جميع انماط الشخصيات في الرواية

الشخصيات المسطحة
            تزخر الروايات الفلسطينية  بالشخصيات البسيطة، وقد نجح بعض الكتاب في استخدام الشخصيات المسطحة عنصراً مساعداً على تطوير الشخصيات النامية والرئيسية.
            ففي( قصة العذراء والقرية) تكثر الشخصيات البسيطة التي تحيط بالشخصيات الرئيسية وتكمل دورها، فحين يكتشف سعود أن سليمان الهراوات يهرب البضائع لليهود ويتعامل معهم، يعلن ذلك صائحاً بأعلى صوته حتى تنزل لوزتاه، يربطه الجنود بعد ذلك بحبلٍ ، ويجرونه إلى المخفر في يعبد، وهناك يكسرون ساقيه، وتصبح أرضه ملكاً لسليمان الهراوات، (86) أما عبد الرزاق اللاجئ ، فهو مقتنع أن ليس له في هذا الوطن ما يدافع عنه؛ لذا فهو يزجر ابنه عندمـا شارك في إحدى المظاهرات، لأنه يرى أن أصحاب الوطن الحقيقيين هم أصحاب القصور والأراضي. (87)
            أما سليمان الهراوات فهو مرابٍ ومهربٍ يتعامل مع اليهود، وهو على علاقةٍ بأبي فيصل، ولا يهمه القيام بأي فعلٍ مهما كان شنيعاً ما دام يحقق مصلحته، كذلك فإن شخصية صبحي بن سليمان الهراوات شخصية بسيطة قدمها لنا الكاتب على صورة إنسانٍ شاذ جنسياً، لا يهتم بالأخلاق أوالقيم.(88)
       كما نجد عند أحمد رفيق عوض شخصيات بسيطة أخرى مثل شخصية فريحة زوجة غندور، وشخصية حسن أبو شامة وذكرياته في حيفا، والشيخ سعد الدين وأمسياته. كما نجد شخصية سالم المصارع من دورا، ووردة الجليلية زوجة حسن أبو شامة ، والتي ظلت تحافظ على شرفها رغم فقرها وجمالها، وغيرهم الكثير من الشخصيات البسيطة.
            أما عند جمال بنورة فنجد شخصية خليل السكير زوج أخت سمير، كما نجد شخصية فتحي ذلك المناضل الشيوعي الذي يتم إبعاده بسبب نشاطه السياسي، وهو إنسان لاتهمه المظاهر.
            كما تزخر روايات سحر خليفة بالشخصيات البسيطة مثل شخصية فاروق المحب للمظاهر واصطياد النساء، وايفيت التي يشكل حب المظاهر محوراً أساسياً في حياتها،(89) كما قدمت لنا سحر خليفة شخصية أبي عزام البخيل وكيف يتعامل مع زوجته وأسرته ، وكذلك شخصية حسام المطارد.(90)
             يرى نبيه القاسم أن سحر خليفة " لم تعط شخصية عبد الرحمن حقها في النمو والتبلور، وأبقتها باهتة خفية ، نتعاطف معها ، ثم نعود سريعاً لندينها، وكان يفضل لو  أتاحت لها البروز والتنامي."(91)
الشخصية الرمزية:
       توجد بعض الشخصيات الرمزية في رواية الحواف، يقول الراوي: " كم اشتقت إليه ـ  إبراهيم ـ أردت أن أرى لون عينيه ، من أسبلهما؟ من أراح رأسه المتعب في اللحظة  الأخيرة؟! لكن رجلاً سبقني إلى ذلك. رأيته واقفاً فوق الجثة كأنه يعد الرصاص، أو يرى  المقتل، وقف طويلاً عند الرقبة، وضع أذنه على صدره. من الرجل ؟ كوفيته بيضاء تتطاير مع الريح، وعصاه إلى جانبه. عباس؟! لماذا كتب على ألا أعرفه تماما؟!" (92)
       عباس هنا شخصية ترمز إلى الشعب الذي لم يعرفه الراوي المثقف حق المعرفة، ولا يدرك ما لديه من طاقات كامنة، عباس "الشعب" نجده ً في كل مكان وعند كل مناسبة.
            سروة هي الأخرى شخصية رمزية." سروة معلقة من شعرها بفرع شجرة ضخمة تتمايل دون اكتراث، يرقبونها من النوافذ، يشيرون بأيديهم ."(93) سروة هذه ، ترمز إلى فلسطين المصلوبة على جذع شجرة حقوق الإنسان والضمير العالمي، وسروة لغوياً تشير إلى اقتراب الفجر وطلوع شمس الحرية التي طال انتظارها.
        إن شخصيات عزت الغزاوي هي شخصيات رمزية، ولا يمكن التعامل معها على أنها شخصيات حقيقية مطلقة، وإن كان بعضها يشير إلى شخصيات حقيقية شاركها الكاتب تجربة الاعتقال والسجن، فصمد من صمد وتخاذل من تخاذل، وشخصياته تحمل معها مفاتيح بعض حقائق الانتفاضة.
            كما نجد بعض الشخصيات ذات البعد الرمزي في رواية " إسماعيل " لأحمد حرب، فإسماعيل يرمز إلى جد العرب، في مقابل يعقوب الذي يرمز إلى جد اليهود( إسرائيل)، وفي بعدٍ آخر من أبعاد إسماعيل الرمزية نجد ما يشير إلى قائد الثورة الفلسطينية الرئيس" ياسر عرفات" أما شخصية أمل فترمز إلى الثورة الفلسطينية التي خدعها بوزول، وتشير رواية "الأصابع الخفية" من طرف خفي إلى قصة المقاومة الفلسطينية في لبنان ووقوف المقاومة اللبنانية إلى جانبها، كما تشير إلى العودة إلى الوطن الذي تهب رياحه الزكية لتمحو ذكريات الماضي الأليمة.(94)
الشخصية النرجسية:
            تصادفنا الشخصية النرجسية في أكثر من رواية، ففي رواية " بنت من البنات"، تدخل بطلة الرواية الغرفة، وتفتح الخزانة، وتقف أمام المرآة، تنظر إلى شعرها الأشقر المتماوج كحقول القمح وقت الحصاد، تنظر إلى المرآة وترى نفسها فتقول:" وجهي رائع، فخدودي موردة رغم البرد الذي ينخر في عظامي، أنفي شامخ دقيق، ثغري صغير مزدان بشـفتين مزمومتين.."(95)
كما يقدم لنا عادل عمر بطلــــة روايته وقــــد " طال وقوفها أمام المرآة ، وهي تحــاول قراءة خلجات مشاعرها في عينيها، أخذت تداعب جديلتها الكثيفة المنسدلة على ظهرها، يدها فوق نهديها كأنها عبثاً تحاول قراءة ضربات قلبها، شدت بيدها الأخرى ثوب المدرسة على جسدها النحيل لتبرز مفاتن ثدييها القابعين خلف هذا الستار دون حراك." (96)
            وتقدم سحر خليفة الشخصية النرجسية في روايتها "باب الساحة "، تقول عن نزهة: " وبحكم عادتها ، توقفت أمام مرآة البيرو القديم المطعم بالصدف والخشب المحفور، وبدت والخلفية المخملية الصدفية البلورية من خلفها تمثالاً نحت من المرمر، وتمتمت زكية بدون وعي: سبحان الخالق في عرشه!" (97)
       وقد تكررت ظاهرة تعري بعض الشخصيات عند أحمد رفيق عوض، فقد تعرى الشيخ سعد الدين أمام أحمد بن سعود، كما تعرت سعدية في البطمة ، وقد رآها خالد الهراوات في لحظة تعريها تلك فقرر أن يتزوجها، وبعد الزواج تتعرى رسمية أمام شقيقات خالد الهراوات، وكأن نرجسيتها وميلها إلى رؤية نفسها في عيون من يشاهدونها تدفعها إلى التعري .يقول الراوي عن رسمية: " لقد تاقت إلى رؤية جسدها، لقد اشتاقت إلى شيءٍ يلمس جسدها، فتعرت دفعةً واحدةً ، تعرت تحت الليل ، فكان جسداً عظيماً،وشعرت بلذةٍ ما بعدها لذة."(98) وبعد الزواج "أصبحت رسمية تتعرى أمام  مرآتها، وتدغدغ جسدها وحدها، ولكنها لم تكن سعيدة بعد الانتهاء من ذلك."(99)
            وتظهر نرجسية الراوي في تداعيات ضمير المخاطب ، عندما يقول على لسان السيدة (ألف. نون.) مخاطبةً أمه : " ابنك كنز ..كنز ثمين، ينبغي ألا يبقى هنا."(100) والراوي عند  عادل الأسطة مطلوب دائماً، مطلوب أمنياً، ومطلوب جنسياً ، وهذه صورة من صورالنرجسية.
الشخصية غير السوية:
            تصادفنا في الروايات الفلسطينية موضوع الدراسة شخصيات مريضة نفسياً أو معقدة، وهذه الشخصيات تحتاج إلى دراسة من متخصصين في علم النفس، لأن مثل هذه الدراسة قد تساعد في تحليل نفسية الكاتب وما يحمله من عقدٍ عن طريق كتاباته، فالكتابة مثلها مثل الخط والرسم، تكشف الخبايا النفسية لصاحبها، وقد صادفتني في الروايات موضوع البحث شخصيات غير سوية، أعرض منها لما يلي:
1 ـ الشخصية العدوانية :
            نجد هذه الشخصية بشكل واضحٍ في رواية " تداعيات ضمير المخاطب "، فقد عكس هذا المخاطب شخصيةً عدوانيةً بشكلٍ غير معقول ، فهذه الشخصية تصور العلاقة الجنسية، والتي هي بالأساس علاقة إنسانية، تصورها على أنها اشتباك ، يتحدث الراوي عن الاشتباك الرابع بين المخاطب وبين " فولا "، ويشير إليها بالقطة الحنطية اللون التي تحدثه عن أسرار القطط العربية، يقول الراوي : " تهاتفها ذات صباح لتسألها عن تقديم الرسالة إلى العميد ، فتعرض عليك أن تذهب إلى طبيبٍ نفسي، تقول لك على الهاتف : إنني أنصحك أن تستشير طبيباً نفسياً، فأنت لست سوياً ، تكبت الأمر وتسكت لتعرف السر. "(101)
            كما يقول الراوي : " تشتبك القطط اشتباكاً عنيفاً. تجهز كل قطةٍ على الأخرى."(102) ويقول في موضعٍ آخر: " تكشر القطة الشقراء ، وتنظر شزراً، وتهمهم القطة السوداء ، تنساق نحو القطة الشقراء، وتشتبكان معاً، وتبدأ معركة تنتهي في ساعةٍ متأخرةٍ. " (103)
            و قد و جدت الشخصية العدوانية في رواية مذكرات امرأة غير واقعية حيث ترى الزوجة بطلة القصة أن الحياة الزوجية هي مجرد تحرشات بين الزوجين و كأنهما في حالة حرب ، تقول الراوية :" تمر أسابيع دون أن يخاطب الواحد منا الآخر، لا أحاول التحرش به ، و لا يحاول التحرش بي ، كل واحد منا في عالمه. "(104)
2ـ الشخصية الشاذة " جنسيا " :
وردت عدة إشارات عن الشذوذ الجنسي  في " تداعيات ضمير المخاطب " . يقول الراوي : " تتذكر وأنت في الطائرة ، عبارة الشاب اليافع ، الأجمل من فتاة: لعلك مصاب بالبرانويا. "جنون الارتياب في الآخرين." (105) وفي موضعٍ آخر يقول الراوي : " يغادر ستيف الغرفة مع صديقٍ له ، انجليزي يشبهه جمالاً." (106)
            إن تكرار الإشارات إلى جمال هذا الشاب أو ذاك، يؤكد أن الراوي يعاني من شذوذٍ جنسي، ولعل العبارة التالية تدعم النتيجة السابقة التي توصلت إليها:" تشتبك القطتان معاً تموء القطة الشقراء (يوهان) ، تصدر أصواتاً أقرب إلى الغناء ، و ينسى القط الأسود وقاره .تسـأل القطة الشقراء القط الأسود : هل اشتبكت ذات يوم مع قط ذكر ؟ "(107) ترى، مامبرر هذا السؤال ؟ هل يعقل أن سؤال القطة الشقراء نبت بلا مقدمات؟ أم أن القط الأسود مارس الجنس معها بطريقة شاذة؟
3ـ الشخصية الأوديبية :
            نلمس الشخصية الأوديبية في رواية "الحاج إسماعيل" ، يقول الراوي:" لن أندم إن قلت لوالدي أن ليس من حقه أن يتطاول علي، فمعرفة الحق وعدم تجاوزه هوالحد الفاصل بين الاحترام والإذلال، ولن يحترمني إذا لم أرغمه علىذلك."(108) وماهر شقيق الراوي يهدد والده بأن يتخلص منه وإلى الأبد، يقول في رسالة بعث بها إلى والده :" أنت تعرف أنني واجهتك قبل سنوات عديدة لكنني الآن سأقضي عليك . أنت تعتقد أن كل الأمور تحل بالعضلات،إذا كان كذلك فسأواجهك الآن بالعضلات وغيرها."(109)
            كما يوضح لنا الراوي أن القرف الذي يعيشه والتوتر الذي يحس به هو بسبب والده، ويسأل المروي عليه عما يمكنه فعله.(110) وعلى الرغم من أن الفتاة تتعلق بوالدها وتتنافر مع أمها(عقدة إلكترا)فإن ابنة الحاج إسماعيل تحمل عقدة تجاه أبيها على غير ما نعرفه في علم النفس، تقول رفقة: "صحيح بأنني تصديت له وأوقفته عند حده عدة مرات منذ تسلمي العمل، ولكن في مسألة الزواج، لم أستطع مواجهته ، كنت أريد المحافظة على سمعتي وسط تقولات أهل البلدة."(111) ويعاني عبد الرحمن الميثلوني عند سحر خليفة من عقدة أوديب فقد كره والده لأنه عاقبه،(112) كما ينغرس الخوف وتنمو الكراهية في نفس الابن لأن والده يعامله وكأنه طفل فيمنع أصدقاءه من زيارته حتى لا يفسدوا أخلاقه، ويحاول أن يرسم مستقبله حسب رغباته،(113) وقد يطرد الأب ابنه إذا لم يرض عن تصرفاته،(114) بينما يقوم الابن بانقلاب ضد أبيه ويستولي على العرش ليحكم الجزيرة بالحديد والنار.(115)
الشخصية المتحولة :
            يلاحظ القارئ المدقق وجود بعض الشخصيات المتحولة التي تتغير من حال إلى حال دون مبررات مقنعة ، حيث يحدث التحول فجأة ، فتتحول الشخصية من موقف إلى  آخر نقيض له دون أن تمر هذه الشخصية بظروف أو بأحداث موضوعية تقود إلى هذا التحول حتى يبدو منطقياً .
            ففي رواية "الطوق" نجد الأستاذ فهيماً إنساناً محايداً يريد السلامة لنفسه و لأسرته، على العكس من زوجته التي كانت تحلم أن ترى ابنها حسام رجلاً عملاقاً ينزلق إلى البيوت في الليل ، ويناضل من أجل الوطن ، وفجأة يحدث التحول عند كل من الزوج و الزوجة معاً فيتبادلان المواقع ، الأم التي كانت تتمنى أن ترى ابنها مناضلاً يقارع الاحتلال ، نجدها دون مقدمات منطقية تحاول منع ابنها من الخروج :" الله يغضب عليك يا حسام."(116) بينما نجد الأستاذ فهيماً الحريص على زوجته وابنه دائماً يفيق من ذهوله على دعوات زوجته و يتحول فجأة إلى مشجع لابنه فيقول لزوجته:" اتركيه يفش غله يا مرة."
            وفي رواية (الذين يبحثون عن الشمس ) تتحول نادية من امرأة تتطلع إلى إشباع غرائزها الجنسية إلى امرأة مناضلة تشارك في الاعتصام النسائي ، هذا التحول ينتج عن بضع كلمات من سمير عشيق نادية، (117) كما يتحول سمير بطريقة غير متوقعة إلى إنسان يصحو ضميره فيقول لنادية :" أنت متزوجة من رجل غيري ، لابد أن تعودي له بكل كيانك ، كافحي معه ، سانديه ، تخطي معه الأزمة ، و أنا سأتخطى أزمتي، لكن بمفردي."(118) إنه البطل الرومانسي الفرد ، بأنانيته و شطحاته ، يتحول من إنسان داعر إلى مناضل يشارك في النضال، ولعل الكاتب هنا قد مس الأزمة الحقيقية للثورة ، حيث يحاول كل منحرف وشاذ أن ينال من الثورة صك الغفران بعد أن يشتد عودها فينضم إليها عسى أن يجد فيها الملاذ و الملجأ هرباً من عقاب الجماهير .
            ونجد أن ايفيت  قد تحولت من زوجة صالحة هادئة، إلى امرأة لا تطاق، فهي في شجارٍ دائم مع زوجها، وقد ضربت خادمتها ودخلت في مشاكل مع الجميع بسبب تعلقها بفاروق الشخصية الماكيافيلية الذي لا يهمه إلا تحقيق مصالحه وإشباع رغباته .(119)
            وهـــــذا غندور في رواية " العذراء و القرية" يتحول من رجل يثور عندما يعلم بعلاقة أبي فيصل بزوجته ، تأكله الغيرة فيقرر أن يقتل زوجته أولاً وقائد المخفر ثانياً، و لكنه بدلاً من ذلك يتحول إلى قواد يستقبل في بيته نساء أخريات يستعملهن أبو فيصل ، و يرغب غندور في مهنته هذه حتى أنه بات يتصيد النساء لأبي فيصل ، والمبرر الوحيد الذي قدمه الكاتب لتبرير هذا التحول هو أن غندور لا يملك في صدره ما يملكه الرجل الشجاع المغامر. (120)
            أما الشيخ عبد الله فلا تمر خطبة جمعة دون أن يهاجم فكرة الإضراب ومنظميه، يقول الشيخ: " كيف لأمة المسلمين أن تنضم لصفوف الشيوعيين في الإضراب ؟ كيف يلتقي الإسلام بالكفر ؟ من أجل ماذا ؟ من أجل مكاسب دنيوية زائلة ، من أجل قطعة أرض . إن الأرض لله يورثها لمن يشاء من عباده الصالحين. "(121) و بعد أن يتعرض الشيخ عبد الله للاعتقال يتحول إلى الموقف النقيض فيقول:" إسماعيل و هادي على حق ، هؤلاء لا يفرقون بين شيخ و شيوعي ، نشارك في الإضراب : ننضم لباقي الناس. "(122)
            وفي رواية "الأصابع الخفية" يتحول القرصان "عناد" من قاتل إلى إنسان يؤرقه شبح الأميرة التي أحرقها أحد زملائه، لقد كره عناد نفسه واستبشع أفعاله بعد هذه الحادثة، وقد لاحظ أحد زملائه القراصنة هذا التحول فيقول: إنه التحول في شخصية الزعيم وما استجد عليه من رحمة ومن خلق هما من يمنعنا من (هكذا) الوصول إلى السفينة.(123)
شخصية البطل :
            جاءت البطولة في بعض الروايات فردية كما في رواية أسعد الأسعد ليل البنفسج ، فقد كان زيد هو بطل الرواية ، وهو في الوقت نفسه  الشخصية الرئيسية فيها، أما أحمد رفيق  عوض فقد لعبت رسمية دور البطولة في الرواية إضافة إلى كونها إحدى الشخصيات الرئيسية فيها ، كما لعب ناجي عند هشام عبد الرازق دور البطولة في الرواية ، و قد يكون البطل الفرد إيجابياً يسعى إلى تغيير الواقع من حوله ، فهذا زيد بطل رواية "ليل البنفسج" فضل مواجهة الواقع والاستعانة بالمحامية " فولا " على السقوط بين براثن المخابرات، كما أن سعدية عند سحر خليفة هي من طراز البطل الإيجابي ، أما أحمد بن سعود فهو مثال البطل السلبي فقد دفعه إحساسه بأن "الدنيا لا تترك الإنسان يحيا ويموت كما يشاء. "(124) دفعه إلى أحضان الشيخ  يتعلم منه علم الحساب والبروج ليعتزل المجتمع و يزهد في الدنيا بعد ذلك .
            أما البطولة الجماعية فتظهر عند جمال بنورة ، عندما طلبت النسوة من أم صلاح أن تزغرد عندما انطلقت الجرافات تهدم بيتها ، ثم زغردت عدة نساء بعدها وسط دهشة الجنود  واستغرابهم،(125) كما تخرج مسيرة نسائية في الصباح تحمل أكاليل الزهور لوضعها على قبور الشهداء ، لقد لعب الشعب بكل فئاته دور البطل في أحداث المواجهة ضد الاحتلال .
            و قد نجد أبطالاً متناقضين أو يعانون من عقدة ما ، فالراوي عند عادل الأسطة أو المروي عليه يقف موقفاً سلبياً من كل ما يدور حوله يشك في كل شيء ، و يرتاب في تصرفات الآخرين ، يأتي الجميع ويذهبون و كأن الأمر لا يعنيه.
            وقد تكون شخصية البطل مزدوجة ، ففي حين أن الابن عند صافي صافي هو نقيض والده (الحاج إسماعيل ) نجد أن الراوي يقول لنا أننا لم نتخلص من ثوب الحاج إسماعيل وأننا بحاجة إلى أجيال حتى نرى ما نتمناه على أرض الواقع،(126) فالابن هنا يتمنى انهيار المجتمع الأبوي و يقر في نفس الوقت أنه سيظل أسيراً لهذا المجتمع لعدة أجيال قادمة ، و قد شكل المجتمع في رواية صافي صافي البطل الحقيقي، فالكل من أبناء الحاج إسماعيل يتصرف وفي اعتباره موقف الناس ورأيهم، فهم جميعاً يخشون المجتمع من حولهم ، و إلا فإنهم كانوا سيتخذون موقفاً آخر من والدهم لولا خشيتهم لألسنة الناس و نقدهم . فالابن الأكبر " لا يأتي من مكان عمله في الكويت للعناية بأبيه حباً لهذا الأب أو تعاطفاً معه ، لكنه يأتي خوفاً من الناس ."(127)
            و البطل في رواية (أيام لا تنسى ) يعيش حياته بشخصيتين .. شخصية يبدو فيها أمام الناس والأخرى التي يعيشها بينه وبين نفسه، وهو يتمنى أن يعيش بشخصية واحدة، لكنه  يعجز عن ذلك. إنه البطل المعضل الذي لا يستطيع مواجهة ذاته أو واقعه عدا عن عدم قدرته على تغيير هذا الواقع.(128)
            كما نجد البطل المعضل في رواية (الضلع المفقود)، فالحاج زهدي لقمان يذهب إلى الحج بعد أن يفيض معه المال و يطلق العنان للحيته و يترك شؤون السقاية لابنه البكر ليتفرغ هو لأهل الحي يزيد أمورهم تعقيد اً. (129)
            وقد لا يكون البطل إنساناً أو كائناً حياً، ففي رواية " الأصابع الخفية" نجد أن البطل الحقيقي هو البحر والحلم والأسطورة، فالبحر هو الأقوى دائماً ، بينما يحمل الحلم مدلولاً نفسياً ويعبر عن رغبات مكبوتة، وكثيراً ما يشكل الحلم إضاءة تشير إلى حل مشكلة مستعصية، كما حدث عندما حلت مشكلة الحصول على الجوهرة من السفينة الغارقة بعد رؤية الشيخ في الحلم وهو يستخدم العتلة في فتح غطاء البئر للحصول على ماء الشرب.(130)
شخصية الحيوان :
            لجأ عبد الرحمن عباد إلى استغلال شخصية الخروف و أعطاها دور السارد العالم بكل شيء ، والذي يتابع حركات "أبو الألطاف المعزاوي " و ينقل لنا أخباره أولاً بأول ، ولكن الكاتب يزيح الخروف جانباً ليتولى هو عملية السرد.
            أما سحر خليفة فقد استغلت القطط لتسقط من خلالها رغبات الراوي المكبوتة ، فهي لم تكن تعلم أن الحيوانات قادرة على القيام بحركات مثيرة غير مفتعلة، (131) تقول الراوية: "اقترب القط الأسود ووقف على بعد أمتار رأيت أذني عنتر ترتفعان وتصيخان لأدنى حركة . كانت جفلى وخائفة ، و كنت مثلها ، ظل واقفاً عند السور يحملق بي و بها ، ثم أهملني وركز عينيه عليها ، و بدأ قلبي يدق . كنت أعرف أنها مازالت طفلة ، و أن هذا هو شباطها الأول ، و أنها قد تتألم ، وأنها قد تحمل من قط لا تحبه و لا يحبها. "(132)
            و تقع راوية سحرخليفة في صراع نفسي، فهي في حيرة من أمرها: هل تنقذ القطة من القط الأسود؟ أم تتركها فيحل بها ، ما حل بالراوية ، وهي هنا تسقط ما في نفسها على قطتها ، تعترف بذلك صراحة حين تقول :" وحين أراها تستبدل قطاً بقط بمنتهى السهولة واليسر أحس بمعنوياتي ترتفع، وأطلق قهقهة شامتة وراء النافذة وأنتشي، لم أكن مجنونة للأسف، ولهذا كنت أعي عمليات الإسقاط التي أقوم بها من خلال قطتي. "(133) وتتخيل الراوية أنها أصبحت عنبر، وأنها ستنتقل من قط إلى قط ، تغيظ هذا و تغيظ ذاك ، تتقاتل القطط فتنسل من بينهم و تدعهم في شأنهم يتخامشون ، إنها شخصية عدوانية تلك التي تتمتع بها راوية سحر خليفة تماماً كتلك الشخصية التي يتمتع بها الراوي عند عادل الأسطة، فقد استغل القطط ليقدم لنا تلك الأفعال التي يخجل الراوي أن ينسبها إلى نفسه ، لأن الراوي يحمل طبيعة شرقية لا تتقبل هذه الأفعال، وهو راوٍ شاك بطبعه يخشى أن تكون هناك عيون ترقب ممارساته الجنسية، فينسب هذه الممارسات إلى القطط، ولكنه يتساءل وكأن أمر القطط شأن خاص به، يقول الراوي: ويلح عليك سؤال واحد:" هل كانت القطط تشتبك هكذا وحيدة في ذلك المساء ؟ أم أن عيناً خفية كانت تؤرخ الحدث ؟ "(134)
شخصية المكان:
            ترتبط شخصية المكان بشخصية الإنسان الذي يقيمه أو يقيم فيه ، يتأثر المكان بمن  يقطنون فيه، أو يستخدمونه، فعندما يأتي أسامة من الخارج إلى الضفة، ينادي عليه الجندي، فلا يرد، وعندما يسأله عن السبب يقول له إنه كان في المرحاض، فيسأله الجندي كيف وجدته؟ ولا ينتظر جواباً من أسامة بل يجيب  على نفسه : قذر كالعادة و كأنه يريد أن يقول إن العرب يلوثون أي مكان يصلون إليه.(135)
            كما أن اسم المكان الواحد يتغير بتغير المهتمين به، فنابلس عند الفلسطينيين هي شخيم عند اليهود، والشهادة على قذارة المكان لاتأتي من الجندي اليهودي فقط، ولكنها تأتي من الراوي عند صافي صافي، يقول الراوي:"كل شيء مقرف، المرحاض لاأتحمل أن أبول فيه، المغسلة مغلقة المصرف، وماءها(هكذا) مختلط بالأوساخ والصابون يطفح من جنباتها، الأرض مغطاة بطبقة من المياه، تبعث رائحة كريهة، وأرض الغرفة مليئة بالأوساخ و بقايا الإبر والمحارم الورقية."(136) هذا الوصف الذي قدمه الراوي هو وصف مستشفى، فإذا كان المستشفى في المنطقة العربية على هذه الحال  فكيف سيكون حال الأماكن الأخرى في المنطقة؟ !كما تجتهد البلدية في تنظيف الأسواق وما إن يجيء الظهر و تموت الحركة حتى تصبح مدينة (نابلس) ساحات  زبالة . (137)
            يرى عادل الأسطة أن رواية "باب الساحة" تقدم لنا الكثير عن عادات وتقاليد أهل نابلس وتكوينهم الاجتماعي وثقافتهم السائدة.(138)           
            وقد يتحول المكان إلى سجن مرعب حين تحاصره قوات الجيش لهدم بيت من البيوت، فهم يمنعون الناس من الاقتراب ناحية البيت ، و لا يعطون من الوقت أكثر من ربع ساعة لإخلاء المنزل الذي سيهدم. (139)
            ولعل السجن هو أهم ما يلفت نظر القارئ في شخصية المكان ، فقد شـــــكل الســـــجن هاجساً للكاتب الفلسطيني، حيث عانى معظم الكتاب مرارة السجن، وعبروا عن ذلك كتابة ، فترجموا تجاربهم الشخصية في السجن إلى أعمال أدبية يعبرون من خلالها عن مشاعرهم ، وقد شكلت الزنزانة حيزاً هاماً في " الخروج من الدائرة " فانحصر المكان في كرسي صغير يميل قليلاً إلى الأمام ، والسجين المربوط إلى هذا الكرسي ينزلق عنه ، فيضطر إلى لملمة نفسه بصعوبة ، و لا يستطيع الإفلات من الكرسي لأن الكلبشات تشده إليه ، (140) و قد زار نزار التميمي الخزانة ، و"هي زنزانة ضيقة جداً لا تكاد تصل قاعدتها إلى 60×60 سم2 ، فيها كرسي يميل إلى الأمام ، تغوص قوائمه في بركة من البول. "(141) و قد أصبحت الزنزانة سجلاً يكتب عليه السجناء أسماءهم و نصائحهم ، فقد وجد بطل " الخروج من الدائرة " على جدار الزنزانةعبارة تدعوه إلى أن يتعلم الصمت، (142) كما يرى وجهه بواسطة مرآة موجودة في الزنزانة رقم "1" فيراوده شعور بأنه" لم يعد وحيداً في هذا المكان الضيق ، وأوشك أن يبدأ حواراً مع صاحبه المتطلع إليه في المرآة. "(143)
            والزنزانة تتحول إلى مصيدة ، فقد أدخلوا نزار التميمي في زنزانة مأهولة ، ولكنه سرعان ما يكتشف أنه أمام عصفور يريد الإيقاع به ، يكتشف ذلك من سقطات لسان ذلك الموجود في الزنزانة حيث يخاطبه على أنه دكتور ، مع العلم أن الدكتور لم يفصح له عن مهنته. (144)
            لقد تركت حياة السجن أثراً عميقاً على نفسية الكتاب الذين عاشوا تجربة السجن ، فتعلموا الحيطة و الحذر ، بل الشك في أبسط الأمور و تحليلها  لاستخلاص العبر منها .
            وقد صور أحمد رفيق عوض تجربة السجن في المرحلة السابقة على حرب حزيران سنة 1967، كما صور لنا الطريقة البشعة التي يعامل بها السجناء في روايته " العذراء والقرية".أما علي الخليلي فقد جعل الأغنيات تخضر في الزنازين، وجعل السجناء  أسرى خوفهم من المسجونين ، فهم يخشون الاقتراب من السجناء ، فتظلم الدنيا في عيونهم، ويتشاءمون من حياتهم، (145) أما أم صابر عند عزت الغزاوي فتتصور السجن فوق منطقة جبلية جميلة، ثم ما تلبث أن تتصوره صحراء قاحلة شـــــديدة الحرارة، وفي الحلم تراه كابوساً، مكاناً نائياً ينزل إليه الإنسان ماشياً حتى يكاد يختنق،(146) لكنها لم تجد السجن كما تصورته في الحلم، فهو أوسع بكثير، وكان "يتصدر منطقة سهلية ويجثم على مفترق كقاطع طريق."(147)
            و قد ارتبط السجن بالمقبرة عند عزت الغزاوي ، يقول على لسان أم صابر " سألت صبياً عن المقبرة فأشار لي بيده و مضى ، مشيت بين القبور الجديدة . ما أكثرها !" و هو بذلك يشير إلى كثرة الشهداء و المعتقلين الذين قدمهم الشعب الفلسطيني في نضاله ، وكذلك فإن المقبرة تربض على طريق أم صابر أثناء ذهابها و إيابها ، و كأن الكاتب يريد أن يقول لنا إن الموت يربض لنا على قارعة الطريق يترصد لحظة يتمكن فيها من اقتناصنا ، وقد اكتسب المكان في رواية " الأصابع الخفية " بعض الصفات الإنسانية، فقد أصبح البحر كائناً له مشاعر يتبادل الحوار مع عناد، ويغضب على الشر على الرغم من كونه مصدراً للشر من وجهة نظر الراوي، فالموجة الكبيرة تبتلع الصغيرة، والسمكة الكبيرة تأكل الصغيرة، والعاصفة تذيب النسيم، والبحر يبتلع السفن، وهو مصدر الظلم ونقيض الرحمة، (148) والمكان أقوى من الزمن، تذهب الأجيال وتجئ بعدها أجيال، بينما تصمد الصخور ويرتفع الشجر إلى السماء.(149)
            و قد يتلون المكان بنفسية الكاتب أو الشخصية ، فزيد ، بعد عودته إلى رام الله ، يحدق طويلاً في قرميد البيوت القديمة كأنما يراها لأول وهلة ، فرام الله التي عشقها ذات يوم، تعود إلى سالف عهدها حنونة دافئة ، وهو بذلك يحاول أن يضفي مشاعره على المكان ، وكأن المكان كائن حي يشعر بمشاعر زيد و هو في طريقه لمقابلة رباب، (150) أما في "العذراء والقرية " فيبدو المكان مرعباً في الظلام بالنسبة للمهرب صاحب النفسية القلقة.(151)
            والمكان الأهم عند زيد هو الوطن ، يغامر بحياته في سبيل العودة إليه ، و عندما يعود يخاطب الوطن بقوله " ها أنا عائد إليك أيها الوطن .. افتح لي ذراعيك ، فلم يبق لي غيرك .. يكفيني أن أعيش هنا ، فقد ضاقت بي الأرض الرحبة. "(152) بينما تصبح أشجار الزيتون أشبه بالأخطبوط في نظر زوجة الشهيد خالد لأن زوجها وجد مقتولاً تحت واحدة منها،(153) وقد يصبح المكان مؤشراً على الحالة الاجتماعية لساكنيه ، ففي رواية الضلع المفقود يمتلئ المكان بتماثيل أسود ونمور وفيلة ، وتمثال لفتاة تحمل جرة ينبع منها الماء فينساب إلى جدول صغير تلعب به الأسماك ، و تنتشر فيه الحدائق الغناء، (154) وفاروق يمتلك مزرعة في أريحا غرست فيها أشجار البرتقال ، فيها كوخ يناسب الأجواء المنطلقة ، و تغمز راوية سحر خليفة  إلى  أن فاروق ربما كان يستغل الكوخ لأغراض غير الزراعة، (155) وقد يصبح المكان مصدر ألم دائم، فالمخيم جرح غائر في الأعماق، (156) ويصبح البيت والكهف والأرض أكثر من أمكنة عادية وتكتسب صفات إنسانية فيشعر المطاردون أنها تتعاطف معهم.(157)
            كما شكل المكان مؤشراً على حالة الشتات التي يعيشها الإنسان الفلسطيني ، نجد ذلك في رواية الحواف من خلال تنقل الراوي بين الضفة الغربية و الأردن و لبنان و ما نقله لنا عن المآسي التي وقعت لأبناء الشعب الفلسطيني .
شخصية الزمان :
            الزمن يقترن بحركة الموجودات ، فلا قيمة للزمن مع السكون ، ولا قيمة للزمن خارج وعي الإنسان ، فالإنسان هو الذي يسبغ على الزمن مفهوماً محدداً ، ويتأثر ذلك بتكوينه البيولوجي والنفسي والثقافي والاجتماعي ، وتتمثل شخصية الزمن في تلك الآثار التي يخلفها خلال تقدمه وتطوره على الأحياء والجمادات ، وكثيراً ما حاول الإنسان مقاومة تأثير الزمن عليه مستخدماً وسائل مختلفة تؤخر وصوله إلى سن الشيخوخة وعتبة الموت .
             يرى إبراهيم نمر موسى أن عزت الغزاوي لجأ إلى الزمن المتعرج في تصويره لشخصياته،(158) وقد يحب بعض الناس العيش في زمان غير زمانهم فيلجئون إلى تحضير الأرواح، فالشيخ في رواية "العذراء والقرية " يمتلك شهوة الامتداد التي تدعو الإنسان إلى تقليب صفحات الماضي و المستقبل ، شهوة العيش فيما مضى و ما سيأتي . (159)
1ـ الزمن النفسي:
            يشكل الزمن عاملاً مهماً في الرواية بوجه عام ، و قد شكل الزمن النفسي عنصراً هاماً في الرواية الفلسطينية ، فقد تلون الزمن في الروايات الفلسطينية بنفسية الإنسان الفلسطيني سواء أكان ذلك الإنسان كاتباً أو شخصية من شخصيات العمل الروائي ، والقارئ يجد أن أم صابر في مجموعة سجينة " لم تعد تتذكر عندما ترى الشجرة إلا بضعة أيام .. يوم نزلت إلى المدينة تشتري الكفن لزوجها .. ويوم ودعت صابر عندما ذهب إلى الجامعة للمرة الأولى .. نعم وتتذكر أنها ذات يوم ، و هي في الرابعة عشرة من عمرها ، و قفت تحت الشجرة نفسها ثلاث ساعات قبل أن تأتي سيارة تقلها إلى المدينة مع والدتها الحاجة عائشة لشراء حاجات العريس"(160) ونلاحظ هنا أن المكان استدعى من الذاكرة ذكريات تركت بصماتها على نفسية أم صابر، أما سمير شحادة ، فيقدم لنا الزمن ملوناً بنفسية السجين و مشاعره ، فليلة السجين تبدو طويلة على غير العادة ، فيتقلب في فراشه و يفر النوم من عينيه.(161)
            وزيد يبدو مهموماً بعد أن صدر ضده حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات ، ولكنه يتعود أن يكون موضوعياً مع ذاته ، فيعترف بخطئه ، و يلوم نفسه ، و يقرر ألا يضيع هذه السنوات التي سيمضيها في السجن سدى و أنه سوف يبني زيداً من جديد، (162) و ينكمش زيد في فراشه، بعد أن يخيب أمله" في لقاء أحد من أهله، وبعد أن ظل يمني نفسه الليل بطوله، يمني النفس بلقاء أمه، أو أبيه ، أو كلاهما، حاول عبثاً إقناع نفسه بلقاء فولا ، فليس أصعب على السجين من رؤية زملائه يعودون من زيارة أقاربهم بينما يحرم عليه ذلك ."(163)
2ـ الزمن التاريخي :   
            يظهر الزمن التاريخي بشكل واضح في الرواية الفلسطينية ، فالقارئ يجد أن الاستيطان و الهجرة اليهودية مرتبطة بتواريخ هامة ، يعقوب في رواية " إسماعيل "، يقول : هاجرت سنة 1935... حيث جئت هنا أبحث عن السلام لا عن المال . جئت هنا أبحث عن أرض، عن هوية، عن الحب الضائع منذ ألفي عام . حاربت في عام 1948 ، في 56 ، في 67 ، في 73 ، وفقدت ابني الأكبر في حرب حزيران، فقد على الجبهة في أورشليم، لم نجد له أثراً ، وأمه تعيش زي المجنونة .."(164) جاء  يعقوب يبحث عن السلام فصنع الحرب ، وخاض عدة حروب مجنونة أصابته كما أصابت الطرف الآخر بجنونها و بشاعتها، وقد ارتبط ألم هذه الحروب بأزمنة لها حضور واضح في أذهان طرفي الصراع ، فقد شكل الزمن التاريخي جسراً يعبر عليه كل من الطرفين لمواجهة الطرف الآخر بما تحمله هذه المواجهة من آلام و بشاعات .
            أما زيد في " ليل البنفسج " فقد كفر بكل شيء، ولم يعد يهتم بأي شيء، غيرته الحرب، دفعته إلى القاع ، فاكتشف كذب كل ما يحيط به ، و أن أمثاله من الصغار لا يستطيعون تغيير مسار الحياة، (165) كما أننا نجد أن زمن الانتفاضة يبرز بوضوح في رواية الحواف للكاتب عزت الغزاوي ويختلط الزمن التاريخي بزمن القص، فقد جرت أحداث الرواية عام 1988 ، وحصرها بين شتاءين في نفس العام، ونجد أن الكاتب ركزعلى تواريخ هامة ، فذكر لنا تاريخ بداية القص والأحداث ، و تاريخ نهاية القصة في 14/11/1988 .(166) والزمن التاريخي يترك بصماته على عمان التي يرى عزت الغزاوي أنها قد تغيرت بالتأكيد منذ عام 1974، حين أنهى بطله دراسته في الجامعة الأردنية . (167)
            و الزمن يرتبط عند ديمة السمان بالفروض و الواجبات الدينية ، و يرتبط بالمكان حيث قبة الصخرة المشرفة و صوت المؤذن يدعو المسلمين إلى الصلاة. (168)
            والزمن يترك بصماته على الإنسان ، فيغير ملامحه ، تعلو وجهه التجاعيد ، و يكتسي شعره بلون أبيض ، فقد عبثت يد الزمان بشعر إحدى شخصيات ديمة السمان ، فبعد أن كان الشعر طويلاً غزيراً ، أصبح لونه أبيض. (169)
            وقد ارتبط الزمان بالمكان ، فإحدى شخصيات ديمة السمان تقفل الحانوت ، و يذهب الرجل إلى جبال القدس ووديانها بحثاً عن الأعشاب في فصل الربيع ، و بهذا  تكون الكاتبة قد ربطت الزمان  بالتغييرات التي تحدث للمكان نتيجة تغير فصول السنة، (170) كما يرتبط الزمان بالمكان عند أحمد رفيق عوض الذي ربط بين الخلجان كمكان وبين الزمان والتاريخ والسحر والواقع والحلم، و قد حاول الكاتب تفسير سبب تسمية الخلجان بهذا الاسم تفسيراً تاريخياً. (171)
            كما نجد  أن أحداث عام 1948 قد أخذت مكاناً هاماً في رواية إبراهيم العلم "عينان على الكرمل " بينما جعل عبد الرحمن عباد الزمن الماضي المختلط  بالرمز مادة لروايته "الهمج" .


مواضيع ذات الصلة 
 

كيف تكتب رواية: أنواع الشخصيات
تقنيات بناء الشخصية
بناء الشخصية السردية وأساليب عرضها قراءة.
نظرة موجزة في الرواية وتحليلها-
الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة -
المقومات الفنية للرواية
جميع انماط الشخصيات في الرواية القصة
انواع الشخصيات في الرواية
الشخصية الروائية عند فيليب هامون
بناء الشخصية في الرواية
طرق تقديم الشخصية الروائية
رواية كاملة
الشخصية الروائية
بناء الشخصيات في الرواية
تعريف الرواية