قضية الانتحال في الشعر الجاهلي

اسباب نحل الشعر


أسباب الانتحال

      تحدث طه حسين عن أسباب نحل الشعر ، فحصرها في السياسة ،والدّين ، والقصص ، والشعوبية ، والرواة .
      أما السياسة ، وأراد بها العصبية القبلية ، فرآها تلعب دورا واضحا في شعر قريش والأنصار ، إذ أضافت قريش إلى نفسها شعرا كثيرا ، وقد استكثرت بنوع خاص من الشعر الذي يهجى به الأنصار ، وانتهى إلى القول : "إن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على نحل الشعر للجاهليين " .
      وينتقل إلى الدين فيبين دوره في هذا النحل متشككا في الأشعار التي يقال " إنها نظمت في الجاهلية إرهاصا ببعثة الرسول ،مما رواه ابن اسحق ،واحتفظ به ابن هشام في سيرته ،ومثله ما يضاف إلى الجن والأمم القديمة البائدة .
      ويتابع حديثه فيذكر أن من تأثير الدين في نحل الشعر ما كان يشعر بالحاجة إليه ، علماءُ  العرب في إثبات أن القرآن عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب ، " فحرصوا على أن يستشهدوا على أن كل كلمة من كلمات القرآن عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها " . ويعقب على ذلك بأنه يعتقد أنه " إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكا ولا ريبا وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية ، فهو القرآن الكريم . وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي ، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن .
      وتحدث عن القصص والقصاص وأثرهم في وضع الشعر ، فقال : " وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه ، إذا لم يزينه الشعر… وإذن فقد كان القصاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حدّ لها من الشعر ، يزينون بها قصصهم ، ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه . وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما يشتهون ([1])  " .
      وعن الشعوبية وصلتها بنحل الشعر ،تحدث طه حسين عن نشأة الشعوبية بعد دخول الموالي في الإسلام ، وموقفهم من الأحزاب السياسية منذ قيام الدولة الأموية ، واستغلالهم الخصومات السياسية التي كانت بين هذه الأحزاب ليعيشوا من جهة ، وليخرجوا من الرق من جهة أخرى ، ثم ليشفوا ما في صدورهم من غل ، وينفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة للعرب من جهة ثالثة ، وانتهى إلى أن الموالي أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره فيه مدح للفرس ، وثناء عليهم ، وتقرب منهم ، وهم زعموا أن الأعشى زار كسرى ومدحه ، وظفر بجوائزه ، وهم أضافوا إلى عدي بن زيد ولقيط بن يعمر وغيرهما من إياد والعباد كثيرا من الشعر ، فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم ([2])
      وفي الحديث عن الرواة ونحل الشعر ، يقول : " ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي ، وجعلت حظه من الهزل عظيما : مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث ، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق ([3]) " .
      ولكنه لا يتحدث هنا إلا عن اثنين من الرواة ، فيقول : " ولست أذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعا ، فأما أحدهما فحماد الراوية ، وأما الآخر فخلف الأحمر ([4]) .
      ثم يسوق جملة من الأقوال التي قيلت ضد كل منهما ، وينتقل إلى الحديث عن أبي عمرو الشيباني ، فيقول :" وأكبر الظن أنه كان يؤجر نفسه للقبائل ، يجمع لكل واحدة منها شعرا ، يضيفه إلى شعرائها ([5])  " . وانتهى إلى القول : " وإذا فسدت مروءة الرواة ، كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني … كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء " .
      وبعد أن انتهى من رواة الأمصار التفت إلى رواة الأعراب ، فرماهم بأنهم كانوا يتخذون النحل في الشعر واللغة وسيلة من وسائل الكسب ، وقال عنهم: "فليس من شك عند مَنْ يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منها ، قدروا بضاعتهم واستكثروا منها ، … وأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون ، وأسرفوا في الكذب ، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك ([6]) .
إنكار التزييف :
      على أن العقاد ، إنما ينكر التزييف تماما ، ويرى أنه ما من قارئ للأدب يسيغ القول بوجود طائفة من الرواة ، يلفقون أشعار الجاهلية ، كما وصلت إلينا ، ويفلحون في ذلك التلفيق ، إذ معنى ذلك ( أولا ) أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها التي بلغها امرؤ القيس ، والنابغة ، وطرفة ، وعنترة ، وزهير ، وغيرهم من فحول الشعر في الجاهلية ، ومعنى ذلك ( ثانيا ) أنهم مقتدرون على توزيع الأساليب حسب الأمزجة والأعمار ، والملكات الأدبية ، فينظمون بمزاج الشاب طرفة ، ومزاج الشيخ زهير ، ومزاج العربيد الغزل امرئ القيس ، ومزاج الفارس المقدام عنترة ، ويتحرون لكل واحد مناسباته النفيسة ، والتاريخية . ويجمعـون لـه القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه ، ومعنى ذلك ( ثالثا ) أن هذه القدرة توجد عند الرواة ، ولا توجد عند أحد الشعراء ، ثم يفرط الرواة في سمعتها ، وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل ، وما من ناقد يسيغ هذا الفرض ببرهان ، فضلا عن إساغته بغير برهان ، ولغير سبب إلا أن يتوهم ويعزز التوهم بالتخمين ([7]) .

صفوة القول :
      إن نظرية الشك هذه أفادت التراث العربي ، فقد كانت له امتحانا عسيرا ، خرج منها أكثر إشراقا ونصاعة ، فماتت كل الأقوال ، وقبرت كل المحاولات ، وبقي الشعر الجاهلي أصيلا شامخا على مر العصور والأجيال . ولقد تراجع طه حسين ، وتوقف المستشرقون ، واستمر الشعر الجاهلي في عطائه .


انتحال الشعر الجاهلي
النحل في-الشعر العربي
قضية الانتحال في الشعر الجاهلي
قضية الانتحال في الشعر الجاهلي عند طه حسين
الشك في الشعر الجاهلي-الوضع والنحل
عمليات بحث متعلقة بـ النحل في-الشعر العربي الجاهلي
اسباب الانتحال في الشعر الجاهلي
قضية الانتحال في الشعر الجاهلي
قضية الانتحال
ما هو الانتحال
الرد على طه حسين في الشعر الجاهلي
قضية الانتحال في كتاب طبقات فحول الشعراء
كيف عرف الانتحال
تعريف الانتحال في الشعر الجاهلي لغة واصطلاحا




[1] - المرجع السابق : 151 .
[2] - المرجع السابق : 164 .
[3] -المرجع السابق : 168  .
[4] - المرجع السابق : 169 .
[5] -المرجع السابق : 171 .
[6] - المرجع السابق : ص 172 .
[7] - عباس العقاد : مطلع النور ، ص 48-49 .