مفهوم الدولة الحديثة

: الدولة الحديثة
  الدولة الحديثة
يقول (جوزيف شتراير) "إن أفظع مصير يمكن معرفته في العالم الراهن، هو مصير من لا وطن له"([1])، ويؤكد (شتراير) أن شخصاً بدون عائلة، وبدون سكن ثابت، وبدون انتماء ديني يمكن أن يعيش حياة مكتملة بصورة كافية، لكنه بدون دولة ليس شيئاً، وليست له حقوق، ولا أي أمن، وعلى الأرض لا خلاص خارج إطار دولة منظمة، وهذه لم تكن الحالة دائماً، لقد كانت ثمة عهود ليست بعيدة جداً على قياس التاريخ، حيث لم تكن الدولة موجودة، دون أن يوجد أحد يعترض على هذا الغياب([2]).وتثير هذه المسألة تساؤلات وجدالات حادة بين المختصين والباحثين حول ما إذا كانت الدولة ظاهرة قديمة قدم المجتمعات البشرية أم ظاهرة حديثة؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات هناك آراء مختلفة في الفكر السياسي المعاصر، ويحدد لنا (عبد الله العروي) أربعة وجهات نظر رئيسة ومختلفة حول هذه المسألة([3]):-
1)    عند انجلز والأثنولوجيين (علماء الإنسانيات)، ترتبط الدولة التاريخانية باستقرار القبائل الرحل والملكية الخاصة والكتابة، وهي خصائص نشأة التاريخ المكتوب ابتداءً من القرن الخامس عشر قبل الميلاد على أقل تقدير، والتي تدوم بدون تغيير جذري إلى أن ينتهي عهد الملكية الخاصة وتقسيم المجتمع إلى طبقات (ستنتهي وتنتهي معها الدولة)، حسب قول انجلز.
2)    وعند ماركس في نقده لفلسفة قانون هيجل، تعني الدولة التنظيمات الجديدة التي عرفها عهد النهضة وعهد الثورة الفرنسية.
3)    في اجتماعيات القرن (التاسع عشر)، تعني الدولة الصناعية، دولة مجتمع يغلب فيه العمل في المصانع والمتاجر على العمل في الحقول، وطبقة الأجراء الصناعيين على الفلاحين، الرأسمال النقدي على الملكية العقارية، وكلها تطورات تنعكس على وظائف الدولة وأجهزتها، يعني أنها ليست حديثة وإنما امتداد للسابق ولكن بوظائف وبنى جديدة.
4)   في اجتماعيات أواسط القرن العشرين، تعني الدولة الجهد المترتب على تداخل العلم والصناعة وارتفاع نسبة قطاع الخدمات على حساب قطاع الصناعة التحويلية، وانتشار الوسائل السمعبصرية ومستوى متقدم من تنظيم العمل ومراقبة العمال، أي دولة معاصرة. ويتساءل (عبد الله العروي) أي من النماذج نعني بالدولة القائمة الآن، التأريخانية؟ الحديثة؟ الصناعية؟ المعاصرة؟، ويجيب بالقول بأنه من البديهي أن أي حكم نطلقه على الدولة منوط بالنموذج الذي نستعمله عندما نصف وظائفها ووسائلها. إن نموذج انجلز فضفاض، أما النموذج الإعلاموي (المعاصر) فإنه ليس عاماً لأنه يخص قسماً ما يزال ضئيلاً بالنظر إلى المنتظم الدالي، رغم ان هذا القسم هو الأكثر غنى ووفرة ونفوذاً، ويبقى النموذج الثاني (الحديث) والثالث (الصناعي)، وهما يتداخلان ويؤلفان نموذجاً واحداً يسمى الدولة الحديثة وهو ما يستعمله الباحثون في العلوم السياسية. ولم يحسم الأمر حول هل أن للدولة الحديثة جذور تاريخية أي هل أنها امتداد للدول الوسيطة والقديمة؟ أم أنها حديثة بكل ما تعني الكلمة، أي أنها ظهرت في المجتمعات الحديثة بشكل منقطع عن السابق.
ويمكن تحديد اتجاهين اثنين رئيسين من الآراء حول هذه المسألة واتجاه ثالث تتراوح آراؤه بين الأول والثاني، الاتجاه الأول يقول بأن الدولة ليست ظاهرة حديثة وإنما قديمة قدم المجتمعات رغم بعض الاختلافات في بنيتها وشكلها، والاتجاه الثاني يقول بأن الدولة ظاهرة حديثة، برزت إلى الوجود بعد أن تجاوزت المجتمعات الغربية العصور الوسيطة ودخلت العصور الحديثة بكل ماتبعتها من التحولات والتغييرات في كافة المجالات الحياتية، وهناك مجموعة آراء أخرى تقول بأنه صحيح أن الدولة الحديثة بشكلها وبنيتها الحالية حديثة النشأة، ولكنها وجدت في المجتمعات القديمة بشكلها الجنيني وتحت مسميات أخرى، وإن كانت الاختلافات بين الدولة الحديثة وأشكالها القديمة كثيرة وكبيرة إلا أنها في بعض جوانبها تعتبر امتداداً لها، وبالتالي لا يمكن اعتبار (الدولة) ظاهرة حديثة بالمطلق. ونحاول أن نستعرض بعض تفاصيل هذه الاتجاهات  باختصار فيما يلي:-
الاتجاه الأول: الدولة قديمة قدم المجتمعات، فحسب مؤيدي هذا الاتجاه فإن فكرة الدولة تعود لكافة المجتمعات البدائية منها والمتحضرة، فهناك دولة كلما كان بالإمكان التفريق بين طبقة تعود لها السلطة الآمرة وطبقة التي عليها واجب الطاعة، ومنذ الوقت الذي يستطيع به الفرد أو مجموعة أفراد  فرض إرادته أو إرادتهم سواء بالإقناع أو بالقسر على مجموعة من أفراد، يمكن القول بوجود الدولة([4]). وأبرز ممثلي هذا الاتجاه هو العميد (دوجي) الذي يذهب إلى إطلاق اسم الدولة على كل تنظيم للجماعة السياسية أياً كانت صورته([5]). وعلى ذلك فالدولة توجد حسب وجهة نظره، حيث توجد تفرقة بين الحكام والمحكومين، أي حيث تقوم سلطة سياسية تحكم الجماعة، وهذا واضح في تعريف سبق ذكره ل(العميد ديكي) للدولة بصورة قد توسع في إطلاق التسمية على مختلف أشكال الجماعات الإنسانية، وجعل الفيصل في ذلك وجود السلطة الحاكمة في هذه الجماعة الإنسانية، دونما التفات إلى ضوابط أخرى وشروط وضعها واشترطها الآخرون للجماعة الإنسانية كي تسمى بالدولة([6]). ويؤيد (شارلز تلي) هذا الرأي أيضاً ولكن مع بعض التحفظ والحذر وذلك في تمييزه بين الدولة باعتبارها منظمات تتحكم بالقسر وبين الجماعات العائلية والقرابية، ويؤكد بأن تعبير الدولة يشمل (المدن- الدول، الإمبراطوريات والدول القائمة على سلطة رجال الدين وأشكال أخرى كثيرة من نظم الحكم، لكنه لا يشمل القبائل أو القرابات أو الكنائس. ويشير (شارلز تلي) إلى أن الكثير من دارسي السياسة يستخدمون تعبير الدولة بالمعنى التنظيمي، إلا أن بعضهم يوسعه ليشمل أية بنية للسلطة على كتلة سكان كبيرة ومتقاربة، بينما يقصره الآخرون على المنظمات ذوات السيادة القومية (فقط) الممركزة  والمتمايزة نسبياً، أي على يسميه (تلي) بشكل تقريبي الدولة-القومية، وحسب رأي تلي فأن بقايا الحفريات تدل على وجود أول دولة منذ عام (6000 ق.م)، وكانت هذه تتكون من عاصمة (في الغالب) يحكمها كاهن تحيط بها منطقة تدفع الخراج غير أنه بعد ذلك وحوالي (2500 ق.م) ظهرت إمبراطوريات في بلاد مابين النهرين([7]). ويضيف (تلي) أنه على امتداد التاريخ الإنساني، لم تظهر الدولة إلا نادراً، فمعظم الدول في التاريخ لم تكن قومية، بل إمبراطوريات ومدناً- دولاً أو مدناً دولاً.
ويؤيد (منذر الشاوي) وجهة نظر العميد (ديكي)، ويقول "الدولة ليست في الحقيقة إلا التمييز بين الحكام والمحكومين، وبوجود هذا التمييز تظهر الدولة"([8])، ولكنه يتساءل بأن ظاهرة التمييز بين الحكام والمحكومين اذا كانت موجودة في كل المجتمعات والفئات الاجتماعية، فكيف نميز إذا بين هذه الفئات والدولة؟ وهل يمكن إطلاق صفة الدولة على كل أو أية فئة اجتماعية يوجد فيها أشخاص (قل عددهم أو كثر)، يأمرون، وآخرون يطيعون؟ أم هناك مميزات خاصة بالدولة تنفرد بها عن باقي الفئات الاجتماعية الأخرى؟([9]). يجيب (الشاوي)، بأنه في الواقع هناك مميزات خاصة بالدولة تختلف بها عن باقي الفئات الاجتماعية الأخرى، والفرق الأساس حسب رأيه هو في درجة تنظيم السلطة في كل من الدولة وهذه الفئات الاجتماعية، وليس فرقاً في طبيعة هذه السلطة، فالسلطة في الدول تمتاز بدرجة كبيرة من التعقيد أو التطوير في التنظيم لا يوجد في الفئات الأخرى، ويتجلى ذلك في الجهاز الحكومي والسلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)([10])، ولكنه يبقى يؤكد على أن الدولة وجدت في المجتمعات القديمة مهما كانت درجة تخلفها أو تقدمها، وإذاً فأن الدولة ليست ظاهرة حديثة.
وهناك بعض الباحثين العرب ايضا يعتقدون بأن الدولة ظاهرة قديمة، وخاصة في المجتمعات الشرقية، ويقولون بأن العرب لم يعرفوا مصطلح الدولة، ولكنهم (أي العرب) عرفوا مفهوم الدولة كواقعة قبل الإسلام في ممالك اليمن في سبأ وحمير ومعين، وفي دولتي المناذرة والغساسنة وقد تلازم هذا المعنى عندهم بالسلطان حتى غدا اسم الدولة أو المملكة ملازماً لكلمة السلطان في الفكر السياسي العربي الإسلامي، لاسيما في عصوره الوسيطة التي أعقبت انهيار الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى. وعلى الرغم من إقرار بعض الباحثين العرب بأن اسم الدولة (State) بمعناه الحالي، لم يظهر في اللغات الغربية إلا في العصر الحديث والمعاصر، إلا أن هذا المفهوم ظهر بمسميات مختلفة في الفكر الشرقي عموماً والفكر العربي الإسلامي بصورة خاصة، وهكذا يؤكد البعض على أن الدولة قديمة عرفها العالم قبل آلاف السنين، وقد كان للشرق قصب السبق على الغرب في تنظيم أوجه السلطات، وإن كان ذلك، كما يقولون، تحت مسميات وعبارات لم تشر إلى كلمة الدولة مباشرة، مستعيضاً عنها بعبارات أخرى مثل (الإمارة والخلافة والمملكة والسلطان أو السلطنة)([11]). وباختصار شديد، نستطيع القول بأن أنصار هذا الاتجاه لا يميزون بين الدولة والسلطة، وعندما يشيرون إلى الدولة القديمة فإنهم في الحقيقة يشيرون إلى السلطة السياسية في المجتمعات القديمة بأشكالها المتعددة وفي إطار أنظمة سياسية مختلفة.
الاتجاه الثاني: اعترض العديد من المختصين والباحثين، على الآراء المطروحة من الاتجاه الأول، ومن بينهم (لوسيان فافر Lucian Febvre)، الذي وصف هذه النظرة للدولة "بفرض الأفكار التي لا تطاق، وأن الكلام عن الدولة، إذا كان المقصود التخيل، بالرجوع إلى الماضي البعيد للمجتمعات البشرية، التي قد تكون بداية الانطلاقات لسلطة لا يمكن أن نسميها سياسية"([12])، وأنصار هذا الاتجاه يؤكدون على أن الدولة بالمعنى الدقيق للكلمة لا توجد إلا منذ حقبة التي تنفصل بها السلطة السياسية في مجتمع متحضر عن باقي العناصر القريبة منها، وبالأخص العناصر ذات الطابع الوراثي. وإذاً فأن هذا الفريق يرى بأن الدولة لا توجد إلا حيث تكون الجماعة السياسية قد وصلت إلى درجة من التنظيم، يجعل لها وجوداً مستقلاً عن شخص الحكام الذين يمارسون السلطة فيها([13]).
ويقول (جورج بوردو)، بأنه ليس كل مجتمع سياسي منظم دولة ولا يمكنا اعتبار التعاريف التي تقرنها بواقع التمايز بين المحكومين والحكام بأنها صحيحة ،لأن ما تكشف عنها هذه التراتبية هو وجود السلطة، وإذا كانت ظاهرة السلطة عالمية ، ثمة أشكال كثيرة لا تمت بصلة إلى الدولة . وأنه لكرم لفظي مفرط أن نطلق صفة الدولة على التنظيم السياسي الذي عرفه البابليون والماديون والفرس ، وكذلك عندما نطلق الصفة نفسها على السلطة التي يمارسها أحد شيوخ القبائل في ماليزيا أو في أفريقيا الإستوائية. إننا دون شك ، ففي الدولة ترتدي السلطة سمات لا نجدها خارجها، إذ إن طريقة تحذرها في الجماعة تعطيها خاصية تنعكس على وضع الحكام ، كما أن غائيتها تحررها من تعسف الأرادات الفردية ، وممارستها تخضع لقواعد تحد من خطرها. يبدوا أن ذلك كاف للحؤول دون دمج الدولة مع أي من التمايزات بين الرؤساء والرعايا.[14]   
ويشير (علي عباس مراد)، إلى تعدد وتنوع الأنظمة السياسية تبعا لتنوع وتعدد المجتمعات، والأزمنة، ومتطلباتها ومصالحها وهو ما جعل الأنظمة السياسية في العصور والمجتمعات السابقة تتخذ أشكالها التقليدية المعروفة والمناسبة والمتناسبة معها، مثل (رئاسة الجماعة الأولى، مشيخة القبيلة، زعامة القرية، دولة المدينة، المملكة، الإمبراطورية، الإمارة الإقطاعية، الخلافة، السلطنة)، وهذه كلها أنظمة سياسية لكنها ليست دولاً، فليس كل مجتمع سياسي منظم دولة، ثمة أشكال من السلطة لا تمت بصلة إلى الدولة([15]). وعلى هذا الأساس فأن يفترض ما تصفه الدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسية من أشكال النظم السياسية بأنه دولة، إما أن يكون من الأشكال التقليدية القديمة للنظم السياسية، وعندها لا يكون وصفه كدولة وصفاً صحيحاً، إذ لا تعدو حدود الاستعارة المجازية التي لا تتطابق فيها الصفة (الدولة) مع الموصوف (النظام السياسي التقليدي)؛ أو أن يكون الشكل الحديث للنظم السياسية والمقترن ظهوره بالحداثة الأوربية، حيث نتج منها وأنتجها في آن واحد، وعندها يكون وصف هذا الشكل بأنه (دولة State) صحيحاً تماماً، لأنه الشكل الوحيد من أشكال النظم السياسية الذي تتطابق فيه صفة الدولة مع موصوفها مع بقائه شكلاً واحداً فقط من أشكال السلطة السياسية في المجتمع ولكنها بالتأكيد ليس شكلها الوحيد. حيث كانت أوربا ومستعمراتها في تلك الحقبة بوتقة اجتماعية تفاعلت فيها وفي آن واحد شتى العوامل:-
-       السياسية: صراع السلطة المركزية مع الأمراء الإقطاعيين ورجال الدين.
-       الاقتصادية: صراع البرجوازية مع الإقطاع.
-       الاجتماعية: صراع العامة مع سلطة الملوك المطلقة والمقدسة، وسلطة الإقطاع والكنيسة.
-       الفكرية: صراع الجديد مع القديم والعلم مع الموروث، وعصر الأنوار والإصلاح الكنسي، ودعوات حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، والأسس المدنية للقانون وللسلطة، وفصل الدين عن السياسة ونظريات القومية السياسية وسيادة الأمة والسيادة الشعبية.
وكانت المحصلة الكلية لتفاعل هذه العوامل والصراعات التي أنتجتها ونتجت عنها، هي ظهور الدولة كشكل مستحدث لممارسة السلطة السياسية وتنظيمها وفقاً لتلك النتائج وبما يستجيب لدواعيها([16]).
ولـ(محمد جمال باروت) نفس الرأي تقريباً، حيث يقول، يمكن القول "بلغة النمذجة، إن الدولة الحديثة هي الدولة نفسها وما سواها نوع ما من السلطة قد يقترب أو ينقطع بهذا القدر أو ذاك مع نموذج الدولة إلا أنه يبقى نموذج سلطة"([17])، فإذا كان مستحيلاً وجود دولة دون سلطة فإنه من الممكن على الدوام وفي كل العصور والمجتمعات بما في ذلك عصرنا ومجتمعاتنا الراهنة، أن توجد سلطة دون دولة، فثمة أشكال من السلطة لا تمت بصلة إلى نموذج الدولة ومن هنا ينكر الفكر السياسي الأوربي وجود دولة بالمعنى الدقيق قبل نشوء الدولة الحديثة، فيعتبر أن كل ماجاء قبلها هو مجرد أطر شكلية للسلطة لا علاقة لها بالدولة بالمعنى الدقيق([18]).
وهناك مجموعة أخرى من الباحثين لهم آراء أكثر اعتدالاً بهذا الشأن، فمثلاً اعتبر (روبرت لووي) (Robert Lowie)، "إن الدولة موجودة في حالة جنينية في جميع المجتمعات، حتى أكثرها بدائية، وإنها مدعوة إلى التأسيس تدريجياً بقدر ما كانت تعمم ظاهرة الترابط وتضعف لحمات حياة الجماعات المتحدة". وهذه النظرة تنطلق من أفكار التيار التطوري، فعلم الاجتماع الوظائفي، بتصوره للدولة كنتيجة لتطور بطيء في الأنساق الاجتماعية وليس كنتيجة قطيعة تاريخية مفاجئة ويعتقد (صاموئيل آيزنشتا)، إن الإمبراطوريات فئة وسطية بين المجتمع التقليدي والدولة الحديثة، والإمبراطوريات تشير إلى تقدم بالنسبة للمجتمع التقليدي، وتبتعد بالمقابل عن الدولة الحديثة بجملة من السمات التي تجعل نتائجها السياسية جزئية وغير مكتملة، تبقى استقلالية السلطة السياسية الإمبراطورية محددة بحكم مقاومة الصيغ التقليدية للمشروعية، وبحكم ثقل التراتيب الاجتماعية، لا تكون المؤسسات منزوعة الشخصية إلا بشكل ضعيف، ولا يبلغ إلى المجال العام أخيراً إلا درجة ضعيفة من الشمولية، فيكون عند هذا المستوى ضحية استمرار الولاءات المحلية التقليدية، والخمول السياسي عند السكان الذين يجهلون المركز ولا يتوجهون إليه أبداً، بهذا الشكل يتصور (آيزنشتاد) الإمبراطوريات كشكل ما قبل الدولة الحديثة([19]). ويؤكد (جوزيف شتراير) عند الحديث عن نشأة الدولة الحديثة أنه لم توجد البتة دول في عهود سابقة، أو في عالم غير أوربي، (Lapolis- البوليس) اليونانية كانت بلا جدل دولة، وكذلك إمبراطورية (هان) في الصين، أو الإمبراطورية الرومانية، لكن فيما يتعلق بأصول الدولة الحديثة، فهذه ليست مشتقة بصورة مباشرة من أي مثال من هذه الأمثلة القديمة([20]).
وهكذا يتضح لنا بأن أنصار هذا الاتجاه ينقسمون مابين من يرى في الدولة الحديثة امتداداً للكيانات والنسق السياسية السابقة، أو شيئاً مختلفاً عنها ومتجاوزاً لها، ومن يقول إن "الدولة الحديثة تتحقق بطريقة تدريجية متجاوزة ومحسنة أشكال النسق السياسي السابق"([21]). ويرى أنصار (علم اجتماع الحداثة)، الدولة كبنية تحتية للمجتمعات الصناعية غير قابلة للفصل عن التطور الاجتماعي-الاقتصادي بصرف النظر عن مكان تحققه، ويؤكد (جان دابان- Jean Dabin) على أن الإنسان قد دخل عصر الدولة بخطوات بطيئة وطويلة، خضعت لمؤثرات مختلفة ومتشابكة من النواحي الدينية والاجتماعية والعسكرية، ويقول أيضاً، بأن الدولة المعاصرة تعود إلى أواخر القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر الميلادي بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية([22]). وقد يختلف الباحثون فيما بينهم حول بداية نشأة الدولة الحديثة، ولكنهم يتفقون على الربط بين نشوء الدولة الحديثة وتفكك الإطار الإمبراطوري للسلطة وانتهائه، وتم ذلك حسب آراء الباحثين أول ما حدث في أوربا الغربية، وتحقق أول اعتراف بالدولة الحديثة ولو بشكلها البدائي من خلال معاهدة ويستفاليا (1648)، التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوربا، وأرست معالم نظام دولي جديد تقوم وحدته الأساسية على الدولة-الأمة([23]). ويقول (إسماعيل غزال) بأنه منذ القرن الثالث عشر حتى القرن الرابع عشر الميلادي برزت شيئاً فشيئاً في قلب النظام الإقطاعي الملامح الأساسية للدولة الحديثة([24])، ولكن (جوزيف شتراير) يؤكد على أنه خلال القرون الممتدة بين عام (1000م إلى 1300م) شهدنا ظهور بعض العناصر الأساسية للدولة الحديثة، ومنذ بداية القرن الرابع عشر أصبح بديهياً أن الدولة ذات السيادة ستكون البنية السياسية العالمية في أوربا الغربية، ويشير إلى أن الدولة الحديثة تطابق المخطط الذي نشأ في أوربا مابين (1100-1600)م.

الدولة الحديثة

مفهوم الدولة الحديثة

عصر الدولة الحديثة

عصر الدولة الحديثة للصف الاول الاعدادى

بحث عن الدولة الحديثة عصر المجد الحربي

ملوك الدولة الحديثة واهم انجازاتهم

بحث عن الدولة الوسطى

الدولة الحديثة في

اشهر ملوك الدولة القديمة واهم اعمالهم



([1]) جوزيف شتراير، الأصول الوسيطة للدولة الحديثة، ترجمة: محمد عيتابي، ط1، دار التنوع للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1982، ص7.
([2]) المصدر السابق، ص7 ومابعدها.
([3]) عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط7، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006، ص 62 وما بعدها.
([4]) إسماعيل غزال، القانون الدستوري والنظم السياسية، م.س.ذ، ص70.
([5]) كطران زغير نعمة، مبادئ القانون الدستوري (نظرية الدولة)، م.س.ذ، ص9-10.
([6]) عمر أحمد قدور، شكل الدولة وأثرها...، م.س.ذ، ص23.
([7]) تشارلز تلي، الدولة والقسر رأس المال عبر التاريخ، م.س.ذ، ص6.
([8]) منذر الشاوي، الدولة والديمقراطية في الفلسفة السياسية والقانونية، م.س.ذ، ص24.
([9]) المصدر السابق، ص24.
([10]) المصدر السابق، ص25.
([11]) للتفاصيل ينظر: عمر أحمد قدور، شكل الدولة وأثره..، م.س.ذ، ص14-15 وما بعدها؛ محمد شحرور، دراسات إسلامية معاصرة (الدولة والمجتمع)، م.س.ذ، ص180؛ محمد سعيد طالب، الدولة العربية الإسلامية (الدولة والدين؛ بحث في التاريخ والمفاهيم)، ط2، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 2005، ص3 وما بعدها.
([12]) إسماعيل غزال، القانون الدستوري والنظم السياسية، م.س.ذ، ص70.
([13]) كطران زغير نعمة، مبادئ القانون الدستوري (نظرية الدولة)، ص10.
[14] جورج بوردو،الدولة ، ترجمة: سليم حداد،ط3،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت- لبنان،2002،ص17
([15]) نقلا عن: علي عباس مراد، المجتمع المدني والديمقراطية (مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية)، مجلة دراسات في الاقتصاد، مجلد 21، العدد الأول والثاني، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة قار يونس، بنغازي، الجماهيرية العربية الليبية، 2002، ص122-123.
([16]) المصدر السابق، ص124.
([17]) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة: مراجعات نقدية، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا-اللاذقية، 2000، ص34.
([18]) المصدر السابق، ص34.
([19])نقلاً عن: برتراند بادي، بياربيرنبوم، سوسيولوجيا الدولة , م س ذ، ص39-40.
([20]) جوزيف شتراير، الأصول الوسيطة للدولة الحديثة، م.س.ذ، ص12.
([21]) برتراند بادي، بيار بيرنبوم، سوسيولوجيا الدولة، م.س.ذ، ص39.
([22]) المصدر السابق، ص65 وما بعدها.
([23]) للتفاصيل حول اتفاقية ويستفاليا ينظر: محمد محمد صالح، تاريخ أوربا من عصر النهضة وحتى الثورة الفرنسية (1500-1789)، ط1، مطبعة دار الجاحظ للطباعة والنشر، بغداد، 1981، ص ص310، 365.
([24]) جوزيف شتراير، الأصول الوسيطة للدولة الحديثة، م.س.ذ، ص53.