اختلاف اللهجات العربية في العصر الجاهلي



اختلاف اللهجات العربية في العصر الجاهلي


اختلاف اللغة :
       تحدث عن لغة الأدب الجاهلي ،واتخذ منها سببا قويا للطعن في أصالته ، وللقول إنه لا يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي مطلقا ، فيقول : " إن الأدب الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ([1]) " . ثم يقول : إن هناك خلافا جوهريا بين لغة حمير ( وهي العرب العاربة ) ولغة عدنان ( وهي العرب المستعربة ) . ويستند في ذلك إلى أمرين :
الأول : ما قاله أبوعمرو بن العلاء : ما لسان حمير بلساننا ، ولا لغتهم بلغتنا .
والثاني : أن البحث الحديث أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية ، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد. ثم انتهى إلى القول :" فالقحطانية شيء ، والعدنانية شيء آخر واذن فما خطب هؤلاء الشعراء الذين ينتسبون إلى قحطان ، والذين كانت كثرتهم تنزل اليمن، وكانت قلّتهم من قبائل يقال انها قحطانية قد هاجرت إلى الشمال : ما خطب هؤلاء الشعراء وما خطب فريق من الكهان والخطباء يضاف إليهم نثر وسجع ، وكلهم يتخذ لشعره ونثره اللغة العربية الفصحى ، كما نراها في القرآن ؟ أما أن هؤلاء كانوا يتكلمون لغتنا العربية  ففرض لا سبيل إلى الوقوف عنده فيما يتصل بالعصر الجاهلي ، فقد ظهر أنهم كانوا يتكلمون لغة أخرى ، أو قل لغات أخرى ".
       وبعد ذلك يناقش القول إن اليمنيين قد اتخذوا لغة العدنانيين لغة أدبية لهم ، ينشئون بها شعرهم ونثرهم الفنيين ،فيقبل هذا القول على أنه " حق لا يحتمل شكا ولا جدالا بعد ظهور الإسلام ، لأن اللغة العربية الفصحى ، وهي لغة هذا الدين الجديد ، ولغة الكتاب المقدس ، ولغة حكومته الناشئة القوية ، أصبحت لغة رسمية ، ثم لغة أدبية للدول الإسلامية كلها " . أما قبل الإسلام ، فلا يقبل هذا الرأي ،بل يرفضه وينكره ، معتمدا على " أن السيادة السياسية والاقتصادية التي من شأنها أن تفرض اللغة على الشعوب قد كانت للقحطانيين دون العدنانيين " .
       ثم ينكر كذلك هجرة فريق من القحطانيين إلى شمال البلاد العربية واستقرارهم فيها ، واتخاذهم لغة الشمال أداة للتخاطب والآثار الأدبية بحجة أن هذه الدعوى تقوم على أساسين ، هما : النسب ، وسيل مأرب ، وهو لا يقبل هذين الأساسين إلا إذا قام الدليل العلمي على صحتها .
ثالثا اختلاف اللهجات :
       ويتحدث عن الشعر الجاهلي واللهجات الشمالية ، فيحاول أن يتخذ من ذلك مطعنا جديدا في أصالة الأدب الجاهلي ،وصدقه ، فيقول ([2]) :" فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ،ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام ، فيقارب بين اللغات المختلفة ، ويزيل كثيرا من تباين اللهجات . وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانية ، وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام فإذا صح هذا كله كان من المعقول جدا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام ، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئا من ذلك في الشعر الجاهلي ، فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجا للشعر الجاهلي الصحيح ، فسترى ان فيها مطولة لامرئ القيس ، وهو من كندة أي من قحطان ، وأخرى لزهير ، وأخرى لعنترة ، وثالثة للبيد ، وكلهم من قيس ، ثم قصيدة لطرفة، وقصيدة لعمرو بن كلثوم ،وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة ، وكلهم من ربيعة . تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافا في اللهجة ، أو تباعدا في اللغة ، أو تباينا في مذهب الكلام : البحر العروضي هو هو ، وقواعد القافية هي هي ، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين ، والمذهب الشعري هو هو . كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرا ما . فنحن بين اثنتين : إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان ، لا في اللغة ، ولا في اللهجة ، ولا في المذهب الكلامي ، وأما أن نعترف بإن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل ،وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا " . ثم ينتهي إلى القول: " ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى . فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان " .
       والحق أن طه حسين قد جانبه الصواب ، لأن ما بين أيدينا من شعر جاهلي يدل دلالة قاطعة على أن القبائل العربية الشمالية قد اصطلحت فيما بينها على لهجة أدبية فصحى ، كان الشعراء على اختلاف قبائلهم وتباعدها ينظمون فيها شعرهم([3])، وأن هذه اللغة ، التي سنسميها " اللغة الموحدة "، قد انصهرت فيها اللهجات العربية، وتفاعلت في عملية تنقية وتهذيب ، فما استجيد منها ضُمّ إلى الفصحى رصيدا لغويا. وما استقبح نفي عنها ، وأبعد منها ليظل على حاله مستعملا في اللغة العادية، لغة الحياة اليومية . لأن هذه اللغة الموحدة هي التي تستوعب كل الاحتياجات على المستويات العليا ، وتتسع لإلقاء الخطب في المؤتمرات ، وصياغة الاتفاقيات ، وإبرام المعاهدات ، وإلقاء الشعر في الأسواق ، وإن الذين يتعاملون بها هم صفوة من الناس ، تميزوا من غيرهم بسعة الثقافة ، ورقة الإحساس ، ورفعة الذوق ، فكان لا بد أن تكون لهم لغة خاصة تستعلي على لغة الحياة اليومية ، وما فيها من لهجات ، رأوا أنها معيبة وقبيحة ، يجب الترفع باللغة النموذجية عنها . قال بروكلمان )[4]( : "ولا شك أن لغة الشعر القديم هذه لا يمكن أن يكون الرواة والأدباء اخترعوها على أساس كثرة من اللهجات الدارجة ،ولكن هذه اللغة لم تكد تكون لغة جارية في الاستعمال العام ، بل كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات ، وإن غذتها جميع اللهجات " .
       وإذا قرأنا هذه الأشعار المشتركة اللغة ،التي تذوب فيها الفوارق اللهجية وتنعدم خلالها الميزات القبلية ، أدركنا كيف صحّ أن يكون كل من : امرئ القيس والنابغة ، والأعشى ، وزهير ، وبشر بن أبي خازم جوابا عن : من أشعر الناس ؟ .
       فلو كان كل شاعر من هؤلاء ينظم شعره بلغته الخاصة ولهجة قبيلته ،فمن يكون الحكم ، ولأي لهجة تعطى الأولوية ، وفيم تتبارى الهمم ، وتتنافس القدرات ، إذا لم تكن وحدة اللغة قاسما مشتركا حتى يمكن المقارنة والموازنة ، وبالتالي المفاضلة . ولا أجد خيرا مما قاله إبراهيم أنيس ([5]) " كان لا بد لأولئك الشعراء الذين جاؤوا من بيئات متباينة أن ينظموا شعرهم بلغة خالية من عنعنة أو عجعجة أو كشكشة لينال إعجاب سامعيه، ولا يكون موضع سخريتهم وهزئهم ،وإلا فكيف كان من الممكن أن يفضل شاعر على شاعر في تلك المناظرات إذا كان القياس مختلفا ، وأداة القول متباينة " .



اختلاف اللهجات العربية في العصر الجاهلي
 اختلاف اللغة واللهجات عند العرب زمن الجاهلية
لهجات العرب القديمة ومسمياتها
اللهجات العربية ابراهيم انيس
اللهجات العربية في القراءات القرآنية
ما هي لهجات العرب السبع
لهجات العرب في الجاهلية
لهجات القبائل العربية في القرآن الكريم
بحث عن اللهجات العربية
لغات العرب السبع




[1] - المرجع نفسه : ص 88 وما بعدها .
[2] - المرجع السابق : 103 وما بعدها .
[3] - د . شوقي ضيف : العصر الجاهلي ،131 .
[4] - بروكلمان : تاريخ الأدب العربي ، 1/42 .
[5] - د . إبراهيم أنيس : في اللهجات العربية ، 39 40 .