الاخلاق عند العرب في العصر الجاهلي

الآباء مصدر القيم التربوية :
       وقد كانت لهم مثل عليا في حياتهم ،يتمنى كل واحد منهم أن يترسمها ، ويحققها ، وتراها مبثوثـة فـي ثنـايا أغراضهـم الشعرية ، وقد تكون قصائد كاملة ( )، يسجلون فيها خلاصة تجاربهم في الحياة ، ويوصون بها أبناءهم ، ويحثونهم على التمسك بها ، ليكون كل واحد منهم نموذجا للخلق السامي .
ويعـرض علينـا عمرو بن معد يكرب ما لقنه أبوه من خلال كريمة فيقول ( ) :

إني حويت على الأقوام مكرمة   فقال لي قول ذي رأي ومقدرة    قد نلت مجدا فحاذر أن تدنسه    أمرتك الخير فافعل ما أمرت به   واترك خلائق قوم لا خلاق لهم   وإن دعيت لغدر أو أمرت به     .         قدما وحذرني ما يتقون أبي   مجرب عاقل نزه عن الريب    أب كريم ومجد غير مؤتشب    فقد تركتك ذا مال وذا نشب   واعمد لأخلاق أهل الفضل والأدب       فاهرب بنفسك عنه أيّد الهرب     .
ويبدو أن هذه الوصايا قد انتقلت إلى الأبناء دستور حياة لا يحيدون عنه ، فنرى الأعشى مزهوا بوصايا أبيه ، فقال ( ) :
ويحرص على أن يوصي ابنه بصيرا ، وينقل إليه تجاربه في الحياة ، فيقول ( ):
سأوصي بصيرا إن دنوت من البلى       وصاة امرئ قاسى الأمور وجربا
بأن لا تبـغ الـود مـن متباعـد  ولا تنء عن ذي بغضة إن تقربا
فإن القريب مـن يقـرب نفسـه لعمـر أبيك الخير لا من تنسبـا
ويدافع زهير عن قبيلته ، ويذود عنها ، بدافع من الالتزام بوصايا أبيه ، وذلك ما حدده هو بقوله ( ) :
وبالعفو وصاني أبي وعشيرتي            وبالدفع عنها في أمور تريبها
وقومك فاستبق المـودة فيهـم            ونفسك جنبها الذي قد  يعيبها

القيم التربوية العليا في الفكر الجاهلي :
       التصق أدب الجاهليين بحياتهم اليومية التصاقا وثيقا ، فالعربي كان يقتبس خلقه من تجاربه وحنكته ، ويجعلها سجلا للمثل والأخلاق العربية الجاهلية . والوثائق التربوية الشعرية تسجل تلك المثل ، وتحببها إلى نفس الفتى ، مما جعل للشعر دورا في مجال التربية .
ويعد هذا الشعر من الأدب الرفيع ، وهو دليل على عناية هؤلاء القوم بتربية أبنائهم ( ) . وأهم هذه القيم التي حكمت تفكيرهم التربوي هي :
1- اصطفاء الكرام ، ومؤاخاتهم ، ومشاركتهم في الشدائد :
       ويبدو هذا الأمر جليا في وصية ذي الإصبع العدواني ( ) :

وأما عبد قيس بن خفاف البرجمي ، فيطلب إلى ابنه جبيل أن يشارك قومه فقرهم وضيقهم ، فيقول ( ) :

2- إكرام الضيف ( ) :
       يدعو عبد قيس جبيلا إلى إكرام ضيفه ،فيقول :
والضيف أكرمـه فـإن مبيته            حق ولا تك لعنة للنـزل
واعلم بأن الضيف مخبر أهله             بمبيت ليلته وإن لم يسأل
أما ذو الإصبع العدواني فيغرق في التفاصيل ، ويدعو ابنه أسيدا إلى أن يستشرف ، ويقيم في الأماكن العالية فوق الأيفاع ، لتكون ناره هادية للضيوف ، ولكل طالب رفد ، فيقول ( ) :
وابذل لضيفك ذات رحـ          ـلك مكرما حتى يزولا
واحلل على الايفاع للعـ                  ـافين واجتنب المسيلا
ويحذره من ان يكون ممن يعدون العشيرة بالعطاء ثم لا يوفون ،فيقول ( ) :
ودع الـذي يعـد العشـ          ـيرة أن يسيل ولا يسيلا
أبنــي إن المــال لا                  يبكي إذا  فقـد البخيـلا   
و ابسط يمينـك بالنـدى          وامدد لها باعـا طويـلا
وابسط يديك بمـا ملكت                  وشيـد الحـب      الأثيـلا            
       ولإكرام الضيف عند عمرو بن الأهتم بُعْد أخلاقي ،فنراه يوصي ابنه ربعيا بإكرام ضيفه وقت الشدة ، حين يشح الزاد ، ويأبى آخرون أن يرحبوا بضيوفهم ، فيقول ( ) :
وجاري لا تهيننه  وضيفي         إذا أمسى وراء البيت كور
يؤوب إليك أشعث جرفته          عوان  لا ينهنهها الفتـور
أصبه بالكرامة  واحتفظه          عليك فإن منطقـه يسيـر

3- تحمل العظائم والنهوض بها :
يطلب عبد قيس بن خفاف البرجمي من ابنه النهوض بعظائم الأمور ، ويقول ( ) :
أَجُبَيْلُ إن أباك كارب يومه فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
ويفخر زهير بأن أباه وصاه بالدفاع عن قبيلته ، فقبل الابن وصية أبيه ، ونذر نفسه للدفاع عن غطفان ، وكان لصوت السلام الذي هتف به أثر كبير في إخماد النار التي اشتعلت بين قبيلته والذبيانيين ، يقول ( ) :
       وبالعفو وصاني أبي وعشيرتي            وبالدفع عنها في أمور تريبها
أما ذو الإصبع العدواني فقد مد في أجزاء الصورة ، فيطلب إلى ابنه أن يكون جريئا ، مقداما ، قادرا على المواجهة والتحمل ، ويقول ( ) :
       وإذا القروم تخاطرت       يوما وأرعدت الخصيـلا
       فاهصر كهصر الليث خضّــب من فريسته التليـــلا
       وإذا دُعيتَ إلى المهمّ        فكُنْ لفادحـه  حَمــولا
4- تقوى الله ، وبر ا لوالدين :
       وفي النصف الثاني من القرن السادس بدأت الوثنية بالتحلل ، وأخذت تقترب من الحنيفية ، وليس كل فكر يقترب من قيم الدين الإسلامي قد وضع في العصور الإسلامية ، كما يزعم المشككون .
       وأول وصية أوصى بها عبد قيس ابنه جبيلا تقوى الله ، لأنها المعيار الأخلاقي الأسمى الذي يجعل المرء يشعر بالسعادة ،
       الله فاتقه وأوف بنذره              وإذا حلفت مماريا فتحلل
أما عبدة بن الطبيب فقد أوصى أبناءه بتقوى الله ، وببر الوالدين فقال ( )
       أوصيكــم بتقـى الإله فإنه             يعطي الرغائب من يشاء ويمنع
       وببرّ والدكم وطاعة أمــره             إن الأبـرّ من البنيـن الأطوع
       إن الكبير إذا عصاه أهلــه              ضاقت يداه بأمـره ما يصنـع

5- الحذر من النمّام :
       تناول عبدة بن الطبيب شخصية النمام ، الذي يسعى بسمومه بين الناس ، وقد شبه كلامه بالعقارب ، إذا لسعت أثارت حربا ، وبعثت فتنة ، كما يبعث الأخدع عروقه ، وقد ضرب مثلا زيد بن مالك ، وقومه الذين يغذون أطفالهم سموم العداوة ، وهم ولدان صغار ، وقد استعار لهؤلاء القوم ومشيهم بالنميمة صورة القنفذ الذي يسعى مستخفيا تحت جنح الظلام ، ويعرج بعد ذلك على ذكر زيد الذي أفسد أمـر قومه ، وبث بينهم العداوة ، فشتتهم ومزق وحدتهم ، وفي هذا كله ، يقول ( ) :
ودعوا  الضغينة لا تكن من  شأنكم إن الضغائن  للقرابـة  توضــع
واعصوا  الذي يزجى النمائم بينكم  متنصحـا ذاك السمـام المنقــع
يزجى عقاربه ليبعث بينكــــم حربا كما بعث العروق الأخــدع
لا تأمنوا قوما يشب صبيــــهم بين القوابـل بالعـداوة ينشـــع
قوم إذا دمس الظلام عليــــهم حدجوا قنافذ بالنميمة تمــــزع
أمثال زيد  حين أفسد رهطـــه  حتى تشتت أمرهم فتصدعـــوا
إن الذين  ترونهم إخوانكــــم  يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا


 مواضيع مشابهة
أخلاق العرب قبل الإسلام -
أخلاق العرب بين الجاهلية
العصر الجاهلي.. جاهلية أخلاق أم جهل بعلم
نماذج مِن كرم العرب وجودهم
أخلاق العرب وعاداتهم

صفات العرب قبل الإسلام
الاخلاق عند العرب في العصر الجاهلي
الصفات الخلقية الحميدة في العصر الجاهلي
اخلاق حسنه عند العرب قبل الاسلام
اخلاق العرب السيئة قبل الاسلام
صفات العرب الحميدة قبل الاسلام
العادات السيئة عند العرب قبل الاسلام
عادات العرب في الجاهلية
اخلاق العرب قبل الاسلام
العادات الحسنه عند العرب قبل الاسلام