نظريات اكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية

نقد النظرية السلوكية
         منذ مطلع الخمسينيات وخلال الستينيات وحقل اللغويات وعلم النفس يشهدان تطورات جذرية متواصلة. فقد شهدت اللغويات تحولاً من علم اللغة التركيبي الذي يقوم على توصيف البنى السطحية لقدر كبير من اللغة إلى اللغويات التوليدية التي تشدد على طبيعة الانتظام المقنن Rule - governed   والطبيعة الإبتكارية للغة الإنسانية. وقد بدأ هذا التحول مع إصدار تشومسكي لكتابه البنى التركيبية syntactic structures في عام 1957م الذي يعد الأول في سلسلة كتبه الكثيرة المؤثرة.
         أما في ميدان علم النفس فإن القول بوجود دور بارز للبيئة في تشكيل معارف الطفل وسلوكه والذي نادى به سكنر قد بدأ يتراجع أمام الآراء المتعلقة بنمو التعلم كما في نظرية التطور المعرفي cognitive developmental theory لبياجيه التي ترى أن القوى الداخلية تدفع الطفل للتفاعل مع البيئة, (Piaget, 1970; Piaget and Inhelder, 1966; Piatelli-Palmarini, 1980).
         وقد وصل الصراع بين الآراء المتعلقة بالطريقة التي نتعلم بها اللغة إلى ذروته في أواخر الخمسينيات إثر إصدارين هما كتاب السلوك اللغوي Verbal Behaviors لسكينر في عام 1957م والذي يحتوي على تفاصيل النظرية السلوكية في التعلم مطبقة على اللغة، ومراجعة تشومسكي لكتاب سكينر هذا التي ظهرت في عام 1959م وتضمنت نقداً عنيفاً لآراء سكينر.
         وقد تركز نقد تشومسكي على عدد من القضايا, من أهمها:
1- ابتكارية اللغة: لا يتعلم الأطفال مجموعة كبيرة من الجمل ويعيدون إنتاجها، بل إنهم يبتكرون باستمرار جملاً جديدة لم يسبق لهم أبداً أن تعلموها من قبل. ويحدث هذا لأنهم يستوعبون قواعد وليس صفاً من الكلمات، فالأمثلة الكثيرة الشيوع في نطق الأطفال المبكر مثل (it breaked) و mummy goed)) تدل بوضوح على أن الأطفال لا ينسخون اللغة من حولهم بل يطبقون قواعد. وقد كان تشومسكي ساخطاً على فكرة "إمكان" مقارنة سلوك الفئران في المعامل وهي تتعلم أداء مهام بسيطة بسلوك الأطفال وهم يتعلمون اللغة دون تعليم مباشر مع أنها مهمة تختلف جذرياً (عن سابقتها) بسبب ما فيها من تجريد وتعقيد بالغ.
2- نظراً لتعقد القواعد اللغوية وتجريديتها (مثل القواعد التحتية لإنشاء الجمل الاستفهامية في كثير من اللغات، أو القواعد التحتية لاستخدام الضمائر الانعكاسية reflexive pronouns في اللغة الإنجليزية، كما سنرى في الفصل الثالث) فإن تمكن الأطفال من إجادتها بسرعة وكفاءة يعد أمراً مدهشاً، وخاصة في ظل محدودية ما يتلقونه من مدخلات. وهذا هو ما أسماه تشومسكي بمشكلة افلاطون "Plato’s problem" (Chomsky, 1987), وهو يشير هنا بشكل محدد إلى حقيقة أن بعض الخصائص التركيبية للغة لا يمكن, في ضوء تعقدها, أن تُتعلم على أساس العينات اللغوية المتوافرة. يضاف إلى ذلك أن المشاهد هو أن الأطفال لا يتلقون عادة تصحيحاً يتعلق بالشكل النحوي لكلامهم بل بما يقصدون إليه, وحين يحدث تصحيح فعلاً فإنه يبدو قليل الأثر في تطوير تراكيب اللغة لدى الطفل.
   وبناءً على هذه الأسباب يرى تشومسكي أن الأطفال لديهم ملكة فطرية innate faculty تتولى قيادتهم في تعلم اللغة. فالأطفال مهيئون لاكتشاف القواعد اللغوية فيما يسمعونه من كلام, يقودهم في ذلك معرفة فطرية innate knowledge بما ينبغي أن تكون عليه تلك القواعد. وسنؤجل المناقشة الموسعة لآراء تشومسكي إلى الفصل الثالث. ويكفي أن نشير هنا إلى أن هذا التوجه الثوري في دراسة اللغة قد أعطى دفعة قوية لميدان علم اللغة النفسي، ولدراسة اكتساب اللغة على وجه الخصوص. ويتناول الجزء التالي الأعمال التي ظهرت في السبعينيات والتي كانت متأثرة إلى حد بعيد بهذه الأفكار الجديدة.
السبـعينـيات
1 اكتساب اللغة الأولى
         كانت الأعمال التي أشرنا إليها أعلاه دافعاً قوياً للبحث في اكتساب اللغة عند صغار الأطفال، كما نجد عند كليما وبيلوجي (Klima and Bellugi, 1966)، أودان سلوبن (Dan Slobin, 1970), وروجر براون (Roger Brown, 1973). وقد لاحظ هؤلاء تشابهاً قوياً في سلوك تعلم اللغة من قبل الأطفال الصغار بغض النظر عن اللغة التي يتعلمونها, إذ يبدو أن الأطفال في كل أنحاء العالم يمرون بمراحل متشابهة، ويستخدمون مركبات متشابهة للتعبير عن معان متشابهة، ويقعون في نفس النوع من الأخطاء. ويمكن تلخيص (هذه المراحل) كما يلي (Aitchison, 1989: 75).

المرحلة اللغوية     سن البداية2
البكاء
الهديل (cooing)
المناغاة (babbling)
نماذج التنغيم (intonation patterns)
تركيب كلمة واحدة
تركيب الكلمتين
تصريف الكلمة
الاستفهام والنفي
تراكيب نادرة ومعقدة
كلام ناضج  الولادة
6 أسابيع
6 أشهـر
8 أشهـر
سنة واحدة
18 شهـراً
سنتان
سنتان وثلاثة أشهر
5 سنوات
10 سنوات
         ولا تختص هذه المراحل باللغة وإن كان تحققها الفعلي يعد فعلاً كذلك.
وقد توصل البحث إلى نتائج مشابهة عند دراسة الوقت الذي تظهر فيه بعض التراكيب في اللغة الإنجليزية حيث لوحظ أن هناك تدرجاً ثابتاً للاكتساب order of acquisition. ولعل دراسة روجر براون المعروفة بـ "دراسة الوحدات الصرفية" "morpheme study" أشهر دراسة عن اللغة الأولى في ذلك الوقت تمكنت من أن تؤثر بشكل كبير في أبحاث اللغة الثانية. وقد تتبع براون في هذه الدراسة بشكل معمق ثلاثة أطفال من خلفيات مختلفة مقارناً تطور أربع عشر وحدة صرفية من ذات الوظائف النحوية في اللغة الإنجليزية لدى كل منهم، وقد وجد أنه على الرغم من اختلاف الأطفال في معدل سرعة اكتسابهم للوحدات الصرفية المختارة إلا أن الترتيب الذي تم به الاكتساب بقي موحداً لدى الجميع وفقاً للقائمة المبسطة التالية:
الحاضر المستمر   ( boy singing )
حروف الجر         ( dolly in car )
الجمع ( sweeties )
الماضي السماعي  (Broke)
الملكية         ( baby’s biscuit )
أداة التعريف         ( a car )
الماضي القياسي    ( wanted )
ضمير الفاعل الغائب      ( eats )
الفعل المساعد (be) (= يكون)   ( he is running )
المدهش هنا هو أن الأطفال لم يكتسبوا فقط عدداً من الوحدات الصرفية النحوية بترتيب ثابت، بل إنهم أيضاً اتبعوا تدرجاً صارماً إلى حد ما عند اكتسابهم لبعض العناصر النحوية. ومثال ذلك أن الأطفال في كل أنحاء العالم لا يكتسبون النفي في سن متقارب فقط، ولكنهم أيضاً يضعون علامة النفي في الجملة بطريقة متشابهة في كل اللغات, حيث يبدؤون بإلصاق علامة النفي خارج حدود الجملة (no go to bed) و (pas faut boire) ونحو ذلك، ثم ينقلون أداة النفي تدريجياً إلى داخل الجملة، متبعين بالنسبة للإنجليزية التدرج الموضح أدناه (انظر (Ellis, 1994: 78)، نقلاً عن كليما وبيلوجي (Klima and Bellugi, 1966)، وكازدن (Cazden, 1972)).
المرحلة الأولى: تحتوي عبارة النفي على نواة " nucleus " (أي العبارة المثبتة) وتكون إما مسبوقة أو متبوعة بأداة النفي.
wear mitten no (=ارتداء قفاز لا)   
not a teddy bear   (=ليس دب[لعبة])
المرحلة الثانية: إدخال أدوات النفي داخل جمل الأمر. ومن بين أدوات النفي في هذه المرحلة don’t)) و (can’t)، وتستخدمـان كوحـدات مستقلـة. كما يظهر في هذه المرحلة الأوامر السلبية negative commands.
There no squirrels  (=هناك لا خصام)  
You can’t dance(=ما تعرف ترقص)    
Don’t bite me yet(= لا تعضّني )   
المرحلة الثالثة: أدوات النفي الآن مضمنة دائماً داخل جملة الأمر، كما تم اكتساب القاعدة (فعل مساعد + not) بحيث تنتج مثلاً ( don’t ) و (can’t) إلخ كوحدات محللة. ولكن بعض الأخطاء ما زالت تحدث (كما في حذف الفعل الرابط (be) من عبارات النفي، وكما في استخدام النفي المضاعف double negative).
I don't have a book (= ما عندي كتاب)  
Paul can’t have one (= بول لن يأخذ شيئاً)
I not crying (= أنا لا أبكي)    
no one didn’t com( = لم يأت أحد)   
ولا تختلف هذه المراحل عن المراحل المتبعة من قبل متعلمي اللغة الثانية التي رأينا من قبل في الفصل الأول (1، 4، 4). ربما عثر على ظواهر مماثلة فيما يتعلق باكتساب الاستفهام وغيره من التراكيب.
         ومن الخصائص الأخرى الهامة للغة الأطفال والتي بدأت تلقى اهتماماً هو أنها مبنية على قواعد (rule-governed), حتى وإن كانت القواعد التي يصطنعها الأطفال في البداية لا تتوافق مع قواعد الراشدين. فما إن يبلغ الطفل الثانية من العمر حتى يبدأ بالتعبير عن العلاقة بين العناصر المكونة للجمل مثل الملكية أو النفي أو المكانية بطريقة سليمة. كما تبين بشكل مقنع أن الأطفال حينما ينتجون صيغاً مشابهة لما ينتجه الراشدون باتباع القواعد, كأن يقوموا بإضافة (-s) إلى كلمة (dog) للتعبير عن معنى الجمع (dogs), فإنهم هنا لا يقومون بمجرد تقليد أو ترديد ببغائي لما يقوله الكبار من حولهم. وهناك نوعان من البراهين لإثبات صحة هذه النقطة, يتمثل أولهما في أن الأطفال كثيراً ما ينتجون صيغــاً مثل (sheeps) و (breads) اللتين لم يسمعوهما مطلقاً من قبل مما يدل على أنهم لا يقلدون أحداً. ويأتي الثاني من جهة بعض الدراسات التجريبية البارعة التي اشتهرت مؤخراً وكانت قد أجريت في فترة الخمسينات على صغار الأطفال (انظر بيركو Berko, 1985)، حيث عرض على الأطفال صورة لمخلوق غريب يشبه الطائــر وقيل لهم (مثلاً): (This is a wug)، ثم عرضت عليهم صورة لاثنين من هذا المخلوق وقيل لهم: (Now there is another one . There are two of them. There are two…?), وقـد أجاب الأطفال باتفاق (wugs) ، بنسبة 91%، مما يدل على أنهم لا يتعلمون الجمع بمجرد تذكر صيغ الجمع التي مرت بأسماعهم، ولكنهم يستخلصون قاعدة الجمع مما يسمعونه من لغة ثم يطبقون تلك القاعدة على إنتاجهم اللغوي. ولم تقتصر هذه التجربة على سلسلة من الأسماء المصطنعة ولكن تضمنت أيضاً بعض الأفعال المصطنعة كأن يعرض على الأطفال مثلاً صورة لشخص يقوم ببعض الأعمال الغريبة ويقال لهــم:
(This person knows how to gling . He is glinging. yesterday, he did the some thing . Yesterday he…?)
وهنا أجاب الأطفال بشكل متطابق (glinged)، (77% منهم)، مما يؤكد مرة أخرى أنهم قد وضعوا قاعدة لصياغة الفعل الماضي. والواقع أن الأطفال يمرون بمرحلة يقومون في بدايتها بإنتاج الصيغة الصحيحة للفعل الماضي غير القياسي مثل (took) أو (went) على أساس أنهم تعلموا هذه الصيغ بشكل فردي3 وذلك قبل أن يشرعوا في تشكيل قاعدة صيغة الفعل الماضي القياسي. وعندما يصلون إلى هذه النقطة يبدؤون في إنتاج صيغ مثل (taked) و (goed) والتي قد تستمر لفترة طويلة جداً على الرغم من كل محاولات التصحيح من قبل الوالدين المهمومين الذين ربما اعتقدا أن طفلهما يتراجع. ولا يتمكن الأطفال من إنتاج الاستثناءات إلا بعد ذلك بفترة طويلة.
وحقيقة كون الأطفال لا يقومون بتعديل "أخطائهم" النطقية على أساس ما يقدمه الكبار من تصحيحات صريحة أو ضمنية يعد من الأمور الثابتة في أدبيات اكتساب اللغة الأولى, كما ورد عن العالم النفسي مارتن براين Martin Braine الذي ذكر ابنته كمثال لذلك, انظر (Pinker, 1994: 281).
الطفلة :        Want other one spoon, Daddy
الأب :          You mean, you want THE OTHER SPOON
الطفلة : Yes, I want other one spoon, please, Daddy
الأب : Can you say ‘the other spoon'?
الطفلة : Other…one…spoon
الأب : Say … 'other’
الطفلة : Other
الأب : ‘Spoon’
الطفلة : Spoon
الأب : ‘Other … spoon'
الطفلة : Other … spoon. Now give me other one spoon?
يعد هذا المثال المشهور نموذجياً لمثل هذه المحاولات، فهذه الطفلة ليست بطيئة في تقدمها ولا تعاني من نزعة عنادية خاصة، بل كل ما هنالك هو أنها تبدو غير قادرة على جعل البديل المقترح من قبل والدها منسجماً مع ما لديها من رصيد نحوي في هذه المرحلة.
من هذا التتبع المختصر بالضرورة والبالغ التبسيط لأبحاث اكتساب اللغة الأولى في مرحلة السبعينيات تبرز لنا الخصائص التالية:
1.      يمر الأطفال اثناء تعلم اللغة بمراحل.
2.      تتشابه هذه المراحل تشابهاً كبيراً لدى سائر الأطفال في اللغة المعينة، على الرغم من أن معدل تقدم كل منهم يختلف من شخص لآخر.
3.      تتشابه هذه المراحل لدى الأطفال في جميع اللغات.
4.      لغة الطفل مبنية على قواعد ومنتظمة، ولا تتطابق القواعد التي يتخذها الأطفال بالضرورة مع القواعد المتبعة من قبل الراشدين.
5.      لا يستجيب الأطفال للتصحيح.
6.      تُحدِّد قدرة الأطفال على التحليل عدد القواعد التي يطبقونها في مرحلة من المراحل، ويعودون إلى فرضياتهم السابقة عندما يتنافس أكثر من قاعدة.
وتبدوا هذه النتائج مؤيدة لما زعمه تشومسكي من أن الأطفال يتبعون نوعاً من المخطط الداخلي السابق الإعداد عند اكتسابهم للغة.
2.3.2   تعلم اللغة الثانية: مولد نظرية تحليل الأخطاء
         لم تلبث النتائج السابقة أن نالت اهتمام الباحثين والمدرسين المعنيين باكتساب اللغة الثانية. ولم يكن ذلك راجعاً فقط إلى جاذبية تلك النتائج في ذاتها بل أيضاً إلى عجز نظرية التحليل التقابلي Contrastive Analysis عن تحقيق توقعاتها في الواقع العملي. واكتشف المدرسون في الفصول الدراسية أن التراكيب المختلفة في اللغتين [اللغة الأم واللغة الهدف] ليست صعبة بالضرورة، كما أن التراكيب المتشابهة ليست سهلة بالضرورة أيضاً. يضاف إلى ذلك أن الصعوبة تحدث أحياناً في اتجاه ولا تحدث في الآخر. مثال ذلك ما نجده بشأن موضع ضمير المفعول به غير المنبور الذي يختلف في الإنجليزية عنه في الفرنسية: فبينما يقال في الإنجليزية (I like them) (أحبهم)، يقال في الفرنسية (Je les aime) التي تساوي (I them like). وهنا تتوقع نظرية التقابل اللغوي أن يكون هذا التركيب صعباً على الإنجليز الذين يتعلمون الفرنسية وعلى الفرنسيين الذين يتعلمون الإنجليزية. ولكن ما يحدث بالفعل هو خلاف ذلك, فبينما يجـد الإنجليز صعوبة في تعلم التركيب الفرنسي حيث ينتجون أخطاء مثل (J aime les*) في المراحل المبكرة فإن متعلمي الإنجليزية الفرنسيين لا ينتجون أخطاء من نوع (I them like) كما تتوقع نظرية التقابل اللغوي. وهكذا أصبحت مهمة المقارنة بين لغتين بهدف تصميم برنامج تدريسي فعال تبدو مهمة لا تتساوى في ضخامتها مع القدرة التنبؤية لنظرية التقابل اللغوي, فإذا كانت هذه النظرية عاجزة عن التنبؤ الكامل بمواطن الصعوبة فإن المشروع برمته حينئذ يبدو بلا معنى.
يشير هذان الأمران مجتمعين _ ونعني بهما التطورات الحاصلة في اكتساب اللغة الثانية والتحرر من وهم نظرية التقابل اللغوي – إلى أن الباحثين والمدرسين أصبحوا أكثر اهتماماً باللغة التي ينتجها المتعلم وليس باللغة الهدف أو اللغة الأم. ومن هنا نشأت نظرية تحليل الأخطاء Error Analysis، أي التحليل المنظم لأخطاء متعلمي اللغة الثانية. وبدأ الباحثون ينظرون إلى اللغة التي ينتجها المتعلمون على أنها نظام لغوي مستقل جدير بالتوصيف. وكان كوردر (Corder, 1967) أول من لفت الانتباه إلى أهمية دراسة أخطاء المتعلمين، التي اتضح أنها لا تنبع كلها من اللغة الأولى بأي حال من الأحوال. فما تنبأت به نظرية التقابل اللغوي من أن كل الأخطاء تعود إلى تدخل اللغة الأولى ثبت أنه بلا أساس، حيث أوضحت دراسات كثيرة بشكل مقنع أن أكثرية الأخطاء لا يمكن ربطها باللغة الأولى، وأن المواطن التي يفترض أن تؤدي اللغة الأولى إلى خلوها من الأخطاء لم تكن دائما كذلك. مثال ذلك ما أظهره هيرناندز- شيفز (Hernandez-Chavez, 1972) من أنه على الرغم من التشابه الكبير بين الإنجليزية والأسبانية في صياغة الجمع إلا أن الأطفال الأسبان يمرون بمرحلة من إسقاط علامة الجمع عند تعلم الإنجليزية. وقد أصبحت مثل هذه الدراسات معروفة، وعولجت بشكل موسع في كتاب مستقل في عام 1974م من تأليف Richards ريتشاردز بعنوان: تحليل الأخطاء: مرئيات في تعلم اللغة الثانية، Error analysis: Perspectives on Second language Learning .
وفي مراجعة للدراسات التي عالجت نسبة الأخطاء التي يمكن إرجاعها إلى اللغة الأم وجد إليس (Ellis, 1980) تنوعاً كبيراً فيما توصلت إليه الدراسات المختلفة، حيث تراوحت نسبة الأخطاء العائدة إلى اللغة الأولى من 3% (كما وجد لدى دولي وبيرت (Dulay and Burt, 1973) إلى 51% (كما هو الحال عند تران-تشي-تشو (Tran-Chi-Chau, 1975), بينما جاءت معظم النتائج مشيرة إلى أن ثلث مجموع الأخطاء يمكن إرجاعه إلى تأثير اللغة الأولى. وهكذا تبين نظرية تحليل الأخطاء أن غالبية الأخطاء التي يقع فيها متعلمو اللغة الثانية لا تأتي من قبل لغتهم الأولى.
وبهذا فإن سؤالنا التالي هو: من أين تأتي مثل تلك الأخطاء؟ وإذا كانت لا تشبه اللغة الهدف ولا اللغة الأولى فلا بد أنها ناشئة عن عمليات داخلية لدى المتعلم. وهنا أخذ الباحثون يحاولون تصنيف تلك الأخطاء بهدف فهمها، ويقارنونها مع الأخطاء التي يقع فيها الأطفال عند تعلم اللغة الأم. وقد تزامنت هذه المحاولات مع ما أشرنا إليه سابقاً من تطورات في ميدان اكتساب اللغة الأولى حولت الأنظار إلى لغة الطفل باعتبارها موضوعاً للدراسة مستقلاً بذاته، وليس باعتبارها محاولات لإنتاج لغة الراشدين. كما بدأت دراسات تعلم اللغة الثانية، وبتأثير الاهتمام بفهم الأخطاء المرتبطة بعمل الجهاز المعرفي للمتعلم، تهتم بشكل أكبر بالسمات العامة لنظام اللغة الثانية.
         وفي العام 1972م طرح سيلينكر مصطلح اللغة البينية Interlanguage للإشارة إلى اللغة التي ينتجها المتعلمون بوصفها نظاماً يقوم على قواعد منتظمة في كل مرحلة من مراحله وكذلك بوصفه سلسلة من النظم المتشابكة التي يتسم بها تقدم المتعلم. أي أن مفهوم اللغة البينية يشدد على أمرين: أن اللغة التي ينتجها المتعلم نظام (system)مستقل بذاته وخاضع لقواعده الخاصة، وأنه نظام ديناميكي (dynamic) يتطور مع الوقت. وبهذا تكون دراسات اللغة البينية قد تقدمت خطوة على تحليل الأخطاء من ناحية تركيزها على نظام المتعلم بكامله وليس فقط على ما يقع فيه من أخطاء.
3.3.2 دراسات الوحدات الصرفية وتعلم اللغة الثانية
         إذا انتقلنا إلى أبحاث اكتساب اللغة الثانية، نجد أن النتائج المنبثقة عما يسمى بدراسات الوحدات الصرفية morpheme studies ربما كانت أكثر الاكتشافات التجريبية أهمية في تلك الفترة، كما تعد نظرية المراقب  Monitor Modelلكراشن, التي تمثل بدورها تطوراً نظرياً منطقياً ناتجاً عن تلك الدراسات, الأكثر أهمية فيما يبدو على المستوى المفاهيمي.
         وتحاكي دراسات الوحدات الصرفية في اللغة الثانية دراسة روجر براون (1973م) في اكتساب اللغة الأولى التي أشرنا إليها باختصار من قبل. وقد وجد براون في دراسته الطولية longitudinal study ترتيباً ثابتاً لظهور 14 وحدة صرفية نحوية في اللغة الإنجليزية. وقد أثبت باحثون آخرون نفس الترتيب منهم دي فيلليرز و دي فيلليرز (de Villiers and de Villiers, 197) في دراستهما العرضية4 cross-sectional study لعشرين طفلاً أثناء اكتسابهم للإنجليزية كلغة أولى.
انطلق الباحثون في ميدان اكتساب اللغة الثانية في دراسة اكتساب نفس الوحدات الصرفية النحوية لدى متعلمي اللغة الثانية. وكان دولاي و برت أول من قام بمثل هذه الدراسات (Dulay and Burt, 1973, 1974c, 1975)، متناولين أولاً ثمانية من الوحدات الصرفية التي تناولها براون للتعرف على مدى دقة إنتاجها من قبل بعض الأطفال الأسبان أثناء اكتسابهم للغة الإنجليزية كلغة ثانية (1973). وقد قامت دراستهما العرضية هذه على مراقبة كلام ثلاث فئات مختلفة القدرات من الأطفال الناطقين بالأسبانية (مقسمين بحسب طول تعرضهم للغة الإنجليزية بعد هجرتهم إلى أمريكا).
         وقد شملت هذه الدراسة 151 طفلاً, واستخدم فيها الباحثان لاستخلاص العينات الكلامية مقياس النحوي ثنائي اللغة Bilingual Syntax Measure , وهو منهج استخلاص حواري يقوم على الرسوم الكرتونية ويرمي إلى الحصول على تراكيب نحوية معينة. ووجد الباحثان أن تسلسل الاكتساب لدى الأطفال من جميع الفئات كان متشابهاً إلى حد كبير. وقد جاءت النتيجة على هذا النحو مع العلم أن كل فئة تختلف من حيث كفاءتها في اللغة الإنجليزية عن الأخرى Dulay et al., 1982: 204)). ثم أجرى دولاي و برت بعد ذلك دراسة أخرى مشابهة ولكن باستخدام أطفال ينتنمون إلى لغات أولى مختلفة هذه المرة، من الصينية والأسبانية تحديداً (Dulay and Burt, 1974c). وقد وجدا هنا ترتيباً متشابهاً جداً في اكتساب كلتا الفئتين من الصينيين والأسبان لإحدى عشرة وحدة صرفية من الوحدات الصرفية النحوية التي درسها براون. وفي ضوء النتائج المشجعة للدراستين السابقتين قام الباحثان (Dulay and Burt, 1975) بدراسة أخرى موسعة تناولا فيها 536 طفلاً من الناطقين بالأسبانية والصينية من ذوي المستويات المختلفة في اللغة الثانية الإنجليزية لدراسة اكتسابهم لثلاث عشرة وحدة صرفية من الوحدات التي درسها براون. وقد وجدا هنا تسلسلاً هرمياً واضحاً في اكتساب الوحدات المدروسة، حيث تتوزع في أربع مجموعات تُكتسب وفق تدرج ثابت بغض النظر عن اللغة الأولى، كما هو مبين في الشكل (1.2) (Dulay, Burt and Krashen, 1982: 208). وأكدا في الختام أنه: "من المحتمل أن الأطفال من مختلف الخلفيات اللغوية والذين يتعلمون الإنجليزية في بيئات إقليمية مختلفة يكتسبون إحدى عشرة وحدة صرفية وفق تسلسل متماثل"(Dulay et al., 1982: 207-9). ومع أن النتائج تبدو واضحة فيما يخص متعلمي اللغة الثانية من الأطفال إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن الراشدين يسيرون في اكتسابهم على نفس المنوال. فقد يعود الأمر مع كل هذا إلى أن الأطفال يتصدون لمهمة تعلم اللغة الثانية بطريقة تشبه تعلمهم للغة الأولى على خلاف البالغين.
         كما أجرى بيلي وآخرون (Baily et al., 1974) دراسة مشابهة على البالغين, واستخدموا فيها نفس منهج استخلاص المادة الذي استخدمه دولي وبرت من قبل والمسمى بمقياس النحو ثنائي اللغة Bilingual Syntax Measure، وذلك بغرض التعرف على مدى دقة أداء ثلاثة وسبعين من متعلمي الإنجليزية من الراشدين المنتمين إلى إحدى عشرة خلفية لغوية للوحدات الصرفية الثمان التي قام بدراستها دولي وبرت من قبل في عام (1973م). وقد توصل الباحثون هنا إلى نتائج مشابهة لتلك المتعلقة بالأطفال والتي جاء بها دولي وبرت (Dulay and Burt, 1973, 1974c) (انظر الشكل (2، 2) المأخوذ من (Dulay and Burt, 1982: 210).
         وقد تعرضت دراسات اكتساب الوحدات الصرفية للنقد سواء وقت صدورها أو بعده, ويحتوي كتاب غاس وسيلينكر (Gass and Selinker, 1994: 84-7) على سبيل المثال على مراجعة لذلك النقد. (وينصب هذا النقد بشكل رئيسي على منهج استخلاص المادة المستخدم في تلك الدراسات المبكرة حيث يعتقد بأنه يؤدي إلى نتائج متحيزة، وكـذلك علـى الفرضية التي ترى أن الدقـة النسبية في الأداء تعكس تدرجاً في الاكتساب)5. ومع هذا فإن المقولة الأساسية التي ترى أن متعلمي اللغة الإنجليزية كلغة ثانية سواء كانوا أطفالاً أم راشدين يصلون إلى الدقة في إنتاج عدد من الوحدات الصرفية الوظيفية عبر تدرج ثابت بغض النظر عن المكان الذي يحدث فيه التعلم

عينة      :                                
العدد      :  536            تصميم البحث          :  دراسة عرضية
العمر     :  59 سنوات                 أسلوب الاستخلاص     :         حوار موجَّه
اللغة الأم  : 461 أسبان
55 صينيين                    بيئة اللغة الثانية         :         مضيفة
اللغة الثانية: الإنجليزية                      

تسلسل الاكتساب  الناتج
         المجموعة 1
الحالة الإعرابية             ترتيب الكلمات
(الرفع والنصب)   
(في جمل خبرية بسيطة)

         المجموعة 2
فعل الربط المفرد                     الفعل المساعد المفرد
('s/is)                  ('s/is)
الفعل المساعد للجمع                الفعل المستمر
(are)         
(-ing)

         المجموعة 3
الماضي السماعي           الفعل المساعد الشرطي
الملكية                   (would)
('s)             علامة الجمع الطويلة
                   (-es)
         علامة الفاعل الغائب (-s)        

         المجموعة  4       
فعل التمام المساعد          التصريف الثالث
(have)                (- en)
         الشكل (2،1 ) تسلسل هرمي لاكتساب ثلاث عشرة  وحدة صرفية/ نحوية في      الإنجليزية من قبل الأطفال الناطقين بالأسبانية والناطقين بالصينية
(فصول دراسية أو تعلم طبيعي أو مزيج من الاثنين), لم تتأثر بذلك للنقد. أما عدم انسجام هذا التدرج المحدد مع التدرج الذي وجده براون أو (دي فيلرز ودي فيلرز) في اكتساب اللغة الأولى يكن ذا أهمية. فوجـود مثل هذا التدرج يدل على أن متعلمي اللغة الثانية يعتمدون على مبـادئ
داخلية مستقلة إلى حد بعيد عن لغتهم الأولى، وهو ما يعد صفعة قوية لكل مؤيدي نظرية التحليل التقابلي.
         وعلاوة على ما سبق فسرعان ما ظهر عدد من الدراسات التي تشير إلى أن تطور الاكتساب عبر مراحل منتظمة قد يوجد أيضاً في مواضع نحوية أخرى. ومثال ذلك ما يحدث في اكتساب تراكيب النفي في الإنجليزية كلغة ثانية الذي ظهر في عدد من الدراسات أنه يسير عبر مراحل محددة تماماً (انظر Adams, 1978; Butterworth and Hatch, 1978; Cazden et al., 1975; Ellis, 1994: 99; Milon, 1974; Ravem, 1968; Wode, 1978, 1981). كما لوحظ أيضاً أن هناك مراحل مشابهة لاكتساب تراكيب النفي في الألمانية كلغة ثانية (Clahsen, 1982; Felix, 1978; Lange, 1979; Pienemann, 1981). والخلاصة كما يقول إليس (Ellis, 1994: 101) أنه "على الرغم من اختلاف الصورة النهائية التي يزمع متعلمو اللغة الإنجليزية والألمانية الوصول إليها، إلا أننا نجد تشابهاً جلياً في التسلسل الذي يتم به اكتساب تراكيب النفي في اللغتين". زد على ذلك أن اكتساب النفي في اللغة الإنجليزية من قبل دارسيها كلغـة ثانية لا يختلـف عن اكتسابها من قبل الأطفال كلغة أولى، انظر الجزء (2، 2، 1).
         ومن الثابت أيضاً أن اكتساب بعض البنى التركيبية الأخرى مثل الاستفهام والجمل الموصولة، وترتيب الكلمات في اللغة الألمانية، ونحو ذلك يسير وفق أنماط اكتسابية متماثلة مهما كانت اللغة الأولى للمتعلم، ( انظر (Ellis, 1994: 99-105)، حيث توجد مراجعة وافية للدراسات المبكرة في هذا الشأن). يضاف إلى ذلك أن المراحل التي يتدرج عبرها متعلمو اللغة الثانية عند اكتساب هذه الجوانب التركيبية الأخرى يتشابه مع تلك التي يمر بها الأطفال عند تعلم لغتهم الأولى.
إذن فقد حفلت مرحلة السبعينيات بكم غزير من الدراسات التي تتناول سير متعلمي اللغة الثانية والذي ظهر بشكل مقنع أنه منتظم، وأنه مستقل عن لغة المتعلم الأولى إلى حـد كبير،
عينة    :                                           
العدد    :     73              تصميم البحث     :         دراسة عرضية    
العمر   :     1755 سنة                 أسلوب الاستخلاص:       محادثة موجهة      
اللغة الأم:    الأغريقية الفارسية، الإيطالية التركية، اليابانية، الصينية التايلاندية، الأفغانية، العبرية العربية، الفيتنامية           البيئة              :         المضيفة      
اللغة الثانية: الإنجليزية                               
                                              
























وأنه يحمل أوجه شبه عديدة مع اكتساب اللغة الأولى على الرغم من وجود بعض الاختلافات. وهذه النتائج تمثل أهم النتائج التجريبية التي قوضت التصورات القائمة في تلك الفترة حول كيفية اكتساب اللغات الثانية.
وقبل الانتقال إلى النظر في المقاربات النظرية الرامية لتفسير النتائج السابقة دعنا نتوقف قليلاً عند النقـطة الأخيرة، وبالتحديد عند النتيجة القائلة بأن الأنمـاط الاكتسابية في اللغة الأولى
والثانية متشابهة ومختلفة في الوقت ذاته، حيث مازالت إلى يومنا هذا قضية خلافيه تدور حولها مناقشات عنيفة. تذكّر أن اكتشاف تسلسل الاكتساب في اللغة الأولى يرتبط بالنظرية القائلة بأن الأطفال يتمتعون بملكة لغوية توجههم فيما يتخذون من فرضيات عن اللغة من حولهم. وما توصل إليه براون بشأن ترتيب الاكتساب للوحدات الصرفية النحوية يعد دليلاً مؤيداً لهذا الرأي. إذن كيف نفهم النتيجة القائلة بأن متعلمي اللغة الثانية يتبعون أيضاً تدرجاً في الاكتساب ولكن هذا التدرج مختلف؟ فكونهم يتبعون مثل هذا التدرج يفيد بأن هناك مقومات داخلية توجههم في هذا كما هو الشأن عند الأطفال. ومن الناحية الأخرى فإن كون هذا التدرج يختلف عما هو موجود في اللغة الأولى يدل على أن تلك المقومات الداخلية تختلف على الأقل من بعض النواحي.
         إذن فقد أفرزت الأعمال التجريبية التي اصطبغت بها مرحلة السبعينيات صورة مشوشة بعض الشي,ء وقد حاول البرنامج البحثي لفترة الثمانينيات أن يعالج بعضاً من هذه القضايا. ولكننا قبل الانتقال إلى فترة الثمانينيات نحتاج إلى تناول فرضية المراقب لكراشن التي استلهمت القضايا السابقة مفاهيمياً وقدمت بذلك محاولة عميقة الأثر من خلال تصميم نظري شامل يعد الأول من نوعه في ميدان اكتساب اللغة الثانية.
2، 3، 4  فرضية المراقب لكراشن
         تشكلت نظرية كراشن في أواخر السبعينيات عبر سلسلة من المقالات البحثية بأثر من النتائج التي أشرنا إليها أعلاه، انظر (Krashen, 1977a, 1977b, 1978). ثم قام كراشن بتهذيب فكرته وتوسيعها في أوائل الثمانينيات في سلسلة من الكتب (Krashen, 1981, 1983, 1985)6. وقد أقام كراشن نظريته العامة على خمس فرضيات هي:
1 -   فرضية الاكتساب / التعلم  The Acquisition-Learning Hypothesis
2 -   فرضية المراقب      The Monitor Hypothesis
3 -   فرضية التدرج الطبيعي    The Natural order Hypothesis
4 -   فرضية المدخلات    The Input Hypothesis
5 -   فرضية الراشح الوجداني  The Affective Filter Hypothesis
2، 3، 4، 1          فرضية الاكتساب والتعلم
         تركت هذه الفرضية آثاراً واسعة وما زالت إلى وقتنا هذا مصدراً لكثير من الجدل وإن كان بشكل مختلف عن السابق. والمقدمة الأساسية التي تقوم عليها هذه الفرضية هي أن اكتساب اللغة acquisition من ناحية والتعلم learning من ناحية أخرى يعدان عمليتين منفصلتين. فالاكتساب يشير إلى "عملية لا شعورية تماثل عملية تعلم اللغة الأولى لدى الأطفال في كافة النواحي الجوهرية" (Krashen, 1985: 1)، بينما يشير التعلم إلى "العملية الواعية التي ينتج عنها معرفة حول اللغة" Knowing about language، (1985: 1). أي أن الاكتساب بعبارة أخرى ينتج عن التفاعل الطبيعي مع اللغة من خلال استخدامها في مواقف اتصالية واقعية تؤدي إلى عمليات نمو شبيهة بتلك التي ذكرناها بالنسبة لاكتساب اللغة الأولى، أما التعلم فإنه ينتج عن الخبرات الصفية التي يركز المتعلم أثناءها على الصيغ ويكوّن معرفة عن القواعد اللغوية للغة الهدف.
         لكن التعارض بين البيئة الطبيعية والبيئة الصفية لا يمثل أمراً هاماً هنا. فالأمر الأهم، كما يُزعم، يكمن في الفرق بين الاتصال الحقيقي من جهة والذي من الممكن جداً تحقيقه في لغة الفصل الدراسي وجعله وسيلة لإيقاظ العمليات اللاشعورية، والانتباه الواعي للصيغ من جهة أخرى والذي يمكن أيضاً أن يتوافر في البيئة الطبيعية خاصة مع المتعلمين الأكبر سناً الذين ربما التمسوا صراحة بعض المعلومات النحوية من الناس من حولهم. وقد تعرض كراشن للنقد بسبب هذا التعريف الغامض لماهية العمليات الواعية conscious processes في مقابل العمليات غير الواعية subconscious processes إذ أنه من الصعب جداً اختبارهما في الواقع العملي: فكيف يمكننا أن نعرف متى يكون إنتاج المتعلم اللغوي ناتجاً عن معالجة واعية ومتى لا يكون؟  ومع ذلك فقد أحدث التعارض بين الاكتساب والتعلم آثاراً كبيرة وخاصة في أوساط مدرسي اللغات الأجنبية الذين وجدوا فيه تفسيراً لعدم التناسب بين تصحيح الأخطاء والتعليم المباشر من جهة ودقة أداء الدارسين من جهة أخرى. فلو كان هناك نوع من الآلية الداخلية المسؤولة عن تقدم الدارسين فإن بإمكانها حينئذ أن تفسر لنا السبب في أن بعض التراكيب، وحتى البسيط منها مثل علامة الفاعل الغائب المفرد (-s) في الإنجليزية (كما في he likes = يحب)، قد يكون من المحبط تدريسها حيث نجد المتعلمين يعرفون القاعدة نظرياً ولكنهم كثيراً ما يعجزون عن تطبيقها في المحادثات الفعلية. ويعبَّر عن هذا وفق مصطلحات كراشن بأن المتعلمين هنا تعلموا القاعدة ولكنهم لم يكتسبوها.
ومن الجوانب الإشكالية الكبيرة أيضاً في تفريق كراشن المزعوم قوله بأن التعلم لا يمكن أن يتحول إلى اكتساب، أي أن المعرفة اللغوية المتحصلة بواسطة هذين المسلكين المختلفين, الاكتساب أو التعلم, لا تستطيع في النهاية أن تندمج في كيان موحد (Krashen and Scarella, 1978). ولا يتفق الباحثون الآخرون مع كراشن في هذا الشأن, انظر مثلاً (Gregg, 1984; MaLlaughlin, 1987)، وما زال الجدل حول ما إذا كانت الأنواع المختلفة من المعرفة تتداخل أو تبقى منفصلة قائماً حتى الآن على الرغم من اختلاف المصطلحات, انظر مثلاُ (Schwartz, 1993; Towell and Hawkins, 1994; Myles, Hooper and Mitchell, forthcoming; Zoble, 1995).
2، 3، 4، 2  فرضية المراقب
         يرى كراشن أن مصطلحي "التعلم" و "الاكتساب" يستخدمان بطرق خاصة جداً فيما يخص الأداء في اللغة الثانية. وتقرر فرضية المراقب أن هناك وظيفة واحدة فقط " للتعلم " تتمثل في كونه مراقباً أو مدققاً لغوياً، وأنه يتدخل فقط ليجري بعض التعديلات في صيغ عباراتنا بعد إنتاجها من قبل النظام المكتسب، (Krashen, 1982: 15). أما الاكتساب فهو يقوم بإنشاء عبارات المتعلم ابتداء، ويعد مسؤولاً عن الطلاقة. وهكذا يُعتقد بأن المراقب يقوم بتعديل المخرجات الصادرة عن النظام المكتسب قبل أو بعد أن تخرج العبارة بالفعل في هيئة مكتوبة أو منطوقة، ولكن العبارة تبدأ بكاملها بفعل النظام المكتسب, (McLaughlin, 1987: 24).
         من الواضح جداً مما ورد أعلاه أن المراقب لا يعمل في كل الأوقات. فعندما يكون التركيز على الشكل أهم للمتعلم, وهو على معرفة بالقاعدة النحوية التي يحتاجها فإنه, عند توافر الوقت الكافي، قد يستفيد من المراقب اللغوي ليهذب بشكل واع المخرجات اللغوية التي يقوم على إنتاجها النظام المكتسب. ولكن من المؤكد أن ضغوط ومتطلبات التخاطب الفعلي في اللغة الثانية قليلاً ما تسمح بتحقيق مثل هذه المراقبة. ولقد تعرضت فرضية المراقب اللغوي لكراشن للنقد لهذا السبب، وأيضاً لأن محاولات اختبار ما تنبأت به لم تكن ناجحة، كما نجد في الدراسات التي تقارن بين المتعلمين عندما يعطون وقتاً أكبر (Hulstijn and Hulstijn, 1984)، أو الدراسات التي يطلب فيها من المتعلمين التركيز على الشكل النحوي (Houck et al., 1978; Krashen and Scarella, 1978)، أو الدراسات التي تحاول معرفة ما إذا كان المتعلمون الذين يتمكنون من شرح القواعد هم أفضل أداء من المتعلمين الذين لا يتمكنون من ذلك (Hulstijn and Hulstijn, 1984).
         استخدم كراشن فرضية المراقب اللغوي لتفسير الفروق الفردية بين المتعلمين. ويرى أنه من الممكن أن نجد مستخدمين مفرطين في استخدام المراقب اللغوي وهؤلاء لا يحبون ارتكاب الأخطاء ولهذا يدققون باستمرار فيما يقولون في ضوء ما لديهم من مخزون القواعد النظرية. ولهذا يأتي كلام هذا الصنف من المتعلمين متردداً جداً وخالياً من الطلاقة. ونجد في المقابل مستخدمين مقلين للمراقب اللغوي وهؤلاء لا يبالون كثيراً فيما يبدو بالأخطاء التي يقعون فيها، ويهتمون بشكل أكبر بالسرعة والطلاقة. ويعتمد هذا الصنف من المتعلمين بشكل مطلق على النظام المكتسب ولا يبدون قادرين أو راغبين في التطبيق الواعي لأي شيء مما تعلموه على مخرجاتهم اللغوية. وبين المنزلتين يقع المستخدمون " المثاليون " المفترضون للمراقب اللغوي، وهؤلاء هم الذين يستخدمونه في المواقف الملائمة، أي عندما لا يؤثر ذلك على الاتصال.
         المشكلة مع مثل هذه المزاعم، على الرغم مما قد تحمله من جاذبية بديهية، أنها غير قابلة للاختبار تجريباً في الوقت الحاضر: فكيف لنا أن نعرف متى يكون المتعلم يطبق قاعدة ما بشكل واع ومتى لا يكون كذلك، أو بعبارة أخرى كيف لنا أن نعرف ما إذا كانت القاعدة المطبقة صادرة عن النظام المكتسب أم النظام المتعلَّم؟
2، 3، 4، 3          فرضية التدرج الطبيعي
         "إننا نكتسب قواعد اللغة وفق تدرج يمكن التنبؤ به، فبعض القواعد يميل إلى الظهور مبكراً وبعضها الآخر يميل إلى الظهور متأخراً. ولا يتحدد التدرج بشكله الكامل فيما يبدو من خلال البساطة الشكلية فهناك ما يثبت أنه مستقل عن ذلك التدرج الذي تدرس به القواعد اللغوية في فصول اللغة" (Krashen, 1985: 1).
         من الواضح أن هناك شيئاً من الحقيقة في هذه المقولة ومع هذا فقد تعرضت للنقد بسبب قوتها الزائدة. فهي تتجاهل حالات مؤكدة من النقل اللغوي، أو من التنوعات الفردية. ولا تعاني مثل هذه الحالات من التجاهل فقط، بل إنه لا يوجد لها مكان في نظرية كراشن. كما تعرضت فرضية كراشن في التدرج الطبيعي Natural Order Hypothesis للنقد لاعتمادها الشبه مطلق على دراسات اكتساب الوحدات الصرفية النحوية مع ما عرف عنها من إشكالات منهجية، والتي إنما تعكس على أية حال دقة الناتج اللغوي وليس تسلسل الاكتساب.
         لا شك أن الصيغة المخففة من فرضية التدرج الطبيعي لها ما يؤيدها من الشواهد التجريبية في تعلـم اللغة الثانية من النـوع الذي قمنا باستعراضه في الجزء (2، 3، 2) والجزء (2، 3، 3)، ولكن كراشن لا يقدم لنا سوى القليل مما يعيننا على فهم أسباب ذلك التدرج.
2، 3، 4، 4  فرضية المدخلات
         ترتبط فرضية المدخلات Hypothesis Input بفرضية التدرج الطبيعي من جهة زعمها بأن التقدم في مسارنا التطوري يتم نتيجة لما نستقبله من مدخلات مفهومة comprehensible input. ونعني بالمدخلات المفهومة مدخلات اللغة الثانية التي تلي مباشرة مستوى الكفاية الحالي للمتعلم من حيث درجة صعوبتها التركيبية. فإذا كان مستوى كفاية المتعلم الحالي هو ( i ) فإن المدخلات المفهومة حينئذ هي (i+1)، أي الدرجة التالية في التدرج التطوري للغة. أما المدخلات التي تكون شديدة السهولة (كأن تكون مكتسبة من قبل) أو التي تكون شديدة الصعوبة (كأن تكون من مستوى (i+2/3/4/…) فإنها لن تكون مفيدة للاكتساب. ويرى كراشن أن فرضية المدخلات تعد عنصراً جوهرياً في نموذجه النظري لاكتساب اللغة الثانية, يقول:
( أ )   الكلام هو نتيجة للاكتساب وليس سبباً له. ولا يمكن تدريس الكلام مباشرة ولكنه يظهر بنفسه نتيجة لبناء الكفاية من خلال المدخلات المفهومة.
( ب ) إذا كانت المدخلات مفهومة، وكان هناك ما يكفي منها، فإن القواعد اللازمة حينئذ ستتوافر تلقائياً. ولا يحتاج معلم اللغة لأن يحاول قصداً تدريس التركيب التالي في مسار التدرج الطبيعي لأن ذلك سيتوافر بالقدر الصحيح تماماً وسيراجَع تلقائياً متى ما تلقى المتعلم القدر الكافي من المدخلات المفهومة. (Krashen, 1985: 2).
         وقد تعرضت فرضية المدخلات المفهومة لكراشن للنقد المتكرر من جهة كونها غامضة وغير دقيقة, إذ كيف يمكننا تحديد المستوى (i) والمستوى (i+1)؟  فليس هناك في أي مكان مما قاله كراشن ما يوضح هذه النقطة الهامة. يضاف إلى ذلك أن زعم كراشن دائري نوعاً ما، فالاكتساب يحدث عندما يتلقى المتعلم مدخلات مفهومة، والمدخلات المفهومة يزعم توافرها عندما يحدث الاكتساب. فالتحقق من النظرية يصبح مستحيلاً في ظل عدم تقديم تعريف قابل للاختبار بشكل مستقل لماهية المكونات الفعلية للمدخلات المفهومة ومن ثم للكيفية التي قد ترتبط بها مع الاكتساب. كما أن النظرية أهملت بالفعل تحديد العمليات الداخلية لأداة اكتساب اللغة Language Acquisition Device حيث يتم الاكتساب فعلاً، وبقي هذا الجانب بكامله عبارة عن صندوق أسود مجهول المحتوى.
2، 3، 4، 5  فرضية الراشح الوجداني
         يعتقد كراشن كما رأينا منذ قليل أن المتعلمين بحاجة إلى تلقي مدخلات مفهومة لكي يأخذ اكتساب اللغة مكانه. ولكن هذا لا يكفي، فالمتعلمون بحاجة إلى استقبال المدخلات كما هي. وهنا يأتي دور ما يسمى بالراشح الوجداني Affective Filter الذي يفترض أنه يحدد مدى تقبل المتعلم للمدخلات المفهومة.
         تؤسس فرضية الراشح الوجداني العلاقة بين العوامل الوجدانية وعملية اكتساب اللغة الثانية من خلال افتراض أن المكتسبين يتفاوتون في مدى صلابة راشحاتهم الوجدانية أو مستواها. فأولئك الذين تكون مشاعرهم تجاه اللغة الثانية غير ملائمة لاكتسابها سيميلون إلى البحث عن مدخلات أقل، وسيكون لديهم أيضاً راشحاً وجدانياً أعلى أو أصلب. كما أنهم حتى عند فهمهم للفحوى اللغوية للمدخلات فإنها لن تصل إلى ذلك الجزء من الدماغ المسؤول عن اكتساب اللغة، أو إلى جهاز اكتساب اللغة. أما الأشخاص الذين يتمتعون بمشاعر أكثر ملاءمة لاكتساب اللغة الثانية فإنهم سيبحثون عن مدخلات لغوية أكثر وسيحرزونها، وسيكون لديهم أيضاً راشحاً أخفض أو أضعف من سابقيهم. إنهم سيكونون أكثر انفتاحاً أمام المدخلات اللغوية وستصل لديهم إلى أعماق أبعد. (Krashen, 1982: 32).
         وعلى الرغم من أن الباحثين ومدرسي اللغة يتفقون على أن العوامل الوجدانية تلعب دوراً هاماً في اكتساب اللغة الثانية، إلا أن فرضية الراشح الوجداني لدى كراشن تظل غامضة ونظرية. فهناك، على سبيل المثال، كثير من المراهقين الخجولين الذين يعانون من قلة الثقة بالنفس ومن ثم يفترض أن يكون لديهم راشحاً عالياً, فهل هؤلاء كلهم إذن متعلمو لغة سيئون؟ وهل كل الراشدين الذين يتمتعون بالانطلاق والثقة (والذين يمتلكون راشحاً منخفضاً) يعدون متعلمين جيدين للغة؟  الواضح أن الأمر ليس كذلك. أضف إلى ذلك أننا لا نعرف كيف يعمل الراشح الوجداني. فكل هذه القضايا تظل غامضة وغير مفهومة.
         والخلاصة أننا تناولنا في هذا العرض الموجز الآراء النقدية الموجهة إلى فرضيات كراشن الخمس وإلى مجمل نموذجه النظري، وهي آراء كانت متداولة منذ قيام كراشن بطرح أفكاره أول مرة تقريباً. ومع كل هذا فإنه يظل من الثابت أن أفكار كراشن كانت عميقة الأثر في تشكيل العديد من البرامج والمشاريع البحثية مما يعني إسهامها الكبير في تطوير فهمنا لاكتساب اللغة الثانية. ويتمثل الضعف الرئيسي العام لدى كراشن في تقديمه لما هو مجرد فرضيات لم تختبر بعد في هيئة نموذج نظري شامل وثابت تجريبياً. إذن فقد استخدم كراشن فرضياته قبل الآوان على أنها أساس لاستنباط المضامين التعليمية.
2، 3، 5  نموذج التهجين والمثاقفة لشومان
ظهرت في السبعينيات نماذج أخرىمحاولة كغيرها التنظير لنتائج اكتساب اللغة الثانية. وسنتناول هنا باختصار شديد واحداً من هذه النماذج لكونه ينظر إلى اكتساب اللغة الثانية من زاوية مختلفة تماماً، ويعد أيضاً من النماذج التي ظلت مؤثرة عبر العقدين التاليين.
         طرح شومان نموذج التهجين والمثاقفة pidginization/acculturatiom model لأول مرة في أواخر السبعينيات (Schumann, 1978a, 1978b, 1978c) إذ لاحظ في ضوء الدراسات الطبيعية على المتعلمين خارج الفصول أن اللغة البينية المبكرة لدى هؤلاء تشبه اللغات الهجينة pidgin languages (وهي لغات مبسطة لأغراض التجارة ليس لها متحدثون أصليون، انظر: سيبا (Sebba, 1997)), وتحمل سمات خاصة من مثل ترتيب الكلمات الثابت والخلو من الزوائد الصرفية. وقد شُبه اكتساب اللغة الثانية بتشكل اللغات الهجينة، وربطت عملية الاكتساب بدرجة المثاقفة لدى المتعلمين، إذ كلما شعر المتعلمون بأنهم أقرب إلى مجتمع المتكلمين باللغة الهدف كلما كانوا أكثر مثاقفة وأكثر نجاحاً في تعلم اللغة الثانية. وكلما زاد شعورهم بالبعد عن ذلك المجتمع كلما بقيت لغتهم أكثر شبهاً باللغات الهجينة.
         وقد كان هذا النموذج مؤثراً من جهة إفساحه المجال لتوجهات بحثية بديلة تضاهي اكتساب اللغة الثانية بعمليات التهجين piganization والمزج creolization، ومن جهة دفعه بالعوامل الاجتماعية النفسية ودورها في اكتساب اللغة الثانية إلى الواجهة. وقد بقيت أطروحات شومان لفترة طويلة الأكثر طموحاً نظرياً من بين المعالجات التي تتناول اكتساب اللغة الثانية من منطلقات لغوية اجتماعية. وسنعود في الفصل الثامن إلى هذا النموذج بتفصيل أكبر, ونعيد تقييمه في ضوء الاتجاهات الاجتماعية الأحدث.
4.2 الثمانينيات
لن نقوم هنا بمراجعة هذه الفترة بشكل مفصل إذ سنكرس ما تبقى من هذا الكتاب لعرض المذاهب المختلفة والأعمال التجريبية المرتبطة بها التي أفرزتها الثمانينات والتسعينيات. وسنقدم في هذا الجزء عرضاً مختصراً للبرامج البحثية القائمة التي نشأت بتأثير التطورات الرئيسية التي شهدتها مرحلة السبعينات.
منذ منتصف الثمانينات لم يعد حقل الأبحاث المتعلقة بتعليم اللغة الثانية تابعاً للمتطلبات العملية المباشرة الخاصة بتخطيط المنهج وتعليم اللغة, ولكنه على العكس من ذلك تحول إلى مجال بحثي أكثر نضجاً وأكثر استقلالاً، مشتملاً على عدد من البرامج البحثية الضخمة ذات المنهجيات والمنطلقات النظرية الخاصة. ومع هذا فإن روابط هذا الحقل مع الحقول المعرفية الأخرى ذات العلاقة لم تختف إطلاقاً، وسنرى عبر هذا الكتاب الكثير من الروابط الجديدة التي أخذت في الظهور. فما زال الاعتماد على أبحاث تراكيب اللغة واستخداماتها قائماً، وكذلك الشأن بالنسبة للأبحاث في ميدان التنوع والتطور اللغوي. كما ظهرت ارتباطات جديدة مع العلوم المعرفية cognitive science كما نجد في دراسات نمو الطلاقة development of fluency ودور الوعي consciousness، وكذلك مع علم النفس العصبي neuropsychology كمـا فــي النموذج الارتباطي connectionist model وقالبية الدماغ modularity of the brain، وأيضاً مع الأطر الاجتماعية الثقافية كما في نظرية فايغوتسكي في التعلم Vygotskian learning theory، مما أسهم بفاعلية في إغناء معارفنا بالجوانب العديدة لاكتساب اللغة الثانية. ولكن البرنامج البحثي لاكتساب اللغة الثانية استمر في تركيزه على عدد من القضايا الأساسية التي أفرزتها السبعينيات، والتي تـشمل:
1- دور الآليات الداخلية
أ- خصوصيات اللغة: ما مدى التشابه بين عمليات اكتساب اللغة الأولى والثانية، وما مدى إسهام الآليات اللغوية القابلة للتنشيط في هذا التشابه؟ وإذا كانت الآليات الخاصة باللغة ذات أهمية فما هي الطريقة المثلى لنمذجتها؟ وما علاقة مفهوم النحو الكلي الراهن لتشومسكي باكتساب اللغة؟
ب- الجانب المعرفي: ما هي أوجه الشبه بين تعلم اللغة الثانية ومعالجتها وتعلم ومعالجة أي مهارة معقدة أخــرى؟
2- دور اللغة الأم:
من الواضح أن المؤثرات العبر – لغوية من اللغة الأولى أو اللغات الأخرى تتدخل في اكتساب اللغة الثانية، ولكن من الواضح أيضاً أن مثل هذا النقل اللغوي يعد انتقائياً حيت تنتقل بعض خصائص اللغة الأولى دون الأخرى. وما زال العمل لفهم ظاهرة النقل اللغوي على نحو أفضل يعد من الجوانب الهامة للبرنامج البحثي الحاضر.
3- دور العوامل النفسية:
كيف تؤثر الخصائص الفردية للمتعلمين كالدافعية، والشخصية، والاستعداد اللغوي. إلخ في عملية التعلم؟
4- دور العوامل الاجتماعية والبيئية:
ما مدى التشابه بين تعلم اللغة الثانية وتشكل اللغات الهجينة pidgins والمزيج creoles؟ ما طبيعة العلاقة بين مجمل عملية التفاعل الاجتماعي لمتعلم اللغة الثانية بعملية تعلم اللغة؟
         سننتقل الآن إلى النظر في الكيفية التي عولجت بها هذه القضايا في عدد من الاتجاهات النظرية الراهنة في مجال تعلم اللغة الثانية، مبتدئين الفصل الثالث بالمحاولات القائمة على علم اللغة والتي ترمي إلى رسم معالم مكونات "الصندوق الأسود" لأداة اكتساب اللغة والذي تُرك بشكل كبير دون استكشاف في أطروحات كراشن السابقة 


مواضيع ذات صلة
نظريات اكتساب اللغة عند الطفل
اكتساب اللغة الثانية مقدمة عامة
اكتساب اللغة الانجليزية
مادة اكتساب اللغة
نظرية التعلم الاجتماعي
النظرية السلوكية
النظرية المعرفية
نظريات التعلم في علم النفس التربوي
سيكولوجية اكتساب اللغة الأم والثانية
آلية اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية
اكتساب اللغة الثانية
نظريات اكتساب اللغة
اكتساب اللغة الثانية
نظريات اكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية
مادة اكتساب اللغة
اكتساب اللغة عند الطفل
اكتساب اللغة الثانية مقدمة عامة
اكتساب اللغة الانجليزية
نظريات اكتساب اللغة

 
.