الرواية في العصر الجاهلي

الرواية في العصر الجاهلي
      كانت الرواية في العصر الجاهلي الوسيلة المهمة لنشر الشعر ، وإذاعته ، وحفظه ، فما يكاد شاعر يلقي قصيدته حتى تنتشر في الآفاق ، وتذيع بين النّاس ، وقد عبّر عن سرعة انتشار الشعر بين الناس كثير من شعراء ذلك العصر ، منهم عميرة بن جُعَل، الذي هجا قومه ثم ندم ، ولكن ماذا يفعل ، وهو غير قادر على رد هذا الشعر ، قال([1]) :
ندمت على شتم العشيرة بعدما       فأصبحت لا أستطيع دفعا لما مضى
وصور المسيب بن علس سرعة نفاذ شعرهم في أرجاء الجزيرة ، فقال ([2])
مضت واستتبت للرواة مذاهبه      كما لا يردّ الدرّ في الضرع حالبه   .           
فلأهدين مع الرياح قصيدة       ترد المياه فما تزال غريبةً       .
مني مغلغلةً إلى القعقاع          في اليوم بين تمثل وسماع       .

طبقات الرواة في العصر الجاهلي :
      وأقدم أنواع الرواة في العصر الجاهلي هم رواة الشاعر نفسه ،فقد كانوا يلازمونه ، ويأخذون عنه . وهذه الملازمة ضرب من التلمذة ، حيث يمارس الشاعر الناشئ مهنته المنشودة في المستقبل مبتدئا العمل على يد أستاذ ، ثم أنه يعد ذلك ضربا من التدريب والمران ، فضلا عن أنه يلتمس لنفسه أسباب الشهرة من جهة ، والتعرف على الناس والأوساط الأدبية من جهة أخرى ، مستغلا شهرة أستاذه لكي يختصر طريق المجد الشاق الطويل .
      وتبرز في هذا العصر ، أيضا ،ظاهرة الشعراء الرواة ، فقد ذكر صاحب الأغاني سلسلة من هؤلاء الشعراء الرواة الذين يأخذ بعضهم عن بعض ، فقد بدأها بأوس بن حجر ، وعنه أخذ الشعر ورواه زهير بن أبي سلمى المزني ، وتتلمذ علي يد زهير ابنه كعب والحطيئة ، ورويا شعره ، وعن الحطيئة تلقّن الشعر ورواه هدبة بن خشرم ، وعن هدبة أخذ جميل بثينة ، وعنه أخذ كثير عزّه ([3]) .
      وتبرز ظاهرة الرواة الشعراء في قبائل هذيل ، وبالأخص عند أبي ذؤيب ، الذي كان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي ، وعلى هذا القياس توجد وشائج بين شعراء قيس بن ثعلبة ، فطرفة يروي للمرقش الأصغر عمّه ، ويأخذ عنه ،ويروي هذا عن عمه المرقش الأكبر ويحتذي على شعره ، وأيضا فإن طرفة كان يروي عن خاله المتلمس ، وقد يجمع بين الشعراء الرواة سلوك في الحياة كالصعاليك أو الفرسان فيروي بعضهم لبعض ([4]) .
      ولم يكن الشعراء الجاهليون وحدهم يهتمون برواية هذا الشعر، بل كان هناك رواة القبيلة ، وقد كان الشعر في القبيلة أثمن تراث فيها ، يحتوي تاريخها وأمجادها، لذلك كانت القبيلة تقدّر للشعر أهميته وخطره ، فكان الاحتفال بمولد شاعر جديد ، أو نبوغه ، يعد عيدا قوميا ،يدخل ضمن أعرافهم الاجتماعية ، بل كانت بعض القصائد والدواوين في القبيلة تعد من المعالم الثقافية البارزة في حياتهم.
وقد كانت معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي التي بلغت أبياتها عند بعض الرواة ألف بيت من أبرز أعمال التغلبيين ، مما دفع د. يوسف خليف إلى اعتبارها نشيدا قوميا لتغلب ، وظل اهتمام تغلب بالمعلقة يروونها صغيرا وكبيرا ، حتى هجاهم بذلك أحد شعراء بكر ، فقال ([5]) :
ألهي بني تغلب عن كلّ مكرمةٍ يروونها أبدا مذ كان أوّلهم    
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم    يا للرجال لشعر غير مشؤوم   .

ولا ضير في أن يكون رواة القبيلة هم رواة الشاعر نفسه ، على أن يكونوا من أبناء القبيلة ،لأن بعض رواة الشاعر قد يكونون من قوم أباعد ، وكذلك إذا كان الرواة من أولاد الشاعر صليبة ، فهم رواة قبيلة ايضا . فهؤلاء جميعا يعدون من رواة القبيلة . وقد أدرك كثير منهم الإسلام ،وعاشوا في كنفه زمنا طويلا ، مثل ابن عبيد بن الأبرص ،وعلي بن علقمة بن عبدة ، وكعب بن زهير ، وعبد الرحمن بن حسان .

مواضيع ذات صلة 
 

الرواية في العصر الجاهلي
الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين
الكتابه والتدوين في العصر الجاهلي
اهم رواة الشعر الجاهلي
تدوين الشعر الجاهلي
مامعنى مصطلح جاهليه
ما معنى مصطلح "جاهلية"
تعريف الرواية في العصر الجاهلي
الرواية في العصر



[1] - الشعر والشعراء ،2/650 .
[2] - المفضليات : 62 .
[3] - الأغاني :8/ 91 .
[4] - د . شوقي ضيف : العصر الجاهلي 143 . ومصادر الشعر الجاهلي 222 وما بعدها .
[5] - الأغاني : 11/ 45 .