شخصية العامل والعمل في الرواية


شخصية العامل والعمل في الرواية
        يشكل العمل عنصراً مهماً في بناء المجتمعات الإنسانية ، ولكن قلة من الروايات الفلسطينية تعرضت للعمل والعمال ، فقد مرت الرواية الفلسطينية على العمل مرور الكرام، ولعل ثنائية سحر خليفة هي الرواية الوحيدة التي اقتربت من حياة العامل ، وناقشت أوضاع العامل قبل الاحتلال وبعده،فقد عانى العامل الفلسطيني من اضطهاد مزدوج ، الاضطهاد القومي(العرقي) أثناء عمله في (إسرائيل) ، ومن الاضطهاد الطبقي أثناء عمله في بلده وفي إسرائيل على حدٍ سواء ، كما عانى من التمييز الواضح بينه وبين العامل اليهودي سواء من حيث الأجرة أو الأعمال التي يكلف بها، فالأعمال البسيطة للعامل اليهودي والأعمال الصعبة والقذرة والدونية للعامل الفلسطيني . يقول زهدي :" مصانع ألمانيا أكلت من جلدي راقات.هناك لم أكن أحس بأي فرق بيني و بين أي عامل آخر . أما هنا فالفرق شاسع بين محمد و كوهين ، الشغلة الثقيلة لمحمد والبسيطة لكوهين، وللعامل اليهودي غرف طعام فيها طاولات و كراسي. "(118)
        والعامل العربي يعامل معاملة الرقيق، فهو يقف في أماكن خاصة في المدن الإسرائيلية انتظاراً لأصحاب العمل ليختار كل منهم من يناسب عمله، و العمال يقفون على الأرصفة في مدنهم وقراهم بالمئات انتظاراً لسيارات شركة ايجد لتنقلهم إلى أعمالهم غرباً ،(119) ومع كل ذلك يشعر العامل أن وضعه في (إسرائيل) أفضل من عمله عند صاحب العمل العربي، "فالعمال يملئون مصانع إسرائيل ، وأصبح أجر العامل يضاهي أجر السيد. "(120)
        يقول أبو صابر :" قبل الاحتلال كان يعطيني 153 قرشاًأردنياً في اليوم، ولم يكن الغلا مثل اليوم ، وأنت تعرف، محسوبك نجار معلم . أبو زيد الهلالي خاله ، وبعد الحرب رجعت له فقال لي : ب 80 قرش.(هكذا) " (121) وبعد أن يترك العامل العمل في مدن الضفة الغربية والقطاع إلى إسرائيل نجد أن صاحب العمل يقع في مأزق فهاهو صاحب العمل يسلم على زهدي لأول مرة في تاريخ العروبة ويصفر وجهه عندما يقول له زهدي إنه يعمل غرباً،(122) ويلقي العامل بالأجرة المخسوفة في وجه المعلم، ويتوجه للعمل هناك،(123) وحين يسأل أسامة أبا شحادة عن سبب عدم عمل شحادة في البيارة يقول الشيخ بلا مبالاة:"هناك أحسن ؟!مصاري كثير وشمة هوا ، ومفيش لا تعال يا ابن الكلب ولا روح يا ابن القواد."(124)
        يتحسن حال شحادة فيلبس (جاكيت ) من الجلد، و يدخن الغليون ، و يلبس خاتماً ذهبياً، ويتكلم من جانب فمه كما يفعل كبار الممثلين الأجانب بينما يتحول عادل الكرمي ابن صاحب البيارة إلى عامل، ينظر شحادة إلى ملابس عادل العمالية ويقول  لنفسه: " لا أحد أحسن من أحد. " و يرفع ياقته و يطقطق على الطاولة بخاتمه الذهبي طالباً قهوة مضبوطة لكل الشباب الموجودين في المقهى بما فيهم عادل الكرمي وأسامة الذي ينتقد عادلاً لجلوسه في المقهى ومع شحادة بالذات، معتبراً أن شحادة خان عادلاً وخان العشرة والعيش والملح وهجر الأرض من أجل خاتم ذهبي و محفظة مليئة بالليرات .(125) ولكن عادلاً يجد مبرراً لأسامة :" شحادة يحاول اللحاق بركب طبقتنا المجيدة ، وأظننا قد سبقناه في ذلك بمراحل. "(126)
        فقد أصبح شحادة وكيلاً لإحدى الشركات في تل أبيب " يأخذ القمصان من الشركة مقصوصة ومبوبة ومصنفة ، ويعيدها إلى الشركة جاهزة  للبيع تحمل علامات كتب عليها: صنع في إيطاليا،  أو أمريكا أو اليابان ، و يشتريها العرب في الدول العربية ويحضرها الغياب معهم في الصيفية هدايا للصامدين . " (127) .
        وضع كتاب الرواية العامل الفلسطيني  أمام معضلة  يقف في مواجهتها : هل العامل الإسرائيلي أقرب إليه من صاحب العمل العربي ؟ أيهما أهم : الانتماء القومي أم الانتماء الطبقي ؟ يتذكر زهدي كلام عادل عن العمال اليهود وأنهم مغرّرون و مضللون، وأنهم ضحايا مصالح اقتصادية، ويستدرك زهدي :" ولكنهم ساعة الحرب يلبسون خوذاتهم ويحمـلون الرشاشات ويطـلـقون الرصـاص ويقتـلون. "(128) وحين يتعارك  زهدي مع شلومو يشتبك الفريقان في معركة ضارية دون أن يتساءل واحد منهم عن سبب المعركة ، و يجيء عادل ليحل الصراع فيتلقى ضربة  على رأسه تنسيه كل شيء عن الظلم المشترك و السلام الموعود. (129)
        وحين يتعرض أبو صابر لإصابة عمل ، يرفض صاحب العمل إسعافه لأنه  لا يحمل إذن عمل ،(130) ويرفضون صرف تعويضات له ، و يلجأ أبو صابر للقضاء فتحكم محكمة نابلس لصالحه لكن الشركة تعلن إفلاسها . (131) وقد يضطر العامل إلى بيع ذهب زوجته إذا اعتقل ، أو توقف عن العمل ، (132) وحين يحصل الغاوي على ترشيحة عمل ينال بصقة تستقر على قمة أنفه من ولد أصغر من أولاده ، يأخذ بطاقة العمل ويمزقها ليمنعه من العمل في (إسرائيل) .(133)
        وقد تعرض العمال لخطر تفجير السيارات التابعة لشركة(ايجد)التي تقلهم إلى مراكز أعمالهم كما حدث مع زهدي الذي يموت بعد أن يقتل جندياً.(134)
        وقد يعمل بعض العمال في المستوطنات التي أقيمت في الضفة الغربية و قطاع غزة ، وربما عمل العامل في مستوطنة أقيمت فوق أرضه المسجلة باسمه كما حصل مع إبراهيم والد  إسماعيل في ثنائية أحمد حرب ، كما يبرر سالم الطوبرجي عمله في المستوطنات بأنه لا يملك شبر تراب ، ولا حتى قبر عائلة معترفاً به .(135)
        و لكن العامل يبذل جهداً مضاعفاً إذا أدرك أن ثمرة عمله ستؤول إليه في نهاية المطاف ، فقد استطاع عبد الرازق اللاجئ  يساعده حسن أبو شامة ، أن ينجز أعجوبة عندما حول أرض زاهري من أرض صخرية إلى أرض مفتلح. (136)
        ومن الواضح أن شخصية العامل لم تلق ما تستحقه من اهتمام في الرواية الفلسطينية ، ذلك أن رؤية الكتاب لقضية العمال قد تأثرت بالنظرة الطبقية التي أوردتها الماركسية وحاولوا تطبيقها في المجال الفلسطيني مع أنه في ظل الصراع القومي والاحتلال لا يمكن أن يكون هناك مجال للتقارب أو التحالف الطبقي.


مواضيع ذات صلة 
 

صورة العامل في السرد العربي بين النضال والاضطهاد
شخصية العامل البسيط والعمل في الرواية
رواية سعودية
رواية كاملة
روايه جريئه جدا جدا جدا
تعريف الرواية
روايه منحرفه
رواية احلى صدفة بحياتي
روايه رومنسيه
رواية جرحني وصار معشوقي