شروط الوقف، وشروط الواقف




شروط الوقف، وشروط الواقف:
أولاً: شروط الوقف: يشترط لصحة الوقف شروط، وهي([1]):
1– أن يكون الواقف جائز التصرف، وهو الحر البالغ العاقل الرشيد، لا نحو مملوك، ومكاتب، وصغير، وسفيه، ومجنون، ومعتوه، ومختل العقل بسبب مرض أو كبر..
2– أن يكون الواقف مالكاً.. فلا يصح وقف مال الغير، ولا يصح وقف الغاصب مال المغصوب..
3– أن يكون الموقوف مما ينتفع به انتفاعاً مستمراً مع بقاء عينه، فلا يصح وقف مالا يبقى بعد الانتفاع به كالطعام..
4– أن يكون الموقوف معيناً، فلا يصح وقف غير المعين؛ كما لوقال: وقفت عبداً من عبيدي، أوبيتاً من بيوتي..
5– أن يكون الوقف على بر، إذا كان على جهة؛ لأن مقصوده القربة إلى الله تعالى كالمساجد، والقناطر، والفقراء، والمساكين، وكتب العلم، والسقايات، والأقارب.
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (الوقف إن كان على جهة فلا بد أن يكون على قربة، فإذا كان على جهة لا قربة فيها، فهو وقف فاسد؛ لتعارضه مع ما يقصده الشارع ويطلبه).أ.هـ([2]).
فلا يصح الوقف على غير جهة بر؛ كالوقف على معابد الكفار، وكتب البدع والضلال والزندقة.. والوقف على الأضرحة لتنويرها وتبخيرها، أو على سدانتها؛ لأن ذلك إعانة على المعصية والشرك والكفر، قال تعالى: ) وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ( [ المائدة:2].
6– أن يكون الوقف على معين، ذلك أن المعين يملك ملكاً ثابتاً؛ لأن الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك؛ كالميت والحيوان..
7– أن يكون الوقف منجّزاً، فلا يصح الوقف المؤقت، أو المعلق..
قالوا: إلا إذا علق على موته؛ كأن يقول: إذا مت فبيتي وقف على الفقراء؛ لما روى أبو داود: (أن عمر وصى فكان في وصيته هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين  إن حدث به حدث؛ فإن ثمغاً "أرض له بالمدينة".. صدقة) الحديث([3]).
قالوا: واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعاً.. ولأنه تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة.. ([4])، ويكون الوقف المعلق من ثلث المال؛ لأنه يكون في حكم الوصية..
ثانياً: شروط الواقف:
شروط الواقف تنقسم إلى قسمين: صحيحة، وفاسدة..
فيجب العمل بشرط الواقف إذا كان مشروعاً، أي لا يخالف الشرع، ولا ينافي مقتضى العقد، كما لو حدد الواقف مصارف الغلة..
وذلك لعموم قوله r: " المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً" ([5]).
ولأن عمر ـ رضي الله عنه ـ شرط في وقفه المتقدم الذي استشار فيه رسول الله r شروطاً: (.. أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب... لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمولٍ فيه) ([6]). ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة.. ([7]). وعبر بعض الفقهاء عن أهمية مراعاة شروط الواقف المشروعة بقولهم: (شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقاً على ذلك: (من قال من الفقهاء ذلك.. فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها؛ أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة، كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه، فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظ الشارع، فكذلك تعرف في الوقف من ألفاظ الواقف... وأما أن تجعل نصوص الواقف، أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها فهذا كفر باتفاق المسلمين؛ إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر – بعد رسول الله r – والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة..).أ.هـ.كلامه([8]).

أقسام الوقف: قسم الفقهاء الوقف باعتبار الجهة الموقوف عليها إلى قسمين:
القسم الأول:  الخيري:" وهو الوقف على جهات البرّ، كالفقراء، والمساكين، والمساجد، وما إلى ذلك "([9]).
وهو بالأصالة " … يستهدف تحقيق مصلحة عامة، كالوقف على المساجد، ودور العلم، وعلى العلماء، والفقراء، والمستشفيات. ويسمى هذا النوع من الوقف ـ أيضاً ـ بالوقف المؤبد  أو المطلق؛ لكون مصرفه دائماً في جميع أدواره عائداً على الجهة التي سماها الوقف في حدود الجواز الشرعي.
وقيل إن الوقف الخيري هو: ما جُعل ابتداءً على جهة من جهات البرّ، ولو لمدة معينة يكون بعدها على شخص، أو أشخاص معينين، فإذا وقف إنسان داره لينفق غلتها على المحتاجين من أهل بلده كان الوقف خيرياً "([10]). إن هذا القسم من الأوقاف يوفر للأمة  المرافق الضرورية، والحاجية، والتحسينية تبعاً لقصد الواقف، ومقدار حاجة المجتمع للمرفق الموقوف عليه.
القسم الثاني: الأهلي: "وهو ما جعل أول الأمر على معين، سواء كان واحداً  أو أكثر. وهو يستهدف تحقيق مصلحة خاصة كالوقف على الذرية، والأقارب.
ويسمى هذا النوع من الوقف بالوقف المؤقت، والتوقيت هنا وصف حقيقي للوقف؛ يعني أنه إذا انتهى الأجـل المضروب للوقف  أو مات الموقوف عليه  أو عليهم انتهى الوقف بذلك، وعاد الموقوف ملكاً للواقف إن كان حياً، أو لوارثه وقت وفاته إن كان ميتاً "([11]).  حيث يحافظ على كيان الأسرة، ويحقق لأجيالها القادمة ما يعينها على نوائب الدهر، وأزماته.


([1])     ينظر في الشروط: بدائع الصنائع 6/219، وحاشية ابن عابدين 3/394 وما بعدها، والقوانين الفقهية/369، والشرح الكبير الدردير 4/77- 88،  مغني المحتاج 2/377، وكشاف القناع 4/251، ونيل المآرب 3/211 –214، أ.د/ صالح الفوزان: الملخص الفقهي 2/159-160.
([2])     فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 9/45.
([3])       هذه الرواية أخرجها  أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب في الرجل يوقف الوقف، الحديث رقم: 2879، 3/117.
([4])       ينظر: ابن قدامة: المغني 8/216، وابن النجار:  معونة أولي النهى 5/771.
([5])       الحديث أخرجه أبو داود في الأقضية، باب في الصلح 3/304، الحديث رقم 35/94، البيهقي في سننه 6/79، والدارقطني في البيوع 3/27، والحاكم في المستدرك 2/49، وقال عنه الذهبي في التلخيص (بهامشه): ضعفه النسائي، ومشاه غيره، وقال في المقاصد الحسنة/385 بعد أن جمع طرقه وذكر من أخرجه: (كلها فيها مقال). وقد علقة البخاري جازماً به في الإجازة فقال: وقال النبي r: (المسلمون عند شروطهم) أ.هـ.  
([6])       تقدم تخريجه.
([7])       ينظر: معونة أولي النهى 5/799، والملخص الفقهي 2/160.
([8])       مجموع الفتاوى 31/47ـ 48.
([9])  بيان من العلماء، حكم الشريعة الإسلامية في الوقف الخيري والأهلي، ( مكة المكرمة: المطبعة السلفية، عام 1346هـ )، ص 5.
([10])  الخالد، محمد عبد الرحيم، أحكام الوقف على الذرية في الشريعة الإسلامية، دراسة مقارنة مع التطبيق القضائي في المملكة العربية السعودية، ( مكة المكرمة: مطابع الصفا عام 1416 / 1996 )، ج1، ص232.
([11])     الخالد، محمد عبد الرحيم، أحكام الوقف على الذرية، ج 1، ص233. وانظر: بافقيه، طلال عمر، الوقف الأهلي، الطبعة الأولى، دار الثقافة الإسلامية، عام هـ 1419/ 1998  ص 59.