الاثنين، 27 مارس، 2017

آليات التفـاوض على قـرارات حقـوق الإنســان

آليات التفـاوض على قـرارات حقـوق الإنســان
عــــــــام
1.    يعد التفاوض على قرارات حقوق الإنسان من أصعب المهام التفاوضية بالأمم المتحدة، ولا يرجع هذا فقط إلى الأهمية الخاصة لتلك الموضوعات، وإنما أيضا لإتصالها بالهوية الوطنية والموروث الحضارى والثقافى والمعتقد الدينى للمجتمعات التى يمثلها المفاوضون، حيث يصعب على المفاوض إبداء المرونة فيما يتعارض أو يتصل بمعتقداته الذاتية وقيم المجتمع الذى يمثله، خاصة حين تتعارض تلك المعتقدات والقيم مع معتقدات وقيم الأطراف الأخرى فى المفاوضات. 
2.    من هنا فإن التلاقى أو التضارب بين الهويات المختلفة والمعتقدات والخلفيات الحضارية المتباينة، ومساعى صهر تلك المتناقضات فى قالب واحد فى شكل قــرار يصدر بالتوافق، هو أمر نادر الحدوث فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية، ما لم يتم تناول القضية بصورة مبتسرة واللجوء إلى صياغات عمومية ترضى الجميع ضمناً فيعلنون أنها صفقة "متوازنة"، رغم أن الحقيقة التى يعلمها أويخفيها الجميع هى أن القرارات التى تعتمد بالتوافق بشأن القضايا الهامة نادراً ما تحمل مضموناً يذكر.
3.       كما أن عملية التفاوض لا تحكمها فقط الإعتبارات الموضوعية، إذ غالباً ما تلقى الاعتبارات السياسية بثقلها بحيث يجد المفاوض نفسه محكوماً بتحالفات أو بمواقف معينة لا يملك ترف التحرك بحرية بعيدا عنها، سواء التحالفات التى يضطر لبنائها، أو المواقف الرسمية لدولته بما فيها علاقاتها الثنائية بالأطراف الأخرى فى المفاوضات.
4.    ومن هنا فإنه لا يعد أمراً واقعياً تصور قيام مفاوض بمعارضة مسألة بها مصلحة حيوية لدولته، مهما قل اقتناعه بقيمة تلك المسألة أو عدالتها، كما لا يمكن تصور قيامه بالدفاع عن طرح تقدمت به دولة فى حالة عداء مع دولته، مهما آمن بجدوى الطرح أو أهميته فى مجال تعزيز حقوق الإنسان.
5.    إلا أن هامشاً للحركة يظل متاحاً أمام المفاوض، وهو هامش تحدده عدة اعتبارات فى مقدمتها كفاءته الذاتية وما يستطيع بناءه من تحالفات تفاوضية، وكذلك مدى قدرته على التأثير فى صياغة مواقف بلاده، سواء بتنبيه عاصمته الى ضرورة تعديل تلك المواقف إذا ما رأى فيها عوارا،ً أو بنجاحه فى صياغة مواقف تلقى قبولاً لدى العاصمة وتقرها، مع مراعاة ألا يبعث المفاوض لحكومته بمقترحات لا يتوافر لها التأييد من عدد كاف من الوفود المشاركة فى العملية التفاوضية بما يضمن تمريرها.  
6.       وهناك عقبة أخرى تواجه مفاوضى الدول النامية، وهى إصرار بعض الدول المتقدمة على التأثير على مواقفهم التفاوضية من خلال إتصالات مباشرة بعواصمهم، والضغط عليها فى الإطار الثنائى، وهى وسيلة ذائعة سيئة الصيت تلجأ إليها الدول الكبرى حين يفتقر ممثلوها للحجة والمنطق القادرين على إقناع مفاوضى الدول النامية، وهنا يخرج الأمر من يد المفاوض ليرتهن بقدرة حكومته على مقاومة ما تتعرض له من ضغوط ثنائية.
7.    ولا ينبغى السماح لتلك العقبات، كصعوبة إبداء المرونة والاعتبارات السياسية وضيق مجال المناورة وضغوط الدول المتقدمة، بأن تؤثر سلباً على المفاوض، حيث يمكنه، من خلال الاجتهاد فى إعداد أوراقه التفاوضية والإلمام الوافى بالموضوعات محل التفاوض وبذل العناية الواجبة فى بناء التحالفات وصيانتها، يمكنه توسيع دائرة الحركة المتاحة أمامه وتناول وطرح القضايا بصورة تؤمن له النجاح فى مهمته، مع ضرورة الاحتفاظ بتأييد عاصمته لما يتخذه من مواقف.
8.       وأخيرا، فتجدر الإشارة إلى مسألة على قدر كبير من الأهمية ولكنها لا تلقى اهتماماً كافياً من جانب غالبية المفاوضين، وهى ضرورة دراسة لوائح الإجراءات التى تنظم عمل اجتماعات الأمم المتحدة، فكم من المفاوضين تمكنوا من عرقلة تمرير قرارات من خلال الاستخدام الماهر لقواعد الإجراءات، وهى وسيلة أثبتت أكثر من مرة قدرتها على تعزيز الموقف التفاوضى لممثلى الدول النامية بشكل خاص.