الشعر العربي في عصر صدر الإسلام و العصر الاموي

الجهود الروائية في صدر الإسلام والعصر الأموي :
       ظلّت الجهود الروائية للشعر الجاهلي في هذا العصر قوية نشطة ، على الرغم من انشغال المسلمين بالفتوحات الإسلامية ، وبقيم الدين الجديد ، خلافا لما ذهب إليه ابن سلاّم ( ) .
       فالرسول ، وهو أفصح العرب ، كان يتذوق الكلام الجيد ، ويخوض في حديث الشعر مع الوافدين عليه ممن أسلموا ، كما كان يؤثر منه ما لاءم دعوته ، وأرضى مكارم الأخلاق . فقد أنشده النابغة الجعدي ( ) :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له   ولا خير في جهل إذا لم يكن له  
بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا     حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا   .

فأعجب الرسول بجودة شعره ،وقال له : " أجدت لا يفضض الله فاك ( ) " .
       وأنشده كعب بن زهير قصيدته المشهورة " بانت سعاد " فأعجب بها الرسول ، وبلغ من إعجابه بها أن صفح عن كعب ، وخلع عليه بردته .
       وقد أثر عن الرسول الكريم ما يُعبّر عن مفهومه للشعر ، فمن ذلك قوله : " إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن ،وما لم يوافق الحق فلا خير فيه ( ) ".
       كذلك أبدى الرسول الكريم رأيه فيمن هو أشعر شعراء الجاهلية والمشركين،  فقد روي عنه قوله في امرئ القيس " أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار( ) . وكان – عليه السلام – يعجب بقول عنترة :
       ولقد أبيت على الطوى وأظله             حتى أنال به كريم المأكل
ويقول : " ما وصف لي أعرابيّ قط فأحببت أن أراه إلا عنتره ( )" . ويسمع – عليه السلام – قول لبيد بن ربيعة ...
       ألا كل شيء ما خلا الله باطل            وكل نعيم لا محالة زائل
فيقول -عليه السلام- أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد...( ) وكان يستنشد أصحابه من شعر أمية بن أبي الصلت ، وكان يقول :
آمن قلبه وكفر لسانه ( )
وكان - عليه السلام - إذا استراث خبرا تمثل بعجُزِ بيت طرفه ( )
       ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا           ويأتيك بالأخبار من لم تزود
أما الخلفاء الراشدون ،وسائر الصحابة ، فقد كانوا يتناشدون الأشعار ويروونها ، ما دامت هذه الأشعار منسجمة مع قيم الدين الجديد . فسيدنا عمر بن الخطاب يحث المسلمين على تلقين أبنائهم أسير الأمثال وأحسن الشعر وأعفّه ( ) .
       وفي حياة عمر مواقف كثيرة تؤكد أن أقواله المأثورة عن الشعر كانت تنبع من قيمه الإنسانية ، ومعرفته بأثر الشعر في النفوس الكريمة .
       وكل أحكام عمر النقدية تشير إلى أنه كان يقدر الشعر ويقيسه بمقياس الرسول ، فقد كان يفضل الشعر الذي يجمع بين القيم الأخلاقية والمتعة الأدبية ( )
       وعندما اتجه المسلمون إلى تفسير القرآن الكريم شعروا بحاجتهم إلى الشعر  قال ابن عباس ( ) : إذا قرأتم شيئا من كتاب الله ، فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب ، فإن الشعر ديوان العرب " . وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعرا .
       ويدل الاستقراء التاريخي على أن " رواية الشعر الجاهلي كانت مستمرة في صـدر الإسـلام ، وقد أخذت تظهر عوامل جديدة تشد من أزرها وتقوي من شأنها ( )" .
       وظلت الجهود الروائية للشعر الجاهلي في العصر الأموي قوية لأسباب كثيرة ، منها :
- العصبية القبلية التي أججتها الخلافات السياسية ، وجعلت العرب فرقا وأحزابا ، وكان الشعر الوقود الجزل لهذه العصبيات ، فأخذوا يحنون إلى الشعر الجاهلي الذي يصور مناقبهم ومثالب خصومهم ( ) ، ويعودون إليه من وقت لآخر، لكي يجدوا فيه مثلَهُم العليا في الشجاعة والكرم ( ) .
       وكان هذا أكبر عون على حفظ الشعر الجاهلي ، فقد حملته القبائل طوال القرنين الأول والثاني ، حتى أوصلوه إلى العلماء الرواة الذين عنوا بتدوينه .
- اهتمام الخلفاء بالشعر واتخاذه وسيلة للتأديب :
       ذكر الأصمعي شغف الأمويين بالشعر ، فقال ( ) : كانوا ربما اختلفوا وهم بالشام في بيت من الشعر ، أو خبر ، أو يوم من ايام العرب فيبردون فيه بريدا إلى العراق .
       وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده ( ) :" روّهم بالشعر ، روّهم بالشعر يمجدوا وينجدوا " . وقال مرة أخرى لمؤدب اولاده ( ): " أدبْهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة . وقال أيضا ( ): إذا اردتم الشعر الجيد فعليكم بالزُّرق من بني قيس بن ثعلبة ( رهط الأعشى ) ، وبأصحاب النخل من يثرب ( الأوس والخزرج )  وأصحاب الشعف من هذيل .
- اهتمام الشعراء الأمويين بالشعر الجاهلي :
       لم يكن هناك شاعر ذو شأن إلا وروى شعر الجاهليين ، وأخذ عنهم " فقد كان أخذ الأمويين عن الجاهليين أمرا طبيعيا ، فهم يرون فيه نموذجا يحتذى ، وقد عجز شعراء الإسلام عن أن يبتدعوا لأنفسهم نوعا جديدا من الشعر ... بل عجزوا عن أن يتركوا في الشعر أثرا يذكر إذا ذكرت الآثار ، ولم يبق أمام الشعراء الأمويين سوى الشعر الجاهلي يمدون إليه أبصارهم ، ويسيرون على ضوئه وهداه( ) " .
       وقد صور الفرزدق مدى روايته ومعرفته للشعر الجاهلي ، فقال : ( )
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا  والفحل علقمة الذي كانت له                   وأخو بني قيس وَهُنّ قتلنه           والأعشيان كلاهما ومرقشً          وأخو بني أسد عبيد إذ مضى       وابنا ابي سلمى زهير وابنه         والجعفري وكان بشر قبله           ولقد ورثت لآل أوس منطقا         والحارثي أخو الحماس ورثته       .              وأبو يزيد وذو القروح وجرول  حلل الملوك كلامه لا ينحل      ومهلل الشعراء ذاك الأول       وأخو قضاعة قوله يتمثل        وأبو دؤاد قوله يتنخل            وابن الفريعة حين جد المقول    لي من قصائده الكتاب المجمل   كالسم خالط جانبيه الحنظل      صدعا كما صدع الصفاة المعول .
الرواة العلماء :
       ومنذ مطلع القرن الثاني الهجري نشأت طائفة جديدة من الرواة ، وهم الذين يطلق عليهم " الرواة العلماء " ، " وربما كان أول شيوخها الذين مهدوا الطريق ، فكانوا هم الرواد السابقين : أبو عمرو بن العلاء ( المتوفى سنة 154هـ ) وحماد الراوية ( المتوفى سنة 156هـ ) ( ). ولذا قال محمد بن سلام : " وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية ( ) " . وقد أخذ عن هذين العالمين – أبي عمرو وحماد – سائر من نعرف من شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر ، والمفضل ، والأصمعي ، وأبي عبيدة ، وأبي عمرو الشيباني ، وأخذ عن هؤلاء من تلاهم : كابن الأعرابي ، ومحمد بن حبيب ، وأبي حاتم السجستاني ، ثم أخذ عن هؤلاء : السكري وثعلب وأضرابهما ( ) .
       وأخذ بعض هؤلاء العلماء يسيحون في أحياء البادية ، والأمصار ، يروون الشعر ، ويروّونه الناس ، ويتخذون من هذا صناعة مثل : حماد ، وتلميذه خلف الأحمر ، والمفضل الضبي ، وأبي عمر الشيباني ، وأبي عبيدة معمر بن المثنى ، وغيرهم .
       وبعضهم أخذ عن الأعراب الذين كانوا يفدون إلى الأمصار ، يعرضون بضاعتهم الشعرية على هؤلاء العلماء . حيث كان الشعر – حينئذ – تجارة رابحة في الحواضر ، كما روى بعضهم عن بعض . ومنهم من جمع بين ذلك كله ، واختلفت مناهجهم في الأخذ والرواية ، لأسباب واعتبارات ليس هنا مجال تفصيلها( ) .
الدوافع التي دفعت هؤلاء العلماء إلى جمع الشعر :
1- الحفاظ على القرآن الكريم ومعرفة تفسيره ، فمنذ ابن عباس كان المفسرون يستعينون بالشعر على معرفة ألفاظ القرآن الكريم ، فكان ابن عباس يوصي الناس أن يلتمسوا تفسير القرآن في أشعار العرب ، فقال ( ) : " إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه ، فاطلبوه في أشعار العرب ، فإن الشعر ديوان العرب " .
2- انبرت جماعة أخرى تجمع الشعر وتدرسه ،لتستنبط منه قواعد اللغة ، حفاظا منها على لغة القرآن الكريم وضبط حركاته . ووجد هؤلاء جميعا في الشعر الجاهلي مادتهم .
3- قد يكون الأدب نفسه أغراهم بجمع الشعر ، وربما خافوا عليه من الضياع ، لكثرة الموالي ، وتفشي الانتحال ، وقد كان المؤدبون في حاجة إليه لمحاضراتهم ، وهذه المجموعات الشعرية " كلها لم تكن في الواقع إلا المدرسة الكبرى التي تخرج فيها الشعراء المحدثون في الشعر العباسي ( )  ".
قوة الحوافظ العربية :
       اعتمد جل هؤلاء العلماء على الذاكرة والحفظ ، فكانوا ينشدون الأشعار ، أو يُمْلونها دون الرجوع إلى مصدر مكتوب ، وإنك لتجد لهم في مختلف كتب اللغة والأدب والتراجم نوادر بولغ فيها كثيرا ، منها قولهم : إن الأصمعي كان يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة ( ) ، وأن الفرّاء أملى كتبه كلها حفظا ( ) .
       ويروى أن الوليد بن يزيد سأل حمادا الراوية : بم استحققت هذا اللقب ، فقيل لك الراوية ؟ قال : " بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ، ولم تسمع به ، ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم منه من المحدث . فقال الوليد : إن هذا العلم وأبيك كثير ، فكم مقدار ما تحفظ من الشعر ؟ قال كثيرا ، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مئة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام ، قال : سأمتحنك في هذا ، وأمره بالإنشاد ، فأنشد الوليد حتى ضجر  ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ، ويستوفي عليه ، فأنشده ألفين وتسعمئة قصيدة للجاهليين ، وأخبر الوليد بذلك ، فأمر له بمئة ألف درهم ( ) " .
وفي العصر العباسي كون هؤلاء الرواة مدرستين : مدرسة البصرة ، ومدرسة الكوفة . وكان لكل مدرسة منهجها في الرواية ، فكان الكوفيون أقل تشددا من البصريين . وتراشق علماء هاتين المدرستين الاتهامات ، فكل منهما شكك في رواية الآخر ،وندد به .
       وإذا كان حماد الراوية ، رأس مدرسة الكوفة ، قد اتهمه البصريون بالكذب والتزوير ، وإذا كان خلف الأحمر ، أحد أقطاب مدرسة البصرة قد اتهم بما اتهم به حماد ( ) ، فإن بين رواة هاتين المدرستين مَنْ كان موثقا أمينا في روايته ، يحيطها بسياج من الدقة .
       ويكفي أن يكون أبو عمرو بن العلاء يقف على رأس مدرسة البصرة ، فقد عرف بصدقه وأمانته ، فهو أحد القراء السبعة الذين أخذت عنهم تلاوة القرآن الكريم ، وقد شهد له بالصلاح والتقوى ، وتنسك في أخريات أيامه ، فأحرق ما كان لديه من كتب كتبها عن العرب الفصحاء ، ويقال : إنها كانت كثيرة ، بحيث ملأت بيتا له إلى قريب من السقف ( ) . ومن رواة البصرة الثّقات الأصمعي ، فقد شهد له معاصروه بسعة علمه بشعر الجاهلية ، وأخبارها وأيامها ، كما شهدوا له بالدقة والصدق والأمانة . ومثل الأصمعي في علمه وصدقه أبو زيد الأنصاري ، وقد عاصره عالم آخر هو أبو عبيدة معمر بن المثنى .
       وفي الكوفة الكثير من الرواة الثقات الذين حفظوا الشعر ونقلوه بأمانه ، ويكفي أن يكون المفضل الضبي على رأسهم ، فقد أجمع البصريون والكوفيون على توثيقه ، وشهدوا له بالعلم والأمانة وسعة المعرفة بأشعار الجاهلية .
       ومن الرواة الكوفيين الذين خلفوا المفضل الضبي ، وساروا على نهجه أبو عمرو الشيباني ( ت 213هـ ) وابن الأعرابي ( ت 231هـ ) ، ومحمد بن حبيب ( ت 245هـ ) وابن السِكّيت ( ت 244هـ ) وثعلب ( ت 291هـ ) . وكلهم كان صادقا أمينا ثقة .
       وجمع هؤلاء الرواةُ ما استطاعوا جمعه من الشعر : عني بعضهم بجمع غريبه ، كما عني بعضهم بجمع أراجيزه ، وبعضهم جمع ديوان شاعر بعينه ، أو شعر قبيلة من القبائل .
       ولم تتجه عناية هؤلاء العلماء الرواة إلى شرح هذه الدواوين ، أو نقد ما فيها من الأشعار ، بقدر ما كان يهمهم جمعه والإكثار من روايته ، فقد روى حماد المعلقات دون تفسير ، وجمع الأصمعي الأصمعيات دون تفسير كذلك ، وكذا فعل المفضل في المفضليات ( ) .
مصادر الشعر الجاهلي
       تبنى العلماء في روايتهم للشعر العربي القديم مناهج سليمة تحرص على تسلسل الرواية وصحة الإسناد ، وقد بلغت هذه المناهج العلمية درجة النضج والاستواء في العصر العباسي وخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، فظهر تدوين أشعار القبائل ، وصناعة دواوين الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين ، وتصنيف المجموعات الشعرية المختارة ، أو الاختيارات الشعرية التي اهتم بها النقاد واللغويون والنحاة ، لأنها تضم أكثر من عصر شعري واحد ، ولأنها قائمة على مبدأ الانتقاء والجودة والذوق في حسن الاختيار ، وتبويبه فضلا عن قيمتها العلمية والتأريخية . وهذه المجموعات " كلها في الواقع لم تكن إلا المدرسة الكبرى التي تخرج فيها الشعراء المحدثون في العصر العباسي ( ) ".
       إن الاختيارات الشعرية ، أو مجموعات الشعر المختار ، كحماسة أبي تمام والمفضليات تنطوي على بعض الخصائص والسمات النقدية العامة بصورة غير مباشرة " لأنها تقوم في الأصل على تحكيم الذوق في العناصر الفنية التي تسري في داخل قصائدها . إذ ليس مدار الأمر فيها على التتبع والتقصي والاكتفاء بالرصد والتسجيل ، بل على اصطفاء الأجمل ، وانتقاء الأفضل ،واختيار الأمثل ، وهذا منطلق النقد وأساس الحكم الأدبي ( ) " .




ويقف على رأس كتب الاختيارات الشعرية :
1-    المعلقــات :
       ونفينا قصة تعليقها ، فيما مضى ( ) ، ولعلها سميت بهذا الاسم لنفاستها أخذا من كلمة العلق بمعنى النفيس . ويقال : إن أول من رواها مجموعة في ديوان خاص بها حماد الراوية ، وهي عنده سبع : لامرئ القيس ، وزهير ، وطرفة ، ولبيد ، وعمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلزة ، وعنترة . ونراها عند أبي زيد القرشي سبعا أيضا، بيد أنه أسقط اثنين من رواية حماد هما : الحارث بن حلزة ، وعنترة ، وأثبت مكانهما الأعشى والنابغة .
       وعرفت هذه القصائد بتسميات مختلفة ، منها : السبع الطوال ، والسبعيات، والمشهورات ، والمذْهَبات ، والمذهّبات ، والسموط ( ) .
       وتعد هذه القصائد على اختلاف تسمياتها من روائع الشعر العربي القديم ، إن لم تكن أروعه . ويبدو أن حمادا قد راعى في اختيارها مجموع قضايا وأمور مهمة ، منها :
جودتها الشعرية : التي تمثل البناء الفني العام للقصيدة العربية القديمة ، وانتماءاتها القبلية ، فهي ليست لشعراء ينتمون إلى قبيلة واحدة ، بل إلى مجموعة قبائل عربية، فامرؤ القيس من كندة ، وزهير من مزينة ، ولبيد من بني عامر ، وطرفة من بكر، وعنترة من بني عبس ، عمرو بن كلثوم من تغلب ، والحارث بن حلزة من بني يشكر ، وقد أضاف إليهما ابن النحاس قصيدتين ، واحدة للنابغة من بني ذبيان ، والأخرى للأعشى الكبير من بني بكر بن وائل ، وزاد التبريزي قصيدة عاشرة لـِ عبيد بن الأبرص من بني أسد . لذلك أقبل على شرحها غير واحد من علماء اللغة والنحو والأدب ، لأنها حققت ما يشبه التآلف القبلي الذي جعلها شائعة أكثر من غيرها في حلقات الدرس والمناظرات ، والتذوق الشعري ، بوصفها مثالا رائعا لأصالة الشعر العربي القديم ،تمثل نقاء اللغة العربية وصفاءها قبل أن يتسرب إليها اللحن ، فضلا عن أنها تمثل سبع ، أو تسع ، أو عشر شخصيات أسلوبية ، فلكل قصيدة أسلوبها الذي تنفرد به من حيث الدلالة ، والتعبير ، والمضمون ، والصور الشعرية ، وإذا شئنا من حيث فضاؤها الشعري ( ) ومناخها الفني ، مع أنها تشترك في الأغلب بخصائص موسيقية شعرية عامة ، تتجلى بنضج نظامها العروضي المتقن ، الملتزم بالقافية الموحدة والوزن الواحد .
المفضليّــات :
       نسبت هذه المجموعة الشعرية إلى جامعها المفضل الضبي ( ت 164هـ)، راوي الكوفة الثقة . وهي أقدم اختيار شعري لمجموعة قصائد مختلفة في أطوالها  من عيون الشعر العربي الجاهلي بالدرجة الأولى ، ثم المخضرم فالإسلامي .
       يتراوح عددها بين ست وعشرين ومئة ، أو ثمان وعشرين ومئة ، أو ثلاثين ومئة قصيدة ( ) ، لسبعة وستين شاعرا ، منهم سبعة وأربعون جاهليا ، وأربعة عشر شاعرا مخضرما ، وستة شعراء من الإسلاميين .
       تمتاز المفضليات بأن قصائدها قد أثبتت كاملة ، لم يجتزئ منها جامعها أي شيء ، بل أثبتها كما هي حسب ورودها مسندة وموثقة معتمدا في اختيارها على ذوقه الأدبي ، وحرصه الشديد على الاحتفاظ بهذا التراث الشعري العريق من التشتت والضياع .
       ولو لم يصلنا من الشعر الجاهلي سوى هذه المجموعة الموثقة لأمكن وصف تقاليده وصفا دقيقا ، فقد مثلت جوانب الحياة الجاهلية ، ودارت مع الأيام والأحداث وعلاقات القبائل بعضها ببعض ، وبملوك الحيرة والغساسنة ، وانطبعت في كثير منها البيئة الجغرافية ( ).
الأصمعيّـات :
       سميت باسم الذي اختارها وجمعها ، وهو الأصمعي ، الأديب الراوية المشهور . وتشمل على اثنتين وتسعين قصيدة ومقطوعة ، لواحد وسبعين شاعرا ، منهم أربعة وأربعون شاعرا جاهليا ، وأربعة عشر شاعرا مخضرما ، وستة شعراء إسلاميين ، وسبعة شعراء مجهولين .
       ويبدو أن الأصمعي حاول ألا يكون نسخة ثانية من المفضل الضبي ، الذي جمع المفضليات ، أو كان يرويها إلى طلابه ، ولا نسخة مكررة لحماد الراوية الذي وقع اختياره على القصائد الطوال المشهورة التي يجمعها بناء فني موحد ، وذوق عام ساد عصر الرواية ، بل حاول أن يخالف هذين الراويتين ، فاختار قصائده ، أو مقطوعاته لشعراء أغلبهم من المغمورين المقلّين ، الذين لم تعرف لأكثرهم دواوين . وفي الأصمعيات أكثر من ثلاثين مقطوعة لا تتجاوز أبياتها العشرة ، وإن ثلاث عشرة قطعة منها تتراوح أبيات كل منها بين أحد عشر بيتا إلى عشرين بيتا . ولعل هذه الظواهر قد جعلتها دون المفضليات شهرة .
جمهرة أشعار العرب :
       تنسب لأبي زيد بن أبي الخطاب القرشي ، الذي اختلفت المصادر والدراسات في تثبيت سنة وفاته ،وتتراوح بين سنة 170هـ ، أو أنه عاش في النصف الثاني من القرن الثالث وشهد طرفا من القرن الرابع ، أو أنه عاش حتى مطلع القرن الخامس ( 401هـ ) ، بدليل ما ورد في جمهرته من أعلام الرواة والعلماء من أمثال المفضل الضبي ، والأصمعي ، وابي عبيدة ، وابن الأعرابي ، والجوهري ، والفارابي .
       والجمهرة اختيارات شعرية لقصائد جاهلية ، ومخضرمة ، وإسلامية ، وأموية في سبعة أقسام : في كل قسم سبع قصائد لسبعة شعراء ، أي هي تسع وأربعون قصيدة ،لتسعة وأربعين شاعرا ، وهي : المعلقات ، والمجمهرات (القصائد المتينة السبك) ، والمنتقيات ، والمذهبات (أي القصائد التي تمتاز بجودتها الفنية ) ، والمراثي ، والمشوبات (أي القصائد التي شابها الكفر والإسلام، وإن شعراءها من المخضرمين ) ، والمُلْحمات ( القصائد المتلاحمة الأجزاء ) .
       وتكشف الجمهرة عن ظهور مسميات جديدة للقصيدة العربية القديمة ، كالمجمهرات ، والمنتقيات ، والمذهبات ، والمشوبات ،والملحمات ، تضاف إلى تسميات أخر أشار الجاحظ إليها كالمنصفات (وهي القصائد التي انصف قائلوها فيها أعداءهم) ، والحوليات ، والموثبات (وهي القصائد التي تدعو إلى استنهاض الهمم ، وإثارة النفوس انتصارا لحق مغتصب ، أو شرف مهان ، أو كرامة مهدورة) .
دواوين الحماسة :
       وإذا كانت المعلقات ، والمفضليات ، والأصمعيات ، وجمهرة أشعار العرب هي كتب اختيارات لقصائد طويلة ومتوسطة وقصيرة قائمة على أساس الذوق الأدبي ، والجزالة اللغوية ، والحرص على جمع التراث الشعري العربي ، الجاهلي، فالإسلامي ، فالأموي ، لتدوين اللغة والاستشهاد به على مسائل النحو ، فإن ظهور حماسة أبي تمام الكبرى والصغرى (الوحشيات) قد ارست منهجا جديدا للاختبار يعتمد على تبويب المعاني والأغراض أو الموضوعات الشعرية التي تمثلها المقطوعات ، لشعراء معروفين ومغمورين أو مقلين ، وبذلك عدّها نقاد ذلك العصر أنقى اختيار للمقطوعات .
       وقد تبنى أبو تمام في حماستيه : الكبرى والصغرى معيارين نقديين ، هما:
1- الجودة الفنية : كان أبو تمام في اختياراته الشعرية ناقدا منصفا ، استطاع أن يؤكد على مبدأ الجودة الفنية والذوق الشعري الصافي معيارا نقديا في الاختيار. فهو شاعر فنان ، قبل أن يكون لغويا أو نحويا ، أو راوية ، فلا غرابة إذا قيل : إن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره .
       ولم يقصر ابو تمام الجودة ، بوصفها معيارا للاختيار ، على عصر شعري دون آخر ، بل جعلها مقياسا تتساوى فيه العصور الشعرية العربية كلها .
2- التصنيف الوضوعي : ويعد أبو تمام رائدا في هذا الاتجاه القائم على المعاني والأغراض الشعرية . فقد قسّم حماسته الكبرى على عشرة أبواب ، هي :
باب الحماسة ، وباب المراثي ، وباب الأدب ، وباب النسيب ، وباب الهجاء ، وباب الأضياف والمديح ، وباب الصفات ، وباب السير والنعاس ، وباب الملح ، وباب مذمة النساء .
       التزم أبو تمام بهذا التصنيف الوضوعي في تبويب " الحماسة الصغرى " أو " الوحشيات " وهي أمثلة من شوارد الشعر وأوابده ، امتازت بكونها أكثر غرابة .
وأصعب فهما من النماذج الشعرية التي وردت في الحماسة الكبرى .
       فالوحشيات مبوبة على عشرة أبواب أو أغراض شعرية لا تختلف في تسلسلها عن أبواب الحماسة الكبرى إلا في الباب الثامن الذي سماه باب المشيب بدلا من باب السير والنعاس .
       تبوأ باب الحماسة في هذين الكتابين الصدارة من حيث عدد الحماسيات أو المقطوعات ، أو عدد الأبيات بالمقارنة إلى بقية الأبواب ومن هنا جاءت تسمية هذه الاختيارات بالحماسة .
أثر الحماسة الكبرى :
وقد مهدت حماسة أبي تمام السبيل إلى ظهور اختيارات شعرية ، أو حماسات أخرى ، بعدها ، كحماسة البحتري (ت 284هـ) وحماسة الخالديين    (وتعرف بالأشباه والنظائر) والحماسة الشجرية لابن الشجري (ت 542هـ) ، والحماسة البصرية لعلي بن أبي الفرج (ت 659هـ) ، والحماسة المغربية ليوسف محمد البياسي (ت 646هـ) .
       وتعد دواوين الحماسة مصدرا ثّرا من مصادر الشعر الجاهلي ، فقد جمعت مقدارا ضخما من القصائد الجاهلية والمقطوعات ، وحفظت لنا أسماء كثير من الشعراء لولاها لسقطوا من ذاكرة الزمان .


 مواضيع ذات صلة
الأدب العربي في العصر الأموي
الشعر العربي في عصر صدر الإسلام
الجهود الروائية الشعر في صدر الإسلام والعصر الأموي :
الشعر في العصر الاموي
الادب في العصر الاموي
خصائص الشعر في العصر الاموي
اهم شعراء العصر الاموي
اغراض الشعر في العصر الاموي
العصر العباسي
الحياة السياسية في العصر الأموي
الأدب في العصر الأموي