نشأة الدول العربية المعاصرة

نشأة الدول العربية المعاصرة

     هناك آراء مختلفة حول كيفية نشأة الدول العربية بصورة عامة فيما يتعلق بدور العوامل الذاتية والموضوعية ، الداخلية والخارجية، في ٳنشاء وبناء هذه الكيانات أو في مدى حداثتها واصطناعها ومدى أصالتها . وحول هذا الاختلاف يعتقد أحد الباحثين بأن السبب يعود إلى أن " الدراسة النظامية للدولة العربية لا تزال دراسة ناشئة ولو أن عقد الثمانينات قرن العشرين يشهد التحلل السياسي للدولة "([1]). ويرى باحث ’آخر أن البحث في موضوع الدولة والمجتمع في الفكر العربي ظاهرة حديثة نوعاً ما ([2]) ،في الوقت الذي بدأ فيه المفكرون الغربيون يتعاملون مع مفاهيم المجتمع والدولة والشعب والأمةمنذ القرن السادس عشر ، بالتزامن مع ظهور الدولة القومية على الساحة الأوربية بعد معاهدة  ويستفاليا عام    (1648 م ) وبذلك كان التنظير حول هذه المسائل مصاحباً ، و أحياناً ممهداً، لمسيرة التطور الاجتماعي والأحداث السياسية، وأن معظم ما كتب عن المجتمع والدولة في العالم الثالث ، كتبه باحثون غربيون في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي ( العشرين ) . لقد تعرض الفكر العربي المعاصر منذ عصر النهضة في منتصف القرن التاسع عشر للعديد من موضوعات الفكر السياسي ، ولكنه لم يتعرض لموضوع الدولة صراحة ٳلا بعد ٳنهيار الخلافة العثمانية  ([3]).
 ويعتقد أحد الباحثين بأن العرب و المسلمين على مدى تاريخهم لم يجربوا الحياة في ظل دولة منظمة ثابتة ودائمة بالمعنى التقليدي المتعارف عليه للدولة ، وأنهم فقط عرفوا السلطة والحكومة ، ولكن السلطة شيء وبناء كيان دولة مؤسسة شاملة هو شيء آخر([4])لم يعرف العرب الدولة فكرةً وواقعاً ٳلا مع الاستعمار الغربي الأوروبي الذي كان سباقا ً في هذا المجال ، وخاصة بعد أن أصبحت سيطرته واضحة لا جدال فيها سواء من ناحية المعرفة والفكر أو من ناحية التطور التكنولوجي والمادي([5])، وهناك من يؤكد أن مفهوم الدولة القطرية هذا هو ابتداع حديث نسبياً ظهر في أوروبا ،  وجرى تعميم هذا النموذج الأوروبي  من  خلال الاستعمار ونظام الانتداب ، ولا يختلف  التخلخل في مفهوم الدولة القطرية في الوطن العربي عما حدث في أجزاء أخرى من العالم الثالث ([6]). ويسمي ( براند بادي ) هذه العملية (تصدير النماذج السياسية الغربية إلى عالم غير غربي ) ، ويعتقد أنها تصدير ليس بالضرورة ممارسة واعية ولا ينتمي إلى مؤامرة ، كما تذهب إلى التأكيد أحيانا ً سهولة الكلام ، ومما لا شك فيه أن دينامية التبعية والهوية الكونية توطدان بعضهما بعضاً وأن الممارسات التصديرية ليست ممارسات مماثلة دائماً([7]).
     ولكن هناك رأي آخر يعارض هذا الرأي ويمثله ( ٳيليا حريق ) الذي يؤكد أن نظرة سريعة إلى تاريخ الدول العربية القائمة، تدل بوضوح على أنها دول ومجتمعات قديمة خلافا ً لآراء طلاب التحديث والعقائد بين القوميين العرب ، حيث ترجع كل دولة من هذه الدول في كيانها كنظام سياسي إلى القرن التاسع عشر أو ما قبله باستثناء ثلاث دول بينها هي الأردن والعراق وسوريا ، كانت تقليدية في مراحلها الأولى دون شك ٳنما لا يعني إننا في مطلق الحرية أن ننكر عليها كيانها السياسي ، فالذين يتنكرون للدولة التقليدية معتبرين أن تسمية دولة لا تصح لها ، يفعلون ذلك تحت تأثير بعض المفاهيم الغربية الكلاسيكية المتميزة والمتعالية أو لقصور في دراسة التاريخ ([8]) . ٳذاً  ومن منطلق هذه الآراء المختلفة حول مفهوم الدولة وتاريخها، يمكن القول بأن النظر في الدراسات العربية حول نشأة الدولة في الوطن العربي يكشف عن عدم اتفاق الآراء على طبيعة تلك النشأة ([9]) ، وهناك من يشير إلى أربعة اتجاهات أو مجموعات من الآراء حول طبيعة نشأة الدولة العربية الحديثة وهي ([10]) :

·       المجموعة الأولى
         وترى هذه المجموعة أن الدولة العربية خلق أجنبي ، أي من صنع ٳرادة أجنبية ، وقد غرست بناها في معظم الدول العربية أثناء خضوعها للاستعمار الأوروبي ، ومن ثم فقد نشأت الدولة العربية بعيداً عن كل واقع موضوعي لتوجد كزرع بلا جذور، حيث تم تأسيس الدولة العربية تحت التبعية الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى بالشكل الذي انتظمت فيه مجتمعات زراعية قبلية في دول تملك كل واحدة منها دستوراً ونظاماً سياسياً وأشخاصاً سياسيين وٳداريين بالإضافة إلى الجيش ، بمعنى أن الدولة لم تكن تطوراً مجتمعياً طبيعياً وذاتياً لتلبية الاحتياجات الفعلية لوجود اجتماعي مشترك ومستمر ، بما يعبر عن المصالح المشروعية للقوى الاجتماعية الرئيسة التي تتطابق مع المؤسسات والممارسات السياسية القائمة في المجتمع . وٳذاً فان الدولة بحدودها وشعارها وعلمها ومؤسساتها وقوانينها هي إحدى منتجات التبعية للامبريالية الأوروبية، وقد أقيمت هذه الدول في البداية لتكون أداة بيد المقيم العام أو المحاكم العسكري أو المفوض السامي لأحدى الدول الأوروبية لتنفيذ سياسات بلده ، الدولة المستعمرة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعسكرياً ، فهو الذي أصدر بموجب الصلاحيات المخولة له من دولته  مراسيم وقرارات تأسيسها وعمل على تشكيل هيئاتها ومؤسساتها ، فهي دول مستحدثة ٳما من ضم أقاليم كانت مجزأة أو تقسيم إمبراطوريات كانت قائمة ([11]) . ويؤكد أنصار هذا الرأي على إن بالإمكان القول " إن المنظومة الحاضرة القائمة على الدولة القطرية في الوطن العربي هي جزء من عملية دولية أو من توسيع في المجتمع الدولي " ([12]) .وان هذه الدولة جاءت إلى الوجود مع مجيء الاستعمار الغربي إلى المنطقة فلم يتم بناءها كما تم في الغرب نتيجة تعبيرات داخلية نابعة من المجتمع نفسه متمثلا في أفراده ومواطنيه ([13]) ، وذلك لأن مفهوم الدولة من حيث هي مؤسسة كيانيه شاملة ودائمة لم يعرفه العرب  ٳلا من تجارب الأمم الأجنبية الأخرى ([14]) ، وقد تم في هذا إطار نقل مؤسسات اقتصاديه وٳدارية وسياسية إلى هذه الأقطار من جنس تلك التي كانت قائمة في الدول المستعمرة ، وحتى بعد الاستقلال والتحرر الوطني فقد تم الاحتفاظ بتلك المؤسسات ، بمعنى أن الدولة ومؤسساتها قد فرضت على المجتمع من أعلى وبالقوة ، لتكون بالنسبة للمواطنين كياناً خارجياً مفروضاً عليهم ، وحين يجد المواطن نفسه معزولاً ، فانه يعود للبنى الاجتماعية التقليدية الأولية بحثاً عن الأمان  وضماناً للبقاء ، وبذلك يعرقل عملية بناء الدولة ومؤسساتها والتكامل والاندماج الوطني([15]) .
هكذا كانت العلاقة السائدة بين المجتمع والدولة الاستعمارية تتسم بطابع عدائي متبادل واستمرت العلاقة على هذا المنوال حتى بعد ولادة الدولة الوطنية على الرغم من أن الدولة القطرية العربية ، أمست دولة مغروسة ومطبعة بشكل متزايد ، ولم تعد تبدو شيئاً أجنبيا مستورداً نتيجة لاستمرار العالم بقبولها و بأنها ثمرة هجينة ، لأن شكلها يمثل سيادة الثقافة السياسية الأوروبية الحديثة وانتشارها في العالم ، بينما يأخذ محتواها صيغة محلية بصورة متزايدة وعلى الرغم من معاناة هذه الدولة من التناقض بين الشكل والمحتوى ، فإن القبول بها كأمر طبيعي كان يتنامى ، حيث ألف الناس وجودها وهي الآن الآية السائدة والنموذج القياسي الذي يحتذى به ([16]) .

·       المجموعة الثانية
         ترى هذه المجموعة في الدولة العربية الحديثة ثمرة نضال وطني وتضحيات كبيرة وبخاصة في المغرب العربي([17])، فالظاهرة الأكثر برزواً في التاريخ والواقع المجتمعي القريب والآني لبلدان المغرب المعاصرة هي طموح الحركات الوطنية والقومية وحماسها وٳندفعها إلى تأسيس دول حديثة أو ٳعادة إنشائها  ، فهي دول شكلت وتشكل حجر أساس البناء الوطني ، ومسار تكوين الأمة العصرية ، كمشروع سياسي بديل للمؤسسة الاستعمارية ونظامها ، ومناهض لهما ، وتظهر كأنها الإطار العام الثقافي والمجتمعي الضروري لانبعاث الأمة وتحقيق الهوية الوطنية واستمرارية تاريخية تتخطى الحادث الاستعماري، وتجعل من المؤسسة السياسية الوطنية المظهر الأكثر تعبيراً عن وجود الشعب عبر التاريخ وداخل جوقة الأمم العصرية وبالتالي باتت الدولة تمثل ٳطاراً سياسياً ملزماً ، ورمزاً مرجعياً للوجود السياسي للشعب لا يمكن التخلي عنه أو ٳعادة النظر في مشروعيته أو إنكار معالمه وطمسها . لقد كان بناء الدولة الوطنية يمثل في حد ذاته  بناء الأمة أو بعثها ، فأصبح البناء الوطني محل النهضة ورهانها ، وظهرت الدولة كمحرك مركزي لعمليات الإدماج الوطني والتوحيد والتنمية و التحديث ، واكتسبت بذلك مشروعية تاريخية وبنيوية ([18]) .

·       المجموعة الثالثة
     ترى هذه المجموعة أن الدول العربية القائمة حالياً تمثل استمرارا معاصراً لكيانات تاريخية ثابتة ، وأن المستعمر ٳن أدخل عليها اعتباطية ما ، فليس ذلك في وجود هذه الدول ولا في هويتها وٳنما في حدودها ، حيث لعب دوراً أساسياً في تحديدها وتخطيطها . وتستثنى من هذه القاعدة منطقة (الهلال الخصيب) حيث نشأت الدولة المعاصرة على أنقاض السلطنة العثمانية وفقاً لقرارات خارجية لا لتطلعات محلية ، ويستثنى من ذلك حالة لبنان الذي ٳذ يعد الكيان الوحيد غير الاصطناعي في منطقة المشرق العربي. ويشير ٳيليا حريق إلى خمسة أصناف من الدول العربية المختلفة حسب البنية  السياسية وقاعدة السلطة الشرعية والتقاليد فيها في مرحلة نشوء هذه الدول وكالتالي ([19]) :
1-         نظام الأمام الرئيسي : هنا تكون السلطة السياسية في شخص يتمتع بخاصية دينية مثل (اليمن و عمان و ليبيا و الحجاز و الغرب )
2-         حلف الرئيس مع الإمام : تكون السلطة متجسدة في شخص زعيم القبيلة الذي اتسع نفوذه وسلطته بعامل تحالفه مع شخصية دينية صاحبة مذهب ديني مثل ( السعودية )
3-         النظام التقليدي العرفي : تكون السلطة متجسدة في سلالة معينة لا تتمتع بصفة دينية و لا تستدعي مبادئ دينية ، مثل ( البحرين و الكويت و الأمارات العربية المتحدة و ٳمارة جبل لبنان )
4-         حكم الأقلية البيروقراطية – العسكرية : ترتكز السلطة في هذا الصنف على قادة الثكنة العسكرية القائمة في المدن التي تنشئ مع الزمن جهازاً بيروقراطياً متكاملاً مثل ( الجزائر و تونس و طرابلس و مصر)
5-         أنظمة صنيعة الاستعمار : هذا النوع يتميز بكونه قد سلخ من السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية ، ويشمل ( العراق و سوريا و الأردن و فلسطين )
وتجدد الإشارة هنا إلى نقطتين مهمتين ، أولاهما أن معظم تلك الدول كانت ذات أصل محلي ، وتتمتع بشرعية مسلم بها في المجتمع القائمة فيه ، وثانيهما أن لكل من تلك الدول حدود جغرافية أو على الأقل نواة جغرافية تشكل قاعدة حكمها ([20]).

·       المجموعة الرابعة
        وترى أن الدولة الحديثة في البلاد العربية الإسلامية هي نتيجة لعمليتين مزدوجتين ، عملية التطور الطبيعي التي أورثتها كثيراً من الأفكار والأنظمة وأنماط السلوك التقليدية ، وعملية ٳصلاح غيرت شيئاً من التراتيب الإدارية العليا واستعارات من الخارج وسائل مستحدثة للنقل والاتصال بهدف تطوير الزراعة والتجارة ([21]) .ويؤكد (عبد الله العروي) في هذا الخصوص بأن نشأة هذه الدول (الدول العربية ) هي نتيجة تفاعل عوامل ذاتية داخلية وعوامل خارجية ([22]) ، ويعتقد غسان سلامة  بأن اختلاف المؤرخين والباحثين وعدم اتفاقهم على المعادلة التي تمت في يوم من الأيام بين القوى المحلية  والقوى الدولية وانتهت في النهاية لتكوين الدولة العربية ، ليست جديدة ، وهي مكون أساسي من الثقافة السياسية العربية ، وقد تسلم الدعاة السياسيون المعاصرون هذا الخلاف ، وحاولوا تطويعه قدر الإمكان لخدمة أهدافهم السياسية ، فأتفق الانفصاليون والوحدويون على اعتبار الكيانات القائمة هشة سطحية اصطناعية لا تمثل الشعوب وتطلعاتها واعتبرها الأولون ثوباً واسعاً أكثر من اللازم ليلبسه المجتمع ، بينما اعتبرها الوحدويون ثوباً ضيقاً للغاية لكي يحتوي أمة قسمتها ٳرادة المستعمر الاعتباطية دولاً شتى ،الانفصاليون طبعاً فئات غير متفقة على القاسم المشترك لإعادة رسم الخرائط : هل هو ٳثني – لغوي ( الأكراد ) ، أم ديني – طائفي ( موارنة ، دروز ، علويون،....... الخ ) ؟ والوحدويون أيضاً فئات متناحرة ترسم خرائط مختلفة لأمة طوباوية قد تبدأ ، في ما يخص الوحدة ، من وحدة سوريا ولبنان إلى وحدة سوريا الطبيعية إلى وحدة الهلال الخصيب  إلى وحدة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ، انتهاءً  بوحدة أمة المسلمين من المغرب إلى اندونيسيا ، ولكن الوحدويون ٳجمالاً يتفقون على أن هناك تجزئة لوحدة قد تمت ، وان المشروع التاريخي يقضي بلم الشتات وٳعادة التوحيد ([23]).
ٳذاً ينقسم الباحثون والمؤرخون والسياسيون معاً إلى مجموعتين أساسيتين ، مجموعة تشكك في شرعية الدول القائمة بشكلها وتكوينها الحالي ، لأنهم يعدونها اصطناعية في الأصل ، أو تغلب على نشأتها عوامل خارجية ، وتؤمن المجموعة الثانية بشرعية هذه الدول وتؤكد عليها ، لأنها تعتقد بأن هذه الدول نشأت نتيجة لمشروع وطني ونضال سياسي وتضحيات كبيرة ([24]). والرأي الذي يبدو اقرب للقبول هو ما يذهب إليه ( غسان سلامة ) من أن ٳنشاء الدول غالباً ما كان مرتبطاً إلى حد صغير أم كبير برغبات الدول الكبرى المسيطرة على النظام الدولي ، والساعية إلى تقاسم إمبراطوريات هرمة أو إلى تنظيم الأوضاع العامة في المناطق التي تسيطر عليها في العالم  ولكن في الوقت ذاته ، كان على هذه الدول العظمى أن تأخذ بعين الاعتبار وهي تنشئ الدول الجديدة واحدة تلو الأخرى عدداً من المعطيات الأساسية ، أولها طبعاً هي مصلحة الدول الكبرى بالإجابه على السؤال التالي ، ما هي الحدود والهوية والحدود والجغرافية الفضلى التي تجعل من قيام الدولة المستحدثة حدثاً ايجابياً لمصالح الدول الكبرى ؟ وثانيها هو مدى تمكن الدول الكبرى المعنية من ٳقناع الدول الكبرى الأخرى المنافسة لها والنظام الدولي عموماً بصلابة وفائدة عملها ، ٳذ أن معارضة خارجية قوية لإنشاء دولة قد تؤدي إلى ٳهدار طاقات عسكرية أو اقتصادية للدفاع عن الدولة المستحدثة بصورة غير ضرورية ، ومن هنا بالذات أهمية عدد من الاتفاقيات الدولية الكبرى ( مثل مؤتمر برلين 1878م ، وسايكس – بيكو1916 م ) التي نظمت إلى حد كبير عمليات إنشاء الدول المعاصرة موفرة على الدول الاستعمارية حروب التقاسم. وثالثها هو رغبات الشعوب المعنية ، ٳذ لا يمكن الاعتقاد أن الاعتباطية القصوى أو المصالح الاستعمارية المجردة تفسر كل شيء. من هنا لم تكن الحدود اعتباطية مائة في المائة ، كان الأمر اكثر تعقيداً ٳذ اختلفت المعايير من دولة كبرى إلى أخرى ، ومن منطقة إلى أخرى ([25]) .وهناك أيضاً من يميز بين ثلاث مجموعات مختلفة من الدول العربية في تفاعلها مع الخبرة الاستعمارية ، تضم المجموعة الأولى ، كيانات قائمة ، يتمتع كل كيان منها بسلطة سياسية مستقلة أو شبة مستقلة في ظل الإمبراطورية العثمانية ، ثم هيمن عليها الاستعمار الغربي ، واقتلع هذه السلطة السياسية المحلية وهيمنتها ، وحل محلها طيلة مدة الاحتلال ، ولكنه لم يغير تغيراً محسوساً في حدودها وتشمل هذه المجموعة كلا من المغرب الأقصى ( مراكش )  والجزائر وتونس ومصر .والمجموعة الثانية هي كيانات تم تقسيمها، أو فصلت أجزاء منها ، أو ضمت  أجزاء ٳليها مثل منطقة الشرق العربي ، وتشمل المجموعة الثالثة ، الكيانات التي لم تتعرض لخبرة احتلال استعمارية مباشرة وهي السعودية واليمن وبلدان الخليج العربي ([26]).
    ونستنتج مما تقدم من الآراء تبلور حدود الدول الحالية كنتاج للتفاعل المباشر أو غير المباشر مع الخبرة الاستعمارية والهيمنة الغربية خلال القرنين الأخيرين ، ولا بد هنا من تصحيح المقولة الشائعة بأن الخطة الاستعمارية مزقت أو جزأت الوطن العربي إلى هذا العدد الكبير من الدول ،لأن الصحيح هو أن الخطة الاستعمارية أعادت ترتيب المنطقة وتشكيلها بما يناسب أغراضها ومصالحها هي ، فضلاً عن مصالح هذه المنطقة ، حيث تطلب الأمر في بعض الحالات توحيد وضم كيانات قائمة إلى بعضها البعض ، ولم يكن ما حدث مجرد تفتيت وتجزئة أو طرح وقسمة فقط ، ولكنه انطوى أيضاً على عمليات جمع وتجميع وقد دخلت هذه الدول المسرح الدولي وهي مثقلة بأعباء لعل من أبرزها مشكلة الاندماج الوطني لتكويناتها الاجتماعية والسياسية وبخاصة الأثنية والطائفية في الجسم السياسي لهذه الدول. وترتب على ذلك في بعض الحالات صراعات وتوترات داخلية فرضت شرعية الدولة الوليدة أو أمنها الداخلي و الإقليمي، وكان لذلك تداعيات أخرى متشابكة ، منها استنزاف الموارد ، وتعثر جهود التنمية الاقتصادية ،وفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي ، وبتعبير آخر دخلت معظم الدول  الجديدة الساحة وهي مثقلة بأرثين كبيرين ، الأول هو ٳرث المجتمع التقليدي الذي وجد قبل الاختراق الغربي و ظل مستمراً بعده والإرث الثاني هو ما طرأ على تكوينات مجتمع الدولة من تغييرات مستحدثة ( بنيوية  ومؤسسية و قيمية وسلوكية ) ظهرت مع التجربة الاستعمارية ولم تختف مع رحيل الاحتلال الأجنبي المباشر ([27]) .


([1]) بهجت قرني ، وافدة ، مُتغربة ، ولكنها باقية ( تناقضات الدولة العربية القطرية ) ، في غسان سلامة وآخرون ، لأمة والدولة و الاندماج في الوطن العربي ، ج 1 ، ط 1 ، مركز الدراسات الوحدة العربية ، بيروت –لبنان ،1989 ، ص49 .
([2])  عبد العالي دبلة ، الدولة ( رؤية سوسيولوجية ) ، ط 1 ، دار الفجر للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2004 ، ص77 .
([3]) سعد الدين إبراهيم وآخرون ، المجتمع والدولة في الوطن العربي ، م ، س ، ذ ، ص ص  63 – 85 .
([4]) أحمد شكر الصبيحي ، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، ط 1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000 ،  ص 126 .
([5]) عبد العالي دبلة ، الدولة ، م . س . ذ ، ص77 .
([6]) بهجت قرني ، وافدة ، متغربة .... ، م . س . ذ ، ص ص  ، 51 – 52 .
([7]) برتراند بادي ، الدولة المستوردة ( غربنة النصاب السياسي ) ، ترجمة : شوقي الدويمي ، ط 1 ، دار الفارابي ، بيروت –  لبنان 2006 ، ص ص ،15 – 16 . 
([8]) - ٳيليا حريق ، الدولة العربية : الأصول التاريخية و رؤى الحاضر ( نشوء نظام الدول في الوطن العربي ) ، المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد 99 ، أيار 1987 ، ص78 .
([9]) غسان سلامة ، المجتمع والدولة في الشرق العربي ، م . س . ذ ، ص28  .
([10]) أحمد شكر الصبيحي ، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، م . س . ذ ، ص126  الى  ص132 .
([11])محمد سعيد طاالب ، الدولة الحديثة والبحث عن الهوية ، م . س . ذ ، ص301  .
([12]) بهجت قرني ، وافدة ، متغربة ........ ، م . س . ذ ، ص56  .
([13]) عبد العالي دبلة ، الدولة ، م . س . ذ ، ص79 .
([14]) محمد جابر الأنصاري ، بنية الثقافية السياسية والسلوك السياسي العربي ،مجلة المنتدى(منتدى الفكر العربي ،عمان) ، العدد 126 ، اذار / مارس  1996 ، ص15  .
([15]) نزار عبد اللطيف ألحديثي ، الأمة العربية والتحدي ، ط 1 ، المكتبة الوطنية بغداد ، 1985 ، ص48  .
([16]) بهجت قرني ، وافدة ، متغربة ، م . س . ذ ، ص70 .     
([17]) محمد عبد الباقي الهرماسي ، المجتمع والدولة في المغرب العربي ، ط1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1987  ، ص126  .
([18]) أحمد شكر الصبيحي ، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، م . س . ذ ، ص129 ينظر أيضاً : عمار بلحسن ، المشروعية والتوترات الثقافية حول الدولة والثقافة في الجزائر ، في : الرياشي واخرون ، الأزمة الجزائرية : الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و الثقافية ، ط1 ، مركز الدراسات الوحدة العربية ، بيروت، 1996 ، ص415  .
([19]) ٳيليا حريق ، الدولة العربية ، م . س . ذ ، ص81  وما بعدها .
 ينظر أيضاً : ثامر كامل ، الدولة في الوطن العربي على أبواب الألفية الثالثة ،ط1، بيت الحكمة ، بغداد ، 2001،  ص110 .
([20]) غسان سلامة ، المجتمع والدولة في المشرق العربي ، م . س . ذ ، ص29
 ينظر ايضاً ، أحمد شكر الصبيحي ، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي ، م . س . ذ ،ص131 .
([21]) ثامر كامل محمد ، الدولة في الوطن العربي على أبواب الألفية الثالثة ، م . س . ذ ، ص 113 .
([22])  عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ، م . س . ذ ، ص 149 وما بعدها .
  ينظر أيضاً ، حازم البيلاوى ، الدولة الريعية في الوطن العربي ، في ندوة : الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي ، م . س . ذ ، ص 285 .

([23])غسان سلامة ، المجتمع والدولة في الشرق العربي ، م . س. ذ ، ص 28 .
ٳنظر ايضاً : ثامر كامل محمد ،الدولة في الوطن العربي على أبواب الألفية الثالثة ، م . س . ذ ، ص 162 .
([24]) للتفاصيل حول هذا الموضوع  ينظر : محمد جابر الأنصاري ، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، مدخل    الى ٳعادة فهم الواقع العربي ، ط 1 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1994 ، ص 38  وما بعدها .
([25]) غسان سلامة ، المجتمع والدولة في الشرق العربي ، م . س . ذ ، ص ص 27 ، 28 .
([26]) سعد الدين ابراهيم  و أخرون ، المجتمع والدولة في الوطن العربي ، م . س . ذ ، ص 170 وما بعدها .
([27])نفس المصدر ، ص174 .