أهمية الرعاية الصحية للإنسان والتنمية:

أهمية الرعاية الصحية للإنسان والتنمية:
من أكثر قضايا التخطيط والتنمية إثارة للجدل، قضية الرعاية الصحية للمواطن وما ينبغي أن يخصص لها من ميزانية الدولة. وذلك لسببين هما:
1 – أن الإنسان هو هدف التنمية كما أنه وسيلتها، والصحة هي أول متطلبات الإنسان وأهم مقومات الحياة.
2 – أن الخدمات الصحية تعد أغلى أنواع الخدمات تكلفة حيث يبلغ حجم الإنفاق العالمي على الخدمات الصحية سنوياً تريليوني دولار( ) ويتوقع أن تزيد خلال السنوات القادمة.
والواقع أن الصحة العامة وصحة المواطن هي أغلى ما تملكه المجتمعات، وهي ثروة يجب الحفاظ عليها وصيانتها، حيث أن الإنسان هو الهدف لكل ما تقدمه برامج وخطط التنمية من خدمات، وأن مطلب الحياة هو أول مطالب ذلك الإنسان، وأهم مقومات الحياة هي الصحة. ومن جهة أخرى فإن الإنسان هو الوسيلة الأولى لعمليات التنمية ذاتها، وهو الذي يعتمد عليه بعد الله – تعالى – في نجاح هذه العمليات واستمرارها، حيث أن الإنسان المريض لا يمكن أن يعمل أو يخطط أو حتى يفكر في خدمة مجتمعه حتى يشفى وتحل مشكلاته الصحية.
من هنا كان الاهتمام العالمي بالرعاية الصحية للمواطنين وتسابق الدول في تقديم أحسن الخدمات الصحية وأفضلها لمواطنيها والعمل على تطوير مؤسسات الرعاية الصحية وتزويدها بكل جديد في مجال التقنية الطبية والخبرات العلمية، والإنفـاق على التعليم الطبي ودعـم الأبحاث والدراسـات فـي شتـى مجـالات الطـب والمعالجة والوقاية وصحة البيئة، إيماناً بأهمية الصحة كخطوة أولى هامة في بناء المواطن القادر على الإسهام في خدمة مجتمعه ووطنه في كافة المجالات، كل بحسب طاقته ووفق قدراته. فعلى سبيل المثال؛ المملكة العربية السعودية رغم حداثة عهدها نسبياً بالتخطيط العلمي للتنمية قد أولت مؤسسات الرعاية الصحية عناية فائقة ودعماً كبيراً مكنتها في فترة قصيرة من النهوض والتطـور كماً ونوعاً، حيث قفز عدد المستشفيات خلال ثلاثين عاماً من 70 مستشفى عام 1390هـ إلى 182 مستشفى في عام 1420هـ وعدد الأسرة في المستشفيات من 7734 سريراً إلى 37358 سريراً خلال الفترة نفسها كما زاد عدد المراكز الصحية من 215 مركزاً صحياً في جميع مناطق المملكة إلى 1737 مركزاً صحياً( ) بالإضافة إلى الكثير من العيادات والمراكز الطبية الخاصة في كثير من مدن المملكة.
ولكن رغم الإيمان بأهمية الخدمات الصحية وأولويتها إلا أن كثيراً من دول العالم بدأت تواجه مشكلة كبرى تتعلق بإيجاد مصادر لتمويل هذه الخدمات ودعم مؤسساتها لتتمكن من الاستمرار في عطائها والقيام بالدور المنتظر منها في هذا المجال.
وسوف نتعرض في الفقرة التالية لأبرز ملامح هذه الظاهرة وأهم أسبابها بشيء من الإيجاز.

ثانياً: أزمة تمويل مؤسسات الرعاية الصحية:
إن الخدمات الصحية مثلها مثل بقية احتياجات المجتمع، تكلفتها في تزايد مستمر، ولكن الخدمات الصحية تعتبر من الاحتياجـات الأكثر إلحاحاً – كما سبق ذكره – والتي لا يمكن التقصير فيها أو تقديم غيرها عليها في سلم الأولويات، وفي نفس الوقت فإن الزيادة المطردة والمتنامية في تكلفة الإنفاق على مؤسسات الرعاية الصحية أصبحت ظاهرة عالمية تعاني منها المجتمعات الغنية والفقيرة، وتحاول إيجاد الحلول المناسبة لمواجهتها، وإن كان الأمر يزداد خطورة في المجتمعات النامية والتي ينتمي إليها كثير من الدول الإسلامية في الوقت الحاضر. وفي السنوات القليلة الماضية برزت تلك المشكلة في دول الخليج العربي والتي كان الإنفاق على المرافق الصحية فيها تتولاه الحكومات بشكل كامل ولم يكن الناس يذهبون إلى المستشفيات الخاصة إلا من باب الرفاهية وبسبب الثراء.
أما اليوم فقد بدأت الشكوى من القصور في بعض مرافق الصحة، وبدأ التململ من زيادة التكلفة العلاجية وأثيرت الأسئلة حول أسباب هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها، خاصة أن هذه الظاهرة قد صاحبت التراجع في ميزانيات الدول الخليجية والذي نتج عن تدهور السوق النفطية وأسباب أخرى.
أما عن أسباب الزيادة في تكاليف الخدمات الصحية فإنها كثيرة منها أسباب عالمية، وأسباب محلية تتعلق بظروف بعض المجتمعات. ومن الأسباب العالمية ما يأتي:
1 – الزيادة السكانية العالمية والتي شكلت ضغطاً كبيراً على موارد الدول كافة وصاحبها نقص شديد في كثير من متطلبات الحياة واحتياجات الإنسان ومنها الخدمات الصحية.
2 – تغير نمط الحياة، وسلبيات المدنية والتلوث البيئي في الكثير من دول العالم وخاصة المتقدمة صناعياً، كل ذلك مما له علاقة بالصحة والمرض وزيادة الطلب على الخدمات الصحية.
3 – التقـدم العلمي والطبي الهائل والسريع وما تبعه من اكتشاف أمراض جديدة، ووسائل تشخيص وعلاج وأدوية جديدة أيضا، تحتاج إلى المزيد من النفقات.
4 – استحداث أساليب التقنية الحديثة في التشخيص والمعالجة وهي مرتفعة التكلفة مقارنة بالأساليب التقليدية.
5 – ارتفاع تكاليف المنشآت الصحية وتكلفة تشغيلها وصيانتها.
6 – التغير الذي حصل في نمط الأمراض، حيث تزايد معدل الإصابة بالأمراض ذات الكلفة العالية، والأمراض التي تتطلب معالجة دائمة مثل أمراض السكري وغيره ورعاية المسنين وتأهيل المعاقين والمرضى النفسيين وغير ذلك.
7 – الزيادة العالمية في أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية.
أما عن الأسباب المحلية التي كانت وراء الزيادة الهائلة في تكلفة الخدمات الصحية في كثير من البلاد الإسلامية ومنها دول الخليج العربي فإن منها باختصار ما يلي:
1 – الزيادة السكانية والتي نتجت عن الزيادة في المواليد وزيادة نسبة الخصوبة وارتفاع معدل العمر عند الولادة وانخفاض وفيات الأطفال، كل ذلك مما جعل نسبة كبيرة من السكان تصل إلى 50% في كثير من الدول الإسلامية هي من الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة، وهؤلاء يحتاجون إلى مزيد من الرعاية الطبية الوقائية والعلاجية.
2 – عصرنة الحياة وارتفاع الوعي العام الذي أدى إلى الإقبال على طلب الخدمة الصحية والتخلي عن طرق التداوي التقليدية لدى الكثير من المواطنين.
3 – هدر الموارد الناتج عن غياب الإدارة الصحية الجيدة والقصور في عمليات التخطيط الصحي فيكون العائد من الموارد المحدودة التي تصرف على القطاع الصحي أقل نظراً لنقص الكفاءة في الأداء وسوء التخطيط.
4 – ارتفاع أجور القوى العاملة في القطاع الصحي بشكل عام وفي الدول التي تنقصها الكفاءات الطبية، المتخصصة في كثير من المجالات الطبية بشكل خاص، حيث يتم استقدام هؤلاء من كثير من دول أوروبا وأمريكا وغيرها بأجور مرتفعة جداً. وقد ساعد على ذلك التفرع الدقيق والمتواصل في التخصصات الطبية وهو ما انعكس على تكلفة القوى العاملة الطبية المتخصصة في المجالات الفرعية التي تزايد ارتفاعها خلال السنوات الأخيرة.
5 – غياب الوعي بأهمية المحافظة على  المال العام لدى كثير من المواطنين، وهو ما ينعكس على تعاملهم مع المرافق الصحية والأدوية، وزيارة أكثر من طبيب لنفس الغرض وغير ذلك مما يشكل عبئاً مالياً وطاقة مهدرة( ).
كل هذه الأسباب وغيرها أدى إلى بروز ما يمكن أن نسميه أزمة الإنفاق على الخدمات الصحية، تلك الأزمة التي انعكست على أداء مؤسسات الرعاية الصحية في كثير من البلاد الإسلامية ونتج عنها قصور شديد في ممارسة تلك المؤسسات للدور المطلوب منها في تقديم الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية المثلى للمواطنين. وبدأ البحث في الحلول المناسبة بإيجاد مصادر لتمويل تلك المؤسسات، غير المصادر الحكومية لتكون عوناً لها في تحمل تكلفة الإنفاق على هذا القطاع الحيوي الهام وتلبية احتياجاته الضرورية والملحّة.

ثالثاً: الحلول المطروحة لمواجهة تلك الأزمة:
يمكن تلخيص الحلول والمقترحات التي طرحت لمواجهة أزمة مؤسسات الرعاية الصحية المتمثلة في قصور الموارد وتدني الخدمات، من قبل الباحثين والمهتمين بقضية الخدمات الصحية في العالم العربي والإسلامي، في أمرين:
1 – معالجة السلبيات القائمة المتعلقة بالوضع الراهن لتلك المرافق، والتي ذكر بعضها في الفقرة السابقة، وذلك بمحاولة الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة عن طريق سلامة التخطيط وحسن الإدارة ورفع كفاءة العاملين وزيادة التوعية للمواطنين بأهمية حسن التعامل مع المرافق الصحية وتقدير حجم الجهود التي تبذل لخدمتهم في هذا المجال بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع ويمكنّهم من الاستمرار في الاستفادة من تلك المرافق ورفع كفاءة أدائها.
2 – البحث عن بدائل لتمويل مؤسسات الرعاية الصحية كمصدر للإنفاق على القطاع الصحي يخفف العبء على الجهات الحكومية ويدعمها في تحسين أداء مؤسساتها الصحية. وقد اقترحت عدة بدائل لكل منها سلبياته وإيجابياته كان من أبرزها:
أ –  فرض رسوم على المستفيدين من الخدمات الصحية، يمكن تحصيلها بعدة طرق منها إصدار بطاقات صحية تجدد كل سنة أو سنتين مقابل مبلغ يدفعه المستفيد. ومنها تحمل المستفيد لنسبة من قيمة فاتورة العلاج (40% أو 50%). وفرض رسوم خاصة على المستندات مثل شهادة الميلاد وغيرها. وفرض رسوم على الإقامة في المستشفيات. ورسوم على بعض العمليات مثل عمليات التجميل ونحوها.
ولكن في الواقع أن في هذا إضرار بشريحة كبيرة من المجتمع هي الأحوج للاستفادة من المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية وتمثل النسبة العظمى من روادها بينما الأثرياء ومتوسطي الحال والذين يستطيعون دفع هذه الرسوم هم أيضا يستطيعون ويرغبون العلاج في المستشفيات الخاصة لعدة أسباب، منها عدم الانتظار لفترات طويلة ومنها العناية الخاصة التي قد لا يجدها أحدهم في المستشفيات الحكومية وغير ذلك.
ب – الأخذ بنظام التأمين الصحي الوطني، وهو نظام إجباري لجميع السكان وبصرف النظر عن دخل الفرد، ويتسم هذا النظام بعدة سمات منها التمويل والإدارة والخدمات، حيث تتم إدارة هذا النوع من التأمين عن طريق وزارة الصحة وهيئة حكومية تنشأ لهذا الغرض أو بواسطة القطاع الخاص، ويمتاز هذا البديل في الاعتماد على مبدأ توزيع الخسائر وتوزيع التكلفة حسب القدرة المالية ويوفر النظام كافة الخدمات العلاجية كما يحقق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
أما سلبيات هذا النظام فهي الاستمرار في استخدام الخدمات الصحية والزيادة في الجهود الإدارية للرعاية الصحية والتركيز على الخدمات العلاجية دون الوقائية.
وهناك نظام التأمين الصحي الخاص حيث تقوم شركات التأمين في القطاع الخاص بتقديم برامج مختلفة في التأمين الصحي للأفراد أو للعاملين ويتم إصدار بطاقة تأمين والتي تضمن لحاملها الخدمات الطبية المتفق عليها والقسط السنوي للتأمين وتكلفة العلاج وغيرها ويمكن الحصول على بطاقة تأمين خاصة لتغطية نوع أو آخر من الخدمات الطبية التي لا تشملها الخدمات في قطاع التأمين الصحي الوطني.
ولكن نظام التأمين الصحي بشكل عام سواء الوطني أو الخاص له جوانب سلبية كثيرة علاوة على الإشكالية الشرعية في هذا النظام ويمكن أن تتلخص مساوئ هذا النظام في أن منطلق فكرة التأمين الصحي تنبع من كونها استثماراً وتحقيق أرباح وأيضاً يؤدي التأمين إلى مخاطر عدم المساواة والعدالة في توزيع الخدمة لعزوف شركات التأمين عن تغطية الشرائح الفقيرة الأكثر عرضة للمرض والمخاطر، كما أن تطبيق التأمين الصحي يؤدي إلى زيادة استخدام الخدمة وارتفاع التكلفة بشكل كبير، إضافة إلى أنه يؤدي إلى زيادة الضغط على المستشفيات لأن الأشخاص الذين لديهم تأمين يزدادون طلباً على الخدمة. كما يؤخذ على نظام التأمين أنه يغطي في معظم الأحيان الخدمات العلاجية دون الوقائية( ).
ج –  تنشيط دور القطاع الخاص في الإسهام في مجال تقديم الخدمات الصحية. وقد طرحت عدة اقتراحات تتعلق بهذا البديل، وحاولت بعض الدول تجربة بعضها، ومنها على سبيل المثال؛ تشغيل المستشفيات العامة من قبل القطاع الخاص، ومنها التخصيص أو الخصخصة وهو تحويل المرفق الصحي الحكومي إلى القطاع الخاص سواء جزئياً أو كلياً، ومن ذلك تحويل مستشفى أو مجموعة مستشفيات إلى شركة مساهمة بحيث يكون للدولة فيها نصيب يتمثل في أصول هذه المستشفيات من مباني وأجهزة ونحوها وتكون المساهمة عامة للمواطنين في رأس مال الشركة. وبذلك تدار المستشفيات وفق أساليب إدارة الأعمال بأساليب اقتصادية مدروسة ترشد الإنفاق وتقنن الاستخدام وتتمحور على مبدأ الاستخدام الأمثل للموارد ويتم التركيز على الاهتمام برضا العميل (المريض) ( ).
ولكن يؤخذ على هذا البديل استهداف الربح من قبل الشركات، والخوف من عدم تحقيق المساواة الاجتماعية بين شرائح المجتمع وغير ذلك من السلبيات التي عادة ما ترافق تولي القطاع الخاص للخدمات، خاصة أن الخدمات الصحية أكثر حساسية لدى الناس وهي من المتطلبات الملحة التي لا تقبل التأجيل أو المساومة مثل خدمات الهاتف أو الأمور الكمالية الأخرى. وفي حال التقصير أو حرمان أي مواطن من حقه في الخدمة الصحية فإن الثمن سيكون غالياً، قد تكون النتيجة موت هذا المواطن أو عجزه كلياً أو جزئياً.
د –  الاستفادة من التبرعات والهبات من المؤسسات الخيرية والتجارية والأفراد في دعم وإقامة المشروعات الصحية وتشغيلها. وقد أقيمت في دولة الكويت على سبيل المثال العديد من المشاريع الصحية عن طريق التبرع. وهنا يمكن الحديث عن الوقف كنظام إسلامي اجتماعي وكصورة رائعة من صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، يتحمل فيه الموسرون نفقة علاج المرضى والقيام على المشروعات الصحية دون أن يكلف ذلك الفقير شيئاً أو يثقل على كاهل الدولة بمزيد من النفقات. ولأهمية هذا البديل وكونه محور البحث هنا؛ فسوف نفصل القول فيه في مبحث مستقل، نوضح فيه صوراً مما قدمه الوقف في العصور الإسلامية الأولى في مجال الرعاية الصحية وما حدث لدور الوقف من تراجع في الآونة الأخيرة، وما يمكن أن يقدمه الوقف مستقبلاً في هذا المجال.




أهمية التربية الصحية العامة فى الإسلام
أثر الجودة في الرعاية الصحية
همية الرعاية الصحية للإنسان والتنمية:
مفهوم الرعاية الصحية
كتاب الرعاية الصحية الاولية
بحث عن الرعاية الصحية
عناصر الرعاية الصحية الاولية
اهداف الرعاية الصحية
الرعايه الصحيه
الرعايه الصحيه الاوليه
ما هي الرعاية الصحية