بحث عن شعر المعلقات في العصر الجاهلي

المعلقات وقضية التعليق

      المعلقات هي أكثر قصائد الشعر الجاهلي شهرة وذيوعا، واسم " المعلقات " أكثر أسمائها دلالة عليها فربما سميت المذهبات ، أو السّموط ، أو المشهورات([1]) غير أن اسم المعلقات غلب عليها ، وصار أكثر هذه الأسماء ذيوعا ، وأدلها على تلك القصائد التي بدت متميزة من بين النتاج الشعري خلال العصر الذي سبق ظهور الإسلام .
      ومن الطبيعي أن تثير دلالة الاسم حماسة الباحثين الذين راحوا منذ القديم يسألون : ما معنى المعلقات ؟ وما سرّ هذه التسميات ؟ فإذا ما روي عن ابن الكلبي ( ت 204هـ ) أن أول شعر عُلق في الجاهلية شعر امرئ القيس .." علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم حتى نظر إليه ثم أُحدر.." فعلّقت الشّعراء كذلك من بعده ، وكان ذلك فخرا للعرب في الجاهلية ، وعدّوا مَنْ علق شعره سبعـة نفر([2])" تردد القول بربط الاسم إلى حدث التعليق المذكور ، وتناقل ذلك الباحثون القدامى منهم والمحدثون . فإذا ما عرفت رواية أخرى لأبي جعفر النحاس ( ت 338هـ ) تسمي هذه القصائد " المشهورات " ويقول فيها : " إن أكثر العرب كانوا يجتمعون بعكاظ ويتناشدون ، فإذا استحسن الملك قصيدة قال : علقوها وأثبتوها في خزانتي . وأما قول من قال : إنها علقت في الكعبة فلا يعرفه أحد من الرّواة ، وأصحّ ما قيل في هذا أن حمادا الراوية لما رأى زهد الناس في حفظ الشعر جمع هذه السبع وحضهم عليها ([3] ) ..." . إذا بالباحثين ينقسمون تجاه هذا الأمر قسمين . أحدهما ينكر التعليق على الكعبة ، ويفهم رواية ابن الكلبي فهما مجازيا أو يشكك فيها ، والآخر يثبت التعليق ، ويتحمس له ،ويدافع عنه ، ويسوق الدليل تلو الدليل ، ويفند حجج المخالفين حجة بعد حجة ، حتى ينتهي إلى الاطمئنان لما يعتقده صوابا، ويمنح القارئ والمتابع للقضية يقينا يشبه يقينه .

مؤيدو التعليق :
      وأهم الكتّاب الذين عرضوا لخبر التعليق واعتمدوه ، ودافعوا عن معرفة العرب في ذلك العصر بالكتابة ، وأثبتوا بأدلة وجيهة شيوعها هم :
      نجيب محمد البهبيتي إذ انتهى إلى القول : إن رواية الشعر في العراق جاءت من أصول مكتوبة ، وان الشك الذي بني على أن رواية الشعر الجاهلي في العراق كانت شفهية شك لا يعتمد على أساس متين ، ولا يقوم للتحقيق العلمي . لقد كان الشعر الجاهلي الباقي حتى ذلك الحين ،والذي نقله رواة العراق ، وشغلوا به مكتوبا وقع لهم تراثا لم يقع مثله للأقطار الإسلامية الأخرى ([4]) .
      أما الدكتور ناصر الدين الأسد فيدلل على صحة الخبر بما قاله ابن عبد ربه والبغدادي ، فيقول : إن عرب الجاهلية كانوا يعلقون وثائقهم وكتاباتهم ذات القيمة في الكعبة لقداستها في نفسوهم وأوضح مثال على ذلك أن تعليق هذه الكتابات كان أمرا مألوفا متعارفا عند العرب ([5]) .
      أما بدوي طبانة فكان من المتحمسين لفكرة التعليق ، إلا أنه لم يضف شيئا جديدا مهمّا إلى ما ذكره البهبيتي ، وناصر الدين ([6]) .
      ومهما يكن من أمر فإن المعلقات تمثل الشعر الجاهلي الذي بلغ درجة النضج والكمال . أضف إلى ذلك أنها تعطينا صورة قّيمة عن حياة العرب السياسية والاجتماعية إذ يتّصل بعضها بحوادثَ عظيمةٍ في الجاهلية كمعلقة زهير ، ومعلقة عنترة ، ومعلقة عمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلّزة . ويتصل بعضها الآخر بظاهرة اجتماعية بارزة في حياة العرب في ذلك العصر ، وهي حياة اللهو والفراغ والفخر بإتلاف المال في المتعة وقرى الضيفان .

مُنكروه :
أنكر كثير من المعاصرين قضية تعليقها ، ومنهم من عدّها أسطورة من الأساطير([7]) لأسباب منها :
1- إن أول من ذكر هذه القصة ابن عبد ربه ، وهو أندلسي وأيده ابن رشيق ، ثم ابن خلدون ، وكلهم مغاربة . ولو كانت القصة صحيحة لذكرها علماء المشرق ، وهم يعيشون في بيئة الرواية ، فلم يتعرض لها الجاحظ في كتاب من كتبه ، ولا المبرد في كامله ، ولا ابن سلام في طبقاته ، ولا ابن قتيبة في مؤلفاته ، وكلهم من علماء القرن الثالث .
2- أمية العرب ، والكتابة عندهم غير شائعة .
3- إن في المعلقات ما يدنس الكعبة ، وقد ورد في بعض أشعار المعلقات ما يشمئز منه الخلق العربي في كل العصور ، كتصوير بعض أوضاع ماجنة ، وأفعال مستقبحة ، يأباها الرجل النبيل ، والعربي الأصيل ، ويتساءلون : أبلغت الاستهانة بالكعبة درجة سمحت للعرب ، ولمضرَ خاصة أن تعلّق مثل هذا عليها .
4- أين كانت هذه المعلقات حين دخل الرسول (ص) الكعبة يوم الفتح ؟ وكيف كان مصيرها ؟ لقد تحدث رواة السيرة والاخباريون عن تحطيم ما كان بالكعبة من أصنام ، وإزالة ما كان على جدرانها من صور الأنبياء والملائكة ، ولم يشر أحد منهم إليها .
5- كيف اختيرت هذه القصائد ؟ ومن الذي كتبها ؟ ومن الذي علقها ؟ ومن أمر بتعليقها ؟
6- الاختلاف في عددها : ولو كانت هذه القصائد معلقة حقا ، وكان الناس مطلعين عليها لما وجدنا هذا الخلاف في عددها ، فهي عند ابن الأنباري سبع ، وعند ابن النحاس تسع ، وعند التبريزي عشر . واختلفوا في أصحاب القصائد السبع ، مَنْ هم؟ واختلفوا في أي قصائد الشاعر هي المعلقة .

رواية الشعر الجاهلي

      اعتمد العرب في حفظ الشعر الجاهلي ، منذ عصر إنشاده إلى عصر تدوينه على الرواية الشفوية ، وقد ساعدهم على ذلك ذاكرة فردية وجماعية قوية ، وملكات قادرة على الحفظ والاستيعاب .
      فقد كانت الرواية القناة الواسعة التي تدفق من خلالها الشعر الجاهلي قرونا طويلة ، مما دفع كثيرا من الباحثين إلى إنكار سواها ، فهذا إبراهيم عبد الرحمن يقول : " كانت الرواية الشفوية وسيلة الجاهليين إلى رواية أشعارهم وحفظها ، وعن طريق هذه الرواية وحدها وصل إلينا قدر كبير من قصائده ومقطعاته ([8]) " .
معنى الرواية : إن كلمة " رواية " وفق مدلولها اللغوي القديم ، الوارد في المعجمات العربية تعني الحيوان الذي يحمل الماء ، ولم تقتصر الغاية على الدّواب، كالجمال وغيرها ، بل تعدّت إلى الإنسان ، فصار الشخص الذي يحمل الماء يعرف بالراوية أيضا ، وكذلك المزادة المصنوعة من الجلد أو القماش ، عرفت بالرّاوية  عندما تكون مملوءة بالماء . وهذه كلها تجمع على( روايا ) ، فلما صارت كلمة راوية تطلق على حامل الشعر ، ميزوا جمعها ، فقالوا : رواة ،وهي تعني كل شخص يحفظ شعرا وينشده ،أو يلازم شاعرا ويحمل عنه شعره ، ثم تطور المصطلح بعد ذلك إلى غير الشعر من فنون النشاط الذهني .



المعلقات وقضية التعليق
سبب تسمية المعلقات بهذا الاسم
بحث عن المعلقات للصف الاول الثانوى
عدد المعلقات؟
اشهر اصحاب المعلقات في العصر الجاهلي
لماذا سميت المعلقات بالسموط
سبب تسمية المعلقات بالمذهبات
خصائص المعلقات
كم عدد ابيات المعلقات




[1] - ابن عبد ربه : العقد الفريد ، 3/116 .
[2] - بدوي طبانة : معلقات العرب ، 19 .
[3] - نفسه .
[4] - نجيب محمد البهبيتي : تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث ، 192 .
[5] - مصادر الشعر الجاهلي : 170-172 .
[6] - بدوي طبانة : معلقات العرب ، 21-55 .
[7] - انظر :
د . شوقي ضيف : العصر الجاهلي ، ص 140 ، و د. أحمد محمد الحوفي : الحياة العربية من الشعر الجاهلي ، ص 204-212 ، ود . يوسف خليف : دراسات في  الشعر الجاهلي ، ص 216 ، ود . عبد الحميد سند الجندي : زهير بن أبي سلمى ، ص 191، ود . نوري حمودي القيسي : تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام ، ص 92-96 ، ود . عبد المنعم الزبيدي : مقدمة لدراسة الشعر الجاهلي ، ص 85 وما بعدها .
[8] - د . إبراهيم عبد الرحمن : الشعر الجاهلي :قضاياه الفنية والموضوعية ، ص 67 .