الدلالة العلاقة بين اللفظ والمعنى



من قضايا اللفظ والمعنى بين اللغويين والبلاغيين
بحث: الدلالة وجدل اللفظ والمعنى
بحث حول اللفظ والمعنى
العلاقة بين اللفظ والمعنى
اللفظ والمعنى
قضية اللفظ والمعنى عند الجرجاني
تعريف اللفظ لغة واصطلاحا
قضية اللفظ والمعنى
قضية اللفظ والمعنى عند ابن خلدون
قضية اللفظ والمعنى عند ابن طباطبا
كتاب قضية اللفظ والمعنى
تعريف المعنى لغة واصطلاحا




العلاقة بين اللفظ والمعنى
اطلق مفكروا اليونان على الصلة بين اللفظ ومدلوله، الصلة الطبيعية او الصلة الذاتية. فقد رأوا ان كما بين الاسباب التكوينية  وما يتسبب منها، من القوانين الطبيعية صلات كالصلة بين الخصب والنماء، وبين النار والاحتراق، فان هناك صلة بين اللفظ والمعنى. (ونلحظ هذا التفكير في ما يرويه افلاطون في محاوراته مع استاذه سقراط ولما تبين غموض الصلة في اللغة اليونانية، اخذوا يفترضون ان تلك الصلة الطبيعية كانت واضحة في بداية نشأتها، ثم تطورت الالفاظ ولم يعد من اليسير ان نتبين تلك الصلة او نجد لها تعليلاً او تفسيرا) 1                
ولم تقتصر علاقة اللفظ والمعنى على امة واحده بل تعدت ذلك الى كل اللغات كالفرس والهنود والصينيين.
وقد برع العرب في هذا المجال لما كان للعربية من اهمية في نظر الدارسين من المسلمين بشكل خاص، ثم تعدى الامر الى غيرهم.
فممن خاض في هذا البحر الخضم مصنفاً الالفاظ، حيث وضع باباً افرده لعلم الالفاظ فقسم الالفاظ الى سبعة اقسام هي (علم الالفاظ المفردة، وعلم الالفاظ المركبة ، وعلم قوانين الالفاط عندما تكون مفردة، وقوانين الالفاط عندما تركب، وقوانين تصحيح الكتابة، وقوانين تصحيح القراءة، وقوانين الشعر)2.           
ومما يستحق التامل والاشادة ما كتبه ابن جني في كتابه الخصائص الذي يحاول فيه دراسة اللفظ ودلالته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــMiraclous brith  of  language1- دلالة الالفاظ 3 النص مقتبس من  
                                                                                                              2- الفارابي احصاء العلوم /159
فقد وضع باباً سماه تلاقي اللفظ والمعنى ومثل لذلك بكلمة المسك، وسمي مسكاً لانه يمسك بحاسة الشم. وفي الفصل الثاني يتحدث ابن جني عن الاشتقاق الاكبر وقال بان الكلمة تشمل معنى عام مشترك ومثل بذلك بمادة (جبر) جبر العظم والفقير اذا قويتهما، والجبروت الاخذ بالقهر والشدة1.                             
وهذه الابواب يمكن فتحها في كتب العربية التي عنيت بهذا المجال، فينتفع من اراء علمائها ومن هؤلاء سيبويه قال (ان من كلامهم- يعني العرب- اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين وسترى ذلك ان شاء الله تعالى. اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو جلس، وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو ذهب وانطلق واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك وجدت عليه من الموجدة ،  
                                                       وجدت اذا اردت الوجدان) 2                                                                                                                                         وجدت اذا اردت الوجدان.                                                            
وللجاحظ في هذا الباب مما لا يترك اذ يقول (قال بعض جهابذة الالفاظ ونقاد المعاني: ان المعاني قائمة في صدور الناس المتصورة في اذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة وموجودة في معنى معدومة لا يعرف الانسان ضمير صاحبه، ولا حاجة اخيه وخليطه  ، ولا معنى شريكه المعاون له )3.              
واهتمت العرب اهتماما كبيرا (بالبحوث الدلالية التي امتلأت بها كتبهم مثل المقاييس لابن فارس والصاحبي في فقه اللغة و الخصائص لابن جني والمزهر للسيوطي، كما عقد الاصوليون ابواباً للدلالات في كتبهم تناولت   موضوعات  مثل ، دلالة المنطوق ودلالة المفهوم، وتقسيم اللفظ بحسب الظهور و بحسب الظهور  والخفاء والترادف، والاشتراك والعموم والخصوص و بحوث لغوية تطورت على ايدي علماء الاصول للاستاذ محمد تقي الحكيم)4 .                                       

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- النص ماخوذ عن دلالة الالفاظ بتصرف                 2- الكتاب 1\49
3- البيان والتبيين 55                                         4- علم الدلالة
رأي المحدثين
لقد كان لدراسة اللفظ والمدلول أهمية كبرى في علم الدلالة ، الذي درس المعنى فأصبحت الدراسات اللغوية تتمحور فيه ، ومما يلفت النظر ان هذه الدراسات قد اخذت حيزاً واسعاً،فنظر اكثرهم ان الصورة الصوتية التي ننطق بها تثير صورة ذهنية، ترتبط كلياً او جزئياً بصورة خارجية.                                        
وقد ثار جدل بين علماء اللغة الغربيين في علاقة اللفظ والمعنى اهي طبيعية ام اصطلاحية؟                                                                           
فالطبيعية: تعني ان تكون دلالة الالفاظ على معانيها ذاتية، اي ان لكل صوت معنى يرمز له، وهنا تكتسب الالفاظ دلالتها من خلال نبرتها الصوتية فتحصل العلاقة الطبيعية بين الاصوات الدلالات.                                         
الاصطلاحية:
هي ما يفرضها الانسان بمحض ارادته، فيختار اسماً لكل مسمى تواضعاً واتفاقاً فتكون الالفاظ رموزاً لغوية اصطلاحية، تنفي التلازم بين الصوت والمعنى أو بين اللفظ و دلالته (فاهل الربط الطبيعي بين اللفظ ودلالته كان لهم الحظ الاوفر في نجاح ارائهم و كان منهم دي سو سير الذي راى ان العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية ).                                                               
وهذا الامر ليس جديداً فقد اشار اليه علماء الاصول معتمدين على المنطق في تقسيم الدلالات اللفظية فقد (قسموا الدلالة الى تصورية، وهي ان ينتقل ذهن الانسان الى معنى اللفظ بمجرد صدوره من لافظ، او تصديقية وهي دلالة اللفظ على ان المعنى مراد المتكلم في اللفظ وقاصداً استعماله فيه، فالدلالة التصورية غير تابعة للارادة بل تابعة لعلم السامع بالوضع)2.                                          
(والحق ان الدلالة تابعة للاردة واول من تنبه الى ذلك الشيخ نصير الدين الطوسي)3 .                                                                           
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- الدراسات اللغوية الحديثة 8            2- اصول الفقه للمظفر 1\28                 3- المصدر نفسه

استيحاء الدلالة من الالفاظ
لكل لغة نظام خاص في تاليف الفاظها، فالفاظ اللغة العربية تتالف من الحروف الهجائية، ويتكون اللفظ من هذه الحروف، فان تعدى الى غير هذه الحروف كان اللفظ غير عربي. ونسيج اللفظ له خصوصية فان تعداها فاللفظ غريب فعند العرب مثلاً لا يجتمع الجيم وحرف القاف مثل كلمة المنجنيق فهي غير عربية.   وفي ذهن الانسان ذخيرة لفظية مكتسبة في مراحل حياته، وهنا راى اللغويون ان السليقة هي مظهر من مظاهر الوراثة فلو ارتجلنا لفظاً لشخص وطلبنا منه ان يخمِّن دلالة اللفظ، واخترنا شخصاً اخر يعيش في الوسط نفسه والبيئة نفسها، فقد يستخرج لنا دلالة لفظ متقاربة او شبيهة مع الاول.والمحدثون من اللغويين لا يقولون بالسليقة  ولا علاقة لذك بالوراثة.                                            
وهنا قالوا بان المرء يتعلم لغة ابويه ويربط منذ طفولته بين الفاظ قومه ودلالتها ربطاً وثيقاً وبهذه الطريقة، وهي ما تجعل لديه ملكة كسب وهذا ما يحتاج الى زمن طويل.                                                                           
لقد اثبتت التجارب ان القدرة على استيحاء الدلالات مرجعها ما يكسبه الانسان من الفاظ معينة ومن ربطه بين تلك الالفاظ ودلالاتها ربطاً وثيقاً ويرى فندريس (ان كلمة اياً كانت توقظ دائماً في الذهن صورة ما، بهيجة او حزينة، رضية او كريهة، كبيرة او صغيرة، معجبة او مضحكة.ويضرب مثلاً قائلاً اذكر اسم انسان ما امام شخص لم يره قط فانه يكون عنه فكرة في الحال، فكرة زائفة على وجه العموم فاذا قدمت له هذا المجهول على الفور، ومثل هذا الشيء ونفسه يحصل بالنسبة الى كلمات اللغة، فادراكنا للاشياء خاضع لانطباعات فجائية منبعثة من الاسم الذي يدل عليهما) 1.                                                
وان التجارب اثبتت ان اللغة تخضع لنظام خاص في تركيبها من الحروف الهجائية، وان بعض هذه الالفاظ يخترعها المرء في حافظته ، وهي ان خضعت للنظام العام للغة فستتميز بصفات معينة، تترك اثر قوياً في ذهن من يعينها و يحفظها                                                                                  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- دلالة الالفاظ 78
اكتساب الدلالة ونموها
افصحت التجارب ان دلالات الالفاظ تنشأ عند الطفل، من خلال ما يحوطه من البيئة، ويبدأ ذلك من خلال مناغاة الطفل في ايامه الاولى مما يسمعه فينتقل الى ذهنه صورة تجعل للاشياء دلالة، فلو ان الام او ممن حوله كرر كلمة كان تكون دمية مثلاً (لعابة) بما يعبر عنه في العامية، نلاحظ ان ذهنية الطفل تنتقل الى دلالة ما يعبر عنه وهذا ما يمت بصلة الى نظرية السلوك اللغوي.                
لقد (اقترح جنسن عام 1966 نظرية السلوك اللغوي، وخلاصتها ان التعلم اللغوي يبدأ حين يسمع الطفل كلمات مثيرات في البيئة، وقبل العام الاول تمثل بيئة الطفل خليطاً من الضوضاء، والطفل لا يستطيع ان يميز الا قليلاً من الكلام الانساني والاصوات الاخرى التي يسمعها ثم يبدأ في هذا التمييز، ويشير جنسن الى هذه المرحلة بالرمز (م ل) حيث يدل الرمز الى مثير لغوي. اذ يستجيب الطفل الى المثير فحين تخبر الام الطفل ان يمسك كرة فانه يميز الصوت)1.
ثم تتنامى قابلية الطفل لايجاد دلالات لالفاظه منها في السنوات الاولى، بالاشارات و في البداية بالمناغاة و في الثالثة يعتمد على نفسه بالسلوك اللغوي وايجاد دلالات الاشياء لان قدرة التفكير اصبحت اعمق. ففهم الدلالات يكون ادق (ويمكن وصف هذا النوع من التعلم بصورة اكثر تفصيلاً لبيان العلاقة بين البيئة والاستجابة اللفظية والسلوك الحركي فنقول: ان الطفل قد يرى الكرة و هي كشيء يعد من مثيرات العالم الخارجي اي البيئة فيتحدث الى نفسه فيقول ((اقذف)) ثم يقذف الكرة، وهي استجابة حركة فيزيائية صريحة) 2.             
وتبدأ في سلوك الانسان ان الطفل يمكن ان يميز مدلولات الاشياء فينطق بها لانها تعبر عن رغباته وميوله ولذلك تتنامى عنده دلالات اللفظ. وهنا ايضاً نجد ان للطفل قدرة عقلية تميزه فقد (يخطئ بعض الاباء والامهات حين يتصورون ان اطفالهم الصغار لا يكادون يفهمون شيئا مما يدور حولهم)3                    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- علم النفس التربوي 456                   2- المصدر نفسه 456
3- دلالة الالفاظ 91


لقد مرّ كل واحد منا بتجارب مع الاطفال، ورسم كل منا مؤشرات حول هذه الدلالات التي تتعلق بسلوك الطفل ، وكان اول هذه الاشياء يعتمد على بيئة الانسان ، فقد يرى بعض الاطفال مثلاً في باديءالامر كلباً حيث شكلت هذه الصورة لديه دلالة ، فبعد فترة وكان هذا الطفل في عزلة تراه يسمي الحمار كلباً بالربط بين الصورتين لايجاد دلالة وربما كان ربط الدلالة عنده او العلاقة هي الاربع ارجل فقد ربط ذلك عندما سمع اللفظ الاول حين رأى الكلب. وهذا ما لفت نظري في يوم عندما اضطررنا للعيش في صحراء ، وهي من التجارب الميدانية الحقيقية ولم تنحصر في هذا المثل بل هناك امثلة اخرى كثيرة. فالطفل في الوقت الذي يحاول فيه تعميم الدلالة (نراه يخصص من العام و يقصر ما هو عام الدلالة على شيء معين مر به في تجاربه مرتبطاً بذلك اللفظ ذي الدلالة العامة ، فقد يتصادف ان يسمع الطفل ممن حوله وفي اثناء لعبته عبارات خذ لعبتك ، هات لعبتك ، لعبتك حلوة وكانت صورة لعبته على شكل حيوان ، ويصر على عدم استعمال هذا اللفظ الا حين تكون اللعبة على الشكل المعين) 1.                    
في المذكور انفاً تصادف الطفل صعوبات وهذه الصعوبات تتلخص فيما يأتي:   
1- الدلالات ذات الالفاظ المتضادة يخلط الطفل بينها ويستعمل احدها بدل الاخر مثل يمين ويسار فوق وتحت. ويستمر مع الطفل هذا لفترة.                    
2- المشترك اللفظي كأن يقول الأب ارسلت لي الدائرة كذا كتاب والطفل يعني عنده لفظ الكتاب ما كان يقرأ به ابوه أو اخوه وهذا ما يحصل كثيراً وله امثلة كثيرة. والطفل في مثل هذا الامر لا يفهم القرائن و من الصعوبة ان يتعقلها.
3- تشابه الاصوات كالسورة والصورة 2
وحقيقة الامر ان التشابه قد يكون في الصوت أو في طريقة اداء الحرف الذي قد يكون مقارباً أو من المخرج الصوتي نفسه.                                        
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- دلالة الالفاظ 93
2- دلالة الالفاظ بتصرف 97
وغير مما ذكر كثير ويمكن أن يؤشره الأباء بالمتابعة عند نشأة الطفل الى وصوله الى مرحلة اكتمال النمو اللغوي الطبيعي.                                   
وقد ترد أحياناً أسألة في اذهان الاطفال يعجز الأباء عن اجابتهم عنها ، فيمكن للطفل أن يشكل علاقات مغلوطة في الدلالات ،  وهذا الامر لا يعني أن الطفل ليست له المقدرة على ايجاد علاقات ، الا أن الامر يتعلق بمستوى معرفة الآباء لايجاد طريقة معقولة لتكوين الدلالات الصحيحة وطريقة ربطها في ذهن الطفل فقد لا تسعفه السليقة وحدها ولا تمكنه من ايجاد العلاقات لان الامر مكتسب ويحتاج الى تامل ولكن في مثل هذا الامر لا يُخشى لأن هذا يمر بتطور نشأة الدلالة عند الطفل بالشكل الطبيعي الذي يحصل عند ابناء كل البشر .             
وكلّ مايكسبه الطفل هو محاكاة لبيئته ، وهنا تتجسد لديه الخبرة في ايجاد علاقات يستطيع من خلالها حلّ عقده ، وهذا شأن المعرفة والكسب ينمي فهم الدلالة ، بعوامل اخرى منها الحب الفطري للمعرفة ، فالمعرفة يمكن أن تلبي حاجياته أو تعطيه حلولا معقولة يمكنه من خلالها الوصول الى مآربه ، وهنا تنمو الدلالة عنده.