مقومات الاستراتيجية

مقومات الاستراتيجية

     بادئ الرأي , أن الاستراتيجية تعتبر في حقيقتها مفاهيم نظرية يلزم بالضرورة الالتزام بها , والعمل على مراعاتها والتعرف على ما تحويه من دلالات ثم القيام بترجمة تلك الدلالات إلى معطيات في ضوء المطلوب من مهام والمتاح من إمكانات .

     وسبق أن حددنا فيما سبق مفهوم الأمن مضمونه وفلسفته ويلزم لتحقيق الأمن صياغة استراتيجية تستلهم الدلالات السابقة ,  ومراعاة المتاح من الإمكانات سواء المادية أو التنظيمية أو البشرية .... الخ

وفي ضوء ما تقدم ,  فان مقومات الإستراتيجية لا تخرج في مجملها عن

-       مقومات بشرية .
-       مقومات مادية .
-       مقومات تنظيمية .
-       مقومات تشريعية .

فرع أول
مقومات بشرية


      أعني بالمقومات البشرية هنا , رجل الأمن ,  بحسبانه هو محور الاستراتيجية وركيزتها . فالوظيفة الأمنية تتسم بالأهمية ,  وتأتي أهميتها ليس فحسب في كونها وظيفة متشعبة ومتعددة ,  بل أيضا بالنظر إلى ظروف أداء رجل الأمن لوظيفتيه ,  فهو يؤدي عمله في ظروف تتسم - إلى حد ما -بالخطورة .

    ومن هنا نوجه النظر إلى ضرورة وضع ضوابط ومعايير دقيقة لاختيار رجل الأمن ,  وصياغة برامج تأهيله وتدريبه من جانب متخصصين ,  تمتزج فيها الخبرة مع التقنيات الحديثة ,  وبمراعاة ذلك كله مع مستوى وأهمية الوظيفة وتبعاتها ومسئولياتها ,  إذ إن أي خلل من هذه المعادلة في احد جوانبها يؤثر سلبا في الجانب الآخر.

    وإذا كنا هنا لسنا بصدد الحديث عن تأهيل وتدريب رجل الأمن ,  بحسبانها وسائل لرفع كفاءة رجل الأمن (21) ,  سواء في فترة الإعداد وقبل دخول الخدمة أو الاضطلاع بمسئولياتها ,  أو بعد الانخراط في الخدمة بهدف إمداد رجل الأمن بالمعلومات الضرورية التي تحقق تنميته في الاتجاهات المختلفة المتصلة بعمله ,  واكتسابه الخبرات والمهارات الفنية والإدارية  والسلوكية اللازمة لأدائه , إلا إننا نعني هنا بالعنصر البشري المنوط به تنفيذ الاستراتيجية بتبعاتها وبمسئولياتها وما يتطلب ذلك بالضرورة من توجيه النظر إلى الاهتمام بهذا العنصر .

   ومما يجدر الإشارة إليه هنا , أن هناك واجبًا مفروضًا أو مفترضًا في رجل الشرطة هو تنمية ملكاته ومعلوماته الخاصة ذاتيا ,  ولن يتأتى ذلك إلا بالاطلاع والاستفادة بكل ما هو جديد في مجال الأمن سواء بالداخل أو الخارج وذلك بغية رفع مستوى الأداء وفي إعلاء شان جهاز الأمن الذي ينتمي إليه (22) .

     ويأتي بعد ذلك تدريب أفراد جهاز الأمن ,  والتدريب هنا لا يهدف فحسب إلى إمداد المتدرب بالمعلومات الضرورية التي تحقق تنميته في الاتجاهات المختلفة ,  المتصلة بعمله ,  وإكسابه الخبرات والمهارات الفنية والادراية والسلوكية اللازمة لأدائه ,  ولكنه يحقق هدفا أهم وأعمق بالسعي إلى الارتقاء بمستوى الأداء كما وكيفا وبعلاقات العمل ,  بل إن النظرة المتعمقة للتدريب تؤكد اهتمامه أيضا بخدمة أهداف العاملين وإشباع حاجاتهم إلى الإحساس بالأمن والاستقرار وزيادة ثقتهم بأنفسهم وبما يؤدونه من أعمال ,  وهي عوامل لتنمية الانتماء للأجهزة التابعين لها (23) .

     وتقوم فلسفة التدريب على منطق واضح يفترض أن الأعداد والنوعيات المطلوبة من الكفاءات البشرية لممارسة أعمال معينه تتطلب مستوى عالٍ من الكفاءة والمقدرة ,  كما هو الحال بالنسبة للتخصصات المطلوبة .

    وفي مجال الأمن ,  لا يمكن أن تتوفر بالاعتماد على القدرات الطبيعية والتلقائية وحدها أو بحكم الخبرات الفردية المكتسبة ,  وإنما يمكن توفيرها وتنميتها عن طريق التدريب المنظم الذي ينقل الخبرات المكتسبة لدى الدول والمؤسسات والأجهزة المتقدمة ويستفيد منها .

     كما ترتكز فلسفة التدريب أيضا على قاعدة أساسية مؤداها انه حتى في حالة وجود أجهزة ومؤسسات علمية ويتخرج منها المتخصصون في مجالات العمل المختلفة فان الحاجة ستظل قائمة إلى استخدام التدريب أيضًا لتوفير الأساليب وفتح آفاق جديدة من المعرفة المهنية والعلمية أمام الممارس الذي تتيح له دراسته النظرية أن يتفاعل معها .

   هذا فضلاً عن الحاجة الدائمة إلى تجديد المعلومات وتطوير المعرفة القائمة والوقوف على أحداث الأساليب والنظريات في مجال التخصص ,  وهو ما توفره البرامج التدريبية المنظمة (24)

    إذا كان التدريب العام ضرورة الغرض منه رفع المستوى العلمي والعملي وتطوير أسلوب الأداء ,  فالتدريب المتخصص يعمل على تعميق المعلومات التخصصية لعملية محددة , أو مهارة وظيفية خاصة تدخل في إطار عمل الفرد ويهدف هذا النوع من التدريب إلى تنمية وتثبيت المعارف والمهارات المكتسبة أثناء التدريب الأساسي وتعميقها والارتقاء بكفاءة الفرد إلى المستوى المطلوب لأداء مهمته أو وظيفة معينة تحتاج إلى تخصص عميق بما يكفل تحقيق الكفاءة المطلوبة (25)

    ومن مجموع ما تقدم يتبين أن اختيار الكوادر الأمنية القادرة على تنفيذ الإستراتيجية يتعين أن يتوافر فيها اللياقة البدنية والمهارات الأساسية ,  إذ إن تلك اللياقة و المهارات المطلوبة لتنفيذ المهام المكلف بها في ظل الظروف والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة ,  كما ينبغي أن يتوافر في رجل الأمن مستوى من الذكاء والقدرات الذهنية التي تمكنه من استيعاب الاستراتيجية التدريبية وأبعادها وغاياتها  , إذ إن الاستراتيجية في جانب منها تعتمد على الدروس النظرية والتطبيقية المستندة إلى نظريات علمية أو فلسفية معقدة وفي جانب آخر عملية قائمة على أساس المشاهدة العلمية الجماعية أو الحرة .

    وإذا أخذنا الاعتبارات المتقدمة في الحسبان عند التخطيط للتدريب ,  فانه سيؤتى ثماره المرجوة في مواجهة الظواهر الإجرامية أيا كانت درجة خطورتها على الأمن بل والتصدي لها بفاعلية .
فرع ثان
مقومات مادية

     وأعني بالمقومات المادية هنا ,  الوسائل والإمكانات العملية الحديثة التي تمكن رجل الأمن من أداء دوره بفاعلية واقتدار .

   وتلك المقومات لا تقع تحت حصر ,  كما أنها تختلف من وقت لآخر بل أنها تتباين من قطاع إلى آخر.

    والشيء الهام الذي يجب إبرازه هنا هو أن دور الشرطة يجب أن يمتد إلى ابعد من مجرد المجهود الوقائي أو العلاجي ,  ذلك أن تحديات المستقبل تتطلب قدرًا كبيرًا من القدرات الفنية مع توفير كل ما يتصل بجوانب الحضارة الآلية والميكانيكية وفي إطار ما يمكن أن يعنينا من انجازات تكنولوجية  , نجد أربعة مجالات هامة  (26) .

-       النقل والمواصلات .
-       الأسلحة .
-       وسائل الاتصال
-       الأجهزة الالكترونية .

     وإذا نظرنا إلى المجال الأول وهو مجال النقل والمواصلات ,  فنجد أن هذا المجال في الشرطة محل اهتمام ملحوظ ذلك أن متابعة الجريمة وملاحقتها وكشف أبعادها تتطلب وسائل اتصال جيدة قادرة على ملاحقة الجريمة .

   وإذا ما نظرنا إلى مجال الأسلحة في الشرطة نجد أنها تطورت بدرجة كبيرة ,  أساس ذلك أن المجرمين أصبح في حوزتهم أسلحة خفيفة سريعة الطلقات وبعيدة المدى ,  وهذه الأسلحة في تقديرنا لها آثار واضحة على الشرطة ,  وهذا الوضع سوف يفرض عليها أن تواجه المجرمين بتسليح أحدث , بل وأيضًا التدريب على تلك الأسلحة في مواقع الأحداث وفي مناسبات مختلفة وفي تحديد نوعيات الأسلحة وفقا لطبيعة الخدمات المتباينة مما يحقق كفايتها وفاعلياتها (27) .

   وبالنسبة لوسائل الاتصال ,  فإنها تبرز كعملية أساسية وحيوية في جهاز الشرطة بصفة عامة وفي عملياتها الأمنية بصفة خاصة ,  فالاتصال الجيد في الوقت المناسب وراء نجاح كافة العمليات الشرطية .

    إلا انه بالرغم من كل ما تقدم ,  فان الاتصالات مازالت في حاجة إلى تطوير على نحو يواكب التقدم العلمي في هذا المجال ,  فالاختراعات الحديثة مازالت تلقي بضلالها على هذا المجال الحيوي ,  والذي على قدر الاهتمام به تأتي النتائج محققة لأهدافها (28) .

    أما الأجهزة الالكترونية ,  فإنها تحمل معها آفاقًا واسعة للاستخدام بواسطة الشرطة وقد استخدمت الحاسبات الالكترونية والكمبيوتر في كثير من مجالات ,  العمل في أجهزة الأمن , ويا حبذا لو تم استخدامها على نطاق واسع في كل الأجهزة الأمنية لما لها من فعالية الأداء (29) .

    وفي هذا الإطار يجب تخصيص قسم لمساعدات التدريب في كل جهاز أو مركز للتدريب يضم فيه الخبرات الكافية والقادرة على أداء دور متميز في هذا العمل ,  مع ملاحظة استمرار التجديد والابتكار في هذا الصدد حتى تلائم تلك الأجهزة التطور في مجال الجريمة (30) .

    ونود هنا الإشارة إلى حقيقة هامة ,  وهي أن وسائل الاتصال والتسليح ووسائل النقل والمواصلات والأجهزة الالكترونية وحدها ليست مؤثرة التأثير الذي يمكن أن يتوقع لها ما لم تعززها قيادة وإدارة على مستوى عال من الكفاءة قادرة على توجيه هذه الإمكانات نحو استخدام أمثل ,  بحيث يتحقق الهدف منها بأعلى درجة من الإتقان والاقتصاد والسرعة .

فرع ثالث
مقومات تنظيمية

    نود التنويه ,  بادئ الرأي إلى أن المقومات التنظيمية تعني ضرورة وحدة القيادة لمتابعة كافة  الأجهزة المشتركة أو المنوط  بها  تنفيذ الاستراتيجية , الأمر الذي يحقق بالتالي وحدة الأوامر والتعليمات لكافة الأجهزة (31) ,  وعلى العكس إذا تعددت القيادة في صدد أمر معين ,  فيؤدي ذلك إلى تعدد القرارات ,  والأوامر أو التعليمات الأمر الذي قد يقضي إلى تضارب تلك القرارات وتنعكس بآثارها على أداء رجل الأمن  .

    فمن المسلم به ,  أن القرارات أو الأوامر والتعليمات تصدر من القائد أو السلطة المختصة إنما تواجه ظروف ومتطلبات العمل والظروف المحيطة به ,  وهو المسئول عن إصدار تلك القرارات .

    ولسنا هنا بصدد إعمال قواعد المسئولية لرجل الأمن كإصداره  قرارات في شان أداء مهام عمله ,  بل إننا  نهدف هنا إلى توحيد السلطة مصدرة القرار وان يحمل القرار إلى علم رجال الأمن بكافة ظروفه وملابساته من قناة شرعية واحدة .

    وفي هذا الصدد ,  فإننا نرى ضرورة بناء إطار سليم للأجهزة والقواعد واللوائح والإجراءات بما يتمشى مع خطة الاستراتيجية وبما يلائم متطلبات الواقع والمتغيرات التي تجد كل يوم .

     ومن الأهمية بمكان – في هذا الصدد – التأكيد على ضرورة اختيار قيادات أثبتت عمليًا أن لديها القدرة الحقيقية على إدارة خطة الاستراتيجية ,  قيادات قادرة على اكتشاف إمكانيات رجال الأمن , والتعرف على العوامل التي تعوقهم , وقادرة في ذات الوقت على سد نواحي القصور,  واستثارة حماس رجال الأمن والشجاعة في الإقرار بالخطأ والبدء فورا بتصحيحه (32)  .

    ولابد لضمان تنفيذ الاستراتيجية بنجاح التنسيق بين الجهات المعنية ,  وينبغي لنجاح التنفيذ توفير نظام فعال للاتصال بين القيادة والقاعدة لإبلاغ الأوامر والتعليمات إلى كافة المستويات بصورة قابلة للاستيعاب والفهم ,  ولنشر الإحساس بالمشاركة بين المنفذ والمخطط , ومن ثم زيادة الاهتمام بالعمل ,  وكذا اخذ رأي القيادات المباشرة والمنفذة في مختلف التغييرات التي يطلب إجراؤها , كما انه لا ينبغي إغفال ما للمتابعة والرقابة من دور كبير في انجاز العمل المطلوب وتحقيق أهداف الاستراتيجية (33) .

فرع رابع
مقومات تشريعية

     ونعني بالمقومات التشريعية القوانين والأنظمة سواء تلك التي تتعلق بشئون أجهزة الأمن ,  أو تلك التي تتعلق بأداء عملها .

      وفي خصوص التشريعات التي تتعلق بشئون أجهزة الأمن ,  فهي ( قانون قوات الأمن العام أو قانون الشرطة ) تقوم على ترتيب الأوضاع الوظيفية بمختلف مظاهرها ( التعيين , الترقية , النقل , التأديب وغيرها ) إضافة إلى توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين في أجهزة الأمن ,  سواء كانوا في الخدمة أو بعد انتهاء خدمتهم .

     ومن ناحية أخرى ,  فان تلك التشريعات ,  إنما تعنى أيضا  -  بالدرجة الأولى -  بتأهيل وتدريب العاملين بأجهزة الأمن سواء من الضباط أو الأفراد أو المدنيين بهدف زيادة المهارات الفردية والجماعية للمتدربين ومتابعة التطورات العلمية والتقنية والفنية في مجالات العمل المختلفة.


   أما في خصوص التشريعات التي تتعلق بأداء أجهزة الأمن فهي على سبيل المثال لا الحصر : قوانين العقوبات , أصول المحاكمات الجزائية ( الإجراءات الجنائية ) وغيرها إلى جانب الاتفاقيات العربية أو الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب أو المخدرات أو المؤثرات العقلية وغيرها من الاتفاقيات التي تستهدف مواجهة الجريمة سواء على النطاق الإقليمي أو الدولي , باعتبارها تصبح جزء من التشريعات الوطنية .

    أما القوانين التي تقوم على تنفيذها فهي على سبيل المثال لا الحصر الجنسية , قانون الجوازات , قانون المرور , قانون الإقامة وغيرها من القوانين .