المطالبة بالفسخ أو التعويض



المطالبة بالفسخ أو التعويض
بالإضافة إلى الإبطال باعتباره أثر يلجأ إليه الطرف المتضرر في العلاقة التعاقدية لممارسته فإن المشرع خول لهذا الطرف ممارسة حالات أخرى متمثلة في فسخ العقد والتعويض عن الضرر الناتج عن هذا الإخلال الذي سنعالج في مطلبنا هذا مدى قابلية العقد للفسخ للإخلال بالالتزام بالإعلام. (الفقرة الأولى) وكذا إمكانية المطالبة بالتعويض كضمانة للمستهلك.
v   الفقرة الأولى: مدى قابلية العقد للفسخ لإخلال بالاتزام بالإعلام
إذا أمكن للعقد أن يزول بأثر رجعي نتيجة للحكم بإبطاله، فإن نفس النتيجة يمكن الوصول إليها من خلال إعمال قواعد الفسخ، ولو لم يكن هناك عيب في رضاء المتعاقد ولو كان الشيء المسلم إلى المتعاقد خاليا من أي عيب[1]، فالإخلال بالالتزام بالإعلام يسمح بتطبيق القواعد العامة المتعلقة بالفسخ وخاصة الفصل 259 و260 ق.ل.ع. والقواعد الخاصة المضمنة في المادة 13 و 14 من قانون 31.08.
وإذا كان الفسخ في الفصل 259 فيه "إذا كان المدين في حالة مطل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، ما دام تنفيذه ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد..." كما تنص الفقرة الأخيرة من هذا الفصل "... لا يقع الفسخ بقوة القانون وإنما يجب أن تحكم بها المحكمة". وهكذا يعد الفسخ جزاء على عدم تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد، ولا يتعلق بالأساس إلا بالعقود الملزمة للجانبين، لذلك بخرق الالتزام بالإعلام الذي ينعكس على تنفيذ العقد[2].
فالفسخ إذن ما هو إلا جزء مدني يهدف إلى وضع حد للعلاقة العقدية عندما يحصل الإخلال بمقتضيات الاتفاق الرابط بين المتعاقدين. وبالرجوع إلى الفقرة الأخيرة من الفصل 259 فإن تقرير الفسخ لا يتم إلا بمقتضى حكم قضائي، وهذا على عكس ما نجد في قانون 31.08 المتعلق بتحديد التدابير الخاصة بحماية المستهلك. وبالخصوص في المادة 13 منه حيث نصت على أنه "إذا تم تجاوز الأجل المنصوص عليه في المادة 12[3] بسبعة أيام ولم يكن التأخير راجع إلى قوة قاهرة، جاز للمستهلك دون اللجوء إلى القضاء، أن يفسخ الالتزام الذي يربطه بالمورد فيها يتعلق بالسلعة غير مسلمة أو خدمة غير مقدمة بأية وسيلة تثبت التوصل، وذلك بالرغم من جميع الأحكام التعاقدية المخالفة ودون المساس بأحكام الفصلين 259 و 260 من ق.ل.ع.
يمارس المستهلك الحق المذكور داخل أجل أقصاه خمسة أيام بعد انصرام أجل السبعة أيام المنصوص عليه في الفقرة الأولى".
فبالرجوع إلى مقتضيات هذه المادة نجد أن المشرع قد أدخل تعديلات بهذا الخصوص والمتمثلة في حالة إذا تجاوز المورد الأجل المحدد في العقد أو في أي وثيقة أخرى بسبعة أيام دون وجود قوة قاهرة، فإنه يجوز للمستهلك فسخ الالتزام دون اللجوء إلى القضاء، وذلك بعد مرور أجل خمسة أيام من الأجل السابق. ويعتبر الالتزام مفسوخا بمجرد توصل المورد بالإشعار الموجه إليه، ما لم يكن هناك تسليم للسلعة بين تاريخ توجيه المستهلك الإشعار وتسلمه من قبل المورد (الفقرة الثالثة من المادة 13).
يتقرر للمستهلك حقوق أخرى تتمثل فضلا عن رد المبالغ المسبقة الدفع داخل أجل لا يتجاوز سبعة أيام يحتسب من تاريخ التوصل بالإشعار المذكور ابتداء من اليوم الثامن فضلا عن مطالبة المستهلك للمورد بالتعويض عن الأضرار التي لحقته حسب المادة 14 من ذات القانون[4]. وهناك بعض الأحكام والقرارات الفرنسية التي قضت صراحة بفسخ البيع الإخلال بالالتزام بالإعلام في استقلال عن أي التزام آخر، ومثال ذلك ما قضت به الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 25 ماي 1993 من فسخ عقد بيع جهاز إنذار خاص بالحماية للمواصفات المتطلبة، وقضت، فضلا "عن ذلك بالمسؤولية الشركة البائعة عن الأضرار التي لحقت بالشركة المشترية، وصرحت بأنه كان يجب على الشركة البائعة إعلام زبونها بمدى مطابقة الجهاز للمواصفات التي حددتها شركة التأمين[5].
وما قضت به كذلك الغرفة التجارية بمحكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 25 أكتوبر 1994، من فسخ عقد بيع أجهزة معلوماتية لإخلال البائع بالإعلام ونصح المشتري، قررت المحكمة في هذا الصدد أن البائع، نظرا لما يتمتع به من خبرة في مجال المعلوميات، ونظرا لما تتسم به هذه الأجهزة من تعقيد في تركيبها، كان يجب عليه أن يقدم للمشتري كافة البيانات والنصائح اللازمة عن هذه الأجهزة، وكان عليه كذلك أن يقوم بدراسة احتياجاته وأن يوجهه نحو اختيار الجهاز الأفضل، كما كان عليه أن يقدم له المساعدة الفنية لتسهيل تشغيل هذه الأجهزة[6] وفي قرار آخر قضت الغرفة المدنية الأولى بنفس المحكمة، بتاريخ 5 دجنبر 1995، بفسخ عقد بيع جهاز هاتفي بسبب عدم ملاءمته لاحتياجات المشتري، وذلك بعدما لاحظت أن الالتزام بالنصيحة الذي يقع على عاتق البائع يفرض عليه الاستعلام عن حاجيات المشتري وإعلامه بمدى ملاءمة الجهاز المقترح عليه[7].
ويميل بعض الفقه المعاصر. إلى تفضيل الحكم بفسخ العقد في حالة الإخلال بالالتزام بالإعلام عوض الحكم بإبطاله. وحجته في ذلك أن الطبيعة العقدية الالتزام بالإعلام هي السمة الغالبة عليه، وبذلك يكون القول بفسخ العقد، في حالة الإخلال بهذا الالتزام، أكثر ملائمة من قابليته للإبطال لكن يعتبر هذا الرأي غير سليم في جزء منه أي أنه لا يمكن تعميمه على كل حالات الإخلال بالالتزام بالإعلام، في بعض الأحيان لا يمكن للعقد أن يكون قابلا إلا الإبطال دون الفسخ، وفي أحيان أخرى لا يمكن أن يكون إلا قابلا للفسخ دون الإبطال[8].
وما تجدر الإشارة إليه أن الطرف المتضرر من العقد في حالة فسخه، لا يقتصر فقط بهذا الجزاء بل يحق له المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر الناتج عن العقد لاستهلاكي وهو ما سنخصصه في الفقرة الموالية.


[1] - حمدي أحمد سعد: الالتزام بالإفضاء بالصفة الخطرة لشيء المبيع، دراسة مقارنة بين القانون المدني المصري والفرنسي والفقه الإسلامي رسالة الدكتوراه جامعة الأزهر المكتب الفني الإصدارات القانونية سنة 1999 ص: 366.
[2] - بوعبيد عباسي: مرجع سابق. الصفحة: 371.
[3] - تنص المادة 12: "في كل عقد يكون موضوعه بيع منتوجات أو سلع أو تقديم خدمات إلى المستهلك، إذا تجاوز الثمن أو التعريفة المتفق عليها الحد المقرر بنص تنظيمي وكان تسليم المنتوجات أو السلع أو تقديم الخدمات غير فوري، يجب على المورد أن يحدد كتابة في العقد أو الفاتورة أو تذكرة الصندوق أو المخالصة أو أي وثيقة أخرى تسلم للمستهلك الأجل الذي يتعهد فيه بتسليم المنتوجات أو السلع أو تقديم الخدمات".
[4] - محمد العروصي: مرجع سابق ص: 159.
[5]- Cass. Com 25 moi 1993. R0.J.A.A Doc. 1993, N 101.
[6]- Cass. Com. 25 oct. 1994. R.J.D.A, fev. 1995, N 131. P 123
[7]- Cass. Civ. 1er chamb 5 dec. 1995, 453, p 315 R.J.D.A avril 1996, N 148, p 349.
[8] - بوعبيد عباسي: مرجع سابق ص: 374.