الدولة والهوية

الدولة والهوية
 مفهوم الهوية الوطنية ومقوماته
ان الدولة الحديثة،بوصفها ظاهرة اجتماعية سياسية قانونية،هي التجسيد القانوني والسياسي والثقافي لمجموعة بشرية ذات علاقة وثيقة بالهوية الجماعية لهذه المجموعة البشرية التي تجسدها و  قد أثرت الدولة الحديثة لكونها نتاج ومنتج الحداثة والعصرنة،أثرت كثيراً في المجتمعات التقليدية وغيرت من تركيباتها وتكوينها وشكلها، من هنا فالهوية جوهر التفاعلات التي ينتجها تماهي مكونات الدولة في بوتقة مدنية كلية صاهرة لكافة مكوناتها الداخلية. إن الدولة إطار كلي، ينتج عن تمازج مجموعة من العناصر، الأمة المكونة للجماعة السياسية، والقيم والقوانين المكونة للنظام، والإقليم المكون للوطن ، والمؤسسات الإدارية (المدنية والعسكرية) المكونة للسلطة، وروح وجوهر هذا الرابط والنظام الكلي المسمى بالدولة هي الهوية التي تمثل  التمازج والتناغم والاتحاد بين عناصر الدولة، وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر ببعضها البعض في الوعي والثقافة والتشريع والتطبيق، وكلما تكاملت ونضمت وترسخت أسسها؛ كلما قويت الدولة وتجذرت، ومن هنا فبقاء الدولة مرتبط بفاعلية الهوية وقدرتها على البقاء والتجديد والتطور([1]).
    وإذ أن، لكل مرحلة زمنية من حياة المجتمعات، حسب اعتقاد الباحث (مه ريوان وريا قانيع) ،نمط وأسلوب محدد لطريقة وطبيعة حياة الإنسان والمجتمع حسب الظروف الاقتصادية ومستوى التطور العلمي والتكنولوجي في تعامل الإنسان مع بيئته، فإن هذه الأمور بدورها تحدد وتؤطر هوية الإنسان، وأن أي تغيير في هذه العناصر يؤدي به إلى أن يراجع نفسه وعلاقته ببيئته الاجتماعية وعلاقاته الاقتصادية والسياسية؛ إذاً فإن نشأة الدولة الحديثة أدت إلى إبراز مسألة وإشكالية الهوية الوطنية والهوية القومية مقابل الهويات التقليدية السابقة للجماعات البشرية، لأن مسألة الهوية الوطنية والقومية لم تكن ذات تأثير بالنسبة للمجتمعات داخل الإمبراطوريات الكبيرة والواسعة والأنساق السياسية السابقة على نشأة الدولة الحديثة كما سبق أن استعرضنا الآراء المختلفة للباحثين حول طبيعة ومميزات الدولة الحديثة. ويشير(مه ريوان وريا قانيع)  إلى أن منطق الدولة الحديثة ليس منطق الإمبراطورية في مسألة الهوية الجماعية، وذلك لأن منطق الدولة الحديثة بصورة اساسية هو منطق العقلانية، ويفسر ذلك بوضوح أن الثوريين الفرنسيين قد انتقدوا السلطة القديمة كسلطة فوضوية لا عقلانية لأنها افتقدت عنصر التنظيم الجيد، وحاولوا تنظيم الأمة الفرنسية حسب (مخطط عقلاني). ويعني هذا المنطق على مستوى الهوية توحيدها ومجانستها ومركزيتها حول كلية نوعية جديدة هي (الأمة)، فهو في مآل منطق الهوية أو الجنسية يعني الانتماء إلى الأرض ودولة وأمة في كيان واحد فتعزز الدولة هنا الأمة وبالعكس، إنهما بالأحرى حلقتان تتكرران فيما بينهما.ويشير (مه ريوان وريا قانيع) إلى ثلاث مراحل من التقدم العلمي والتكنولوجي المتمثل في الآلات ومكائن الإنتاج، تصاحبها ثلاثة أنماط مختلفة من الهوية([2])، وتسمى المرحلة الأولى بـ(مرحلة المطحنة الهوائية)،و تكون فيها طبيعة علاقة الإنسان بالبيئة متداخلة ومترابطة بعلاقاته الأخرى أي علاقة الإنسان بالإنسان ومستواها المعرفي والثقافي وطبيعة حياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي هذه المرحلة بالذات حيث المستوى التكنولوجي  أي مستوى تقنية التواصل والاتصال محدود ومتواضع، ويكون الدين الفاعل الرئيس في حياة البشر وفي تحديد هويتهم، لذلك عاش الإنسان في أطر ضيقة وفي ظل علاقات محدودة نسبياً واحتكاك ضعيف بين البشر وفي إطار جغرافي محدود وضيق، والمرحلة الثانية يسميها الباحث (مه ريوان) بـ(مرحلة الجهاز أو الماكينة البخارية)، وفيها تتوسع آفاق رؤية الإنسان مع تطور إمكانياته التقنية للاتصال والإنتاج والسيطرة على الطبيعة، وبالتالي تتوسع رقعة تعامله مع الطبيعة والمجتمع، لأنه مع اكتشاف الماكينة البخارية تبدأ رحلات الإنسان للأماكن البعيدة ويزداد معها احتكاكه واختلاطه بالآخرين وينفتح أكثر على العالم الخارجي،و تزداد مع ذلك قدرة الإنتاج وطبيعته وتنشأ المدن الكبيرة (أي المجتمعات الكبيرة الواسعة)، ومن هنا يكشف الإنسان هويته الفردية والجماعية، ويزداد المجتمع تعقيداً وتنوعاً، وتأخذ الدولة الحديثة مكان الاقطاعيات والامبراطوريات، وتظهر مفاهيم مثل (القومية، الأمة، المواطنة، العقد الاجتماعي، والسيادة الشعبية، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، والديمقراطية... الخ). وتحل الهوية القومية محل الأنماط الأخرى السابقة للهوية مثل الهويات الصغيرة ماقبل القومية (القبلي، المناطقية والطائفية والمذهبية)، والهويات الواسعة مثل (الهوية الإسلامية والهوية المسيحية). والمرحلة الثالثة يسميها بالمرحلة (الالكترونية أو مرحلة الحاسبة الالكترونية)، وتتزايد في هذه المرحلة قدرة وسيطرة الإنسان على الطبيعة وإمكاناته في الإنتاج والاتصال، وهذه المرحلة (حسب رأي الباحث)هي مرحلة انتهاء الحدود بين المجتمعات،و (التداخل الزماني والمكاني)، وتصبح الحدود القومية واهنة، ويصبح العالم مرة أخرى قرية كما كان في المرحلة الأولى، ولكن قرية عالمية واسعة وشاملة تتضمن كل البشرية معاً([3]). إذاً حسب هذا التصنيف فإن المستوى التكنولوجي يؤثر في طبيعة العلاقات بين البشر ويحددها، وبالتالي يؤثر في هويتهم، وفي المرحلة الأولى حيث المستوى التقني متدني يصاحبها مستوى ضعيف من العلاقات والاتصال والسيطرة ضعيفة على الطبيعة، ونمط معين من الهوية (على المستوى الفردي والجماعي)، وفي المرحلة الثانية تتطور التكنولوجيا وتزداد السيطرة على الطبيعة ويتجاوز الإنسان الأطر الضيقة للهوية والعلاقات (الفردي والجماعي) وتنشأ الدولة الحديثة والأمة، والمرحلة الثالثة (الوقت الراهن)، تتضاعف القدرات التكنولوجية ومعها قدرات الاتصال والتواصل والاختلاط، وتصبح حدود الهويات وحدود أو خطوط التمايز ضعيفة وتكون هناك هويات فردية وهوية جماعية إنسانية عالمية، حسب رأي (مه ريوان وريا قانيع).
    وتعيش الدولة الحديثة في المرحلتين الثانية والثالثة، وتمر بكل ما تحتوي عليه إشكالية الهوية وصعوباتها، ونستطيع أن نعتبر المرحلة الثانية مرحلة النشأة والبناء بالنسبة للدولة الحديثة وعلاقتها بالهوية، والمرحلة الثالثة مرحلة الأزمات لكل الدول الموجودة التي نشأت وتطورت، وهي مرحلة تحديات وصعوبات تواجه هذه الدولة على صعيد الهوية الوطنية والقومية، و تتجلى هذه التحديات فيما  تواجهه سيادة الدولة الوطنية في ظل النظام الدولي الجديد والعولمة من مشكلات.ومن خلال هاتين المرحلتين مرت وتمر الدولة الحديثة بمستويات ومراحل فرعية في علاقتها مع الهوية، وتتأثر بكل الظروف الاقتصادية والسياسية ومستوى التطور التكنولوجي، وطبيعة النظام والعلاقات الدولية،و تصبح الهوية مع عمليات التحديث والعصرية للمجتمعات الحديثة وتنظيماتها وفي ظل الكيانات السياسية الحديثة المعروفة بدولة-الأمة أو الدولة الحديثة،  أحد أبرز المسائل في هذه المجتمعات وكياناتها السياسية و المتمثلة أو المعروفة فيما يعرف بـمسألة(الاندماج الوطني) والانسجام الاجتماعي وعمليات (بناء الدولة وبناء الأمة State and Nation Building) وبناء المؤسسات السياسية أي الأطر المؤسساتية للوجود الجماعي (القومي). ويقول (ئاراس فه تاح)، بأن بناء الدولة هو عملية تتعلق بتأسيس وإنشاء وتقوية بنية المؤسسات وقدرات الدولة، بمعنى آخر أن بناء الدولة يتم بصورة أساسية على المستوى المؤسساتي، ولكن هذا لا يكفي لأنه يحتاج إلى الاعتماد على الفاعل السياسي الذي يتوقف عليه تكوين ووجود هذه الدولة، ومن هنا نرى بأن هذه العملية ترافقها عملية أخرى على المستوى الاجتماعي والثقافي وهي بناء الأمة والتي  تهدف إلى خلق وإنشاء هوية جماعية لكي يستطيع جميع أفراد هذا المجتمع التماهي والتماثل مع بعضهم في الدولة([4]).
وترتبط مسألة بناء الهوية الجماعية من خلال بناء الأمة بقضايا سياسية بالغة الحساسية والأهمية بالنسبة لوجود الدولة الحديثة وهي قضايا الشرعية بالنسبة للسلطات السياسية وما يرتبط بها من قضايا المواطنة والمشاركة السياسية ومصدر السلطات والديمقراطية، وهناك علماء اجتماعيون معاصرون يصنفون الدول في وقتنا الراهن إلى أربعة أصناف من حيث تحقق الاندماج الوطني فيها ومستوى إشكالية أو أزمة الهوية فيها، فيصنف (أولريش سشنيكينر) (Ulrich Schneckener)، هذه الدول إلى أربعة أصناف وهي ([5]):-
1)            الدولة المستقرة.
2)            الدول الضعيفة.
3)            الدول الفاشلة أو غير الناجحة.
4)            الدول المنهارة أو المفككة.
    وبالنظر إلى التاريخ السياسي للدول الحديثة، نرى أن الدول اعتمدت أساليب مختلفة لتحقيق الاندماج الوطني وبناء الهوية الوطنية، باختلاف طبيعة وتكوين الدولة وتكوينها السكاني (الديموغرافي)، من حيث وجود التنوع والتعدد الديني و الإثني والعرقي...الخ، وفي الأغلب استطاعت أغلبية معينة من السكان (الاثني أو العرقي أو الطائفي أو الديني والمذهبي) السيطرة على التكوينات الأخرى وإخضاعها، ولكن طبيعة تعامل هذه الدول مع الأقليات الموجودة فيها اختلفت، وهناك من حدد ثلاثة استراتيجيات تعامل الدولة مع التكوينات المتنوعة والمتعددة في داخلها في ([6]):
1)            إستراتيجية التذويب أو الإقصاء والقضاء (الإبادة).
2)            إستراتيجية السيطرة والإخضاع.
3)            إستراتيجية الاعتراف والمشاركة في الحكم والسلطة.
    وتنعكس نتيجة كل إستراتيجية منها على حياة الدولة، ومن تبدو الإستراتيجية الثالثة ذات طبيعة عقلانية وديمقراطية. ، يوضح لنا (صاموئيل هنتنغتون) في تفسيره وتحليله لطبيعة الدولة الحديثة أسباب نشوء إشكالية الهوية فيها إلى مميزات الدولة الحديثة وأبرزها، إن الدولة الحديثة تتميز بمدى واسع لمشاركة الناس في السياسة، وتأثرهم بها عبر وحدات سياسية واسعة النطاق، و كانت هذه أهم أوجه العصرنة السياسية أي مشاركة فئات اجتماعية واسعة في السياسة فوق مستوى القرية والمدينة في نطاق المجتمع كله وما ترتب عليها من تطوير للمؤسسات السياسية واستحداث الجديد منها، كالأحزاب السياسية، لتنظيم هذه المشاركة السياسية، ولعملية العصرنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية آثار كبيرة في طبيعة وتكوين المجتمعات التقليدية،وتتخذ هذه التأثيرات أشكالاً مختلفة من الهوية الجماعية للمجتمعات، لأنه و حسب رأي (هنتنغتون) فإن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية تمزق بالضرورة التكتلات الاجتماعية والسياسية التقليدية، وتقوض أسس الولاء للسلطات التقليدية، حيث كانت الوحدة والتلاحم الاجتماعي كان بارزة وواضحة في العديد من المجتمعات التقليدية، وتتحول العائلة الموسعة نتيجة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية و العصرنة وتأخذ بالتفسخ ويتم استبدالها بالعائلة النواة التي هي في غاية الضعف والانعزال والصغر. وقد يؤدي تحطيم المؤسسات التقليدية للمجتمع إلى حالة من التفسخ والفوضى، ولكن سرعان ما تلجأ المجتمعات إلى البدائل، لأن هذه الحالة الجديدة بذاتها تستلزم أيضاً إيجاد تطابقات و ولاءات جديدة، وقد تأخذ شكل التطابق مجدداً مع الفئة الموجودة بشكل كامن أو فعلي في مجتمع تقليدي، أو أنها تؤدي إلى التطابق مع مجموعة جديدة من الرموز أو مع فئة جديدة تطورت مع عملية العصرنة. لقد ركز (ماركس)، حسب رأي (هنتنغتون)، على وجه ثانوي وواحد فقط في ظاهرة أشد عمومية هي التصنيع الذي هو فقط أحد أوجه العصرنة، وحسب (ماركس) إن التصنيع ينتج الوعي الطبقي عند البرجوازية أولاً ثم عند البروليتاريا (الطبقة الكادحة)  ويؤكد (هنتنغتون)، بأن العصرنة لا تستحث الوعي الطبقي فقط، بل ووعي الفئات الجديدة من جميع الأنواع: في القبيلة والإقليم والعشيرة والدين والجماعة كما في الطبقة،إن العصرنة تعني أن جميع الفئات القديمة والجديدة معاً، التقليدية والعصرية، يتزايد إدراكها لذواتها كفئات ولمصالحها ومطالبها في علاقاتها مع الفئات الأخرى واحدة من الظواهر اللافتة للعصرنة هي إحداث مزيد من الوعي والترابط والتنظيم والعمل في قوى اجتماعية عديدة كان وجودها في مستوى أدنى من وعي الهوية والتنظيم في المجتمع التقليدي، وقد يمتلك المجتمع التقليدي الكثير من الأصول والأسس المحتملة للهوية الجماعية والوحدة. وبعض هذه الأصول قد تقوضها وتحطمها عملية العصرنة، ولكن البعض الآخر قد يبلغ وعياً جديداً ويصبح قاعدة لتنظيم جديد، لأن هذه الأصول قادرة على تلبية العديد من الاحتياجات للهوية الفردية وللإنعاش الاجتماعي والتقدم الاقتصادي التي تستحثها عملية العصرنة، فإن نمو الوعي عند الجماعة لها تأثيرات موحدة ومنسقة (التوحد والتفكك) في الوقت نفسه على النظام الاجتماعي(([7])).
    أما (ساطع ألحصري)، فيشيرفي إجابته على التساؤل المطروح حول أسباب بروز دور اللغة وتحولها إلى العامل الأساس في القومية (والقومية هي نمط من أنماط التعبير عن الهوية الجماعية في المجتمعات الحديثة)، إلى انه في عهد بساطة الحياة الاجتماعية والسياسية، كانت دواعي الاتصال والاحتكاك بين الأفراد وبين الحكام محدودة، ولذلك فإن اختلاف لغة الحاكم عن لغة المحكوم ما كان ليولد مشاكل كبيرة، ولكن عند تطور الحياة الاجتماعية وتنوع أجهزة الحكم، زاد وتوسع دور الاتصال والاحتكاك بين الأفراد وبين رجال الدولة، ونتج عن ذلك بطبيعة الحال مشاكل كثيرة في البلاد التي تقطنها جماعات تنطق بلغات مختلفة،و الدول التي تحكم شعوباً مختلفة اللغات، وخاصة بعد أن تقرر مبدأ (سيادة الشعب)، وتكونت المجالس التمثيلية والقواعد والأنظمة التي تُفرض على الجميع، والمحاكم والتعليم الحديث وتأسيس الجيوش، كل ذلك يستلزم لغة موحدة، وحسب رأي الحصري فإن التحديث الاجتماعي والسياسي في الدولة الحديثة يواجه أحد أهم عناصر الهوية الجماعية وهي اللغة، ومن هذا المنطلق تبرز إشكالية الهوية القومية والوطنية في الدولة الحديثة([8]). فبالنسبة للدولة الحديثة، وتحت تأثير التحديث والتطورات الاقتصادية الكبيرة، كما سبق أن أشرنا إليها من وجهة نظر (هنتنغتون)، واجهت هذه الدولة إشكالية الهوية الوطنية أو بناء الهوية الوطنية كهوية جماعية موحدة مقابل الهويات التقليدية من جهة وفي الوقت نفسه مقابل الهويات القومية الناشئة في ظل التغييرات المستمرة، ويقول (محمد جمال باروت)، إن منطق الدولة هو بالضرورة منطق بيروقراطي توحيدي ومركزي([9])، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً بالتفصيل، ولكن ما يهمنا هنا هو ما يفرزه هذا المنطق من ناحية عقلنة العلاقات الاجتماعية بشكل شامل، وتنظم كل ما يقع في إطاره السيادي وتوحيده، إذ أنها تحول العلاقات الأولية (الشخصانية ما قبل القومية) إلى علاقات ثانوية، وتستبدل تمثيل السلطات الأهلية الوسيطة لجماعاتها المستقلة ذاتياً بتمثيل الدولة للفرد وقد أعيدت صياغة مفهومه كمواطن متحرر من التبعيات الشخصية، إذن تنطوي العقلنة هنا على توحيد الهوية ومركزيتها وتجانسها، أي أنها بالأحرى منطق الوحدة إزاء منطق التشتت، أي وحدة الإدارة العامة، إن نموذجها يتأسس أو يفترض مجتمعاً متمازجاً متواصلاً ومنهجاً اجتماعياً تحرر من سلطاته الوسيطة وتحول من نمط الروابط العمودية أو العلاقات الأولية إلى نمط الروابط الأفقية أو العلاقات الثانوية، أنه بكلمة مكثفة نموذج الحداثة الذي يقوم على المفهوم الاندماجي والتجانسي للأمة([10]).ولا ينسى (محمد جمال الباروت) أن يشير إلى أن الاندماجية والتجانس باعتبارها قاعدة لتكوين الكلية الاجتماعية الموحدة الحية ليست في الواقع إلا من أوهام الأيديولوجية المركزة للدولة-الأمة، في مفهومها للهوية، ويشير إلى آراء (هرفيه لوبوا و ايمانويل تود) في كتابهما (اختراع فرنسا) اللذان يبرزان فيه أن فرنسا ليست إلا تجمعاً غير متجانس لعناصر متباينة ونظم انثروبولوجية مختلفة بعضها عن البعض الآخر، بل أن النموذج الفرنسي للدولة-الأمة إذا ما تم الحفر في طريقة اختراعه لم يكن سوى (اسمنت بيروقراطي) لـ(فسيفساء مركبة للهوية)([11]). ويؤكد (جوزيف شتراير) أيضاً بأن فرنسا كانت فسيفساء مركبة تشكل البيروقراطية في الدولة الحديثة أسمنتها([12]). ونظراً إلى أن أغلب الدول التي نشأت في أوربا كانت أيضاً فسيفساء فإنها قد نزعت لإتباع نفس النموذج.
      ويذهب باحث آخر إلى حد القول إن الدول الأوربية التي نشأت في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت وحدات مفتعلة تماماً ؛ ويبين لنا هذا الباحث التباينات الكبيرة للهوية في هذه الدول([13]). وإذاً فإن عملية التوحيد والتجانس ضمن بناء الدولة والأمة لم تنتهِ أو لم تتكامل نهائياً وإنما بقيت عملية مستمرة ومتواصلة وتواجه تحديات منذ ان انطلقت مع نشأة الدولة الحديثة حتى يومنا هذا، وهي عملية ذات شقين في آن واحد (التوحد والتفكك)، أي توحيد الكيانات اجتماعية الصغيرة والمشتتة أصلاً (هويات صغيرة) في هويات أوسع، وتفكيك لكيانات وهويات واسعة ومتجاوزة للهويات القومية (في مرحلة النشأة). ولكن في وقتنا المعاصر، وهي مرحلة مواجهة الدولة الوطنية لتحديات النظام العالمي الجديد والعولمة وشركات متعددة الجنسية. وكما يوضح (شارلز تلي)، هنالك اتجاهات حول الدولة القومية، اتجاه يتمثل بمطالب القوميات والجماعات البشرية التي تعتبر نفسها أمة متمايزة عن الآخرين في داخل الدولة، بالانفصال والاستقلال وتشكيل دولتها المستقلة، وهذا يعني احتمال نشوء دول قومية أخرى جديدة على حساب كيانات سياسية (دول) موجودة، وهذا اتجاه تفكك الدول، أما الثاني فهو إتجاه توحيد كيانات سياسية (دول ذات سيادة)، وتشكيل تكتلات إقليمية اقتصادية وسياسية ضخمة([14]). وتعيدهذه العمليات بدورها  إشكالية الهوية القومية والوطنية إلى الواجهة من جديد، وهذا ما يشير إليه (هنتنغتون)، بأن النقاشات حول الهوية الوطنية سمة عامة لزماننا، ففي كل مكان تقريباً يسأل الناس، وأمعنوا النظر وأعادوا تعريف ما هو مشترك لديهم وما يميزهم عن الشعوب الأخرى، من نحن؟ والى أين ننتمي؟ وهو يؤكد بأنه إذا كانت مشكلة هوية أمريكا فريدة، ولكن أمريكا ليست فريدة في أن لديها مشكلة هوية، ويشير إلى أنه من اليابان إلى إيران وجنوب أفريقيا، والصين... الخ، منشغلون بالبحث عن الهوية الوطنية، وهكذا أصبحت أزمات الهوية الوطنية ظاهرة عالمية، وتتنوع أزمات الهوية في هذه البلدان وبلدان أخرى في الشكل والمحتوى والجوهر والشدة، ودون شك لكل أزمة أسبابها الفريدة، وتتضمن الأسباب العامة الأزمات والبحث عن الهوية الوطنية، ظهور اقتصاد عالمي، وتحسينات هائلة في الاتصال والتنقل، وارتفاع مستويات الهجرة والتوسع العالمي للديمقراطية، ونهاية كل من الحرب الباردة والشيوعية السوفيتية كنظام اقتصادي وسياسي قابل للنمو([15]).
   لقد قادت التطورات الاقتصادية المعاصرة ونمو المدن والعولمة، وتزايد الهجرة والتقارب المتزايد بين المجتمعات في العالم المعاصر، الناس إعادة التفكير بهوياتهم وتعريفها بلغة مشتركة أكثر حميمية ودقة، فبدأت الهويات الثقافية والقومية الثانوية والمحلية تتقدم على الهويات الوطنية الأكثر اتساعاً، والناس ينتمون إلى أولئك الذين يشبهونهم وأولئك الذين يشاركونهم الوعي الإثني المشترك والديني والتقاليد وأسطورة الأصل المشترك والتاريخ المشترك([16]).وفي علاقة توسع القاعدة الجماهيرية لممارسة السلطات أي المشاركة السياسية والهوية، يقول (هنتنغتون) بأن الديمقراطية تعني في الحد الأدنى أن يختار الشعب حكامه، وبأوسع من ذلك، أن يشارك في الحكومة، وهكذا تصبح مسألة الهوية مركزية في: من هو الشعب؟ وكما لاحظ أحد الباحثين،لا يستطيع الشعب أن يقرر إلى أن يقرر أحد من هو الشعب، وقرار من هو الشعب قد يكون نتيجة تقليد طويل الأمد. ويتقدم الجدل حول كيفية تعريف الهوية،ومن هو المواطن إلى الواجهة في مرحلة الانتقال من الحكومات الفردية إلى الديمقراطية وعندما تواجه الديمقراطيات كثيراً من المطالبين الجدد بالمواطنة([17])، أي (المشاركة السياسية) والحقوق بصورة عامة، وبذلك ترتبط مسألة السيادة الشعبية، أي كون الشعب مصدر السلطات والشرعية في الحكم والدولة الحديثة بإشكالية الهوية الجماعية.
   إن علاقة الدولة الحديثة بالهوية تتجلى من خلال إشكالية الهوية الوطنية والهوية القومية كأنماط وأشكال حديثة للهوية الجماعية في المجتمعات الحديثة، ومرت هذه العلاقة الإشكالية بصعوبات كثيرة ومختلفة، في مرحلتين رئيستين، وهما مرحلة نشأة الدولة الحديثة وبلورة هويتها الوطنية وكل ما صاحبها من صعوبات وتحديات، والمرحلة المعاصرة وما يواجهها من تحديات تهدد هويتها الوطنية وصراعها من أجل البقاء بتشكيلتها السابقة، وبالرغم من أن الكثير من دول العالم لم تستطع أساساً تجاوز تحدياته القديمة التي تعود إلى مرحلة النشأة، فقط أضاف إليها الظروف الدولية والعالمية المعاصرة الراهنة تحديات جديدة أثقلت كاهلها أكثر، وهددت وجودها كدولة.
   إن الدولة الحديثة هي (دولة-أمة) أو دولة قومية، بالإضافة إلى الخصائص التي أوضحناها سابقاً حول الدولة الحديثة ، فمن الضروري البحث في مسألة الدولة القومية، وما يرتبط بها في علاقة الدولة الحديثة والهوية الجماعية. ويعريف (أنتوني غدنز)،  الدولة القومية بأنها "نمط خاص من الدولة يتميز به العالم الحديث، تمتلك فيه الحكومة قوة سيادية على مساحة محدودة من الأرض، وتشكل جمهرة من السكان مواطنين يعتبرون أنفسهم جزءاً من أمة واحدة"([18]). وقد ارتبط ظهور الدولة الحديثة ارتباطاً وثيقاً بظهور القومية رغم أن الولاءات القومية لا تشكل دائماً حدود بعض الدول القائمة في الوقت الحاضر، وقد تطورت الدولة القومية كجزء من منظومة الدول القومية التي نشأت في أوربا وانتشرت حتى الوقت الحاضر في معظم بقاع العالم([19]).ويقول (إيمانويل والرشتاين) إن ما يسمى الدولة القومية، وهي الإطار الثقافي الأساسي، يمثل كياناً حديثاً نسبياً، فالعالم الذي يتكون من هذه الدول القومية لم يظهر للوجود إلا جزئياً في القرن السادس عشر، ثم أصبح منذ عام (1940م) ظاهرة عالمية([20]).وإلى جانب ظهور تلك الدول القومية، التي كان لكل منها حدودها وتقاليدها الخاصة، كان العالم يتوجه أيضاً نحو الوعي العالمي، وعي شيء يسمى الإنسانية، كيان عالمي متجاوز حتى ما يتعلق بالأديان العالمية وبذلك كان المسار مزدوجاً (الخصوصية القومية)، (الإنسانية العالمية)، وأصبحت الدول القومية ذات الخصوصية تشبه بعضها البعض أكثر وأكثر من زاوية أشكالها. ويتساءل( والرشتاين) بهذا الصدد "ما هي الدولة التي لا تمتلك اليوم أشكالاً سياسية معيارية معينة، هيئة تشريعية، ودستوراً وبيروقراطية ونقابات، وعملة نقدية وطنية، ونظاماً تعليمياً؟ من البلد الذي لا يمتلك أغاني خاصة ورقصات ومتاحف ومسرحيات وعلم ونشيد وطني وعيد وطني.. الخ؟"([21]). ويبدو الأمر كما لو أنه كلما ازدادت شدة الحماسة القومية في العالم، ازداد تطابق التعبير عن هذه النزعة القومية والوطنية، إذاً نحن أصبحنا نعبر عن اختلافاتنا القومية وهويتنا الجماعية السياسية في نمط مماثل ومتشابه، وهذا يعني أن الدولة القومية نمط حديث للتعبير عن الهوية والخصوصية، ولكنه في حد ذاته توجه نحو التجانس في آلية وميكانيكية وأسلوب هذا التعبير. فخلال عملية انتشار الاقتصاد الرأسمالي العالمي، نجد أن الدولة القومية التي تظهر للوجود، كانت نوعاً خاصاً جداً من الدولة، إذ قامت بتعريف نفسها في علاقاتها بالدول الأخرى على أسس قومية، وإن حدود الدولة القومية، أي الحدود السياسية للدولة، لم تتحدد فحسب بمرسوم داخلي، وإنما ارتبط الأمر كذلك باعتراف الدول الأخرى، وفي ظل الدولة القومية لم تبقَ أرض ليست لأحد ولا مناطق ليست جزءً من دولة معينة([22]).
ويقول (فوكوياما) حول الدولة القومية، "لقد كان لنمو الدول القومية بعد الثورة الفرنسية عدة نتائج مهمة أثرت بصورة أساسية على الطبيعة السياسية الدولية، إذ أصبحت حروب الملكيات الحاكمة مستحيلة، تلك التي كان فيها الأمير يدفع، وبكل بساطة، بمجموعات من المزارعين من جنسيات مختلفة إلى المعارك لغزو المدن أو المقاطعات"([23]).ويضيف (فوكوياما) أكثر، بأنه كنتيجة للضغوط القومية سقطت الإمبراطوريات المتعددة الجنسيات كالهابسبورج، والعثمانية، وأن القوى العسكرية الحديثة، كالسياسة، قد أصبحت أكثر ديمقراطية بكثير لارتكازها أساساً على (الهوية الجماعية) للسكان، فتغدو أهداف الحروب، بفعل مشاركة هؤلاء السكان، متوافقة مع الصالح العام للأمة جمعاء وليس فقط مع طموحات أو بالأحرى نزوات فرد واحد ولو كان السلطان([24])؛ ويعني هذا بأن القومية أصبحت ، كهوية جماعية، أساساً للهوية الوطنية أي هوية الدولة الحديثة. لقد تألق نموذج الدولة-الأمة ووصل إلى ذروته في القرن التاسع عشر، وأخذ هذا التألق شكل أسطورة للأمة وتعبيراً عنها كشخص فوق بشري، إذ تعلق القرن التاسع عشر والقرن العشرين بالقومية تعلقاً كاد أن يصل إلى حد الخرافة، من هنا لم يعد ممكناً لأية جماعية تعتبر نفسها أمة أن تتصور وجودها دون دولة-أمة على الطراز الأوربي، إذ أصبحت الدولة-الأمة هنا و بحكم تبلور النظام الدولي حولها كوحدة أساسية، هي وحدة الدولة-الأمة، المكان الوحيد الذي يضمن للمرء العثور على هويته([25]). وتقوم الدولة القومية  بإنتاج نظام مؤسسي مركب جديد للهوية، وهذه وظيفة خلق أو بناء الأمة، الدولة والأمة تربطهما بشكل رئيس رابطة الأرض، فكل من الدولة والأمة تشتركان في التصاق كل منهما بعنصر الساحة (المكان) التي تشغلها. ويقول أحد الباحثين، إن جميع الدول ترتكز على قاعدة أرضية، كما ويعرف (بنديكت أندرسون) القومية بأنها (أيديولوجية مكانية) فإنه من دون أرض، موروثة عن الآباء والأمهات تغدو الدولة أمراً لا يمكن تصوره، وهاتين الحتميتين (أرض حرة=وطناً قومياً) هي التي مكنت لظهور مؤسسة مزدوجة تضم الدولة والأمة في مصفوفة واحدة([26]). والمكان هو التجسيد الملموس للدولة، وتعمل الدولة-الأمة في جوهرها على تزويد أفرادها أي مواطنيها بالمتطلبات الأساسية التي تؤكد لهم هويتهم المكانية-الزمانية، وباختصار فإن الدولة القومية أي دولة-الأمة هي التي تحدد لنا الأبعاد المكانية والزمانية للمجتمعات المتخيلة التي ننتمي إليها([27]).




([1]) حسين درويش العادلي، بناء الدولة (إعادة الإنتاج وإعادة التماهي)، مجلة المواطنة والتعايش، مركز الوطن للدراسات ،السنة الأولى، العدد 1، ، شباط 2007، ص ص 69-70.
([2]مة ريوان وريا قانيع، شوناس وئالؤزي، ضةند ووتاريَك دذ بة دؤطماتيزم،ض1،ضاثخانةى رةنج ،سليَمانى،2004، ص81 وما بعدها.

([3]) المصدر السابق، ص84-85.
([4]) للتفاصيل ينظر: ئاراس فةتاح، شوناس و ململانىَ لة كؤمةلطاى دواى جةنط، طؤظاري (رةهةند)، ذمارة (16-17)، نيوة ندى رةهةند بؤ ليَكؤلَينةوةى كوردى ، ستؤكهؤلم- سويد ، 2004، ص84.
([5]) Ulrich Schneckener، نقلاً عن: ئاراس فه تاح، المصدر السابق، ص84.
([6]) المصدر السابق، ص88.
([7])صاموئيل هنتنجتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة ، ترجمة : سميرة خلف عبود،ط1،دار الساقي،بيروت-لبنان،1993،ص51 ومابعدها.
.
([8]) ابوخلدون ساطع الحصري، ما هي القومية (أبحاث ودراسات على ضوء النظريات)، م س ذ ،ص56.
([9]) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، م.س.ذ، ص35.
([10]) المصدر السابق، ص35.
([11]) المصدر السابق، ص36.
([12]) جوزيف شتراير، الأصول الوسيطة للدولة الحديثة، م.س.ذ، ص54.
([13])John Breuilly, Nationalism and State,2nd edition , Manchester University Press, UK.,1993,p367.
هـ.ج.ولز، معالم الإنسانية، نقلاً عن: محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة ، م.س.ذ، ص36.
([14]) شارلز تلي، الدول والقسر ورأس المال، م.س.ذ ص7 وما بعدها.
([15]) صموئيل هنتنغتون، من نحن؟، م.س.ذ، ص29.
([16]) المصدر السابق، ص30.
([17]) المصدر السابق، ص31.
([18]) أنطوني غدنز، علم الاجتماع، م.س.ذ، ص750.
([19]) المصدر السابق، ص750.
([20]) ايمانويل والرشتاين، القومي والعالمي (هل يمكن أن توجد ثقافة عالمية؟)، في: الثقافة والعولمة والنظام العالمي، م س ذ , 2001، ص ص31، 157.
([21]) المصدر السابق، ص141.
([22]) المصدر السابق، ص145.
([23]) فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، م س ذ ، ص251.
([24]) المصدر السابق، ص251.
([25]) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، م.س.ذ، ص40.
([26]) بيتر تيلورو كولن فلنت، الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر (الاقتصاد العالمي، الدولة القومية، المحليات)،م س ذ، ص ص74 ، 75.
([27]) المصدر السابق، ص75.