دور القومية في العلاقات الدولية


تقييم دور القومية في العلاقات الدولية ([1])
       إن الدور الذي تلعبه القومية في العلاقات الدولية ، كان موضع جدل مستمر وحاد بين الذين يدافعون عنها ويرون فيها إحدى القوى الإيجابية الهامة في المجتمع الدولي ، حيث تدفع الدول على طريق البناء الاقتصادي والاجتماعي ، وبين الذين يهاجمونها ويرون فيها مصدرا خطيرا للحروب والصراعات الدولية .
        وبوجه عام ، يمكننا أن نلخص وجهة نظر كل من الفريقين على النحو التالي :

أولا : الآراء التي تندد بالقومية كقوة سلبية في العلاقات الدولية :
       وهذه الآراء ترى في القومية ما يلي :
    _ إن القومية تمثل تهديدا مستمراً لأوضاع السلام الدولي باعتبارها عاملاً من عوامل إثارة الحرب ، أياً كانت طبيعة هذه الحرب وأهدافها ، فبعض هذه الحروب ذات طبيعة عدوانية توسعية ، وقد نتجت عن التطرف  في تأكيد الكيان القومي على حساب القوميات الأخرى ، وبعض هذه الحروب هي حروب تحرير وطني ، أو حروب تحدث لاتمام الوحدة القومية ، وفي رأي هذا الفريق من المحللين أنه اياً كانت الدوافع والملابسات التي تحيط بكل شكل من أشكال هذه الحروب التي تغذيها الاعتبارات القومية ، فأنها تبقى كلها كتهديد للسلام العالمي .
    _ إن القومية تشجع النزاعات العنصرية في المجتمع الدولي ، بما يؤدي إليه ذلك من ازدياد حدة الانقسام الدولي ، وما يتبعه من تأزم وتوتر في علاقات الدول ببعضها ، فالقومية هي في أساسها شعور بالانتماء العنصري ، ويؤدي ذلك إلى تأكيد اعتبارات المصلحة القومية الضيقة على غيرها من المثل والأخلاقيات الدولية التي ترتفع فوق هذه الدعاوى العنصرية .
   _ إن القومية تؤدي إلى التطرف في إضفاء الطابع السياسي - بوعي أو بدون وعي - على أمور قد لا تنتمي بطبيعتها إلى المجال السياسي ، ومعنى هذا أن القومية تزيد من الحساسيات الموجودة في العلاقات الدولية بميلها المستمر إلى تفسير كل ما يحدث من إطار الزاوية القومية وحدها ، والمبالغات غير المنطقية أحياناً في هذه الناحية تساعد على زيادة الاحتكاك الدولي ، وتضيق فرص التعاون بين الدول في مختلف المجالات الأخرى التي تهم مصالحها .
    _ إن القومية تؤدي إلى إضعاف عنصر التيقن والاستقرار في العلاقات الدولية ، فالنزاعات القومية تدفع أحيانا إلى التنصل من الاتفاقيات والمعاهدات التي تدخل الدولة طرفاً فيها ، ويتم ذلك غالبا تحت تبريرات المصلحة القومية ، ومثل هذه التصرفات تهز الثقة الدولية في قيمة هذه الالتزامات والتعهدات ما دامت الاعتبارات القومية تطغى على كل إحساس بالمسئولية الدولية .

ثانياً : الآراء التي ترى في القومية قوة إيجابية في العلاقات الدولية :
       أما الفريق الآخر الذي يرى في القومية إحدى القوى الإيجابية في العلاقات الدولية فهو يستند إلى الحجج والتبريرات الآتية :
    _ إن القومية تساعد على تعبئة القوى القومية حين تدعو الضرورات إلى ذلك ولما كانت القوة تمثل ضرورة لا غنى عنها في ظل النظام الدولي الراهن ، لذا فأنه يمكن اعتبار القومية من بين العناصر الإيجابية والفعالة في قوة الدولة .
    _ أن القومية تشكل ركيزة أساسية في خلق الشعور بالتضامن الاجتماعي ، فهي تؤدي إلى اندماج الفرد في المجتمع وتأكيد الشعور لديه بالانتماء إلى جماعة معينة ، وهذا الشعور يخلع عليه احساساً بالأمن الذي يستمد من قوة هذه الجماعة التي ينتسب إليها ، وهذه المشاعر القومية لدى الأفراد يمكن تعبئتها واستغلالها بما يدعم من أوضاع الرفاهية العامة في المجتمع ، وهي الأوضاع التي لا يمكن أن تخلق إلا من خلال التضحيات والمشاركات الفردية التي يحركها الشعور بالانتماء القومي والحرص على أن تبرز هذه الجماعة القومية في أفضل مظهر لها ، ومن هنا ، فان القومية تخدم كقوة إيجابية وبناءة في دعم كيان الدول ، ومدها بالطاقة والحافز على أن تتطور بنفسها إلى الأفضل دائما ، وهذا في ذاته كسب للمجتمع الدولي ككل .
   _ إن القومية تعتبر محركاً أساسيا للدول في سعيها نحو تخليص نفسها من التدخل الخارجي أو التحكم الأجنبي ، وتأكيد احترامها لنفسها في نظر المجتمع الدولي ، ذلك أن التحكم الأجنبي يخلق شعورا بالضعف والمهانة لدى الأفراد الذين يعانون من هذا التحكم ، ويدعم من هذا الشعور بالمهانة القومية أن الدولة الأجنبية لا تتجاوب مع المشاعر أو المصالح القومية للدولة التي تخضع لهذا التحكم ، وإنما تكيف سياساتها بما يحفظ عليها مصالحها الذاتية أولاً وقبل كل شيء ، وترتيباً على هذه الحقيقة ، فأن القومية بتأكيدها على هذه المعاني ، تزيل حاجزا نفسيا خطيرا من طريق التعامل بين الدول القومية المختلفة ، مما يلغي بالتالي مصدراً هاماً من مصادر التوتر والاحتكاك الدولي .
   _ إن الاختلافات القومية تمثل مصدرا من مصادر الثراء والخصوبة الثقافية في المجتمع الدولي ، إذ أن لكل قومية ثقافتها الخاصة ، وتنوع هذه الثقافات وتداخلها وتفاعلها إنما ينعكس على تتطور الحضارة الإنسانية كلها ، وهو أمر ما كان ليتحقق فيما لو سادت العالم ثقافة قومية واحدة ، ويبرهن على ذلك - في رأي البعض - التاريخ الثقافي للإمبراطورية الرومانية الذي انتهى إلى وضع من الجدب الثقافي في ظل ما سمي بالسلام الروماني الذي قام على صبغ ثقافات المناطق التي خضعت لحكم روما بصبغة ثقافية واحدة ، وهو ما افقد هذه الثقافات طابع التنوع والتميز والأصالة فيها ، وتأثير ظاهرة التنوع الثقافي على العلاقات الدولية ، يكمن بان اتصال الثقافات القومية وتفاعلها إنما يؤدي إلى التقارب بين الدول في القيم ونماذج الفكر ، بعكس الحال مع سيطرة ثقافية قومية بذاتها حيث تدفع إلى رفضها ومقاومتها والتمرد على كل ما تمثله من معان وقيم ، وهي أوضاع لا تلتقي مع مصلحة السلام العالمي بالتأكيد .
      ومهما كانت  طبيعة الدور الذي تلعبه القومية في العلاقات الدولية ، سواء كان ايجاباً أم سلباً ، فإن ما يعنينا هنا هو عمق هذا الدور وشدة تأثيره في سلوكيات أطراف المعادلة الدولية في علاقاتها ببعضها البعض ، ونستطيع أن نؤكد من خلال ما استعرضناه في الصفحات السابقة ، إن القومية هي بمثابة المحور الأساسي الذي تدور حوله العلاقات السياسية الدولية ، حيث يحاول كل طرف من أطراف المعادلة الدولية استغلال  علاقاته  الدولية بما يتناسب وخدمة الأهداف القومية له ، وبنفس الوقت فهو مستعد للدخول في صراعات ونزاعات كثيرة للحفاظ على هذه الأهداف ، ويمكن القول أن العلاقات الدولية وجدت أصلاً لخدمة الأهداف القومية لأطراف هذه العلاقات . 
     
المراجع :-

1 - بويد شيفر ،ترجمة عدنان الحميري، القومية - عرض وتحليل ، ( بيروت ، دار مكتبة الحياة ،1966) .
2_ ساطع الحصري ، ما هي القومية ، ( بيروت ، دار العلم للملايين 1963) .
3_ جورج حنا ، معنى القومية العربية ( بيروت ، دار الثقافة ) .
4_ منيف الرزاز ، تطور معنى القومية ( بيروت دار العلم للملايين ،1960 ) .
5_ ساطع الحصري ، آراء وأحاديث في القومية العربية (بيروت ،1959 ) .
6_ عبد الكريم أحمد ، القومية والمذاهب السياسية (القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للنشر ،1970 ) .
7_ إسماعيل صبري مقلد ، العلاقات السياسية الدولية (الكويت ، مطبوعات جامعة الكويت ، 1971 ) .
8_ صلاح العقاد ، دراسة مقارنة للحركات القومية (محاضرات)(معهد البحوث والدراسات العربية،1966 ) .
9_ رمزي زكي ، ظاهرة التدويل في الاقتصاد العالمي وآثارها على البلدان النامية ،( المعهد العربي للتخطيط ، 1993) .
10_ بول كيندي ، الاستعداد للقرن الحادي والعشرين ، ترجمة محمد عبد القادر ، ( عمان دار الشروق للنشر والتوزيع ، 1993) .
11_ محمد عابد الجابري ، قضايا في الفكر المعاصر , ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997) .

تأثير القومية على العلاقات الدولية
القومية و العلاقات الدولية
العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية
أثر القومية في العلاقات الدولية
مفهوم الدولة القومية
تعريف القومية اصطلاحا
مفهوم القومية
مفهوم القومية
مفهوم الدولة القومية
تعريف القومية باختصار
تعريف القومية العربية
نشأة الدولة القومية




[1] _ اسماعيل صبري مقلد ، العلاقات الدولية السياسية ، مصدر سبق ذكره ،ص82،83