداع الثَّقافي والفني.
وقد غدت بذلك الجماعات الْمَحَلِّيَّة أحد الركائز الأساسية التي تعول عليها وزارة الثَّقافة لتحقيق اللا مركزية الثَّقافيَّة، حيث تعمل على إشراكها في تخطيط وبرمجة وإنجاز المشروعات الثَّقافيَّة حتى تتمكن من تقليص التفاوت الثَّقافي بين الجهات، ودعم الخصوصيات الثَّقافيَّة الجهوية، وتحقيق توزيع متوازن وعادل للعمل الثَّقافي.
كما أن من أولويات مخطَّط التنمية الثَّقافيَّة 2000-2004 التعاون والشراكة بين وزارة الثَّقافة وكافة المهتمين بالمجال الثَّقافي من قطاعات حكومية ومجالس منتخبة ومؤسَّسات المجتمع المدني لتحقيق نهضة ثقافيَّة وطنية متكاملة والرفع من مستوى الخدمات الثَّقافيَّة وتحسين ظروف وسائل العمل، وترسيخ سياسة ثقافيَّة تعتمد أساسًا على اللا مركزية والجهوية والتشارك مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة، وإعطاء الأولوية للعالم القروي والمناطق النائية.
ورغبة في تحقيق اللا مركزية الثَّقافيَّة وتسهيلا للتعامل مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة في الميدان الثَّقافي، عملت الوزارة على إحداث مديرية التنمية الثَّقافيَّة تضم قسما مكلفا بالتنسيق الثَّقافي مع الجماعات الْمَحَلِّيَّة، مع العزم على إحداث مديريات جهوية للثقافة حسب التقسيم الجهوي للمغرب تسهر على تحقيق اللا مركزية كما هو مسطر في الاستراتيجية الثَّقافيَّة الوطنية.
وقد عملت وزارة الثَّقافة منذ الثمانينات على تنظيم عدة مناظرات وندوات وأيام دراسية من أجل بلورة رؤية شاملة حول الثَّقافة المغربية وتسطير استراتيجية ثقافيَّة واضحة المعالم. وهكذا فقد تم تنظيم مناظرتين وطنيتين حول الثَّقافة المغربية ومناظرة وطنية حول التعليم الموسيقي ومناظرة وطنية حول المسرح الاحترافي،ويومين دراسيين حول الثَّقافة واللا مركزية ويوما دراسيا حول الثَّقافة والطفولة، ولقاء وطنيا حول الكتاب والقراءة وتنظيم المجلس الأعلى للثقافة. وقد شارك في هذه التظاهرات عدة فعاليات ثقافيَّة من قطاعات حكومية وغير حكومية وجمعيات ثقافيَّة وجماعات مَحَلِّيَّة وأساتذة وباحثين ومختصين. توجت أعمالها بتوصيات أقرت بترتيب الأولويات وجدولتها والقيام بدراسات لإحصاء الحاجيات بهدف التهيئة الثَّقافيَّة للتراب الوطني كافة.
ويتم التعاون بين وزارة الثَّقافة والجماعات الْمَحَلِّيَّة عن طريق توقيع اتفاقيات شراكة تنص على التنسيق بين الطرفين في تنظيم الأنشطة والتظاهرات الثَّقافيَّة الْمَحَلِّيَّة، وإحداث وتسيير المؤسَّسات الثَّقافيَّة، والسهر على تطبيق القوانين الجاري بها العمل في ميدان المحافظة على المباني التاريخية والمواقع والتُّراث الثَّقافي بوجه عام، والتعاون في ميدان ترميم وصيانة وتوظيف المعالم التاريخية.

التعريف الوطني للثقافة
وهكذا فإن اهتمامات وزارة الثَّقافة تتوزع بين المعارض التشكيلية والأنشطة المسرحية والعروض الموسيقية ودعم الكتاب وتنظيم المهرجانات الفنية. يضاف إلى ذلك الاهتمام بالتُّراث المادي المتمثل في المواقع الأثرية والمدن العتيقة والمتاحف القائمة والافتراضية. في هذا الإطار يجدر التنويه إلى أن مديرية التُّراث الثَّقافي عملت على إعداد مدارات ثقافيَّة مندمجة تهم مختلف مظاهر التُّراث المادي وغير المادي من مواقع أثرية ومدن عتيقة ومواقع طبيعية ومآثر تاريخية وحرف ومهارات تقليدية ومشاهد حية بالإضافة إلى فن الطبخ. كما تجدر الإشارة إلى تلك المهرجانات التي تحتفي على الخصوص بالفنون الشعبية المغربية كمهرجان أحيدوس بعين اللوح والمهرجان الوطني لفن العيطة وملتقى الشعر والغناء الحساني ومهرجان "فن الروايس وديوان أهل سوس" ومهرجان فن الملحون بالراشيدية وكذا مهرجان عبيدات الرما بخريبكة إضافة إلى مهرجان مراكش العالمي للقفطان المغربي.
أهداف السياسات الثَّقافيَّة (لمن ولماذا)
يشير الباحث عبد الواحد عوزري إلى أن تنفيذ السياسة الثَّقافيَّة في المغرب تبقى رهينة بكفاءة كل وزير ومهارة أطره كما ترتبط بالنصوص القانونية التي تؤطر الوزارة في ظل استمرار هزالة الميزانية المخصصة لوزارة الثَّقافة وانتظار جل الممارسات الثَّقافيَّة والفنية فيه لمساعدات الدولة. بشكل عام فإن أولويات السياسة الثَّقافيَّة تحددها التوجيهات الملكية والتي يعبر عنها في الخطب والتوجيهات السامية إضافة إلى الأولويات التي يعبر عنها رئيس الوزراء في تصريحه الحكومي أمام البرلمان.
إن الأهداف الثَّقافيَّة الكبرى التي تعهدت السيدة ثريا جبران قريتيف (2007-2009) بالعمل على تحقيقها تتمثل في:
أوراش أساسية كالمكتبة الوطنية ومتحف الفن المعاصر والمعهد الوطني للموسيقى والرقص.
تحسين وضعية الفنان المغربي الاجتماعية والصحية، وتفعيل قانون الفنان، وإعداد ومنح بطاقة الفنان.
قضايا الكتاب والنشر وتشجيع القراءة، وحماية التُّراث الثَّقافي والوطني المادي وغير المادي، والحفاظ على المواقع والآثار التاريخية
تطوير آلية الدعم في كل مجالات الإبداع الفني والأدبي والفكر، والسعي إلى إيجاد بنيات متجددة للإنتاج والترويج ولاستمرارهما وتطورهما.
بدوره أكد وزير الثَّقافة الحالي الدكتور بنسالم حميش أن النهوض بمعدلات القراءة يأتي في أعلى سلم أولوياته في أثناء تكليفه
من حوار مع جريدة الحياة 18 شتنبر2009.
3-4 معايير وطريقة تقييم السياسة الثَّقافيَّة.
يشير الباحث فريد لمريني إلى أن تأمل ظاهرة المهرجانات المتزايدة يكشف عن كثير من الارتجال وعدم نضج الأهداف المسطرة، فحتى في ما يتعلق بالتنظيم والتدبير المالي للميزانيات التي ترصد لها، ليس هناك في الوقت الراهن آليات للمراقبة وتقديم الحساب أو تقييمها انطلاقًا من اعتماد قراءة اقتصادية وتنموية وإنتاجية رغم معارضة هيئات مدنية وسياسية للتبذير الفاحش وهدر المال العام الذي يصاحبها.
إن الحاجة إلى إيجاد معايير تقييم دقيقة لتقييم السياسة الثَّقافيَّة تبدو ملحة في ظل غياب أرقام ومعطيات عن: ارتفاع/انخفاض نسبة القراءة في المجتمع المغربي إثر الحملات الوزارية لنشر ودعم الكتاب، نسبة ارتياد المتاحف، العائد الثَّقافي والتنموي من الكم الهائل من المهرجانات بجميع أنواعها، نسبة انتشار الأغنية المغربية في المحافل العربية والدولية، جودة الإنتاج المسرحي المغربي،....إلخ

الموضوعات والأولويات الرئيسة للسياسات الثَّقافيَّة.

يشير مشروع ميزانية وزارة الثَّقافة لسنة 2009 إلى عزم الوزارة في إطار ميزانية 2009 على إعمال مجموعة من الاختيارات الأساسية الرامية إلى "إعطاء دفعة قوية للعمل الثَّقافي سواء في ما يتعلق بمهامها الرئيسة الاعتيادية المرتبطة بإنجاز الأوراش الثَّقافيَّة وتأطير ودعم العمل الثَّقافي، أو في ما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها المرتبطة بتنفيذ المشروعات المبرمجة في إطار الشراكة الوطنية والتعاون الدولي الثنائي والمتعدد الأطراف. وتتجسد هذه الاختيارات في أهم الأولويات التالية:
استكمال المشروعات الثَّقافيَّة الكبرى قيد الإنجاز والبرمجة.
تسريع وتيرة إنجاز المشروعات المبرمجة في إطار التعاون الدولي والشراكة مع الفاعلين الوطنيين والْمَحَلِّيّين.
ترميم وصيانة المآثر التاريخية المتضررة وذات الطابع الاستعجالي.
حماية ورد الاعتبار للتُّراث الثَّقافي الوطني المادي وغير المادي.
تأهيل المؤسَّسات الثَّقافيَّة والتُّراثية تقنيا وبشريا.
الاهتمام بالقراءة العمومية وتقريب الأنشطة المرتبطة بها من مختلف الفئات العمرية عبر وضع خطة وطنية للقراءة.
توفير المقرات والتجهيزات ووسائل العمل الضرورية الخاصَّة بالمصالح الوطنية الجهوية والإقليمية.
مواصلة تنفيذ سياسة دعم وتطوير مجالات الكتاب والإبداع الفني في المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية ودعم الجمعيات الثَّقافيَّة والفنية.
تنظيم المهرجانات الثَّقافيَّة والفنية الوطنية والدولية.
الاهتمام بالوضع الاعتباري للمبدعين والمثقفين والفنانين والإسهام في تسيير التعاضدية الخاصَّة بهم.
تثمين الموارد البشرية عبر تسوية أوضاعها الإدارية وتأطيرها ودعم تكويناتها.
دعم القدرات البشرية للوزارة بتوظيفات جديدة."

لم تتوفر للباحثة مشروعات الميزانية للسنوات السابقة على 2009، لذلك يتعذر تقييم تطور أولويات السياسة الثَّقافيَّة والنقاش الدائر حولها.
4-2 موضوعات ومناقشات حديثة حول السياسات الثَّقافيَّة.

يتعرض الكم الهائل من المهرجانات التي يتم تنظيمها في المغرب لانتقادات جهات متعددة، أخذ بعضها طابعا فنيا وبعضها الآخر طابعا أخلاقيا، في حين أخذت انتقادات أخرى صبغة حقوقية.

فبعدما راقبت ما ينفق من أموال في تلك المهرجانات وجهت الهيئة الوطنية لحماية المال العام (هيئة أهلية) رسالة مفتوحة إلى رئاسة الوزراء تستفسر فيها عما وصفته بتبذير المال العام في هذه المهرجانات وتطالب بالكشف عن مصادر هذه الأموال وفي ما أنفقت.
وانتقدت الرسالة تناقض الحكومة في مواقفها، فهي من جهة تدعو إلى التقشف بسبب الغلاء المتزايد في الأسعار، لكنها بالمقابل تسكت عن تبذير المال في المهرجانات.
وضربت الهيئة بعض الأمثلة عن المبالغ المالية المنفقة في هذه المهرجانات، فمهرجان تطوان المنظم باسم "أصوات نسائية" بلغت ميزانيته نحو 10 ملايين درهم (1.4 مليون دولار) في ثلاثة أيام، كان من الممكن إنفاقها على المسرح الذي تركته إسبانيا ويتعرض للخراب.
أما مهرجان "تيميتار" بأغادير فبلغت ميزانيته 11 مليون درهم (1.5 مليون دولار)، في حين أن احتفالات فاس بذكرى مرور 1200 عام على تأسيسها بلغت ميزانيتها 350 مليون درهم (ما يناهز خمسين مليون دولار).
كما توجه انتقادات أخلاقية بسبب استهلاك الخمور والمخدرات في عدد من المهرجانات وتسجيل حالات التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية ومظاهر الانحراف والإجرام، فضلاً عن مأساة مهرجان موازين الذي سجل 16 حالة وفاة جماعية وإصابات بجروح بسبب تدافع المواطنين وسقوطهم في حفرة لم يتم ترميمها.