دور الهوية

نشأة إشكالية الهوية
1-بروز إشكالية الهوية وتزايد دورها
       يعود الاهتمام بمسألة الهوية إلى الفلاسفة منذ سقراط إلى يومنا هذا كمسألة فلسفية في إطار الاهتمام بالوجود، ولكن مسألة الهوية كمسألة انثروبولوجية ثقافية وسياسية ظاهرة حديثة جداً، وهناك من يقول بأن مفهوم الهوية انتشر بشكل كبير في الولايات المتحدة في الستينات، وهو يعكس وضعاً خاصاً هو: تصاعد أهمية الأقليات، لكنه أيضاً يكشف عن النزعة العميقة للحداثة لتثبيت الفردانية والإعلاء من شأن الفرد([1]). ويقول (جورج لارين) عن العلاقة بين الهوية والحداثة بأن للهوية الثقافية علاقة وثيقة ودقيقة بالحداثة، لأن الحداثة جعلت الوجود الإنساني مركز العالم ومعياراً لجميع الأشياء، وذلك ضد الرأي القديم (Theocentric) مركزية الله، فأصبح الكائن الإنساني الذات الأساسي لكل معرفة، سيداً لجميع الأشياء"([2]). و يؤكد أيضاً رأي آخر على علاقة مسألة الهوية بالحداثة وخاصة في لاقتها مع الفردانية الغربية، لأن مسالة الهوية تظهر، (حسب هذا الرأي)، في المجتمعات الحديثة فقط بفعل عامل التعددية الثقافية من حيث إن  المجتمعات التقليدية مجتمعات صغيرة ومندمجة ومنسجمة ومتشابهة بينما يظهر في المجتمعات الحديثة التساؤل (من أنا؟ أو من نحن؟ والى من ننتمي؟)، بسبب انتهاء الاستقرار والثبات التقليديين في ظل المجتمعات القديمة ولبطء التطور والتقدم فيها([3]). وتزداد في ظل التنوع والتعدد فرصة الالتقاء بالآخر والمقارنة بينها، ولكن أغلب الباحثين يُرجعون ذيوع مفهوم الهوية بشكل أوسع إلى النصف الثاني للقرن العشرين، ويقول (هاني نسيره): وقد ذاع مفهوم الهوية عالمياً وعربياً منذ ستينيات القرن المنصرم (العشرين) ومع الصعود القومي والثوري في منطقتنا نتيجة حمأة الصراع الدولي أو الثقافي منذ هذا التاريخ، واهتمام العديد من المجالات العلمية بدراسته، حتى يصح في ذلك قول المؤرخ (ألفرد كروسر- Alfred Grosser) :القليل من المفاهيم هي التي حظيت بالتضخم والاهتمام الذي عرفه مفهوم الهوية، حيث أصبحت الهوية شعاراً (طوطمياً) وأصبح بديهياً أن يحل كل الإشكاليات المطروحة، فصرنا نسمع عن خطاب الهوية، أي تلك الخطابات التي تقوم في أسسها الفكرية على تصور خاص للهوية، يمكن التمثيل بالتيارات القطرية والوحدوية والإسلامية، كما نسمع عن سياسات الهوية أي السياسات التي تمثل الهوية مصدراً لشرعيتها وسنداً لها كحقوق الأقليات في تقرير مصيرها أو الصراعات الأهلية وسلطات الحكم الذاتي([4]).
       وقبل أن تهتم العلوم السياسية بمفهوم الهوية و إشكالاتها، ظهر الاهتمام بذلك في حقل علم النفس، وخاصة علم النفس الاجتماعي، ويقول أحد الباحثين بأن (إريك إريكسون) العالم النفسي هو صاحب المفهوم وقد قام بدور مركزي في انتشار استخدام هذه الكلمة وتوسع شعبيتها في العلوم الإنسانية، وهو الذي صاغ مفهوم (أزمة الهوية) في مجالات علم النفس الاجتماعي من خلال دراساته حول العلاقة بين النماذج الثقافية لمجتمع معين وأنواع الشخصية السائدة بين الأفراد الذين يشكلون هذا المجتمع([5]).هكذا تكون للهوية الاجتماعية أساساً طبيعة سيكولوجية (نفسية) وظهرت العديد من الدراسات والأبحاث في هذا المجال، ولعل من أهم النظريات المعروفة في هذا المجال هو نظرية تصنيف الذات (Self Categorization Theory)، التي صاغها (تيرنر) عام (1960)([6])، وهي من أهم النظريات في الهوية الاجتماعية، حيث تقدم تفسيراً مفصلاً للأساس الاجتماعي-المعرفي لعضوية الجماعة([7])، وتفسر كيف تستمد الذات معناها من خلال السياق الاجتماعي، وكيف يحدد التصنيف الاجتماعي مكان الفرد في المجتمع وبالقدر الذي يجعل التوحد والتحيز للجماعة الداخلية أهمية في بروز الهوية الاجتماعية فضلاً عن عملية المقارنة الاجتماعية التي تنشأ بين الجماعات، بما يُحدث التحيز السيكولوجي، لأنه في عملية المقارنة الاجتماعية تكمن فكرة رئيسة وهي أن (الذات Self-Concept) تعتبر جزءاً من الوظيفة النفسية، فنحن عندما نتعامل مع العالم من حولنا نحتاج إلى أن نشعر بأن لذاتنا قيمة (المفهوم الإيجابي عن الذات)، لذلك فإننا نسعى دائماً إلى تقييم أنفسنا  من خلال المقارنة مع الآخرين الذين يشبهوننا فالذات تستمد معناها من خلال السياق الاجتماعي للعلاقات بين الجماعات([8]).
    هكذا دخل مفهوم الهوية من خلال دراسات علم النفس ومن ثم علم النفس الاجتماعي إلى مجالات أخرى في إطار (نظريات الهوية الاجتماعية) وذلك بتطبيق النظرية على عدد من الموضوعات التي تشمل التعصب، التمييز وتقدير الذات، الأمر الذي جعلها تفرض نفوذها ليس فقط على علم النفس الاجتماعي،و لكن أيضاً على علم النفس التنظيمي والصحة النفسية والعلوم السياسية واللغوية([9]). هكذا اقتحم، مفهوم الهوية مجالات واسعة وصار موضة علمية بمواصفات الحل السحري لجميع الإشكاليات حيث تدافعت العلوم الإنسانية من الانثروبولوجيا والسوسيولوجيا والسيكولوجيا والعلوم السياسية لاستلهام المفهوم رغبةً في الظفر بنصيبٍ من النجاح الذي حققه في مقاربة آليات التغيير وميكانيزمات حل المشاكل([10]). وتقدم الاستراتيجية السياسية إضاءة مهمة في مدى فعالية الهوية، فبنظرة بسيطة على امتداد مناطق الصراع العالمي، يمكن أن نستشف حضور النزعة الهوياتية  كمعطى فاعل، وسواء تعلق الأمر بمناطق البلقان أو القوقاز أو بصراعات أفريقيا أو البحيرات، فإن الملاحظة الأساسية التي يوردها علماء السياسة في اتجاه تمركز الصراعات حول الهوية، حيث إن القوة المدمرة للمفهوم مستمدة من الاعتقاد بتماثل الهوية الثقافية ونظيرتها السياسية، وهذا يتحول إلى عامل إنفجارفي الصراعات الدامية([11]). وهناك من يقول بأن انتشار (المفهوم) في البدء كان في الولايات المتحدة الأمريكية، في عقد الستينيات من القرن العشرين لأن الوضع السياسي في أمريكا ساهم بدوره في نشر اصطلاح الهوية وفرضه على لغة الإعلام كما على التحليل الاجتماعي والسياسي مع ظهور أقليات إثنية في أمريكا تطالب بالاعتراف بخصوصيتها([12])، وأنتجت هذه الظروف صحوة هوية حقيقية في سنوات السبعينات، و كما قال أحد الباحثين، فإن تجربة الأمريكيين من أصل أفريقي مع قضية (الإثنية) باعتبارها تصنيفاً يفرض نفسه، وفي الوقت نفسه باعتبارها تحديداً ذاتياً للهوية،كانت هذه التجربة حاسمة ليس فقط لنفسها وفي داخل حدودها الخاصة، بل أيضاً في تقديمها لنموذج الاحتجاج على أساس من الهوية، وهو النموذج الذي استفادت منه جميع أنواع الهويات، ويعود سبب اعتماد العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية في الولايات المتحدة لتحليل الصراعات الاجتماعية والسياسية إلى تميز تاريخ أمريكا- خصوصاً في مسألة أهمية الأقليات التي نشأت عن موجات متعددة من الهجرة بالإضافة إلى ضعف التحليل الاجتماعي والسياسي القائم على اصطلاح الطبقية (باعتبار الطبقة الاجتماعية نمطاً من أنماط الهوية)، وضعف السياسة الطبقية، أمر شكل تربة خصبة وحقلاً حراً لتطورالأحتجاجات المؤسسة على الهوية، ومن نفس المنطلق يمكن تفسير تزايد أهمية الهوية في أوربا لاحقاً. إذن يمكن أن نفترض بحق- وجود علاقة بين تقوي خطاب الهوية في العلوم الاجتماعية في أوربا وبين تراجع رؤية أكثر ماركسية للشأن الاجتماعي، وإذ كان التحليل بمصطلحات الطبقية لا يزال قائماً ومستمراً، فإنه الآن مجرد معطى واحد من جملة معطيات أخرى، ومكون من مكونات الهوية، وعلى المستوى السياسي ساهم سقوط الاتحاد السوفيتي (الشيوعية) في تسارع تراجع هذا التحليل([13]) (التحليل الطبقي وفق الايديولوجية الشيوعية).
ويميز (برهان غليون) بين (خطاب الهوية) و(الهوية) ذاتها ويقول "الهوية بوصفها حقيقة تعيشها الجماعات والأفراد، فالكلام على الهوية خطاب أيديولوجي يندرج في نطاق إستراتيجية عمل، أما الهوية فهي مجرد الثقافة"([14])،وهو يشير إلى غموض يكتنف مفهوم الهوية بذاته، فثمة من يتكلم عن هوية ثقافية، ويتحدث البعض عن هوية قوميته، والبعض الآخر عن هوية إثنية، ومن خلال اللعب بهذه الكلمات يشتغل خطاب الهوية([15])، هذا الخطاب الحديث العهد جداً، فمنذ عقد أو اثنين من الزمن بدأ الكلام عن الهوية في أوربا والعالم الثالث، وما يفسر ظهوره في مرحلة زمنية محددة هو التبدل في علاقة القوة على مستوى العالم من جهة بين أوربا والبلدان العربية مثلاً، وعلى مستوى دول المنطقة الواحدة من جهة ثانية، أو على مستوى الإثنيات المختلفة في الأمة الواحدة ويعتقد (برهان غليون) أن هذا ما يفسر الغموض الذي يحيط بمفهوم الأمة ومهزلة التلاعب به: فهو يستخدم لتأكيد وجود كيانات اجتماعية-سياسية تقاوم الاندماج في بنية مجتمع الدولة، أو لتعزيز الدولة بوصفها الدولة-الأمة، أو يمكن استعماله لتفكيك الدولة-الأمة وتقسيمها بين المجموعات الإثنية([16]). ولقد ظهر خطاب الهوية القومية بعد انهيار الخطاب القومي و الايديولوجيات القومية التقليدية، وحل، بمعنى ما، مكان القومية بوصفها خطاباً يعطي للدولة شرعيتها، وبموازاة هذا الخطاب ، تطور داخل مؤسسات الدولة كنتيجة ملازمة للنظام الاقتصادي الدولي الجديد خطاب حول المساواة بين الثقافات واحترام الهويات الثقافية والتعاون الدولي، وأخيراً ثمة أقليات لا تجد في سياق مقاومتها للدولة المركزية شكلاً آخراً للتنظيم والتضامن الجماعي إلا شكل الانتماء الإثني، والإقليمي، ويمكن استخدام هذا الخطاب أيضاً من قبل الدول القديمة التي تأخذ، من أجل إخفاء فشلها في تحقيق إجماع سياسي وفي تشجيع التقدم والحريات، بخطاب الهوية بهدف نشر تصوّر عن التجانس من قبل مجموعات إثنية تستعمله ضد دولة تزداد قطيعتها مع المجتمع، وهي دولة لم تتوصل هذه المجموعات إلى تحقيق ذاتها فيها، ولذا فهي تسعى من خلال هذا الخطاب إلى خلق دولتها الخاصة بها و أن تضمن لأعضائها فرصة لتحقيق ذاتهم جماعياً. ولكن (مرنيك غادان)، يرفض هذا الطرح ويؤكد على أنه لا يمكن استبعاد خطاب الهوية عن النزعة القومية. ويؤكد على أن القومية هي حاملة لخطاب الهوية، فهي تحشد الشعب سياسياً ونفسياً، وحتى عاطفياً بالتأكيد على هويته المترسخة في تاريخه، يُمجد هذا التاريخ ويُقدس ُنظم قيمه، ويشير إلى أنه تمت صياغة خطاب الهوية في مرحلة سيطرة الاستعمار، وهنا كانت البداية، وحتى قبل الكلام عن الاستقلال كان يجري النضال من أجل الحفاظ على الكيان الشفهي ومن أجل المساواة في الحقوق وفي الاحترام الفروقات الثقافية([17]).
    و نستخلص من هذه الآراء بأن مسألة (الهوية) ظهرت كإشكالية من خلال ظهورالظاهرة القومية وتحت اسم (القومية) أيضاً، ولكن تزايد وتصاعد هذه الإشكالية في خطاب الهوية القومية أو الثقافية حدث بصورة أوضح في النصف الثاني من القرن العشرين، وساعد بروز مفهوم (الهوية) في دراسات وأبحاث،جرت أولاً في مجالات علم النفس وعلم النفس الاجتماعي ثم في العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية. ويقول (برهان غليون)، "يحل خطاب الهوية الثقافية في العالم الثالث، تدريجياً، محل خطاب التحرر القومي الذي شاع أبان مرحلة النزاع مع الاستعمار، إنه شكل جديد للقومية يعبر عن نفسه بتعبير التناقض الأيديولوجي أكثر مما يعبر بتعبير التناقض السياسي، وحيث كنا لعقد خلا نتكلم عن حقوق تقرير المصير، وإقامة دولة قومية مستقلة وسيدة، فإننا نتكلم اليوم عن الصراعات والحوارات والحقوق المتعلقة بالهوية الثقافية"([18]).


([1]) كاثرين هالبيرن، مفهوم الهوية: تاريخه وإشكالاته، ترجمة: إلياس بلكا، من موقع ( منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث).
http://www.kalema.netr1rpt=587@art.
([2]) جورج لارين، الأيديولوجيا والهوية الثقافية (الحداثة وحضور العالم الثالث)، ترجمة: فريال حسن خليفة، ط1، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2002، ص242.
([3]) Zagorka Golubori, Models of Identity in Post Communist Societies, Yugoslav Philosophical Studies, I, 2006.
من الانترنت: http://www.onlinebooks.pobox.upenn.edu/htm. 
([4]) هاني نسيره، مفهوم الهوية بين الثبات والتحول، عن موقع (إسلام أون لاين)، من الانترنت:
http://www.islamonline.netarabicarts.CulturalAreas/2006/1007.html.
([5]) ومن أبرز مؤلفات (إريك إريكسون) كتابه؛ طفولة ومجتمع، 1963للمزيد من التفصيل ينظر: كاثرين هاليبرن، مفهوم الهوية تاريخه وإشكالاته، م.س.ذ، من الانترنت.
([6]) أحمد زايد، سيكولوجية العلاقات بين الجماعات (قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات)، ط1، شركة مطابع المجموعة الدولية، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 326، 2006، ص15.
([7]) المصدر السابق، ص16.
([8]) المصدر السابق، ص20-21.
([9]) المصدر السابق، ص29.
([10]) عزيزالشواط، الهوية: مأزق الأشكال وقلق المفهوم (إشكالية الهوية في العلوم الإنسانية)، من موقع الحوار المتمدن، العدد 1314- 11/9/2005، من الانترنت:
http://www.rezgar.com/debad/show.art.asp?aid=45253
([11]) المصدر السابق، (من الانترنت).
([12]) كاثرين هاليبرن، مفهوم الهوية: تاريخه وإشكالاته، م.س.ذ، (الانترنت).
([13]) المصدر السابق.
([14]) مجموعة الباحثين، ندوة(الهوية هل هي نقلة؟) مجلة الفكر العربي المعاصر (ملف الهوية)، مركز الاتحاد القومي، لبنان- بيروت، العدد 17 كانون الأول 1981، كانون الثاني 1982، ص114.
([15]) المصدر السابق، ص114.
([16]) المصدر السابق، ص114.
([17]) المصدر السابق، ص116-117.
([18])برهان غليون، الهوية والثقافة والسياسات الثقافية في البلدان التابعة، في مجموعة الباحثين، ندوة(الهوية هل هي نقلة؟) مجلة الفكر العربي المعاصر (ملف الهوية)،م س ذ، ص17.