أنواع الشخصيات المخلوقة في الرواية



أنواع الشخصيات المخلوقة في الرواية  :
      يقوم كاتب الرواية ـ حين يكتب رواية ـ بالإخبار بحكايه ويقدم شخصية ويواجه مشكلة كيف يمكنه الإخبار عن الحكاية وكيف يكون شخصياته ، ومن شبه المستحيل وجود شخصية ثابتة ومنجزة، فالشخصية لا ينجزها إلا الموت،والموت غامض، لذا فإن الشخصية لا تكتمل إلا في الغموض، والشخصية تختلف باختلاف الإطار الذي توضع فيه، ويتم تكونها بالنظر إليها من زوايا متعددة.(125)وينتج"الفعل أو الحركة في العمل القصصي."عن تفاعل الشخصية مع الحدث.
والشخصية من حيث الدور الذي تؤديه على ثلاثة أنواع:
1ـ شخصية رئيسية: وهي المحور الرئيسي الذي تدور حوله أحداث القصة " البطل " وتكون في نفس الوقت المحرك الخفي لتلك الأحداث.
2ـ شخصية ثانوية أو مكملة: ويلجأ القاص إلى استخدامها في إدارة بعض الأحداث الجانبية المساعدة على تسيير الحدث الرئيسي أو لإظهار شخصية البطل وتوضيح معالمها عن طريق الكشف عنها أو معارضتها، فالشخصيات الثانوية أهميتها كأهمية الملح للطعام. والشخصيات الثانوية غالباً ما تكون غير نامية " مستوية "، وهي تتطلب نوعاً من التوازن بينها وبين شخصية البطل، بحيث تذوب الشخصيات الثانوية في شخصية البطل.
3ـ الشخوص: وهم يشكلون المنظر الخلفي، ولابد من وجودهم لاستكمال الصورة ، شريطة أن يظلوا بعيدين عن الإدراك .(126)
وقد قسم النقاد الشخصيات من حيث الثبات والتطور إلى :
1ـ شخصيات بسيطة أو مسطحة: وتتسم بالثبات على وجه واحدٍ من أول القصة إلى آخرها، وتقوم حول فكرةٍ واحدةٍ، أو صفةٍ دائمةٍ لا تتغير طوال القصة، فلا تؤثر فيها الحوادث، وللشخصيات الثابتة فائدة كبيرة لكل من الكاتب والقارئ، فالكاتب يستطيع بلمسةٍ واحدةٍ أن يقيم بناء هذه الشخصية، فهي لا تحتاج إلى تقديم أو تفسير، ولا إلى التحليل والبيان، وخاصةً في قصص الشخصيات، أما القارئ فإنه يجد في مثل هذه الشخصيات بعض أصدقائه ومعارفه الذين يقابلهم كل يوم.(127 )
      والشخصية البسيطة أو ذات المستوى الواحد، تخلو من التعقيد والمفاجأة، فلا نتوقع تغييراً جوهرياً في موقفها من الأحداث أو الشخصيات الأخرى، وهي لا تصور نمو الإحساس الإنساني وتطور الفرد إزاء قضايا الحياة وصراعه المستمر في سبيل تأكيد وجوده، ويسمى هذا النوع من الشخصيات " الشخصيات المسطحة "، وتتميز بطابعها الفكاهي وتساعد على حركة الشخصية المستديرة.(128) ومن أمثلة الشخصية البسيطة، شخصية "الفارس" و"الراعي" في قصص الفروسية، فإذا قدم الكاتب الشخصية البسيطة في حالة استغراق، فإنها تتعقد في عاطفتها ، وتنمو داخلياً وترتبط بصراعٍ مع المجتمع، فتبدأ في التحول إلى شخصيةٍ من الشخصيات النامية.(129)
2ـ الشخصية النامية:
      وهي الشخصية التي لا تبدو للقارئ في الصفحات الأولى، بل تتكشف تدريجياً، وتتطور بتطور القصة وأحداثها، وتتطور نتيجة تفاعلها المستمر مع الأحداث.(130) ويطلق عليها بعض النقاد مصطلح الشخصية المتطورة أو الدائرية، وهناك رابط خفي يربط بين تطور الأحداث وتطور الشخصيات، وبتفاعلهما معاً ينتج التأثير الفني للقصة،(131) ويقدمها القاص على نحو مقنعٍ فنياً، " وقد يظهر الكاتب الشخصية النامية متكافئة مع نفسها، فتبدو منطقية في تصرفاتها، خاضعةً للتفسير والتبرير."(132) كما أنه قد يظهرها معقدةً، فيبدو سلوكها غير منطقي، فتختلط الأمور، والشخصية النامية يكون تطورها بطيئا في البداية،" ثم لا تلبث أن تتقدم وتكشف عن جوانبها الثرية كلما تطورت الحكاية، فهي شخصية حافلة بالعواطف المعقدة، والتغييرات المفاجئة."(133)
      وتتميز الشخصية النامية بطابعها الدرامي، فهي تشكل الاستثناء الدائم، لأنها تحطم العادة أو تتحطم من أجلها، فهي تكشف حقيقة ذاتها، وتحيل طبيعتها الحقيقية إلى دراما، وخلافاً للشخصية المسطحة، فإن كلام الشخصية النامية حقيقي، بينما كلام الشخصية المسطحة هو حديث مظهري أو رمزي.(134)
      والرواية الحديثة تسعى إلى تقليل سيطرة الراوي العالم بكل شيء وتعزيز مكانة الشخصية، فقد ذهب كل من ( سكولز وكيلوج ) إلى أن سبب علو شأن منظور الشخصيات يرجع إلى التطورات الثقافية الكبيرة التي تميز بها العصر الحديث، بحيث أصبح العقل البشري لا يميل إلى الرؤية الواحدة للأشياء، وإنما يميل إلى التشعب والنسبية، فكل شيءٍ في عصرنا الحديث له طابع نسبي، ومع اقتراب الشخصية من القارئ تزداد تدوراً وحيوية فيتوهم القارئ أنها شخصية حقيقية.(135 )
3ـ الشخصية النمطية(النموذجية):
      هناك طريقة ثالثة لرسم الشخصية القصصية لا يكون الاهتمام فيها منصباً على الشخصية ذاتها بوصفها غاية، وإنما يتخذها القصاص وسيلة لإظهار صفة معينة، أي أن الشــــــخصية عنده تصبح مجرد رمز يرمز إلى صفةٍ من الصفات، أو آلةً توضح ســــــمةً من السمات، فلا تكون شخصياته رجالاً، وإنما تكون صفات لشخصيات في صور رجال، بحيث لا  يشعر القارئ بالشخصية ذاتها، وإنما يحس بالصفة أو السمة التي يريد الكاتب إظهارها.(136)
4ـ الشخصية الواقعية:
      وتحمل صفات ومزايا المجتمع، وقد أكثر الكتاب من وصفها وأسهبوا في تفصيل مزاياها، لكي تبدو مقنعةً وحية، ليس باختلافها عن الكل، بل لأنها منتزعة من هذا الكل، وينطبق ذلك على الأحداث، فهي تتشابه مع الواقع بتسلسلها السببي وتدرجها الزمني.(137)
      أما في رواية التيار، فإن الشخصية تقدم نفسها وتكشف خباياها بلغةٍ متميزة، فتتبدى في كل لحظة مختلفة عن اللحظات الأخرى، وتصطبغ في كل لحظةٍ بنفسيتها، وبذلك تكتسب اللحظة خصوصيتها.(138) فرواية التيار تلتزم بالبحث الصوفي عن الحقيقة، فهي تقدم الشخوص كذوات متفردة تسعى إلى تحقيق الكمال أو المعرفة المتميزة بأساليب مغايرة للطرائق المعهودة، ولذلك يظهر تعامل هذه الشخوص مع الخارج مركباً إذا لم تعد إلى وعيها، وغامضاً إذا لم يكشف من داخلها.

5ـ الشخصية الميتة:
      وهي الشخصية التي تجاوزتها الأحداث، ولكنها تصر على صلاحيتها لأن تكون هي الإجابة المناسبة لما تتطلبه هذه الأحداث، ولذلك فهي تقف حجر عثرة في طريق المجتمع، وتسد الطريق في وجه كل تقدمٍ ممكن.(139) وهي في ذلك تختلف عن الشخصية الثابتة التي تساعد على حركة الشخصيات النامية وتطورها.
6ـ الشخصية المتناقضة:
      هذه الشخصية ، قد تكون أكثر حيوية وعطاءً في دلالاتها النفسية، بما تقدمه من نماذج من البشر يتفردون بحالات شعورية خاصة، تستحق الدراسة والتأمل والكشف، وقد تكون هذه الحالات نتيجة لأمراضٍ نفسيةٍ موروثة أو مكتسبة، أو نتيجة للإحساس بالإحباط، وفقدان التجاوب مع المد الاجتماعي.(140 )
7ـ البيئة:
      قد تشكل البيئة أو المكان الشخصية الرئيسية في الرواية، فيكون الدور الأول والأكبر في العمل الأدبي للبيئة، وتسمى القصة في هذه الحالة قصة البيئة، أو قصة المكان، وهـي تتناول قطاعاً بيئياً من قطاعات الحياة تكاد تجعله هو البطل الحقيقي للقصة ، بحيث تتطور الأحداث من خلال تطوره هو، وتتشكل بالأشكال التي يفرضها.(141) وعليه يمكن إضافة نوع ثالث من القصص هو قصة البيئة بمظهريها: الطبيعي والمعنوي، إلى قصتي الأحداث والشخصيات. وتنقسم البيئة إلى:
أ ـ بيئة مادية:
      بمظاهرها المكانية والطبيعية، وصورها الواقعية، وقد يلجأ القاص إلى وصفها وصفاً سردياً، لمجرد توضيح أن الأحداث جرت فيها، وبذلك تكون مجرد حلية للقصة دون وجود تفاعل بينها وبين الأحداث أو الشخصيات، وتشبه البيئة في هذه الحالة بالموسيقى التصويرية.
ب ـ بيئة معنوية:
       وتشمل العادات والتقاليد والموروثات التي نتجت عنها، والتي كان للبيئة الطبيعية يد في خلقها وتكوينها وسيطرتها على المجتمع والناس، والبيئة بمفهومها المعنوي غالباً ما تكون هي المسيرة لأحداث القصة، والمطورة لها، والموجهة لنتائجها.(142)
8- الزمن:
      وقد يكون الزمن هو الشخصية الرئيسية، فيظهر وكأنه البطل الرئيسي الذي يؤثر على الشخصيات والأحداث والمكان، فنجد أن هذه العناصر جميعها تقع تحت سيطرة الزمن وتأثيره، بحيث تبدو بصمات الزمن واضحة على وجوه الشخصيات، وكذلك فإن الزمن يفعل فعله في المكان، ويلاحظ هذا الفعل تلك الشخصيات التي تغيب عن المكان مدة طويلة.