محو الامية و الثقافة اللغوية



الامية و الثقافة اللغوية
ان للأمية عند العرب اثراً في تطور الدلالات ، فالناطق باللغة لا يحاول تغيير حدود الكلمات بل ينطق بمجموعة منها في جملة ، و منها في عبارة ، و قد تشابكت اطرافها و اختفت حدودها و لا يكاد يتوقف عن النطق و من اجل هذا يجمع المحدثون من اللغويين على ان اللغة المكتوبة المنطوقة اقل استعداداً للتطور من المنطوقة فقط ، ذلك لأن الكاتب يحاول العودة بالكلمة الى ما كان عليه كلما اصابها انحراف في الافواه و على الالسن.                                               
فالعربية ازدهرت فيها الاثار الادبية في ظل الامية ، و هي اللغة التي حاول القدماء من العلماء الاحتفاظ لها بكل خصائصها القديمة ، التي منها ما يمكن ان يعزى الى شيوع الامية كالموسيقية في الكلام.                                           

موسيقية الادب العربي
لا يخفى على المتتبع ان اللغة العربية تحضى بموسيقية و تناغم ، و هذا ما يمكن ملاحظته ، ان الشعر عند العرب هو الاسمى والاكثر من بين فنون الاداب فالخطب قبل الاسلام تكاد تكون معدومة ، ثم ان النثر العربي له نصيب من الموسيقى ايضاً بما يعتمده من سجع الكهان و يرى الدكتور ابراهيم انيس ( ان ظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تعزى في اغلب عناصرها الى تلك الامية  حين كان الادب ادب الاذن لا ادب العين و حين اعتمد القوم مسامعهم في الحكم على النص اللغوي ، فاكتسبت تلك الآذان المران و التمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة و كما تمرن الآذان في بيئة الامية تمرن الالسن ايضاً فتنطلق من عقالها و قد اكتسبة صفة الذلاقة) 1.                                                                     
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدلالة الالفاظ  211


لقد عني الشعر العربي القديم بالموسيقى ، بدلالة ان الاوزان الشعرية العروضية عند العرب صنفت الى ستة عشر بحراً و هذا ما صنفه و وضع قواعده الخليل بن احمد الفراهيدي و هذه الاوزان اصول و فروع كما عبر عنها بالاصطلاح العروضي بالمجزوءات أو باختلاف الاعاريض و الاضرب ، و هذا يعني أن  الاشعار احتملت اوزان موسيقية كثيرة و هذا ما لا نجده عند الامم الاخرى ، و أرى هنا مؤكداً ما مر أن الامية ساهمت بالفعل في تطور الدلالات الصوتية فالاوزان العربية بعد فترة الامية لم تزد وزناً واحداً ، بل بقيت على ما هي عليه ، بل لو انتقلنا الى عصرنا الحديث لوجدنا أن الميل أكثر للتسهيل بما يتضمنه تقليل استعمال الاوزان العربية في الشعر الحديث ، بل أن بعضهم اصبح ميله للنثر أكثر و هذا من الادلة التي تؤكد قول الدكتور ابراهيم انيس بان الامية ساهمت في تطور الدلالة اللفظية ، ثم ان لموسيقية هذه الاوزان أثر نفسي في بناء الدلالات (فهناك من الاوزان ما ساهم في دلالة اللفظ في التعبير الدلالي فكل وزن أثر في فهم الدلالات) 1.                                                                                  
والنثر العربي ايضاً له نصيب في الموسيقى (فالنثر العربي في عصوره الاولى قد انتظمته تلك الموسيقية ممثلة في العبارات المسجوعة ، أو المتوازنة حيناً آخر.. و من مظاهر الموسيقية في نثر اللغة تلك العبارات الكثيرة التي تشمل على ما يسمى بالازدواج أو المزاوجة ((حسن بسن ، سبطان نيطان ، عفريت نفريت)) و نحو هذا من عبارات تنتهي بكلمات لا معنى لها ، و لا تستعمل مستقلة و انما جيء بها لتقوية البنية فيما يسبقها من كلمات بترديد الاصوات المتماثلة و ان لم تفند معنى جديداً في غالب الاحيان) 2.                                                                
و هذا ما هو موجود في العامية الى يومنا هذا. فالدلالة اذن لا يمكن حصرها في الامي و غير الامي و لكن الامية تساهم بشكل كبير ، بعدّ استعمال اللفظ يتعلق بحياتها ، فالدلالة الصوتية اللفظية هي جزء كبير مما جرى على السن الناس دون قصد ، مثل هذا الامر كمثل مقامات الموسيقى فالذي بناها و ساهم بها و وضع لها الصوت و دلالاته من التعجب و الفرح و المعاني الوجدانية انما كان على يد بسطاء الناس ، ثم تحولت دلالات هذا الشيء الى علم يدرس حاله حال الالفاظ.    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- الجديد في العروض 54                  2- دلالة الالفاظ 204

علماء العربية و دلالة الألفاظ
إعتاد أكثر الباحثين في العصر الحديث ممن له ثقافة غربية أي يكون في مصاف من عد علم الدلالة علما حديثا إبتكره الغربيون. و كان له النصيب الأوفر في الفكر اللغوي الغربين ، إذ كان للثقافة الغربية الأثر البارز في التأثير في أفكارالمحدثين من الباحثين العرب.                                                                      
و لو إستقرأنا أداب لغتنا و معاجمها و الدراسات المتعلقة باللفظ  ، و بالأخص عند المفسرين أو عند أصحاب المصنفات من كتب اللغة ، لوجدنا أن علماء العربية قد قطعوا شوطا كبيرا في دراسة اللفظ و دلالته ، سواء كانت هذه الدراسة منطقية أو لغوية, فلو تتبعت كتب المفسرين لوجدت دراسات مستفيضة في مجال الدلالة يبدؤونها من الأصوات ككلمة (أف) في قوله تعالى (ولا تقل لهما أف) أو في أمور أخرىن ، فأنظر إلى الحروف المقطعة في القرآن الكريم فقد وجدوا لها ما يقارب تسعة عشر رأيا و هذه الآراء مبدؤها البحث الدلالي ، و إلا كيف تفسر إن لم تفسربالدلالة؟  ثم إن علماء الأصول وضعوا أبوابا واسعة في مباحث الألفاظ ، و درسوا دلالة اللفظ للتعرف و الوصول إلى أحكام الشريعة كالفقه و القضاء و المعاملات و إلى غير ذلك مما يقتضيه الدرس الفقهي ، و للعرف أثر في مثل هذه الأحكام – أعني عرف العقلاء – و العرف هو ما توارثه المجتمع و لا بد من فهم دلالة كل لفظ أو تعبير يتعلق بذلك, و إلا كيف عرفت أحكام الشريعة في وقت الإبتعاد عن عصر اللغة التي سمت ببلاغتها.                                          
فمن المبالغة أو قلة الإطلاع إن قال أحدهم أن العرب دخلتهم الدلالة متأخرة ، فلو تأملت الكشاف للزمخشري لوجدت أن دراسته تكاد تكون دلالية بل لا نبالغ إن قلنا دلالية بالمعنى الحقيقي ، إذ أن الباحث و المتتبع يفهم منها عمق اللفظ و أهميته.
لقد إهتم المفكرون العرب في نتاجهم العلمي الموسوعي الذي شمل كل العلوم النظرية, كالفلسفة و المنطق و علوم الحديث و علوم القرآن و علوم العربية ، فدرسوا النحو و الصرف و البلاغة, و كانوا يرون أن دراسة اللغة العربية هي المفتاح الضروري لدراسة العلوم الشرعية و و قد بدأ على إثرها علماء العربية
دراسة اللغة و إشتقاقاتها و أصواتها و تراكيبها و كان غايته فهم نصوص القرآن و الحديث و هنا ، أولى علماء العربية دراسة اللغة .                                    
فالبحث الدلالي عند العرب كان متعلقا بداسة المنظق و الفلسفة و اللغة ، و كل هذه الداسات على مختلف مجالاتها مكنت من الفكر الدلالي العربي.                     
(فالبحوث الدلالية العربية تمتد من القرون الثالث و الرابع و الخامس الهجرية إلى سائر القرون التالية لها ، و هذا التأريخ المبكر أنما يعني نضجا أحرزته العربية و أصله الدارسون في جوانبها)1.                                                                          
لقد كان للعلماء العرب إسهامات كبرى في الدراسات الدلالية ، فقد تعاملوا مع النصوص بما إشتملت عليه من مفاهيم دلالية و لسانية (تستند إلى منهج يملك رؤية معنوية في التعامل مع النصوص اللغوية ، و تأويل دلالاتها بما يتوافق و الوعي بعمق الحدث اللغوي مكتوبا أو منطوقا أو مسموعا ، بخاصة إذا علمنا أن الآمدي مثلا عاش في عصر الملخصات للنتاج التراثي المتقدم الذي تأثر بحركة النقل في القرنين الثاني و الثالث الهجريين)2.                                                     
و هناك إسهامات كبيرة للشافعي في مجال الدلالة على كتابة الرسالة خاصة و ملخصة كتاب أحكام القرآن وقد بين أن البلاغة و فن النظم لهما صلة أساسية بعلاقة اللفظ و المعنى و التراكيب و الدلالة السياقية.                                  
و يمكن إلتماس ذلك في كتاب البيان و التبين للجاحظ, كما أن الكتب التي احتوت في دفتيها دراسات لغوية و دلالية هي دلائل الإعجاز للجرجاني, و الخصائص لابن جني, فابن جني كان له الدور الأكبر في تأسيس البنية اللغوية, و هناك كتب أخرى, كالاشارات و التبيهات لابن سينا ، فكل هذه الكتب تحتاج إلى إستنطاق أكبر للوصول إلى ما هو محمول ما بين طياتها من دلالات الألفاظ.                 
1 علم الدلالة العربي / 6
2 علم الدلالة العربي / 7
ألفاظ اللغة
تنقسم ألفاظ اللغة من حيث دلالتها إلى قلاقة أنواع1:
أولا: المتباين: و هو أكثر اللغة ، و ذلك أن يدل اللفظ الواحد على معنى واحد.      
ثانيا: المشترك اللفظي: هو أن يدل اللفظ الواحد على أكثر من معنى مثل كلمة (قرء) التي ورت في القرآن الكريم فتعني الحيض و تعني الطهارة أيضا .          ثالثا: المترادف هو أن يدل أكثر من لفض على معنى واحد مثل حسام و سيف.   
لا يخفى على الباحث و المتتبع من أن ما ذكرناه كان محل صراع في اللغة ،على مر العصور فهذا (هو ابو الحسن الرماني في كتابه الألفاظ المترادفة فقد عقد 142 فصلا ، و خصص كل فصل لإحدى الدلالات ثم سرد في كل فصل الالفاظ التي تعبر عن دلالاته)2 .                                                                      
و إليك بعض ما جمعه من مترادفات (طرفي ، مقلتي ، عيني ، ناظري) (المجلس ، و المحفل ، و الندى ، و المجتمع  و الموسم) و (تاب ، أقلع ، كف ،أمسك ،صدف ،أعرض) فلا أكون مبالغا حين أرى أن هذه الألفاظ رغم ما قيل عنها مترادفة إلا أن معانيها مختلفة، و لكن قد تدل على معى واحد إذا أفصح عنها،و لكن لو تتبع المتتبع المعنى لوجد هناك دلالات أخرى.                                                                                                                                         ثم إن هذه المرادفات لا بد أن ينظر إليها في كل عصر، فتطور الدلالة قد أعطاها دلالة أخرى فقد لا تكون على ما هي عليه من المعاني.                           
أما المشترك اللفظي فقد قال عنه السيوطي (و قد حده أهل الأصول بأنه اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالالة على السواء عند أهل اللغة) أما أسباب المشترك اللفظي ، فيمكن حصرها في تغير المعنى أو تغير النطق ، و قد يكون السبب إختلاف البيئة ، فمثال تغيير المعنى كلمة (بشرة) التي تعني في الحقيقة جلد الإنسان و تستعمل أيضا لعلاقة المشابهة, أما تغير النطق عن طريق
1 علم الدلالة 145

الإبدال مثل كلمة حنك ، و حلك فهاتان الكلمتان لهما معيان مختلفان و قد إستعملتهما العرب بمعنى واحد و هو السواد ، فعن طريق إبدال اللام بالنون طابقت الكلمة الثانية الكلمة الأولى في النطق.                                         
و قد ألفت كتب حديثة في أنواع ألفاظ اللغة من خلال دلالتها ففي المشترك اللفظي مثلا ، الأشباه و النظائر أو الوجوه و النظائر في القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان البلخي المتوفى سنة 150 للهجرة و كتاب الوجوه  النظائر في القرآن لهارون بن موسى الأزدي المتوفى سنة 170 للهجرة.                                             
و للمشترك اللفظي آثار إيجابية و أخرى سلبية فالايجابية هو ان وجود كلمة                                      مستقلة لكل شيء من الأشياء التي قد نتناولها بالحديث من شأنه أن يفرض حملا ثقيلا على الذاكرة الإنسانية ، و قد ينفع أيضا في إستغلال الغموض كخاصة من خواص الأسلوب و من أمثلة ذلك قول الشاعر في التورية:
و لو وافى به لهم حبيب                      و رب الشعر عندهم بغيض
فكلمة حبيب فيها تورية, فتعني المحبوب و هذا معنى قريب يتبادر إلى الذهن بسب التمهيد له بكلمة (بغيض) كما تعني كلمة حبيب إسم الشاعر و هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.                                                                           
أما الآثار السلبية للمشترك اللفظي فهي منها إعاقة التفاهم حيث يشعر السامع بغموض المعنى فيكون في ذهن السامع معنيان من الصعب فهم المراد منهما.    
أما في الأضداد فقد ألفت كتب كثيرة و ممن إشهر من المؤلفين ابن الأنباري المتوفى سنة 328 للهجرة و الأصمعي المتوفى سنة 216 للهجرة ، و ابن السكيت المتوفى 244 للهجرة و غيرهم. أما أسباب نشوء الأضداد فمنها ما يعزى الى التفاؤل و التشاؤم و التهكم و التأدب.                                                     
فمثلا أطلق العرب على الصحراء مفازة للتفاؤل و هي أن الذي يجتازها فقد فاز.
و كتسمية الأسود أبيض تشاؤما من النطق بلفظ أسود.                                
و من التهكم كقولهم – كما يذكر ابن الأنباري في أضداده – للجاهل يا عاقل و من أمثلة التأدب إطلاق كلمة (بصير) على الأعمى.                                       

أما الترادف: فقد كتب عنه القدامى من علماء اللغة كثيرا و من هؤلاء سيبويه ، و ابن جني ، و الرازي و غيرهم إلا أنه هناك من أنكر موضوع الترادف و قد (ألف في ذلك أبو هلال العسكري كتابه الفروق في اللغة ، لإبطال الترادف و إثبات الفروق بين الألفاظ التي يدعى ترادفها و قد بدأ كتابه بعنوان باب الإبانة عن كون إختلاف العبارات و الأسماء موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة) 1 .              
و الترادف جدير بأن يدرس دراسة مستفيضة ، فقد أعترض عليه عند المتقدمين ، وظهرت دراسات ناهضة منها ما ذكره أبو هلال العسكري في فقه اللغة ، و كذلك عند المحدثين فقد أثير جدل واسع حول هذا الباب.
و ممن درس الترادف الدكتور إبراهيم أنيس مشترطا لتحقق الترادف ما يأتي:
أولا: إتحاد العصر
إذ لا يمكن أن ينظر لكل العصور نظرة واحدة فمرور الزمن يخلق فروقا بين الألفاظ. مثل كلمة الكرسي و العرش حيث استعملا في القرآن الكريم مترادفين و قد أختلف معناهما الآن .                                                                   
ثانيا: إتحاد البيئة
هو أن تكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة واحدة أو مجموعة منسجمة من اللهجات.
 ثالثا: الإتفاق في المعنى
و الإتفاق في المعنى بين كلمتين ينبغي يكون إتفاقا تاما اي على الأقل في ذهن الكثرة الغالبة لأفراد البيئة الواحدة.
رابعا: إختلاف الصورة اللفظية للكلمتين بحيث لا تكون إحداهما نتيجة تطور صوتي عن الأخرى فليس من الترادف أزّ و هزّ.
1 علم الدلالة 212

المعاجم العربية
لقد كان للمعاجم العربية اثر واضح في تطور اللفظ ودراسة دلالته ، فقد اتجه علماء العربية لجمع الالفاظ العربية وفهم دلالات هذه الالفاظ ، وقد أسغرقت هذه الحركة وقتا طويلا ، فقد جاب علماء العربية البلدان وسألوا الركبان ، فتوصلوا الى نتائج كبيرة ، جمعت بفضلها اللغة ، فضلا عن ماورد في الشعر العربي ، والقرآن الكريم . ومن هنا اسست مدارس التفنن في وضع المعاجم ، ومن هذه المعاجم التي أخذت صيتا كبيرا لدى الدارسين معجم العين .                         

معجم العين
يعدُّ معجم العين أول معجم عربي رتب ترتيبا دقيقا اعتمد الترتيب الصوتي للحرف العربي ، ومؤلفه الخليل بن أحمد الفراهيدي 1.                                                                 
وقد بدأ ترتيب الحروف من اقصاها مخرجا وهو حرف العين ، ولذلك سمي بكتاب العين وهو حرف حلقي ، مخرجه وسط الحلق ثم رتّب الحروف الاخرى                               
منتهيا بحرف الميم ، فلم يبدأ بالهمزة ، لأنه يرى عدم ثباتها على صورة واحدة ،
فكثيرا ماتقلب الى حروف العلة ، ولم يبدأ بالهاء لضعفها فجعلها ثالث حرف ثم رتب الحروف على الترتيب الآتي:                                                       
ع ، ح ، هـ ، خ ، غ ، ق ، ك ، ج ، ش ، ص ، ض ، س ، ز ، ط ، د ، ت ، ط ، ذ ، ث ، ر ، ل ، ن ، ف ، ب ، م ، و ، ا ، ي ، أ .

كيف قسمت الابنية في المعجم ؟
إن الفاظ المعجم وضعت تحت الحرف لكونه أقصى حروفها الأصول ، ووضعت تحت ابنيتها ، فوضعت الابنية في ابواب تحت كل حرف ، ولذا قسم الحرف الواحد الى أبواب تشمل الكلمات مصنفة بالنظر الى حروفها الاصلية دون الزائدة وصنفت الابواب الى مايأتي :                                                            
1-باب الثنائي الصحيح وهنا يعني به الثنائي المضعف مثل خقَّ خقخقة ,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الخليل لن أحمد الفراهيدي (100-173) سيد أهل اللغة قاطبة في زهده وعلمه  والغاية في تصحيح القياس وايتخراج مسائل النحو وتعليله , وكان أول من حصر اشعار العرب وهو مبتكر علم العروض 2.
2- نزهة الباء في طبقات الاولياء /45


2- باب الثلاثي الصحيح وهي الكلمات المجردة من الزيادة
3- باب الثلاثي المعتل : ماكان فيه حرف علة .
4- باب اللفيف مافيه حرف علة أو وسطه أو آحره .
5- باب الرباعي
6- باب الخماسي
ومن ابدع ما استعمل الخليل في ابنية الفاظه نظام تقليب الكلمة،  وهذا ما لم يسبقه اليه أحد فقد فسم الكلمة الى مستعمل ومهمل من خلال تقليب الكلمة مثل :
رجع – جرع – عرج فهذا من المستعمل ، اما المهمل رعج على سبيل المثال ، وكان ماينتج من المفردات كالآتي :                                                       
الثنائية ولها احتمالان ، والثلاثية ولها ست صور ، والرباعية أربع وعشرون ، والخماسية مئة وعشرون .                                                                
لقد كان لمعجم العين أهمية كبرى في الدراسات اللغوية المعجمية فضلا عن دلالات الالفاط ، ولكن للأسف لم يصل الينا المعجم كاملا ، فقد طبع وأول من حققه العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين .                                               
ثمّ تبعت معجم العين معاجم كثيرة ، منها تهذيب اللغة لأبي منصور الازهري المتوفى في سنة 370 للهجرة ، وقد تأثر بمنهج الخليل ، بالأبنية وزاد عليه وقد أنكر أن يكون قد تأثر بالخليل .                                                          
وتبعت ذلك معاجم كثيرة في القرنين الثالث والرابع الهجري من هذه المعاجم
( المحيط ) للصاحب بن عباد المتوفى فس سنة 385 للهجرة . والمحكم لابن سيدة المتوفى في سنة 458 وهذه المناهج بعضها قلد والآخر طور ، وكان لها الاثر البالغ في تنمية اللفظ العربي  وحفظ دلالته .                                               




الجمهرة
بدأت المعاجم تنحو منحى آخر في التأليف منها كتاب الجمهرة لمؤلفه ابن دريد المتوفى في سنة 321 للهجرة ، فقد قسم معجمه على الترتيب الألف بائي للحروف العربية و كان الترتيب كالاتي:                                                              
أ ، ب ، ت ، ث ، ج ، ح ، خ ، د ، ذ ، ر ، ز ، س ، ش ، ص ، ض ، ط ، ظ ، ع ، غ ، ف ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، هـ ، و ، ي.
و قسم البنية الى ما يأتي:
1- الثنائي المضاعف.
2- الثلاثي.
3- الرباعي.
4- الخماسي.
فمن اراد ان يبحث في المعجم سلك الطرق الاتية:
1- تجريد الكلمة من كل زيادة
2- البحث عن أول حرف من حروف الكلمة بالترتيب الالف بائي
و تبع الجمهرة معجم مقاييس اللغة لمؤلفه أحمد بن فارس المتوفى في سنة 395 للهجرة و قد حدّث في منهجه.
و قد استمر تأليف المعاجم معتمدا طرائق مختلفة ، في الابنية و الترتيب المعجمي للحروف ، و هنالك امثلة كثيرة ساهمت في بناء اللفظ العربي و الحفاظ عليه ، كما ساعدت في الدراسات الدلالية للفظ.                                                        
و قد اتبعت طرائق اخرى كطرق التقفية و التي ممن اشتهر من المعاجم فيها معجم لسان العرب لابن منظور المتوفى سنة 711 هجرية و قد صرح مؤلفه بانه اعتمد على ما سبقه من المعاجم العربية ، كتهذيب اللغة للازهري ، و المحكم لابن سيدة ، و الصحاح للجوهري ، و قد اعتمد هذا المعجم التقفية في الترتيب ، أي انه اعتمد الحرف الاخير فمثلاً (لعب) نجدها في باب الباء فصل اللام و هكذا.         
و من المعاجم التي ساهمت في الدراسات اللغوية التي اعتمدها علماء الاصول و  افادوا كثيراً من دلالاتها ، اذ اعتمدت هذه المعاجم دراسة علم المعاني ، و هي التي ساهمت كثيراً في بناء اللفظ منها اساس البلاغة لعبدالقادر الجرجاني حتى عدّه بعضهم انه له المساهمة في دراسة دلالة الالفاظ.                                  
و هناك معجم جدير بالذكر ، و هو كتاب فقه اللغة و اسرار العربية للثعالبي المتوفى في سنة 430 للهجرة ، و ارى ان هذا المعجم على قلة ما فيه من الالفاظ الا ان المتأمل لو تأمل المعجم لوجد فيه من دلالات اللفظ ما يستحق الاستفاضة في دراسته ، و من الغريب ان هذا المعجم لا يعطى اهمية كباقي المعاجم العربية ، و اعتقد ان ذلك يعزى الى ترتيبه ، و ان كان رتب ترتيبا اخر في العصر الحديث.   
و هناك معاجم كثيرة قديمة كانت او حديثة لها مساهمات كثيرة في ايضاح اللفظ و الوقوف عند دلالة بعضه ، و ان عده الكثيرون من علم المعاجم و المعاني و ليس الدلالة ، و لكن هذه الكثرة من الدراسات عنت الدلالة عن قريب او بعيد ، و نحتاج الى دراسة تستنطق الذخيرة الموجودة في التراث ، و لا يخفى ان من يفتح ابواب الكنوز يجد ما يريد ، الا ان الكثير يترك ما في كنوزه معتمداً دراسات حديثة ، فالدلالة على ما ورد في دراسات الاصوليين ليس علماً جديداً ، الا انك حين تضع قانوناً لدراسة الدلالة الحديث لا يعني انه غير موجود عند قدماء الباحثين ، فمن الدلالات ما تجدها موجودة في الكتب الادبية التي فيها من الاستطراد ما يستحق دراسته فتجد اللفظ الذي يدل القضاة حين يستنطقونه قد اخذ ماخذاً كبيراً عندهم ، كما يمكنك الرجوع الى اللفظ و دلالته عند الادباء و من ذلك ترى اول محكمة في تاريخ الادب العربي في زمن عمر بن الخطاب عندما شكا اليه الزبرقان بن بدر ما قاله الشاعر المخضرم الحطيئة الذي قال:                                             
دع المكارم لا ترحل لبغيتها          و اقعد فانك انت الطاعم الكاسي
و قد خفيت دلالة لفظ اقعد على الخليفة عمر و عندما احضر الحكم و كان حسان بن ثابت تبين ان دلالة اللفظ غير ما كان يتصور و هكذا تجد الدلالة اخذت اهمية كبرى و لكن تحتاج الى الاستنطاق و الدرس.                                           
المصادر و المراجع
1- احصاء العلوم   الفارابي    تحقيق الدكتور علي بو ملحم   دار و مكتبة الهلال
2- استخدام علم الدلالة في فهم القران    الدكتور عبدالرحمن حللي
3- اصول الفقه    الشيخ محمد رضا المظفر
4- تاج العروس   الزبيدي   النسخة الالكترونية     موسوعة النور
5- التعريفات    الشريف علي بن محمد الجرجاني   مكتبة الفيصل مكة المكرمة
6- الخصائص لابن جني    عالم الكتب   بيروت   تحقيق محمد علي النجار
7- دلالة الالفاظ   دكتور ابراهيم انيس
8- علم الدلالة   الدكتور احمد مختار
9- علم النفس التربوي   امال طارق و فؤاد ابو الحطب
10- ضوابط المعرفة   عبدالرحمن حسن حنبكة   دار القلم
11- مجمع البيان في تفسير القران  الشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي
12- الوجيز في فقه اللغة   محمد الانطاكي   مكتبة دار الشرق بيروت
13- البيان و التبيين للجاحظ   تحقيق عبدالسلام هارون
14- الدلالة بين السلب و ايجاب   الدكتور ابراهيم السامرائي   الطبعة الالكترونية
15- طرق التغيّر الدلالي   الدكتور سالم خماش   الطبعة الالكترونية
16- الجديد في العروض   علي حميد خضير   عالم الكتب  بيروت
17- نزهة الالف باء في صفات الاولياء لابن الانباري  تحقيق ابراهيم السامرائي