القافية حروف الروي في الشعر الجاهلي

القافية :
      القافية ركن آخر من أركان القصيدة في بنائها وموسيقاها ([1]) ، وللقدماء في تعريفها مفاهيم مختلفة ([2]) ، وعند المعاصرين ليستْ إلاّ عدّة أصوات تتكرّر في أواخر الأسطر أو الأبيات من القصيدة ، وتكرّرها هذا يكون جزءاً مهمّا من الموسيقى الشّعرية ، فهي بمثابة الفواصل الموسيقية ، يتوقع السامع تردّدها ([3]) ، مستمتعاً بها في فترات زمنية منتظمة ، وبعدد معين من مقاطع ذات نظام خاص([4]) ، وهي ذات قيمة موسيقية في مقطع البيت ، وتكرارها يزيد من وحدة النغم ([5]) .

حروف الرويّ :
      نظم الشعراء الجاهليون على أكثر حروف المعجم ، وبنسب متفاوتة ، وان الحروف التي استخدموها جاءت على أنماط مختلفة :
1- حروف أكثروا منها ، وهي الدّال ، والرّاء والباء ، والميم ، والسّين .
2- حروف توسّطوا من النظم عليها ، وهي الحاء ، والعين ، والفاء ، والقاف، واللام ، والنون .
3- حروف جاء نظمهم عليها قليلاً ، وهي : الهمزة ، والتّاء ، والكاف .
4- حروف جاء النظم عليها نادراً ، مثل : الزّاي ، والجيم ، والذّال .
5- حروف لا أعلم أحداً نظم عليها ، مثل : الظّاء ، والغين ، والواو ، والضاد، والشين ، والظاد ، والياء ، والثاء .
      ونستنتج من ذلك :
1- إنّ الشّاعر الجاهليّ اهتم بموسيقى القافية اهتماماً عظيماً ، من حيث النطق والسمع ، وأن الحروف التي لم ترد رويا في الشّعر الجاهليّ هي حروف مستثقلة في القافية من الناحية الصوتية ، وهي قواف نفْر ([6]) ، تؤدي إلى ضيق مجال الكلام .
2- إن الشّاعر الجاهليّ اختار حروف الرويّ التي تحقق فيها الوضوح السمعي، والراحة في النطق . ولا نستطيع أن نتصور مدى الحرج الذي يقع فيه شاعر لو اختار لقصيدته رويا كالصاد ، أو الضاد ، أو الثاء ، أو الظّاد ، أو الغين … في وقت كان الشّعر ينشد فيه إنشاداً ، ولم يكن يقرأ قراءة .
3- وفي تجنّب الشّاعر الجاهليّ للحروف المشار إليها ما يدلّ على أنهم كانوا يرون أن للقافية موسيقى خاصة وقيمة صوتية ، يجب على الشّاعر أن يضع لها اعتباراً قبل أن يختار الحرف الذي يودّ أن يجعله رويّا لقصيدته ، فاختاروا الحروف ذات الوضوحي السمعي ، وهي ما تسمى بالأحرف الرنّانه ، وهي من أحلى القوافي لسهولة مخارجها ، وهي ما تعرف بالقوافي الذلل ([7]) .
4- استخدم الشعراء القوافي المطلقة ، لأنها "أوضح في السّمع ، وأشدّ أسراً للأذن ([8]) .
      وندرت القوافي المقيّدة في أشعارهم ، وأشار الأستاذ إبراهيم أنيس إلى أن هذا الضّرب من القوافي في أشعار الجاهليين أقلّ منه في أشعار العباسيين([9]).
وبعد :
      فقد يسأل سائل : هل كان الشّاعر الجاهليّ يتخير قوافيه تخيّراً بحيث تبدو ملائمة للغرض الذي يطرقه ؟ أم أنها تولد مع القصيدة بصورة عفوية وتلقائية ؟
      يثور جدل في هذه القضيّة ، مثلما ثار في قضية الأوزان . فذهب سليمان البستاني إلى الربط بين القافية والغرض الشّعري ، وقال ([10]) : "إنّ القاف تجود في الشدة والحرب ، والدّال في الفخر والحماسة ، والميم واللام في الوصف والخبر ، والباء والراء في الغزل والنسيب" .
      ولاحظ محمد النويهي كثرة ورود حرف العين رويّا لقصائد الرّثاء ، وعزا ذلك إلى ما في جرس العين من مرارة وتعبير عن الوجع والجزع . ولاحظ ورود حرف السّين رويّا لقصائد كثيرة عاطفتها الأساسية الأسف والأسى والحسرة ([11]) .
      ولا نشك في أن ارتباط القافية بمعنى معيّن سيؤدي إلى التكرار، وإذا كان للحرف دلالة معينة فإن هذا شيء، ووضعه حرف رويّ شيء آخر. وإذا ألحّ شاعر أو أكثر على رويّ واحد ، في موضوع معيّن ، فلا تخرج المسالة عن كونها غير مقصودة ، لأن القصيدة - كما قلنا - تولد بوزنها ، وقافيتها ، وتجربتها في آن واحد .
      إنّ مطلع أيّة قصيدة حين يولد بعد معاناة تجربة ، هو الذي يقرّر نوع البحر ، ونوع القافية ، سواء أكانت مطلقة أم مقيّدة . والمطلع المصرّع ، وغير المصرّع ، يُعدّ في مثل هذه الحالة مفتاح التجربة الشّعرية ، والبيت الرائد في القصيدة ، إذ يؤدي إلى نضجها واكتمالها ، فهو الشكل الأصلي ، وهو الأساس في بناء القصيدة ، حيث يقود إلى اكتمالها ، وإن تعدّدت أغراضها .

2- الموسيقى الدّاخليّة :
      الموسيقى الخارجية بركنيها : الوزن والقافية ، تمثّل الإطار الخارجيّ لبناء القصيدة ، ولكن "وراء هذه الموسيقى الظاهرة موسيقى خفيّةً ، تنبع من اختيار الشّاعر كلماته ، وما بينها من تلاؤم في الحروف والحركات ، وكأن للشاعر أذناً داخلية وراء أذنه الظاهرة ، تسمع كلّ شكلة وكل حرف وحركة بوضوح تام ، وبهذه الموسيقى يتفاضل الشعراء ([12]) " ، ومن خلالها تبدو صنعة الشّاعر ومقدرته على الإحساس بجمال خفيّ في كلماته ، ينساب في نفوس مستمعيه ، إذ "هي الانسجام الصّوتي الداخلي ، الذي ينبع من هذا التوافق الموسيقي بين الكلمات ودلالاتها حيناً ، أو بين الكلمات وبعضها وبعض حيناً آخر ([13]) " .
      وقد اتّخذ الأداء النغميّ عند الشعراء الجاهليين مسالك مختلفة ، لا تخرج بأطرها الفنية عن استخدام مقدرة التردّد الصّوتي الناشئ عن تكرار اللفظة، أو بعض حروفها في صورة التصريع ، والترصيع ، وغير ذلك من أساليب فنية ساعدت على توفير جوّ موسيقيّ ، فمن ذلك :
1- التكرار :
      وهو عنصر مهمّ يرفد الفنّ الشّعري بموسيقى مؤثرة ، وايقاع نغميّ جميل ، ونقصد بالتكرار "تناوب الألفاظ وإعادتها في سياق التعبير ، بحيث تشكّل نغماً موسيقياً يتقصّده الناظم في شعره ([14]) " . والتكرار "يفيد تقوية الصورة، ويشيع في القصيدة جوّا عاطفياً " ([15]) . وهو من مستلزمات فن الغناء .
      وقد يكون التكرار بإعادة لفظة بعينها ، وهذا النوع من التكرار يعيد إلى ذهن السّامع الصورة الموسيقية لكلمة سابقة ، فمن ذلك قول الأسود بن يعفر النهشلي ([16]) :
والبيض تمشي كالبدور وكالدّمى  والبيض يرمين القلوب كأنّها ينطقْن معروفاً وهنّ نواعم  ينطقْن مخفوض الحديث تهامُسا       .      

ونواعم يمشين بالأرفادِ    أدحيّ بين صريمة وجمادِ بيض الوجوه رقيقة الأكبادِ  فبلغن ما حاولْن غير تنادي       .
وقد يخرج التكرار من إطار البيت الواحد إلى أكثر من ذلك ، كقول قيس بن زهير ([17]) :
أخي واللهِ خير من أخيكم     أخي والله خير من أخيكم     أخي والله خير من أخيكم    قتلتُ به أخاك وخير سعد         .      

إذا ما لم يجدْ بطلٌ مقاما     إذا ما لم يجد راعٍ مساما     إذا الخَفِراتُ أبْدين الخداما   فإن حربا حذيفُ وإن سلاما     .
فالمتلقّي يحسّ بما يقصد الشّاعر من تأكيد الفكرة ، فضلاً عن الايقاع الموسيقي المنتظم الناشئ من تكرار ألفاظ البيت الأول في البيت الثاني.

2- التّصريع :
      أدرك الشعراء الجاهليون القيمة الحقيقية للجانب النّغمي ، الذي تمنحهم إياه القافية ، فسعَوْا إلى تحقيق هذه القيمة في مطالع كثيرة من قصائدهم لتقفية عروض البيت الأول تففية مجانسة لتقفية ضربه ، لتهيئة ذهن الملتقيّ لقبول القافية المرتقبة ؛ بالتمهيد لها ، ثم الإيحاء من خلالها بتمكّنهم من فنّهم ، وأطلق علماء البلاغة على هذا التّصريع ([18]) .
      وكان فحول الشعراء الجاهليين "يتوخّوْن ذلك ، ولا يكادون يعدلون عنه، وربّما صرّعوا أبياتاً أُخر من القصيدة بعد البيت الأول ، وذلك يكون من اقتدار الشّاعر وسعة بحره ([19]) .
      أدرك النقاد أهمية التصريع ، فذهب حازم القرطاجنّي إلى أنّ "للتّصريع في أوائل القصائد حلاوة وموقعاً من النفس ، لاستدلالها به على قافية القصيدة([20]). والتصريع "محل التأنّق ، وإظهار جودة الذهن ، وشدة الفصاحة ([21])".
      تنبّه الشعراء الجاهليون لما للمطلع من أهمية ، فهو أول بيت يقرع السّمع ، فاعتنوا بموسيقيته من خلال هذه التقفية ، قال الأسود بن يعفر النهشلي([22]) :
نام الخليّ وما أحسّ رقادي        .      

والهمّ محتضر لديّ وسادي     .
 وقال أوس بن حجر ([23]) :
ودّعْ لميسَ وداعَ الصّارم اللاّحي          .      

إذ فنّكت في فسادٍ بعد إصلاحِ     .
 وقال عبدة بن الطبيب ([24]) :
هل حبل خولة بعد الهجر موصولُ        .      

أم أنت عنها بعيد الدّار مشغول     .
وقال علقمة بن عبدة ([25]) :
هل ما علمتَ وما استودعْتَ مكتوم        .      

أم حبلُها إذ نأتْكَ اليوم مصرومُ     .
 وقال ([26]) :
طحا بك قلب في الحسان طروب        .      

بعيد الشّباب عصر حان مشيب     .
 وقال الحادرة الذبياني ([27]) :
بكرتْ سميّة بكرة فتمتَّع          .      

وعدتْ غدوّ مفارقٍ لم يربع     .
 3- التّرصيع :
      وهو ما "يُتوخّى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به ، أو من جنس واحد من التّصريف ([28])" ، ليضفي على البيت نغماً خاصّاً ، فمن ذلك قول بشامة بن حزن النهشلي ([29]) :
بيض مفارقنا ، تغلي مراجلنا        .      

نأسو بأموالنا آثار أيدينا        .
وقول الأسود بن يعفر ([30]) :
هم الأسرة الدنيا وهم عدد الحصى        .      

وإخواننا من أمّنا وأبينا          .
وقوله ([31]) :
لها وركا عنز وساقا نعامة        .      

وأسنان خنزير ومكشر أرنب     .
وقوله ([32]) :
مجالس أيْسار ، وملعب سامرٍ        .      

وموقد نارٍ عهدها غير مزمن     .
 ولا يخفى أن تقسيم البيت إلى وحدات صوتيّة ، اتّفقت مقاطع كلّ وحدة منها في الحرف الأخير ، والوزن تقريباً ، يمنح الأبيات إيقاعاً عالياً ، وجرْساً موسيقيّاً يلذّ الأذن ، ويقع في النفس موقعاً حسناً .

4- تناسق الحروف :
      تبدأ درجات السلّم الموسيقي عند الشّاعر الجاهليّ بدءاً بتناسق الحروف، ولا بدّ أن تكون الأصوات متناسبة ومتناسقة ، لأنّ "الحرف في الشّعر وتر يصدح بنغم ، يهيل أجواءً من قلب الحروف ، تزكّي المعنى ، وتضفي عليه الظّلال الايحائية . لذلك فإن الشّاعر لا يقصر انتباهه على معنى اللفظة دون جرسها ، وإنما يتّخذها جميعاً في غفلة التعبير وترنّحه ، فيأتي النّغم عبر المعنى، أو المعنى عبر النغم … إنّ اللّفظة تطلعنا على معنى نفهمه ، أما النغم فيبعث حالة لا حدود لمعناها ، يبعث فينا ذهولاً وتحوّلاً عن النّفس إلى غيبها([33])".



[1] - د . يوسف حسين بكار : بناء القصيدة في النقد العربي القديم ، 176 .
[2] - د . عادل أبو عمشة : العروض والقافية ، 174 .
[3] - د . إبراهيم أنيس : موسيقى الشّعر ، 246 .
[4] - محمد بدوي المختون : دراسات نظرية تطبيقية في علم العروض والقافية ، 93 .
[5] - د . محمد غنيمي هلال : النقد الأدبي الحديث ، 469 .
[6] - د . عبد الله الطيب : المرشد إلى فهم أشعار العرب ، 1/59 .
[7] - نفسه : 1/46 .
[8] - د . إبراهيم أنيس : موسيقى الشّعر ، 281 .
[9] - نفسه : 260 .
[10] - سليمان البستاني : إلياذة هوميروس ، 1/97 .
[11] - د . محمد النويهي : الشّعر الجاهليّ منهج في دراسته وتقويمه ، 1/63 .
[12] - د . شوقي ضيف : في النقد الأدبي ، 97 .
[13] - د . إبراهيم عبد الرحمن : قضايا الشّعر في النقد الأدبي ، 36 .
[14] - د . ماهر مهدي هلال : جرس الألفاظ ودلالته في البحث البلاغي ، 239 .
[15] - نفسه : 260 .
[16] - ديوانه : ق13 ، ص30 .
[17] - المفضل الضبيّ : أمثال العرب ، 39 .
[18] - قدامة بن جعفر : نقد الشّعر ، 86 . وابن رشيق : العمدة ، 1/173 .
[19] - نفسه : 86 .
[20] - حازم القرطاجنّي : منهاج البلغاء ، 283 .
[21] - د . أمين علي السيّد : في علمي العروض والقافية ، 86 .
[22] - ديوانه : ق13 ، ص25 .
[23] - ديوانه : 13 .
[24] - شعره : 57 .
[25] - المفضليات : ق120 ، ص397 .
[26] - نفسه : ق119 ، ص391 .
[27] - نفسه : ق8 ، ص43 .
[28] - قدامة بن جعفر : نقد الشّعر ، 80 .
[29] - ديوان الحماسة : 1/26 .
[30] - ديوانه : ق67 ، ص63 .
[31] - نفسه : ق7 ، ص23 .
[32] - ديوانه : ق68 ، ص63 .
[33] - ايليّا سليم الحاوي : نماذج في النقد الأدبي ، 120 .