شعر الصعاليك في العصر الجاهلي

الصّعلكـــة
مفهومها:
تدور كلمة "الصعلكة" في دائرتين( ) :  دائرة لغوية، ودائرة اجتماعية. وتبدأ الدائرتان من نقطة واحدة وهي الفقر. فأما الدائرة اللغوية فتنتهي حيث بدأت، ويبدأ الصعلوك فيها فقيراً، ويظلّ في نطاقها فقيراً، يخدم الأغنياء، أو يستجديهم فضل مالهم، ثم يموت فقيراً.
فالصعلوك في الدائرة اللغوية، هو الفقير، الذي لا مال له( )، وقد تصعلك الرجل، إذا كان كذلك، كما يقول حاتم الطائي( ):
عُنينا زماناً بالتصعلك والغنى             فكلاّ سقانا بكأسيهما الدهر
أما الدائرة الاجتماعية فتّتسع، وتبعد عن نقطة البدء ..... يبدأ الصعلوك فيها فقيراً، ثم يحاول أن يتغلب على الفقر، الذي فرضته عليه أوضاع اجتماعية، أو ظروف اقتصادية، وأن يخرج من نطاقه ليتساوى مع أفراد مجتمعه. ولكنه من أجل هذه الغاية- لا يسلك السبيل التعاوني، وإنّما يدفعه " لا توافقه الاجتماعي" إلى سلوك سبيل الصّراع، فيتخذ من "الغزو، والإغارة، والسّلب، والنهب" وسيلة يشقّ بها طريقه في الحياة، فيصطدم بمجتمعه، وتتقطع الصّلة بين المجتمع والصعلوك. فيتخلى مجتمعه عنه، ويُسقط عنه جنسيته القبلية، ويعيش الصعلوك خليعاً مشرداً، أو طريداً متمرداً، حتى يلقى مصرعه. فأما أعداؤه فقد استراحوا من هذا الفزع الذي كانوا يترقبونه في كل حين، كما يترقب غائباً أهلُه، وقد أشار عروة بن الورد إلى ذلك، في قوله( ):

إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه         تشوّف أهل الغائِب المنتظّـر( )
فذلك إن يلق المنيّة يلْقهـا         حميداً وان يستغن يوماً فأجبرِ
والصعلوك الذي يمثل هذه الدائرة هو الصعلوك العامل الذي يمدحه الشعراء، كما سنوضح.
فئات الصعاليك وأسباب تصعلكهم : 
وكان الصعاليك ثلاث طوائف:
طائفة الخلعاء والشذاذ: كانت القبائل تخلع بعضاً من أفرادها، إذا وجدت أنهم غير جديرين بالانتساب إليها، ولم تسلك القبائل هذا السلوك إلاّ إذا اضطرت إليه اضطراراً( )، ورأت أنّها لم تعُدْ قادرة على تحمّل المسؤولية تجاه الفرد الخليع، وخاصة إذا كانت جرائره كبيرة، وتخشى أن تخوض بسببها معارك مع قبائل أخرى، لا طاقة لها بها، ويمثل هذه الفئة حاجز الأزدي، وقيس بن الحداديّة، وأبو الطمّحان القيني. ومعظم أولئك الخلعاء اتخذوا من الصعلكة نهجاً لهم، فالتقوا بذلك مع طائفة "الأغربة السّود"( )، وهم أولئك الذين ترفعت القبائل عن إلحاقهم بنسبها، من جرّاء شائبة تعتري أصولهم، أوبسبب السواد سرى إليهم من أمّهاتهم، اللّواتي غالباً ما كُنّ من الإماء الحبشيّات، ويمثل هذه الطائفة الشّنفرى الأزدي، وتأبّط شراً، والسّليك بن السلكة( ). أما الطائفة الثالثة فهي "طائفة الفقراء" الذين احترفوا الصعلكة نتيجة لعدم توازن الثروات في ذلك المجتمع، ممّا أدّى إلى وجود أغنياء مترفين وفقراء معدمين، ويمثل هذه الفئة عروة بن الورد، وصعاليك هذيل، وصعاليك فهم( ).
       لقد انتهت الأوضاع الاجتماعية والفروق الواسعة بين الطبقات في الجزيرة العربية قبل الإسلام إلى ثورة الطبقة الدنيا، وكانت هذه الثورة استجابة لإحساس طبيعي، واضح السّمات، واضح المطالب، على أن هذه الثورة، على الرغم مما صادفت في أول أمرها من نجاح ارتكست شيئا، بعد أن ملّ الناس طول الصراع في سبيل تقرير الأوضاع الجديدة التي تمخّضت عنها، ولكن بقيت طائفة تنصب نفسها حربا على الفروق الاجتماعية الواسعة، وكانوا في ذلك يعملون فرادى بعد أن كفّت الجماعات عن مُظاهرتهم باليد، وإن ظلّوا يحوطونهم بالاعجاب.
ومن أجل ذلك كله عاشت هذه الطائفة في صراع لا ينقطع مع الجماعة الكبرى التي يعيشون بين ظهرانيهم، ولكنهم مع ذلك كانوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أبطالاً.
أدب الصعاليك:
       وأول ما يطالعنا من أدب الصعاليك موضوعيته الإنسانية، فقد كان أدبهم صورة قوية معبرة عن المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، والذي كانت طبقاته تتفاوت تفاوتاً بيّناً، فكان شعرهم سلاحاً من أسلحة الصراع الطبقي، الذي كان يدور في تلك البيئة، وتنفعل به نفوسهم التي تقطر مرارة وأسى على واقعها الأليم الذي تعيش فيه.
لقد كان الصعاليك فقراء، ولكنهم لم يكونوا عاجزين عن إدراك الغنى بالوسائل المشروعة، بيد أنّ مجتمعهم كان ظالماً لهم، فلم يهيّئ لهم سبل العيش الكريم، فشعروا بذلة الفقر شعوراً حاداً، ونقموا على المجتمع الظالم، وكانت ثورتهم اجتماعية، ينشدون من ورائها عدالة المجتمع في النظر إليهم كطائفة من الآدميين لها حقوقها الإنسانية. ولعل السبب في ذلك أن غالبية الصعاليك كانوا من العبيد، أو من أولاد الإماء الحبشيات السود خاصة، مثل السليك بن السلكة، وتأبط شرّاً، وغيرهما من الذين قسا عليهم مجتمعهم، فنبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم .... وقد كان اللون الأسود عنصراً موجوداً في بعضهم، ليذكر أًصحابه بعبوديتهم، فيجتمع الإحساس الحاد بذلّ الرق الى الشعور العنيف بالفقر، ويشتد الإغراق في تصور ظلم المجتمع لهذه الطائفة .... فقد نشأ الشنفرى الأزدي مثلاً في بني سلامان بن مفرج حتى صار واحداً منهم، بل اتخذه أحد رجال القبيلة ابناً له، وفي يوم من الأيام، قال الشنفرى لابنة هذا الرجل، التي تولد الاحساس في نفسه بأنها أخت له " اغسلي رأسي يا أخَيّة" فثارت فيها عصبية الدم، وأنكرت عليه أن يكون أخاً لها، فلطمته على وجهه، وكانت هذه اللطمة بمثابة الارتداد العنيف للماضي بكل أوضاره، بل انها جعلته يصحو من غفوة لذيذة ، ليشعر فجأة بذلّ مولده، وهوان وضعه الاجتماعي. بل حاول أن يردّ لنفسه بعض اعتبارها بمحاولة إقناعها بأنه لا يقل عن تلك الفتاة سمّوا في النسب من ناحية أبيه، أو من ناحية أمّه. ونلاحظ أنه يطلق على أمه اسم "ابنة الأحرار" مع العلم بأنها أَمَة، فيقول( ):
ألا ليت شعري والتلّهـف ضلّـة   بما  ضربت  كفّ الفتاة هجينها
ولو علمت قعسوس أنساب والدي   ووالدها  ظلت  تقاصر دونهـا
أنا ابن خيار الحجر بيتا  ومنصبا   وأمّي ابنة الأحرار لو تعرفينها
وأبيات الشنفرى تلك هي مجرد محاولة لإقناع النفس بسموّ المنبت على الرغم من هوان المنزلة الاجتماعية.
ولعلّ السُّليك بن السُّلكة قد عبّر لنا عن تلك الحالة حين صوّر موقف فتاة كانت قد أعرضت عنه لما رأت من سواد بشرته، ولما علمت من ضآلة نسبه، وتخلّي قومه عنه، وَرَنَتْ ببصرها إلى فتيان يزهون بجمالهم ونسبهم العريق، وتناست ما له من قوة وشجاعة تفوقان ما عند الآخرين، فيقول( ):
ألا عتبتْ عليّ فصارمتني          وأعجبها  ذوو  اللّمم  الطّوالِ
فاني يا ابنة الأقوام  أُربي          على فعل الوضيّ  من الرّجالِ
فلا تصلي بصعلوك  نؤوم         إذا أمسى يُعـدّ  مـع العيـالِ
ولكنْ كلُّ صعلوكٍ ضَروب        بنصل السيف هامات الرّجـالِ
       وتتردد في أشعار الصعاليك صيحات الفقر والجوع والحرمان، وتحسّ في اعترافهم بذلك تعليلاً لثورتهم العنيفة على مجتمعهم الظالم، الذي أهزلهم وأهزل غيرهم، يقول عروة( ):    
وإني امرؤ  عافى إنائي شركة            وأنت  امرؤ  عافى   إنائك  واحد
أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى            بجسمي شحوبَ الحقّ والحقّ جاهد
أفرّق جسمي  في جسومِ كثيرة            وأحسو  قراح  الماء  والماء  بارد
       فهذا القول يمثل عرضاً أوليّا تلقائيا لمشكلة تعدّ من أعظم المشكلات التي تواجه الصعلوك، ومن أكبر الحواجز التي تعيق تقدّم المجتمع، فضلاً عن تعذر الاتّساق والاندماج في كيانه.
فمشكلة الغذاء كانت من أبرز ما يحرّك هذه الشّريحة من الشعراء الفرسان للتطلّع الى تجاوز هذا الواقع بخطوات متواصلة نحو نموذج آخر يطمحون إليه.
ويعبّر عن هذا التجاوز لذلك المحدود، والاستطالة على واقع اختلّت فيه الحياة الاقتصادية تأبّط شرّا، في أسلوب حواري بينه وبين امرأة خطبها، ولكنها وقعت تحت تأثير قوم أقنعوها بالعدول عنه، ويبرر الشاعر القيم الحقيقية التي ينبغي أن تؤلف بين قلوب بني البشر، وفي هذا الشعر صورة الانسان الذي يريده الشاعر( ):
وقالوا : لها  لا  تنكحيه  فانـّه           لأوّل  نصْل  أن  يلاقي  مجمعـا
فلم تَرَ من رأي فتيلاً وحاذرت            تأيّمها  من  لابس  الليل  أروعـا
قليلِ  غرار  النوم  أكبرُ  همه            دمُ  الثأر  أو  يلقى  كمينا  مقنعـا
قليل  ادخار  الزّاد  الاّ  تعلّـةً            وقد نشز الشْرسوف والتصق المِعا
       ولا يشكّ أحد فيما يفعله هذا الموقف من الأثر العميق في النفس البشرية. فإذا ما أحسّ الفقير بوصمة العار من لدن مجتمعه، فانه يتحول إلى حركة فاعلة ضد واقعه، وخاصّة حين تتخذ المرأةُ الجوعَ مقياساً لشخصيته وفاعليته الزوجية بصورة سلبية. وليس غريباً أن يتخذها الفقير نفسه أداة لتدمير كل الجسور الاجتماعية بينه وبين قومه.
وقد وضعت هذه المشكلة الانسان الصعلوك في حياة ايقاعية أخرى تمثل بعداً وجدانياً آخر في مواجهة هذا الواقع لم تلبث أن تحوّلت إلى طاقة جديدة محركة لوجود إنساني جديد .... فالشنفرى الأزدي ينقل إلينا صورة حيّة تجسّد النزوع إلى البرّ في جوّ عجيب من الفروسية الأصيلة تحت جناح الرحمة، بصورة عضوية تصدر عن نقاء موصول بتعشّق الانسان المثال، يقول( ):
وأمّ  عيال  قد  شهدت   تقوتهـم  إذا  أطعمتهم  أَوْ تَحتْ وتقلّت
تخافُ علينا العَيْلَ إن هي أكثرت          ونحن  جياعُ  أيّ  آلٍ  تألّـت
وما  ان بها ضِن بما في  وعائها  ولكنّها  من  خيفة الجوع أبقت
مصعلكةٌ  لا  يقصر السّتر دونها          ولا  ترتجى  للبيت ان لم تبيّت
لها وفضة فيها ثلاثون  سيحفـا          اذا آنستْ أولى العديّ اقشعرّت
ويذكر الأعلم الهذلي أهله الذين تركهم جياعاً، وأولاده الصغار الشعث الذين يتربصون ناظرين لأقاربهم عسى أن يطرحوا لهم شيئاً من الطعام، يقول( ):
وذكرتُ أهلي بالعرا               ءِ وحاجةَ الشُّعث التّوالبْ
المُصْرِمينَ مِنَ التّلا               دِ  اللاّمحين إلى الأقاربْ
ويشكو السّليك بن السلكة ما فعل به الجوع في أشهر الصيف القائظة، حتى كان يصيبه بالدّوار والإغماء، ويكاد يورده حتفه، فيقول( ):
وما نلتُها حتى تصعلكتًُ حقبةً             وكدتُ لأسباب المنية أَعرفُ
وحتى رأيتُ الجوعَ بالصّيف ضرّني      إذا قمتُ تغشاني ظِلالٌ فأسُدِفُ
أما تأبط شرّاً فقد أصابه     الجوع بالهزال، فالتصقت أمعاؤه، وبرزت أضلاعه، فيقول( ):
قليلُ ادّخارِ الزّادِ إلاّ تعلّةً           وقد نَشَزَ الشَّرسوفُ والتصق المعا
ويصور، أيضاً، في محادثة بينه وبين ذئب فقره، وهو مثل ذلك الذئب لا يملك شيئاً، وانما يعتمد في معيشته كما يعتمد الذئب كلّما أحسّ بالجوع، بل يشك في أن الذئب بلغ من الفقر ما بلغه هو، فيقول( ):
وقَرْبةِ  أٌقوامٍ  جعلتُ عصامها            على  كاهلٍ  منّي  ذلولٍ  مرحّل
ووادٍ كجوف العيْر قفر قطعتُه             به  الذئب  يعوي  كالخليع المعيّل
فقلت  له  لمّا  عوى انّ شأننا            قليل  الغنى  ان  كنت  لمّا  تموّل
كلانا  إذا  ما  نال  شيئاً أقامه            ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ
وأما الشنفرى فيحدثنا عمّا يملك في دنياه البائسة، فلا نجد له غير بقية نعلين وثوب ممزق، يقول( ):
وليس جَهازي غيرُ نعلَيْن أُسحقتْ   صدورُهما مخصورةً لا تُخَصّفُ
وَضنيّةٍ  جرْدٍ  وأَحْلاقِ  رَيْطــةٍ إذا أنهجت مـن جانب لا تكفَّفُ
ويقول عمرو بن براقة( ): إن سيفه معظم ماله:
وكيف ينام الليلَ من جُلُّ ماله             حسامٌ كلون الملح أبيضُ صارمُ
ويصرخ عروة بأن سلاحه كل ما يملك، فيقول( ):
ومالي مالٌ غير درعٍ ومغفرٍ       وأبيضَ من ماءِ الحديدِ صقيلِ
ومع هذه الواقعية في أدب الصعاليك حين يعترفون بفقرهم وجوعهم، تحسّ أنّهم قد بلغوا درجة عالية من عزّة النفس وقوتها، وأنهم لفرط صحبتهم للفقر قد تدربوا على قهر أنفسهم وضبطها، وحرّموا عليها التهالك على الطعام والملذات، حتى لا يصبح نيْلُ الزاد عندهم مثلاً أعلى ينسوْن في سبيله كرامتهم. ويقدم أبو خراش صورة نبيلة لذلك الجوع، الذي يطيل حَبسه على يملّه، فيمضي عنه دون أن يلحقه منه عار، وهو يكتفي بالماء القراح في حين يستمتع البخلاء الأشحاء بزادهم، فإذا ما تلظى الجوع في بطنه فإنه يرده ويغلبه على أمره، وهو يؤثر عياله على نفسه بالطعام، وهو يفعل ذلك كلّه حتى يعيش حياةٍ كريمة لا تسقط الى مهاوي المذلة والهوان والعار حيث يكون الموت خيراً من الحياة. يقول( ):
واني لأثوي الجوع حتّى يملّني            فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي
وأغتبق  الماء  القَراحَ  فأكتفي            إذا  الزّاد  أمسى  للمزلج ذا طعم
مخافة  أن  أحيا  برغم   وذلة           وللموت خير من  حياة على رغم
والشنفري يرسم لنا صورة أخرى لهذا التعفّف الذي تتّسم به حياة الصعاليك الواقعية، والذي يقهرون به أنفسهم برغم فقرها وجوعها، ليثبتوا لأنفسهم حيث يظَنّ بها الضعف، وليثبتوا أن الفقير اذا تعفّف كان أقوى وأكرم من الغني الجشع المتهالك على الماديات من الأمور، يقول الشنفرى( ):
إذا  مدّت  الأيدي  إلى  الزادِ لم أكن      بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلُ


ومـا  ذاك  إلاّ  بسطة  عن  تفضّـل           عليهـم وكان الأفضل المتفضلُ
وأستـفّ ترب الأرض كي لا يرى له           عليّ مـن الفضل امرؤ متفضلُ
ولولا اتّقاء الـذم لـم يُلْـفَ مشـربٌ           يعاش بـه الاّ لـديّ ومـأكـلُ
ولكـن نفسـاً حـرّة لا تـقيـم بـي           على الخسف الاّ ريثما أتحـوّلُ
وفي الأرض منأى  للكريم  عن  الأذى          وفيها لمن خاف القلى  متعـزّلُ
       والصّعاليك يتحدثون في وضوح عن طبقة الموسرين الذين يوجهون اليهم الطعنات، فهناك ثلاث طوائف يوضح تأبط شرا أنه كان يقصدها باغاراته: أصحاب المواشي، وأصحاب المزارع الخصبة، وأصحاب النوق الحوامل، يقول( ):
فيوماً على أهل المواشي وتارة            لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل
       وكان الصعاليك يعبرون عن سوء توزيع الثروة في مجتمعهم ببخل الأغنياء وعقوقهم للفقراء، وكان مقياس الغنى في هذا المجتمع كثرة الابل، ولهذا نجد الأحيمر السعدي يصف فقره وتجرده من الابل، في الوقت الذي يملك غيره الكثير منها. وقد كان ينبغي أن يجعل له نصيباً فيما يملك، يقول( ):
وإنّي  لاستحيي  لنفسي  أن أُرى          أَمُرُّ بحبل ليس فيـه بعيـرُ
وان أسأل العبدَ اللئيــمَ بعيـرَه   ُ       وبُعرانُ ربّي في البلاد كثيرُ
       ونجد عروة بن الورد يوضح لنا صوراً من الصراع الطبقي حين يتحدث عن اغاراته على أصحاب الابل الكثيرة البخلاء الذين لا يجعلون نصيباً للفقراء فيها، فيقول ساخطاً على تخمة الغني الذي يجلس دون أن يصنع شيئاً، بينما يهلك الفقير، يقول( ):
لعلّ انطلاقي في البلاد ورحلتي           وشدّي حيازِيم المطيّة بالرّحل
سيدفعني يوماً إلى رَبّ هجمـهّ           يدافع عنها بالعقوق وبالبخـل
       وفي سبيل هذا الصراع الطبقي، ومن أجل إذكائه في نفوس الصعاليك، ضحيّة المجتمع الظالم، حاول أحرارهم أن يجعلوا من هذا الصراع ثورة عنيفة تطيح بالمجتمع، فأخذوا يهاجمون إخوانهم الذين استكانوا لحياة الذلّ، ورضوا بأغلال العبودية، وعاشوا في دعة وخمول خلف أدبار البيوت قانعين بظلم المجتمع لهم. ويرسم عروة لهذه الطائفة صورة ساخرة في قوله( ):
لحا  الله  صعلوكا إذا جنّ ليلُهُ            مصافي المُشاشِ آلفا كلَّ مَجزرِ
يعد الغني من دهره كـل ليلةٍ             أصاب قِراها من صديق ميسّـرِ
ينام عشاءً ثم يصبـح ناعسـاً            يَحتّ الحصى عن جنبه  المتعفّر
يعين نساء الحيّ ما يستعـنّـه            فيمسي طليحاً كالبعـير المحسّر
وفي الوقت نفسه يرسم لنا عروة المثل الأعلى للصعلوك الثائر على مجتمعه، الذي لا يرضخ للظلم، ولا يستكين للذلّ، ولكنه يحب الصراع، ويُقبل عليه، فيقول( ):
ولكن صعلوكاً صفيحةُ وجهه             كضَوْءِ شِهابِ القابس المتنورِ
مطلاّ على أعدائه  يزجرونه       بساحتهم زَجْرَ المنيح المشهّرِ
إذا بعُدوا لا يأمنون اقترابـَهُ       تشوّف أهلِ الغائبِ المتنظـرّ
فذلك انْ يلق المنيةَ يَـلْقَهـا        حميداً وإِنْ يستغنِ يوماً فأجدر
ما أبعد الفارق بين الصورتين: صورة الصعلوك الخامل الذي يتهافت على فضلات الطعام، ولا يدع حتى المشاش، واذا نال هذا الصعلوك برّا من صديق غني عدّ ذلك غاية الغايات، وبات سعيداً بتفضل الناس عليه، وهو لتفاهته وخمول نفسه ينام عشاءً، فاذا أصبح الصباح لم يخفّ من نومه نشيطاّ، بل ظلّ على خموله، برغم نومه الطويل، لاهمّ له إلاّ أن ينفض ما علق على جنبه من الحصى، كما يفعل البهيم.
       وهذا الصعلوك الساقط الهمة لا يأنف من قضاء ما تكلّفه به نساء الحيّ المترفات، فهو في خدمتهن دائماً، ويظل يبذل جهده في هذه الأعمال الوضيعة التي لا تليق برجل مكافح حتى إذا أمسى الليل نام كالحيوان إعياء.
       أما الصورة الأخرى: صورة الصعلوك الجدير بالصعلكة في رأي عروة فهو الفاتك الشجاع الذي يضيء وجهه كالشهاب لقوة عزمه وتصميمه، وبسبب حيويته وتوثبه، وهو إذا هجم على أعدائه حاولوا الفرار من وجهه، خوفاً من فتكه، فإذا ابتعدوا عن طريقه ظلّوا على خوفهم منه، حتى أنهم ينظرون في فزعٍ حولهم، يتوقعون مجيئه في أي وقت.
       وبسبب هذا الصراع الطبقي أيضاً استهان الصعاليك بحياتهم وتغنّوا بالبطولة والشجاعة، وكان شعارهم الموت ولا حياة العبودية، والهلاك ولا التغاضي عن ظلم المجتمع لهم. وفي هذه المعاني كثرت أشعارهم، حتى لنجد أنفسنا أمام أبطال، تقترب مغامراتهم من الخيال، وتكاد تصبح من الأساطير والخرافات، ويصف لنا تأبط شرا حياة الصعلوك الفاتك الثائر على مجتمعه، فيقول( ):
قليـلُ  التشكي  للملـمّ يصيبــه كثيرُ  الهوى  شتّى  النّوى  والمسالـكِ
يظل  بموماة  ويمسـي  بغيرهـا  وحيداً  ويَعْروري  ظهـور المهــالكِ
ويسبق وفدّ الريّح من حيث  تنتحي بمُنخرقٍ  مـن  شـــدّة المتــداركِ
إذا حاصَ عينيه كرى النوم لم يزل له كالىءٌ من قلْــب شيحــانَ فاتـكِ
ويجعـلُ عينـيه ربيئـةَ  قـلبـه إلى سلّة مـن حــدّ أخلــقَ بـاتـكِ
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث  اهتدت  أم  النجـوم  الشـوابـك
       وهذا الصعلوك الذي لا يشكو ما ينزل به من الخطوب- على عظمها- لقوة احتماله وصبره، والذي ينطلق في الصحاري مستأنساً بنفسه، ويقتحم المخاطر والمهالك، والذي يسبق الريح بعدْوه السريع المتلاحق والذي لا يكاد النوم يزور جفنيه، فإن زاره فلم ينم قلبه الشجاع الحازم، فإذا كره القلب شيئاً كانت العين صاحبه الذي يشير عليه، فيستلّ سيفه، وعندئذ تفرح المنايا لأنها تعلم أن استلاله للسيف سوف يعقبه ضحايا. والصعلوك لا يضل في قصده أبداً، فهو في وَحْدته في الصحراء المخوفة يعرف طريقه جيّداً، ويهتدي إلى غايته، كما تهتدي النجوم في سيرها.
       وهذه الحياة العنيفة المجهدة تهون على صاحبها حين يمسي في موضع المخاطرة والإقدام، ويذكر تأبط شرا ذلك المعنى حين يكمل رسم صورة الصعلوك في قصيدة أخرى، فيقول( ):
قليل غرار النوم أكبر همّه   دم الثـأر أو يـلقى كميّـا  مقنعا
قليل ادّخار الـزّاد الاّ تعلّةً  وقد نشز الشرّسوفُ والتّصق المعا
       فالصعلوك الذي يأنس بالوحشة في الصحراء المخوفة، والذي ينام يقظان يحلم بالمعارك والقتال، ولا يفكر في ادّخار الزّاد، بل يتحمل الجوع والهزال في صبر عجيب، وفي مكان موحش مقفر، لا يجد فيه الاّ الوحش يألفه ويأنس به، هذا الصعلوك يعلم أن الموت حقّ، ولكنه لا يقصد الموت الهيّن، بل الموت في أثناء الصراع والقتال، فتلك نهاية جديرة بالصعلوك الثائر.
       وفي معنى الإقدام والمخاطرة بالنفس والاستهانة بالحياة، الذي يرجع في الأصل إلى ثورة الصعاليك على مجتمعهم، والاستهانة بقيمه الظالمة، يقول عمرو بن براقّة( ):
أَلَمْ تعلمي أنّ الصّعاليكَ نومُهــمْ  قـليلٌ إذا نـام الدثـورُ المسالمُ
إذا  الليلُ  أدْجى واكفهرتْ نجومُه  وصاحَ من الإفراطِ هامٌ جـواثمُ
ومال بأصحاب الكرى غالباتــُهُ  فإني على أمر الغَوايـة حـازمُ
متى تجمع القلب     َ الذكيّ  وصارماً    وأنْفاً حَمِيّا تجتنْـبكَ المظــالمُ
متى تطلبِ المالَ الممُنّعَ بالـقـنا   تعشْ ماجداً أو تخترمْكَ المخارمُ
       وقد أعطى الشاعر لحماسته موضوعاً اجتماعياً أخلاقياً، ما زال من أهم موضوعات الحضارة الإنسانية، وهو البحث عن الحق، أيكون بالقوة أم بالمسالمة( ).

 مواضيع ذات صلة

قطوف من شعر الصعاليك
كنوز الابداع في اللغة العربية
الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي
(( من روائع شعر الصعاليك
شعر الصعاليك وشعرائهم
مليات بحث متعلقة بـ شعر الصعاليك
شعر الصعاليك في الحب
شعر الصعاليك عروة بن الورد
اجمل قصائد الصعاليك
الصعاليك في العصر الجاهلي
شعر الصعاليك الشنفرى
بحث عن شعر الصعاليك
شعر الصعاليك تأبط شرا
موضوع عن الصعاليك


شعر الصعاليك

شعر الصعاليك في الحب

شعر الصعاليك عروة بن الورد

اجمل قصائد الصعاليك

الصعاليك في العصر الجاهلي

شعر الصعاليك الشنفرى

بحث عن شعر الصعاليك

شعر الصعاليك تأبط شرا

موضوع عن الصعاليك

الصعاليك في العصر الجاهلي

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

موضوع عن الصعاليك

معنى الصعاليك

الصعاليك والرسول

شعر الصعاليك عروة بن الورد

الصعاليك فيلم

صفات الشعراء الصعاليك وخصائص شعرهم

قصص صعاليك العرب