انواع انماط الشخصيات في الرواية

أنماط الشخصية
الدراسة التطبيقية
        لما كانت هذه الدراسة مبنية على الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة ، فإنني أجد لزاماً على أن أستعرض أنواع الشخصيات التي تناولتها هذه الروايات الفلسطينية ، والإشارة إلى مدى نجاح الكتاب في تناول شخصياتهم وطريقة تقديمها للقارئ ، لذلك سأبدأ بتناول الشخصيات الخالقة ، والمبدعة ، وصولاً إلى الشخصيات المخلوقة أو المتخيلة، وانتهاءً بأنواع هذه الشخصيات من حيث التطور والنمو، أو السطحية، وتناول حالات أخرى لبعض نماذج الشخصيات التي وردت في هذه الروايات .
أولاً : الشخصيات الخالقة أو المبدعة:
1ــ الكاتب :
        وقد قام معظم كتاب الرواية بالكتابة عن تجربته الخاصة أو عن جزءٍ مهم من هذه التجربة، وليس شرطاً أن يعكس العمل الأدبي حياة الكاتب بكل دقائقها، ولكن الكاتب يقوم بتسريب جزءٍ من ثقافته و تجربته الخاصة من خلال بعض الشخصيات، بل إن الكاتب قد يقوم بزحزحة الراوي ليحل محله ويباشر عملية السرد، فتنطلق أفكار الكاتب رغماً عنه ليعبر عما في نفسه، فلا يستطيع الصمود أمام رغباته الجامحة في ذلك، و من الكتاب من يعترف بذلك صراحةً، و منهم من يكابر، يقول عادل الأسطة في مقال له  في 4/8/1995، قدمه إلى ندوة الرواية : "يبدو لي أنني لم أكتب ، من قبل الرواية لأن تجربتي الحياتية الشخصية لم تكن تصلح لإبداع نص روائي، فقد تعززت قناعتي بالمقولة الروائية المشهورة: " يكتب الروائي رواية واحدة ناجحة في حياته هي سيرته الذاتية."(1) والحقيقة أن حياة الإنسان الواحد تحتمل أكثر من رواية، فحياة الإنسان لا تشكل سطحاً مستوياً يخلو من النتوءات والبروزات أو التعرجات، بل هي كثيرة المنعطفات والتداخلات، لذا فإن بإمكان الكاتب أن يبدع أكثر من عمل، ولا يشترط أن يعكس هذا العمل السيرة الذاتية  للكاتب،  بل إن الكاتب قد يطعم هذا  العمل الروائي  بجزء من خبرته الحياتية وتجربته الخاصة ، ولو أن كل كاتب أعطانا تجربته الحياتية دفعة واحدة لما استطاع أن يبدع أكثر من رواية كما يقول عادل الأسطة في جزءٍ آخر من مقالته " فأنا ممن يميلون إلى أن الروائي يكتب رواية واحدة ناجحة هي سيرته الذاتية. " ولكنه يعود ويستدرك قائلاً: " صحيح أنني لم أكتب سيرتي الذاتية كاملة ولكنني كتبت مقطعاً ، وهو المقطع الأهم ، المقطع الذي تصبح الذات فيه جزء اً من ذات أشـــمل هي الذات الوطنية القومية. " ترى هل تتوقف أهمية حياة الكاتب على الجزء الذي انقضى منها، و كيف يضمن الكاتب أنه لن تقع في حياته القادمة أحداث مهمة ترجح في أهميتها على تلك التي مر بها حتى الآن طالما أن الحياة مستمرة ، فإن تيار الأحداث يجبر الإنسان على السباحة في نهر الحياة المتدفق، وما دام يمارس الحياة، فإنه يغتني ثقافة و خبرة ، تنصقل تجربته وتنضج أدواته ، وبالتالي يستمر في العطاء إن وجدت لديه الرغبة في ذلك، أما أن يضع حداً تعسفياً لما هو مهم و لما هو أقل أهمية في حياته ، فإنه يكون قد جزم بأن حياته توقفت عند حد معين  وعلى الرغم من أن الكاتب يقول : " ومع ذلك فلن أتردد في كتابة الرواية إذا عشت تجربة أخرى تستحق أن تكتب ." فإن ذلك لا ينفي ما ذهبت إليه بل يؤكده ، فالكاتب لا يكتب عن تجاربه فقط ولكنه يكتب ما يعرفه عن تجارب الآخرين وما يتخيله ، فليس من المعقول أن نكتب ما نمر به من تجارب فقط ، لأن ذلك يلغي دور الخيال ويقلص مساحة الإبداع .
         والكتاب عندما يبدعون أعمالهم الأدبية يقعون تحت تأثير الأفكار السائدة عند مجموعة قومية ما، وقد يقبلون هذه الأفكار ويدافعون عنها أو يرفضونها ويحاولون هدمها أو تعديلها ، والكاتب سواء أكان ذكراً أم أنثى يترك بصماته على عمله الأدبي ، فنحن نجد أن سحر خليفة  تدافع عن قضايا المرأة ، و ترى في الرجل إنساناً متسلطاً ، وهي ترى" أن المجتمع النفعي الذكوري الاستغلالي هو المسئول عن ظاهرة المومسة ، الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي المسئولة عن المومسة ، والمومسة ليست أكثر من ردة فعل للفعل. " (2)
        و في المقابل ، نجد أن الكتاب من الرجال ، جعلوا من الرجل محور اهتماماتهم في تجاربهم الروائية، لتأتي المرأة في مرتبة متأخرة جداً ، فتكاد تخلو بعض الروايات من العنصر النسائي، وإن ظهرت المرأة فإنها تظهر إما تابعة للرجل أو مكملة لدوره كأي ديكور يجمل الصورة، وقد تظهر المرأة عند بعض الكتاب في صورة سلبية وتوضع موضع الاتهام كما جعلت سحر من الرجل متهماً أول.
        أما من حيث المكان و الزمان ، فإن للمكان والزمان تأثيرهما القوي على ما يبدعه الكتاب ، فلا يمكن لأية أحداث أن تقع خارج إطار الزمان والمكان ، ولا يمكن لإنسان أن ينجح في الكتابة عن مكان لم يعش فيه ويعرف طبيعته فيحيى يخلف حين كتب روايته نجران تحت الصفر ، كتبها بعد أن عمل موظفاً في السعودية لبضع سنوات ، كما أن نجيب محفوظ برر عدم كتابته رواية عن القضية الفلسطينية بأنه لم يعش أحداث هذه القضية ولم يتفاعل فيها، أي أنه لم يعش ضمن إطار الزمان والمكان اللذين احتويا أحداث هـــــــذه القضية كمـــا جعلت سحر خليفة بيئة رواياتها مدينة نابلس ، أما كتاب قطاع غزة فقد جعلوا بيئة رواياتهم المخيم في أغلب الأحوال.
2ــ القارئ :
        العمل الأدبي في صورته التي يقدمها لنا الكاتب أشبه بالمادة الخام قبل دخولها المصنع، الذي هو عقل القارئ في هذه الحالة ، ولا يمكن لهذه المادة الخام التي تدخل إلى المصنع أن تخرج منه كما دخلت ، بل لابد لها من أن تتغير و تتبدل بما يتناسب و العمليات العقلية التي مرت بها ، وتتأثر عملية إعادة إبداع العمل الأدبي بعدة عوامل منها ثقافة القارئ وحالته النفسية والاقتصادية والاجتماعية ومعتقداته الدينية ، أما إذا كان القارئ  ناقداً فإن رؤيته للعمل الأدبي تتأثر بثقافته النقدية التي يميل إلى استخدامها ، وهو يستخلص من الحياة ما كان عملاُ فنياً، (3) ويخضعه لمقاييسه واعتباراته النقدية ليعود فيؤثر كناقد في العمل الأدبي بما يقننه من قوانين ، و ما يكتشفه في العمل الأدبي من إيجابيات وسلبيات.
ثانياً : الشخصيات المخلوقة (المتخيلة)
        لما كان لدينا في الشخصيات الخالقة كاتب و قارئ ؛ فإنه بالتالي وكنتيجة حتمية لذلك لابد  أن يكون لدينا راوٍ يحكي لنا الحكاية، ولابد من مستمع يروي له ، وبما أنه لا يمكن أن يكون هناك كاتب دون قارئ يقرأ ما يكتب ، كذلك الأمر بالنسبة للراوي ، فهو يحتاج إلى شخص يروي عليه تلك الأحداث التي عاشها أو عايشها .
1ــ الراوي :
        الراوي في الرواية الفلسطينية هو من نوع الراوي العالم بكل شيء الذي يتابع كل شخصية و كل حدث و ينتقل من مكان إلى مكان ، و قد يتحول الراوي المشاهد في بعض المقاطع في بعض الروايات من راوٍ مشاهد إلى راوٍ مشارك، و عندها يحدث تطابق بين الراوي والشخصية الروائية، ويكون المقطع  مبأراً تبئيراً داخلياً ، و يمكننا معرفة ذلك عن طريق استبدال الضمير في المقطع المبأر؛  فإذا استطعنا استبدال الضمير دون إحداث تغيير في بنية العبارة أو الجمل المكونة لها كان المقطع مبأراً تبئيراً داخلياً دون شك ، لنلاحظ المقطع التالي : " أمرنا الجيش عبر مكبرات الصوت بمغادرة المغارة، و أعطانا مهلة خمس دقائق وإلا سينسف المغارة على من فيها ، جلسنا واضعين أيدينا على رؤوسنا متجاهلين الإنذار، مدد الجيش الإنذار خمس دقائق أخرى ."(4) فلو تحول الراوي هنا من راوٍ مشارك وعاد راوياً مشاهداً كما كان قبل ذلك، فإن المقطع سيصبح كالتالي: " أمرهم الجيش عبر مكبرات الصوت بمغادرة المغارة وأعطاهم مهلة خمس دقائق وإلا سينسف المغارة على من فيها ، جلسوا واضعين أيديهم على رؤوسهم متجاهلين الإنذار، مدد الجيش الإنذار خمس دقائق أخرى."المقطع إذن مبأراً تبئيراً داخلياً، ذلك أنه لم يتغير فيه سوى الضمير في حالة تغيير الراوي، أما بقية الجمل والتراكيب اللغوية فإنه لم يتغير فيها شيء ، وهذا يعني أننا أمام راوٍ مشارك يتطابق مع الشخصية . 
         و لم يخرج عن قاعدة السرد التقليدية : السرد  بضمير المتكلم أو بضمير الغائب سوى عادل الأسطة الذي لجأ إلى ضمير المخاطب ، حيث جرد الراوي المشارك من نفسه مروياً عليه وأخذ يوجه الخطاب إليه، وينبئه بما يقوله ويفعله ، و نجد لديه بعض المقاطع المبأرة تبئيراً داخلياً كما نلاحظ في هذا المقطع "وتعقب قائلاً كن حذراً هذا هو الحل. " يمكننا تغيير الضمير دون أن يتغير شيء في الجملة نقول: "وأعقب قائلاً كن حذراً هذا هو الحل "  كما نجد لدى الأسطة مقاطع مبأرة تبئيراً خارجياً لا يمكن أن نغير فيها الضمير دون أن نغير في الكلمات المكونة لجمل المقطع، كما في المقطع التالي: "إنني أحب أن أقضي مساء السبت مع امرأة تحرص على اتباع العادات والتقاليد اليهودية ."
         والراوي العالم بكل شيء يعرف أدق التفاصيل، ويتنقل مع الشخصية أينما ذهبت وهو يعرف كل شيء عنها، إلى درجة أنه يكاد يعد أنفاس الشخصية ، و نبضات قلبها، فالراوي عند هشام عبد الرازق يرافق ناجياً بكل حركاته و سكناته، ففي هذا المقطع نقرأ: " دخل ناجي وراء المستوطن تلفت حول المكان متفحصاً.. حتى تتسنى له لحظة القنص .. المكان يخلو من الجنود ، و هذه علامة طيبة ، اقترب من المستوطن حتى كاد يلتصق به ، لم يشعر بالخوف أو التردد حينها ، بل رغبة جارفة في القضاء عليه؛ استل المسدس بحذر ، وبسرعة عجيبة وجه فوهة المسدس إلى الرأس ، ضغط على الزناد بقوة وخرجت طلقتان .. ترنح المستوطن والدماء تتدفق من رأسه بغزارة ثم خر صريعاً لا حراك فيه. " (5)
        في هذا المقطع نجد راوياً كلي المعرفة ، يدخل إلى عقل ناجي ، ويعرفنا فيم يفكر وماذا يريد أن يفعل و قد يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك ، فيتدخل الراوي بالتفسير والشرح فهو لا يكتفي بالقول: " تلفت حول المكان متفحصاً "  بل يقوم بتفسير ذلك بقوله: "حتى تتسنى لحظة القنص " ثم يعود إلى وسط المكان قائلاً : " المكان يخلو من الجنود " ويعلق بقوله: "وهذه علامة طيبة " وهذه الجملة بالتأكيد ليست من أقوال ناجي ولا هي حالة من حالات تيار الوعي و بالتالي لا يمكننا إلا أن ننسبها للراوي العالم بكل شيء ، إلا إذا كانت تعليقاً من المروي عليه الذي يتوجه إليه الراوي بالحديث، ويتضح دخول الراوي إلى عقل الشخصية من  العبارة التالية: " وربما قال إنه تخيل أنه سمع طلقة مميزة وأنه أدرك أن الصوت كـــان مجرد صدى."(6) وكثيراً ما يتدخل الراوي فنجد بعض العبارات التي يقولها الكاتب وينسبها إلى الراوي أو إلى أية شخصية أخرى، فها هي راوية سحر خليفة تتحدث وتقدم لنا أفكارها عندما تقول : " عندما يخون الرجل زوجته يلومون المرأة ، يقولون إنها لم تعرف كيف تحتفظ به و كيف تشبع أحاسيسه ، وعندما يحدث العكس يقولون " لم تراع الشرف و التقاليد ، و لم تحفظ النعمة وحرمة الزوج. " (7) كما نلحظ  تدخل الراوي عند سحر خليفة في هذه العبارة : "ينتمي حسام إلى صنف حساس من بشر يؤمنون ، ربما بفضل ظروفهم الخاصة جداً ، أنهم مسئولون عن إحداث تغيير في الظرف العام، لم يكن من سكان المخيمات ، أو معذبي الأزقة و فقراء القاع أو القمة ، بل ابن رجل بدأ حياته متوسطاً و ظل متوسطاً في كل شيء، من عائلة متوسطة الغنى ، متوسطة العلم ، ومتوسطة النسب ، ومتوسطة الوجاهة."(8) فالجملة الاعتراضية بين كلمة يؤمنون ، وكلمة أنهم هي من باب تدخل الراوي في السرد ، وفي ذلك استهانة بعقلية القارئ الذي لديه، بالتأكيد، القدرة على المحاكمة والاستنتاج ولكن الراوي يأبى إلا أن يشرح و يفسر .
        كما نجد تدخل الراوي في مقطع آخر: " و حسام المطارد أين ينام ؟ يجيء مع شقشقات الفجر وأذان الصبح ينقر شباك العلية و يقول، وهو ما زال خلف القواطع : " صباح الخير عمتي."(9) ونلمس تدخل الراوي في المقطع التالي:" لم أتكلم بل فضلت الصمت، فمن الممكن أن يكون المتكلم عصفوراً: العصافير جواسيس في غرف خاصة، والضيف الجديد يوضع بين العصافير..."(10) فقد تدخل الراوي بالشرح والتفسير ولم يترك للقارئ فرصة الاستنتاج والبحث .
        وقد لا يكتفي الراوي بالتدخل، بل يتجاوز ذلك إلى نفخ أفكاره من خلال بعض شخصياته ، تقول ناهدة  نزال  في روايتها على لسان الطفل أيمن " وتابع أيمن : حين أخرجت الحجر من حقيبتي وقذفته على الجنود؛ لم أكن أقصد إيذاء الإنسان فيهم بل كنت أقصد أن أقتل الوحش الشرير الذي يعاملوننا من خلاله ، انتبهوا، إن أيمن ليس طفلاً ، إن المعرفــــــة تهجر الطفولة."(11) .فالراوي (الكاتبة) لم يكتف ببث أفكاره من خلال الطفل أيمن بل إنه توقف فجأة قائلاً: " انتبهوا إن أيمن ليس طفلاً " و كأن الراوي قد اكتشف فجأة أن الكلام السابق على هذه العبارة ليس كلام الطفل ، فحاول تبرير ذلك بقذف هذه العبارة على أسماعنا، وقد أنطق الراوي الطفل بكلام أكبر منه، يسأل فضاء والده، بعد أن علم بلقاءاته بالإسرائيليين : " لماذا تلتقي الذين سرقوا أرضنا وفرضوا على عمي عبد القادر وعمي مروان أن يعيشا في الكويت؟! هل هناك بالفعل إسرائيليون جيدون؟! هل هناك جنود طيبون؟! لماذا لا يعطونا (هكذا) هؤلاء الطيبون البيوت التي يعيشون فيها لأنها لنا وبناها عمالنا؟! لماذا يبيعوننا الخضار والفواكه إذا كانت قد زرعت في أرضنا؟ لماذا وعدهم الرب بهذه الأرض؟ "(12) فنحن نجد أمامنا هنا طفلاً مثقفاً قرأ التوراة ودرس القضية الفلسطينية بطريقة أفضل من معظم الكبار.
        وتدخل الراوي أمر لا يقتصر على كاتب معين، فقد وقع  الكتاب معظمهم في ذلك، ففي رواية "حكاية عائد" لأحمد حرب، نقرأ المقطع التالي :" دخلت عليا غرفة أبيها لتوقظه، ووضعت يدها على خده و نادت يابا .. يابا .. يابا، لكن أباها كان لتوه قد مات ."(13)إن عبارة "لكن أباها كان لتوه قد مات " هي تفسير مجاني يقدمه الراوي لنا لتبرير عدم رد الوالد على عليا ، في حين أنه كان  بإمكان عليا أن تعبر عن ذلك بصورة أفضل .
         أما الراوي المشارك، فهو يساهم في بناء الحدث و تطويره ، ولا يكتفي بمجرد مراقبة أولئك الذين يصفون الأحداث، فالرواية بضمير ال (أنت) عند عادل الأسطة هي رواية بضمير ال(أنا)،ففي المقطع التالي نقرأ: " تقول لماورو الذي اعتذر عن تأخره: لقد طلبت القهوة  ولكني لم أشربها. بإمكانك أن تشربها، يعتذر ماورو، ويقول لك: سوف أشرب كوكاكولا. وتترك القهوة على حالها وتعتذر سريعاً. ثمة صداع، تسير على ضفة النهر سريعاً، ثم تعود لتذهب إلى البيت."(14)
فلو استبدلنا ضمير المخاطب بضمير المتكلم لما تغير شيء في بنية المقطع عدا ضمير المخاطب الذي  سنغيره، مما يؤكد أن المقطع مبأر تبئيراً داخلياً، حيث يصبح المقطع كالتالي: " أقول لماورو الذي اعتذر عن تأخره: لقد طلبت القهوة ولكني لم أشربها، بإمكانك أن تشربها. يعتذر ماورو، ويقول لي: سوف أشرب كوكاكولا. وأعتذر سريعاً، ثمة صداع ، أسير على ضفة النهر وحيداً، ثم أعود لأذهب إلى البيت."(15)
كما يمكننا ملاحظة المقطع التالي وتطبيق  الشيء نفسه عليه: " وتخاف في أثناء الإجازة من العودة إلى الوطن المضطرب؛ خوفاً من ألا تعود ثانية إلى ألمانيا فتخسر كثيراً. وتلحظ مانويل وحيداً دائماً، وحين تكون وحيداً يأتي ليجلس معك." فإذا ما غيرنا ضمير المخاطب واستبدلنا به ضمير المتكلم فإن المقطع يصبح كالتالي:"وأخاف في أثناء الإجازة من العودة إلى الوطن المضطرب خوفاً من ألا أعود ثانيةً إلى ألمانيا فأخسر كثيراً، وألحظ مانويل وحيداً دائماً، وحين أكون وحيداً يأتي ليجلس معي."وعليه فإن هذا المقطع مبأر تبئيراً داخلياً، أي أننا أمام راوٍ مشارك .
2ـ المروي عليه:
        قد يحدد الراوي المروي عليه، وقد يبقيه غير محدد، فيقص ويروي لمن يوجد لديه استعداد للاستماع، وقد حدد عادل الأسطة المروي عليه عندما قال: " تقول للسيد ألف باءراء: " لقد حزنت كثير اً لزيارة برلين" وتتابع : " ويحزنني أن فكرتي عن الاشتراكية بدأت تتهاوى أمام ما أرى."(16)
        وقد يتحول الراوي إلى مروي عليه عند عادل الأسطة كما في هذا المقطع:"يحذرك ألف باء راء من فرنسيسكا: لقد تغيرت كثيراً بعد أن ذهبت إلى إسرائيل" يقول لك ويواصل: "وهي تذهب الآن للكنيس، وتحضر الندوات، وقد أصبحت مقربة جداً من بيبو ابنة ألف نون بالتبني. لقد تغيرت كثيراً". فجأة يتغير ألف باء راء، يزور المحاضرات بشكل يدعو إلى العجب ويتعلم العبرية."(17) نلاحظ في المقطع السابق تعدد الأصوات السردية، فالراوي الذي يخاطب ال "أنت" الذي هو "أنا "الراوي في الوقت نفسه، كما يعترف بذلك عادل الأسطة نفسه، هذا الراوي يجعل من ألف باء راء راوياً للمروي عليه ال" أنت" وكذلك ل "أنا" الراوي، ولكن الراوي يصحو فجأة، ويتراجع إلى راوٍ مشاهد يتحدث عن ألف باء راء بضمير الغائب عندما يقول: "فجأة يتغير (هو) ألف باء راء، يزور (هو) المحاضرات بشكلٍ يدعو إلى العجب ويتعلم (هو) العبرية. " والراوي هنا يتوجه بالسرد إلى مسرودٍ له غير محدد، فلا هو أنت  المروي عليه، ولا هو أنا الراوي، وليس  ألف باء راء الذي عومل معاملة الغائب في هذه الحالة بينما كان حاضراً في بداية المقطع، ويكثر في الروايات الفلسطينية موضوع الدراسة، أن يتحول الراوي إلى مروي عليه، أو أنه يترك مهمة السرد لإحدى الشخصيات، بحيث تتمكن من  إخبارنا بما مرت به من أحداث، فها هو عائد ، الشخصية الرئيسية في رواية أحمد حرب يحكي للشيخ قصته دون زيادةٍ أو مبالغةٍ، يقول عائد: " وقد دفعتني امرأة، وهجمت على جثة أمي تخلص قلادتها الذهبية، وأنا واقف كالمشـــــدوه ، لم يكن مفر أمامي غير الهــــرب، لأن دوريات العدو تجوب المنطقة."(18) فبعد أن كان الراوي يتحدث مستخدماً الضمير (هو)، نجده ينسحب من مسرح السرد ليترك المجال أمام عائد ليقص علينا ما مر به، ويتحول الراوي إلى مستمع مثل بقية الشخصيات.
        ونجد  الشيء نفسه عند سحر خليفة، حيث يتراجع الراوي ليفسح المجال أمام عبد الرحمن الميثلوني؛ ليحكي له ولنا حكايته، يقول عبد الرحمن: " في يومٍ بعيد ، قبل خروجنا من فلسطين، كان والدي مزارعاً في بيارة برتقالٍ لأحد الأغنياء، ابن صاحب البيارة لم يطق تفوقي عليه في سباق الركض، فأهانني أمام بقية الطلبة، ورددت عليه الإهانة بأحسن منها، شتمني؛ فلعنت والده، صفعني فأرديته أرضاً، وعندما عدت في المساء، وجدت والدي في انتظاري وفي يده خيزرانة كسرها على أضلعي؛ وكرهت والدي ......"(19)
          إن تعدد الأصوات في الرواية يغير من وتيرة السرد ويساعد على تبادل المواقع السردية بين الشخصيات المختلفة، فقد يكون الراوي راوياً لبعض الوقت، ثم يتراجع ليصبح مروياً عليه أو شخصية عادية ، وفي رواية " الحلم المسروق " يتوجه الراوي بالخطاب إلى الشهيد خالد وكأنه إنسان حي يسمع ويستوعب ما يقال له، (20) أما في رواية " أشجان" فقد تولى قاسم عملية السرد حتى لحظة استشهاده، وهو يسجل كل ما يحدث معه، فهو كاتب مثل الراوي وحيد عند "أحمد حرب"، وبعد استشهاد قاسم يتولى إلياس عملية السرد ويجعل من الشهيد قاسم مروياً عليه،(21) وقد لا يكون المروي عليه فرداً معيناً، بل إن المروي عليه قد     يكون المجتمع كله، كما في رواية "الحاج إسماعيل "لصافي صافي" فهو يروي حكايته لمن يود الاستماع إليها من المجتمع، آملاً  أن يعري مسلكيات والده وقمعيته أمام الناس، ترى إلهام أبو غزالة أن "إسماعيل" ليست رواية، وإنما هي بنية أساسية لقصة قصيرة مع احتمالات لبنية رواية، ولكنها احتمالات يقمعها الكاتب، وترى أن الراوي يشكل البؤرة التي نرى منها الأشـــياء .(22) 
3 ـ الشخصيات :
أولاً: الشخصيات من حيث الدور الذي تؤديه:
أـ الشخصية الرئيسية:
        نجد في بعض الروايات أكثر من شخصيةٍ رئيسية ، ففي رواية " أيام لا تنسى " نجد شخصية   سمير وشخصية شقيقته سميحة، فقد قاما بدورين رئيسيين في تطور أحداث الرواية، كما نجد أن شخصية زيد في رواية ليل البنفسج هي الشخصية الرئيسية، كذلك شخصية وحيد عند هشام عبد الرازق، رغم ما يحيط بها من ملابسات وغموض، هي الشخصية الرئيسية التي تنتظم أحداث الرواية من بدايتها إلى نهايتها، فهي أشبه بالخيط الذي ينتظم حبات العقد، وقد يكون الراوي المشارك هو الشخصية الرئيسية في الرواية، كما في حكاية في"انتظار الحلم" لناهدة نزال.
         وتشكل رسمية حبة العقد في رواية "العذراء والقرية" فهي تستقطب الجميع من حولها، وتجعلهم يدورون في فلكها، بل إنها في ساعة موتها حازت على اهتمام الجميع، وقد تضاءلت جميع الشخصيات إلى جانبها، بما في ذلك شخصية الأب والأهل والزوج ووالد الزوج ووالدة الزوج، حتى شخصية مسئول المخفر تتضاءل أمام شخصية رسمية ،فهي شخصية رئيسية بكل ما يحمله التعبير من معنى، أما في رواية " لم نعد جواري لكم" فنجد أكثر من شخصيةٍ رئيسية مثل عبد الرحمن الميثلوني وفاروق وإيفيت وسامية.
       وقد لا نجد في بعض الروايات شخصية رئيسية مميزة، فقد قدم إبراهيم العلم في روايته " عينان على الكرمل " مجموعة شخصياته دفعةً واحدةً، حيث جعل من المجموع بطلاً له الدور الأهم في بناء الحدث وتطوير المواجهة للسلطة، أما في رواية سحر خليفه " الصبار " فيشكل عادل الكرمي أهم شخصيةٍ رئيسيةٍ في الرواية ، رغم أن دوره اقتصر على الناحية الفكرية، ورغم بقائه متمسكاً بأفكاره حتى النهاية ، بينما نجد شخصيات  شحادة وأسامة وباسل ورفيف هي شخصيات ثانوية، رغم أهمية الدور الذي أدته في الرواية بجزأيها.
ب ـ الشخصيات الثانوية:
        حفلت الروايات الفلسطينية المعاصرة بالشخصيات الثانوية، وقد نجحت سحر خليفة في تقديمها،فقد قدمت لنا الطفل الذكرعند ميلاده،وكيف تستقبله القابلة والعائلة وكل من في الدار، فقد وضحت لنا التمييز الذي تمارسه الأسر الفلسطينية بين الذكور والإناث من أبنائها منذ لحظات الميلاد الأولى، بل يصل الأمر إلى حد اعتبار  بول الطفل الذكر هو الكولونيا نفسها،(23) وبذلك تصل الراوية الأنثى إلى استنتاجٍ مؤداه أن البنت مصيبةٌ بالنسبة للأسرة الفلسطينية.
        وربما يستعين الكاتب بالحيوانات لإسقاط ما في نفسه عليها ، فيجعل من الحيوان شخصية ثانويةً في عمله الأدبي ، وقد اعترفت سحر خليفة بذلك على لسان الراوية إذ تقول: " وحين أراها تستبدل قطاً بقط بمنتهى السهولة واليسر، أحس بمعنوياتي ترتفع، وأطلق قهقهةً شامتةً وراء النافذة وأنتشي، لم أكن مجنونةً للأسف، ولهذا كنت أعي عمليات الإسقاط التي أقوم بها من خلال قطتي."(24)
كما أن الزوج في رواية سحر خليفة " مذكرات امرأة غير واقعية" هو شخصية ثانوية، حيث جعلت دوره يتضاءل إلى درجةٍ تكاد تجعل منه مجرد متطفلٍ على الحدث الروائي، ولولا أهمية وجوده لتوضيح موقف الراوية؛ لأمكن شطب هذه الشخصية؛ لتظل الراوية الشخصية المحورية في الرواية.
4ـ الشخصيات من حيث الثبات والتطور:
اـ الشخصية النامية (المتطورة):
        يواجه القارئ للروايات الفلسطينية عدداً من الشخصيات النامية والمسطحة، وسأعرض لبعض هذه الشخصيات كلاً على حدة:


الشخصيات المتطورة عند أحمد رفيق عوض:
شخصية رسمية :
        يضعنا الكاتب أمام شخصية رسمية مباشرة، حيث يقوم باستبطان هذه الشخصية وعرضها من الداخل فهي ترى أن " الرجال ليسوا كما يبدون في الظاهر وأنهم ضعفاء متهافتون"(25) وهي شخصية نرجسية تتوق إلى رؤية جسدها ، و تشتاق إلى شيء يلمس هذا الجسد الذي تعشقه ، و تريد أن يدغدغها شيء ، و في سبيل ذلك تتعرى مرة واحدة ، لتشعر باللذة،" ورغم نخزات الخوف من عيون متجسسة فإن ذلك زاد من لذتها ، ولما همت بلبس ثيابها ظهر أمامها خالد بن سليمان الهراوات. "(26) إلى هنا تبدو الأمور عادية ، رجل يصادف امرأة عارية تماماً فيقع أسيراً لهذا الجسد الرائع ، وتجري الأمور بسرعة و تتم خطبة رسمية إلى خالد الهراوات، (27) و بعد الزواج تكتشف رسمية أن زوجها مريض ، فهو يطلب منها أن تضربه، ومع أن رائحة البخور جعلتها هادئة، فإن خيبة الأمل سحقتها عند سماع زوجها يكرر طلبه راجياً إياها أن تضربه ، فقد كانت تحلم أن تصعق زوجها عندما تبدي له جسدها ، يكرر الزوج طلبه قائلاً : " اضربيني، أنا هكذا، وبقوة اكتسبتها من الخلجان هــــوت بكفيها على صدغه ....استمرت بضرب هذا الزوج بحقد عنيف"(28)
        ساهم الزوج المريض و الأب الذي يعتقد أن زواج البنت ستر وحماية لها ، في تطور شخصية رسمية، كما ساهم سليمان الهراوات في ذلك  ، فقد " عرفت رسمية ما يلم بعمها الجديد ، فلم يعد في نفسها خوف من رجل أواحترام ، واكتملت في دخيلتها عناصر الثقة والقوة ، فحكمت بيت زوجها كله، وأصبح الجميع تحت إمرتها ، فمنعت أم زوجها من التدخل في إعداد مائدة الإفطار في رمضان أو في ترتيب البيت ونظافته، أو في طلب مصروف البيت، أما أخوات زوجها المراهقات فقد جعلتهن يعبدنها ، فقد تعرت يوماً أمامهن، فشهقن أمام الجسد المتفجر، تحسسنها وهن يرتجفن، وكانت تلك أولى تجاربهن مع أجسادهن ، فأصبح هناك سر يجمعهن معها،فلم يرفضن سيطرتها وسطوتها."(29)
        وتكتمل سيطرة رسمية عندما تتذمر حماتها من عدم إنجابها ، وعندما تخبر رسمية حمــاتها بمـا يعانيه ابنها من ضعف، ترفض الحماة ذلك ويتوجه الجميع إلى طبيب  مشهور في نابلس، وتظهر النتيجة قاطعة ، خالد الهراوات لن ينجب إطلاقاً ، وأن الزوجة لا عيب فيها ، ونتيجة لذلك يتسم سلوك رسمية بالقسوة والعنف، (30) فهل ترمز رسميه إلى الطبقة المسحوقة، وهل أراد الكاتب أن يشير إلى أنه لن يحدث وفاق وانسجام بين المسحوقين وأولئك المتربعين على قمة الهرم الاجتماعي ، على الرغم مما قد يحدث من تقارب ظاهري .
        وتعتاد رسمية التعري أمام مرآتها ، وتدغدغ جسدها وحدها، في محاولة منها للتعويض عن عجز زوجها، و لكنها" لم تكن سعيدة بعد الانتهاء من ذلك ، فقد كانت تبكي وتشد شعرها، و لكن الفراغ و جفاف الأيام كانا يدفعانها إلى ذلك. "(31) و لما كان والدها يعاني من الفقر والعوز، فقد قدمت له ما يحتاجه من سمن و دقيق و تبغ .
        إزاء هذا الضعف المحيط بها من جميع الجهات، سواء في بيت زوجها، أو عند أهلها، فقد شعرت بالقوة والضعف معاً ، فهي قوية لأن الجميع ضعفاء أمامها ، وهي ضعيفة أمام متطلبات هذا الجسد الفذ والمتفجر في آن معاً ، لذلك نجدها تضعف أمام قبلة يطبعها أبو فيصل على يدها ، فتسمع صوت الدماء تجري في شرايينها، و" الشارب العظيم، حاكم البلد، يركع في حضنها ، وأنها تخون زوجها ، تخون لأول مرة "(32)
        و الغريب أن الخيانة تتكرر، و مع ذلك لم يشأ الكاتب لرسمية أن تنجب ، ترى ما السبب : هل كان أبو فيصل مريضاً هو الآخر ، أم أن الكاتب يريد أن يكشف لنا التناقض العميق بين نظام الحكم والجماهير وعدم إمكانية قيام توافق و تعاون فاعلين بينهما .
        وترتكب رسمية خطأها بل خطيئتها الكبرى عندما توافق على لقاء أبي فيصل في بيت فريحة الخياطة، هذه الخطيئة كانت العامل الأساسي في القضاء عليها وعلى أبي فيصل فيما بعد، فقد فاتتها فرصة التفكير ، ولم تحسب حساباً للعواقب أو النتائج،(33) و باستمرار علاقتها مع أبي فيصل؛ تنجح رسمية في أن تجعل من أبي فيصل رجلاً عادياً ، و حين تعود الرجولة لأبي فيصل؛ وينجح في إقامة علاقة مع رسمية؛ يقفز في الغرفة، وتعترف له رسمية بأنها صانت جسدها قبل الزواج من أجل أهلها، ويصحو ضمير رسمية،ونكتشف ذلك من  خلال  ما يدور في  خلدها " أنا مثل فريحة الزانية،  فريحة فتحت بيتها مبغى  وقبضت الثمن،وأنا زانية بدون ثمن، لا شرف لمن يزني بثمن ، و لا شرف لمن يزني بدون ثمن."(34) وتستمر رسمية في صحوتها فتسأل نفسها :" هل ستذهبين إلى الرجل الكاذب الذي يشترك في ذبح أهلك؟ كيف تفعلين هذا؟ رسمية يا رسمية ، عليك أن تذهبي وتأمري هذا الكلب أن يفرج عن أهلك ، يجب أن تذهبي مرة واحدة و أخيرة ، ثم لن تذهبي إلى الأبد. "(35)
         بعد هذه الصحوة وتأنيب الضمير، وبعد أن بررت لنا رسمية سبب ذهابها إلى بيت فريحة، وأنها ستكون المرة الأخيرة؛ لتطلب من أبي فيصل أن يفرج عن أهلها، نلاحظ أن الكاتب قد نصب مصيدةً ليوقع رسمية في شباكها، وما دام الكاتب قد كشف لنا ذلك الاستعداد للتوبة عند رسمية، وهذه الرغبة في التطهر، فلماذا جعلها تذهب أصلاً؟ ولماذا جعل غندور يدبر ذلك اللقاء ليشي بها إلى خالد الهراوات؟ لقد صحا ضمير ذلك القواد "غندور" فجأة ، وأدرك مدى نذالته، وبدلاً من أن يتطهر، نجده يسعى من أجل إحراق الجميع بنار الفتنة، حتى ينتقم لما لحق به من مذلةٍ وهوان من الجميع.
        وعندما يعرف صبري ما حدث من اكتشاف أمر ابنته وضبطها مع أبي فيصل في بيت فريحة الخياطة، يقرر صبري التخلص من رسمية بقتلها، " تناول صبري حجراً كبيراً، رفعه بسرعةٍ، وقذفه بعنف شديدٍ إلى رأس المرأة الجميلة، فانفلق مرةً واحدةً، وظهر الدماغ رمادياً يرتجف."(36) وبجملةٍ واحدةٍ يلخص لنا الكاتب كل ما حدث.يقول:" كل شيءٍ صمت.." تموت رسمية دون أن يغفر لها أحد سوى خالد الهراوات، فقد كان يفضل العيش معها رغم كـل ما حدث، بينما كان الجميع يود التخلص منها، لأنهم يرون فيما ارتكبته إدانةً لهم جميعاً، وكشفاً لعوراتهم، فرغم ما قدمته للأب ، فإنه لم يتورع عن قتلها بهذه الطريقة، لقد ساهم المحيطون برسمية في دفعها إلى طريق الرذيلة، ولم يسأل أحدٌ نفسه: لماذا فعلت رسمية ما فعلته؟ حتى أم رسمية، لم تفكر ولو مرة واحدةً في حياة ابنتها مع رجلٍ تعلم أنه عنين،لا يستطيع تلبية رغباتها الجنسية الجامحة، إن عقابها هو عقابٌ للمجتمع الذي صنعها، قتلت رسمية بيد من أحبتهم، كما  قتلت فلسطين بيد المحيطين بها في ذات اليوم 5/ 6/ 67 .
شخصية خالد الهراوات:
        يضعنا الكاتب أمام شخصية خالد الضعيفة، ومن خلال الرواية نكتشف أن خالداً يمتلك شخصيةً مسحوقةً بسبب تربية والده له، وهو يعاني من الضعف الجنسي ،كما أنه يتلذذ حين تضربه زوجته، وحين تصر والدته على التوجه إلى طبيب مشهور في نابلس، لا يجد بداً من الموافقة، ويكتشف الجميع حقيقة أن خالد لا ينجب أبداً، وأن تسلط والده قد ساهم في تدمير شخصيته وشخصية شقيقه صبحي، وتدفعه رسمية إلى العمل؛ فيعمل في الشرطة؛ حيث يساعد عمله الجديد على كشف مكنونات شخصيته، وعندما يطلق النار على المتظاهرين؛ يصدر قرارٌ بنقله إلى مدينة أخرى، ولكن أبا فيصل يتوسط له، " وللإنصاف فلم يعد خالد الهراوات يفرق بين أبناء الهراوات وأبناء الرواحين، فمن يحرض يعتقل، ومن يوزع منشورات يعتقل."(37)
         وإزاء هذا التطور في حياة خالد الهراوات، وهذه الشدة البالغة، نجد أن الجميع أصبحوا يرهبونه، وأخذوا يطلقون عليه النكات اللاذعة، فيسمونه "زوج رسمية" أو "خمسة وخمسين"، لأنه كان يبرم شاربيه على شكل خمستين، ومع ذلك لم يتهاون  في أداء واجبه، فلم يرحم أهل رسمية، وحين ذهب إلى آل ذيبان فاجأه صبري  بقوله إن أبناء محمد الزهرا وأبناء حمد الله يعملون لحساب أبيه، وأنهم يقطعون الحدود عن طريق وادي عارة، ويبيعون البضائع والمعلومات لليهود.(38)
        ولم يتوقف الأمر عند ذلك ، فقد قام السائس غندور، زوج فريحة، بإبلاغ خالد الهراوات أن أبا فيصل يهرب البضائع لليهود. وكما حدث مع رسمية، يصحو ضمير خالد؛ فيقول مخاطباً نفسه:" قليلٌ من الكرامة خيرٌ من ألف ألف دينار، أبول على أموال الدنيا ، وأصبح بعدها كريماً نظيفاً."(39)
       ونحن نلاحظ أن معظم الشخصيات الرئيسية تقترب من حافة التطهير، ولكن الكاتب حرمها من ذلك، إن شخصيات الرواية رغم تطورها، تأتي مبتورةً لم يتح لها الكاتب فرصة التطور الطبيعي أو التطهر من أدرانها.
        وحين يدبر غندور لقاء أبي فيصل برسمية، يقوم بإبلاغ خالد بنبأ اللقاء، ليقوم خالد بمفاجأتهما في غرفة فريحة المعطرة، " فتح باب الغرفة الصغيرة المعطرة، وأطل منه خالد الهراوات، فشهقت رسمية شهقةً مخيفةً ، انتبه لها أبو فيصل، رفع رأسه فرأى خالد، التقت العيون لحظةً واحدةً خاطفة." هنا ،  يدخل الراوي إلى عقل أبي فيصل الباطن، وينقل لنا ما يفكر فيه، " لن أحتمل أكثر من ذلك. إني ألقي كل أسلحتي، الوداع، سأقتل هذا الدماغ وهذا الجسد، الآن. " ويعود الراوي إلى السرد بضمير الغائب ثانيةً فيقول:" وبحركةٍ سريعةٍ كأنها البرق، سحب أبو فيصل مسدسه من جرابه، وضعه على صدغه وأطلق؛ فانقلب على السرير الناعم كأن لم يكن."(40) ورغم ما حدث يظل خالد متمسكاً برسمية، ضد رغبة أبيه، فقد تخلى خالد عن شخصيته الضعيفة الجبانة، كان خالد لا يجرؤ على الوقوف في وجه أبيه، وقد وصل به الأمر إلى درجة أنه عرض على زوجته رسمية أن يقتل أباه مبرراً ذلك بأن أباه هو سبب مشكلته، ويبوح لها بحبه: "أعبدك أيتها اللغز.. أعبدك أيتها المرأة المحيرة.. زانية؟ فليكن .. كلنا نمارس الدعارة .. أليس كذلك يا هرتي الشبقة؟ "(41) وتفاجأ رسمية بعمق التطور الذي حدث لخالد، فيستطرد في اعترافاته، ويخبرها أنه لم يكن في مستشفى جنين، بل كان في القدس، وأن طبيباً نفسياً قد عالجه، وأن الطبيب سأله عن علاقته بزوجته، ولما عرف أنه يعاني...... عالجه، وأنه الآن شخصٌ آخر،(42) وحين يطلب منه والده أن يطلق رسمية، يرفض خالد ذلك، ويتحدى والده قائلاً: " لن ترسم خطواتي بعد اليوم." ويعلق الراوي على ذلك قائلاً:" أحس خالد بأنه يمتلك جسده ويسيطر عليه." (43)
شخصية أبي فيصل:
        أبو فيصل هو قائد المخفر كما قدمه لنا الراوي المشاهد العالم بكل شيء، وقد جعلنا الراوي ندخل عالم أبي فيصل الداخلي دون مقدمات، فهو يعاني من العجز الجنسي، رغم الشاربين والبطن العريضة، ورغم الجاه والمكانة الاجتماعية، فهو لم يدخل عالم النساء منذ زمن بعيد، وهذه العبارة تفيد أنه قد سبق له دخول عالم النساء، إلا أنه اليوم يعاني من العجــــز الجنسي، ومما يؤكد ذلك قول أبي فيصل لنفسه: "اللعنة، ألف لعنة، كيف ذهبت القوة والعنفوان؟ "(44) وقد قدم لنا الراوي وصفاً لأبي فيصل، فهو رجل " بساقين غليظتين ، فوقهما بطن عريضة مزنرة بحزامٍ أسود،  وصدرٍ واسعٍ لا يتناسب مع الكرش المنتفخ، ثم فك صلب، وشفتين مقلوبتين إلى الأمام، فوقهما شاربٌ كث معقوف، وأنف أحمر واطئ، وعينين واسعتين في جحوظ، وجبهة ضيقة، وأخيراً، قبعة مثلثة صغيرة لا تخفي شيئاً من الرأس الأقرع. "(45) وبتقديمه لأوصاف أبي فيصل، يكون الكاتب قد برر لنا سبب استصغار الناس له، وأنهم لولا حديث صايل عنه لما أبهوا له، وقد عقد الحضور مقارنةً بين أبي فيصل وسليمان الهراوات الذي يجسد الأناقة والوجاهة، إضافة إلى كونه قريبهم وصهرهم، ولعل الوصف الذي قدمه لأبي فيصل هو أول وصف جسدي شبه تام لإحدى الشخصيات في الروايات الفلسطينية موضوع الدراسة .
        يتطلع أبو فيصل إلى رسمية، وحين يتوجه إلى بيت زوجها ، بحجة السؤال عنه، تقابله رسمية، وينحني أبو فيصل نحو الكف البض، ويقبله قبلة طويلةً رقيقةً صامتةً، فتسمع رسمية الدماء تركض في شرايينها، لأن "الشارب العظيم وحاكم البلد يركع في حضنها، وأنها تخون زوجها، تخون لأول مرة."(46)ومع تكرار ذلك تنجح رسمية في جعل أبي فيصل رجلاً عادياً، فقد كان قبل ذلك يفشل أمام رسمية، ويشعر بالخجل يجلله، ولما نجح أخذ يقفز في الغرفة.(47)
        وأبو فيصل رجل مغامر يحب الخطر ويرتكب الشر، ويستمرئ علاقته برسمية، ذلك أنه يخترق بيتاً من أمنع البيوت، وامرأة متزوجةً من جسمٍ بارد لا حرارة فيه ، وقد وضعنا الراوي أمام النهاية المرتقبة لأبي فيصل، عندما لجأ إلى الاستباق الزمني للأحداث، يقدم لنا الراوي ذلك من خلال تيار الوعي، يقول أبو فيصل:" وفي النهاية لن أخسر  شيئاً إطلاقاً، كل ما هناك أن أوجه مسدسي إلى صدغي وأطلق، ما أتفه هذه الخسارة، وما أتفه هذه الحياة، أعيش على حافة البركان، ثم أقفز فيه."(48) بهذه العبارة يكون الكاتب قد هيأنا ذهنياً ونفسياً لتقبل النهاية التي رسمها لأبي فيصل، ويتفق أبو فيصل مع رسمية على أن تقابله في بيت فريحة الخياطة، وبهذا يكون الكاتب قد دفع بهما في اتجاه النهاية المرســــومة، تتعرف فريحة إلى رسمية وتحدثها عن علاقتها بأبي فيصل وما يعانيه من عجز، تقول فريحة لرسمية : " ثم عندما تأتي اللحظة الحاسمة يعرق ويزفر ، ثم يلبسه الخجل من رأسه إلى قدميه." (49)
        وعندما يكتشف غندور علاقة زوجته بأبي فيصل يصمم على قتلهما، وهنا يتدخل الراوي ليبرر لنا عدم إقدام غندور على فعل ذلك ، يقول الراوي:" ولكن غضبه انفثأ بعد حين، فقد كان يفتقر إلى هذا الذي يوجد في صدر الرجل الشجاع المغامر، وانتهى الأمر إلى زيادة راتبه سراً بضعفين أو أكثر، وتحول في البيت إلى شيءٍ مهمل، ولكنه لم يعد يكلم فريحة كثيراً،وقبل أن يستقبل في بيته نساءً أخريات يستعملهن أبو فيصل، ورغب جداً في مهنته هذه ، وصار يتصيد النساء له أيضاً ." (50)
        لقد جعل الكاتب من غندور زوج فريحة قواداً، بحجة أنه يفتقر إلى ذلك الشيء الذي يوجد في صدر الرجل الشجاع، كما أن الكاتب يعرض لنا أبا فيصل على صورتين متناقضتين، فهو رجلٌ يعاني من العجز الجنسي، وفي نفس الوقت يتصيد له غندور النساء لاستعمالهن، فكيف يمكن التوفيق بين الحالتين، خصوصاً وأن شفاء أبي فيصل على يد رسمية ـ آخر النساء اللاتي تعرف أبو فيصل إليهن ـ جاء متأخراً.
      وعندما يعلم أبو فيصل أن أحد المهربين قد حكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، يلجأ إلى الحذر، ويتظاهر هو وسليمان الهراوات أنهما تجافيا، بعد ذلك يبدأ ضمير أبي فيصل في الاستيقاظ، كعادة شخصيات أحمد رفيق عوض، يقول أبو فيصل: " كيف أقول لهذه المرأة أنها تجعلني أخجل من أفعالي القبيحة، إنها امرأة أزني بها فيزداد قرفي من لحمي ودنياي، ولكني أحبها، الحب هو أكبر حقيقة أعيشها، لماذا جاء هذا الحب متأخراً؟ لماذا جاء وأنا أقذر خلق الله على الأرض؟ كيف لجاسوس أن يتطهر؟ وكيف للحب أن يطهره؟ "(51)
        لقد اقترب أبو فيصل من حافة التطهير تماماً مثل خالد ورسمية، ولكن الكاتب حرمه من ذلك كما حرمهما، ربما لأن صحوة الضمير جاءت متأخرة، وربما لأن أبا فيصل كان يخشى من مصارحة رسمية بأنه جاسوس لليهود، لأنها تكره الذين يتعاملون مع اليهود، وأنه قد يفقدها إذا صارحها، لقد أحبط الكاتب هذا الصراع النفسي عند أبي فيصل ولم يطوره، وهو في شهادته لرسمية، إنما يحكم لها بالنقاء الوطني رغم أنه جعل منها زانية، فهي أسيرة ظروفها  الاجتماعية والنفسية، ولا يملك المرء إلا أن يتعاطف معها، ويشفق عليها من المصير الذي لاقته، إن الكاتب يبتر حياة شخصياته بتراً تعسفياً، وكأن الكاتب قد صور لنا الحقيقةً كما حدثت على أرض الواقع دون إعمال لمبضع الفنان فيها  تهذيباً وإصلاحاً، بحيث تظهر وفيها إيهام بالحقيقة وابتعاد عنها في  الوقت نفسه.
الشخصيات المتطورة عند سحر خليفة:
شخصية سعدية:
        لم تبرز شخصية سعدية زوجة زهدي إلا في "عباد الشمس " الجزء الثاني من ثنائية سحر خليفة، فقد اقتصر دورها في " الصبار " على النظر من النافذة ومشاهدة الفتيان يركضون في الشارع، وسيارة الجيش تركض خلفهم . (52)
        ثم تلقي الأحداث بسعدية، بعد موت زهدي ، في خضم بحر الحياة الهائج، حيث تعمل من أجل كسب لقمة العيش، ويبدأ شحادة في إحضار الملابس المقصوصة لها لتقوم بدورها بخياطتها مقابل أجرةٍ محددة، ويفكر شحادة في الزواج منها، لكنها ترى فيه سخلاً أعجف قياساً إلى زهدي،" لا يبلعه زور ولا تهضمه معدة." (53)
       وتفكر سعدية في شراء قطعة أرض في الجبل المشمس، وفي الجلوس في الفرندة وشرب القهوة، " والبلد مفروشة تحت رجليها بساطاً، وتظل تمشي ولا أجدع جدع. "(54) وينعكس ما تعانيه من ضيق وكبت على معاملتها لأبنائها، فتضرب أحد أولادها بقسوة، يتكوم الولد الضحية في الزاوية، ويهرب بقية الأولاد إلى الشارع التماساً للطمأنينة، وتبدأ في النشيج ندماً على ما بدر منها بحق ابنها، وحين تهدأ تقترب منه، " تتحسسه بقلب موجوع، وتضمه إليها بعنف وتغرقه بالقبلات، وتعطيه حبة شوكولاتة، بعد أن تغسل وجهه، وترطب كدماته بالماء البارد، وتبعث به للحارة، يتجمع إخوته ، بينما تقوم بتحضير عشاء فوق العادة، تكفر به عن سيئاتها." (55)
        وتتخذ أول قرار  بنفسها بعد غياب زهدي فترفض الزواج من شحادة، فهو أعجف شاحب، أين هو من زهدي! ثم تنفذ قرارها الثاني، تترجم حلمها بشراء قطعة الأرض إلى  واقع، " وتشعر أنها أصبحت رجلاً أو نصف رجل."(56) أما قرارها الثالث والخطير، فهو النزول إلى تل أبيب في الصباح الباكر مع شحادة و زبائنه ، ولعل هذا القرار هو القرار الوحيد  الذي تقدم عليه سعدية دون تروٍ أو دراسة ،  لم يخطر ببالها أنها ستقف موقفاً كهذا، أو أنها ستضطر إلى الجلوس في أحد مقاهي تل أبيب.(57)
        وحين يخاطبها شحادة من موقع المسئولية، ترد عليه بأنها أم حمادة وليست سعدية كما ناداها، وأنها ليست حرمة، وإنما هي صاحبة مصلحة مثله تماماً، وأنها فقط المسئولة عن نفسها، ولا أحد مسئول عنها إلا الله،(58) ولكنها  تضعف عندما يتم اعتقالها مع خضرة، وبعد أن يفرج عنهما تعودان إلى نابلس ، وتموت  خضرة في الحمام دون أن تحرك سعدية ساكناً، تموت خضرة دون أن تتفوه سعدية بكلمة يمكن أن تساعدها في الخلاص من النسوة اللاتي اتهمنها في حمام المدينة بأنها جاسوسة.
        وحين يصادر الإسرائيليون الأرض التي اشترتها، يجن جنونها ، و لأول مرة تتخلى عن خوفها على ابنها ، وخوفها من أن يوقعها في المشاكل فتصرخ بأعلى صوت :" عليهم يا رشاد، عليهم يا ولدي ، عليهم يا حبيبي يا زهدي "(59) إلى هنا تتوقف شخصية سعدية دون أن يكتمل تطورها ، و قد كان المتوقع أن تكتمل أبعاد شخصيتها في الجزء الثالث الذي لم ير النور بعد، إن تحولها الثوري هو نتيجة طبيعية للظروف التي مرت بها من فقد للزوج و الأرض و شقاء في سبيل لقمة العيش و تحطم حلمها بالاستقرار مع أولادها و العيش عيشة كريمة في مكان لائق .
شخصية زهدي :
        زهدي زوج سعدية عامل بسيط ، يتميز بالمرح والفكاهة ، كان يعمل في نابلس بأجرٍ زهيد، و لما وقعت  المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي بدأ بالعمل في الداخل ، وعندما يقابل صاحب العمل العربي ، يمد هذا يده و يصافح زهدي و يسأله : إنت فين يا راجل ؟
        و بعد أن يعتقل الجيش حمادة بن زهدي، يفكر زهدي في الرحيل ، فقد سئم الحياة في نابلس ، فهو يعاني معاناة مزدوجة ، يعاني من استنكار أهل نابلس لعمله في الداخل ، و يعاني أيضاً من التمييز بين العامل العربي و العامل اليهودي ، و يصل به الحال إلى حد التفكير في الذهاب إلى سوريا ليعود فدائياً، لكن الأبناء يكبلونه و يمنعونه من تنفيذ هذه الخطوة ، يقول  زهدي :" مصانع ألمانيا أكلت من جلدي راقات .  و هناك لم أكن أحس بأي فرق بيني و بين أي عامل آخر . أما هنا فالفرق شاسع بين محمد و كوهين . الشغلة الثقيلة لمحمد والخفيفة لكوهين ، و للعمال اليهود غرف طعام فيها طاولات و كراسي. "(60)
        وعندما ينشب عراك بين عامل عربي وآخر يهودي، ينحاز العمال لا شعورياً ويدخلون المعركة، العمال العرب إلى جانب زميلهم ، و اليهود إلى جانب زميلهم ، و تذهب تنظيرات عادل الكرمي عن الإخاء الطبقي و الطبقات أدراج الرياح ، يعتقل زهدي و يذهب إلى الغرفة 23 في السجن ، ينظر إليه المعتقلون " وعلامات الاستفهام مرسومة على وجوههم، لم يرحب به أحد ، وظلوا ينظرون إليه بتوجس ، فأحس بغربة شديدة أشد من تلك التي عاناها طوال الأيام الخمسة الماضية في الزنزانة."(61) يأكل زهدي عشاءه وحيداً بينما اجتمع المعتقلون في حلقات يمزحون ويضحكون ، يشعر بالغربة ويتساءل" أهؤلاء عرب مثلي  أو بالأحرى هل أنا عربي مثلهم ؟ العمل في إسرائيل ليس عمالة.لماذا لا يفهمون؟"(62) إن هذه اللغة هي لغة الكاتبة وليست لغة زهدي، و بعد أن يصور لنا الراوي أفكار زهدي مستخدماً لغة الكاتبة ، يصوره لنا وهو يذرع الغرفة طولاً وعرضاً، و يركل الأقداح والقصعات، لقد ثار زهدي ثورة طفل أهوج .(63) يطيب المعتقلون خاطره، فيبدأ الدراسة ويحصل على الإعدادية في السجن، ولكنه يفكرفيما سيحدث لأساور سعدية لو طالت فترة اعتقاله .
        وبعد الإفراج عنه يعود للعمل في إسرائيل ، ويقوم أسامة بنسف باصات العمال أثناء وجود زهدي بينهم ، يهرب زهدي إلى الجبل ، و يسمع أسامة وهو يأمر أحد أفراد مجموعته بالانسحاب فيصرخ عليه ، و في الجبل يحاصر زهدي بين نيران الجيش و نيران مجموعة أسامة ، و يستحيل المفك في يده إلى سلاح يهوى به على ظهر الجندي ويقتله ، ويتحول  إلى قاتل رغماً عنه ،  ويزحف زهدي نحو الجثة، والمفك مازال منغرساً في ظهر الجندي، يقشعر بدن زهدي و تمر رصاصة بجانب أذنه فتمسحها ، يتحسس زهدي أذنه بفزع، يقف زهدي بطوله و يصيح يا عكاريت .. يا أولاد القحبة .. صلية بالعرض من رشاش أمريكي، ويموت زهدي دون أن يكتمل تطور شخصيته .
شخصية باسل :
        شخصية باسل هي أكثر شخصيات سحر خليفة قابلية للنمو والتطور ، فقد قدمته لنا  طفلاً يشارك في الفعل الثوري ، فهو يجري في الشوارع  يتظاهر و يهتف" إحنا رجال  أبو عمار"ويعتقله الجنود ويلبسونه كيساً من الخيش في رأسه ويضعونه في سيارة الدورية،(64) وفي السجن يطلقون على باسل لقب " أبو العز" و يبدأ باسل في اختراع الأكاذيب التي سيلقي بها على  مســـــامع أصدقائه بعد خروجه من الســــــــجن ،   فهو  يتخيل أنه  ضرب  الجندي والضابط، وأنه أخذ الكرباج من الجلاد وأشبعه ضرباً ، وأنه قلع عين الضابط بالكرباج ، وبعد خروجه من السجن يقوم أسامة بطعن أحد الضباط أثناء تواجده في سوق خضار نابلس ، ويقوم  عادل الكرمي بحمل الضابط بعد أن ينزع النجوم عن كتفيه. و يتحول باسل شريك أسامة في العملية إلى مطارد ، و يتم هدم منزل العائلة .
شخصية نزهة:
        نزهة من الشخصيات التي عانت من ظلم المجتمع ، فقدت أمها ، وهاجر أحد إخوتها إلى أمريكا، بينما أصبح أخوها أحمد مطارداً ، و تشعر نزهة بالضيق ، و تبدي امتعاضها من الانتفاضة ، وما وقع فيها من أخطاء ، و عندما تقول لحسام :" إذا كانت هيك الانتفاضة بدناش انتفاضة . قال بجفاف : مش إنت اللي بتقرري .
إذن مين يقرر ؟ إنت ؟ و الا شوية الولاد الهاربين من المدارس و دايرين في الشوارع بتقمعوا بالبلطات و السكاكين. "(65)
        وهي تتألم لأنها ضربت، وأن من ضربوها نسوا أنها اعتقلت، ويحتج هؤلاء بأنها خرجت من السجن بكفالة، فتذكرهم بأن عاصم المربوط خرج بكفالة أيضاً ، و أنه يمشي عرضين وطول ، هذا التمييز هو الذي يؤلم نزهة ، يعيرها حسام بأن بيت أمها كان مفتوحاً للرجال الغرباء قبل الانتفاضة ، فتخبره أن والده كان أحد هؤلاء الرجال .
        لقد وضعت سحر يدها على مأزق رئيسي من المآزق التي وقع فيها المنتفضون، فقد أخذوا يحاسبون الناس على ماضيهم قبل الانتفاضة، وكان الواجب أن يتيحوا فرصة التوبة والعودة إلى جادة الصواب لهؤلاء المخطئين ، تتذكر نزهة سيارتها الحمراء التي أحرقها رجال الانتفاضة ، ثم قتلوا أمها بعد ذلك ، و نكتشف أن نزهة قد تخلت عن ابنها و هربت من زوجها مع حلاق غدر بها ورماها بعد شهرين في عمان .(66)
وتخبرنا نزهة أن أخاها كان يضربها أيضاً ، وهنا تعود سحر خليفة لتؤكد موقفها من الرجل، فهو متهم دائماً بالتسلط والإساءة إلى المرأة، والقارئ يلاحظ أن عاصم المربوط الذي أحبته نزهة ، وعملت من أجله كل ما طلبه منها، وذهبت إلى ناتانيا إرضاءً له، وكذلك إلى تل أبيب، وخبأت السلاح، وسايرت الضباط من أجله، لم يدافع عنها، وتصبح بعد كل هذه التضحيات متهمة في شرفها  ووطنيتها. ومع كل ما تعانيه نزهة من ظلم المجتمع لها، فإنها في ساعة الجد تقوم بحماية حسام بعد إصابته، وتجعله يقيم في بيتها ، حيث لا يشك أحد في وجوده عندها، وهي ترى في حسام رجلاً أميراً، ومع ذلك فهو منفوخ مثل كل الرجال.
        تمزق نزهة ساق المستوطن بعد استشهاد أخيها أحمد، وتقول إنها إنما فعلت ذلك من أجل أحمد وليس من أجل فلسطين، وعندما تحاول إحداهن إحراق العلم الإسرائيلي وتفشل بسبب إصابتها بعيارٍ ناري تحمل نزهة الزجاجة و تفتحها و ترش السائل على اللونين ، وعندها همست سمر لنزهة: " وأخيراً عملتيها يا نزهة! هزت رأسها بدون تأثر و همست بفحيح مش عشان الغولة ، عشان أحمد و تناولت عود كبريت. "(67) و لعل نزهة هي الشخصية الوحيدة التي أتاحت لها الكاتبة فرصة التطهر، وأبقت نهايتها مجهولة ليجهد القارئ ذهنه في تحديد مصيرها . هل ماتت أم نجت وعادت عضواً طبيعياً في المجتمع .
الشخصيات المتطورة عند أسعد الأسعد:
شخصية زيد :
        يشكل زيد المحور الرئيسي في رواية "ليل البنفسج"، فهو الشخصية الرئيسية في الرواية وهو البطل ، و هو شخصية نامية متطورة ، فهو أشبه ــ من هذه الناحية ــ بشخصية رسمية في رواية العذراء و القرية من حيث كونها تستقطب حولها الشخصيات الثانوية المحيطة بها .
        يحكي زيد عن تجربته الشخصية حين حاول العودة إلى الضفة الغربية، ونجح في ذلك، فزيد الراوي المشارك يذكرنا بتجربة الكاتب نفسه ، فقد مر الكاتب بنفس التجربة،وفي بعض المواقع يضعنا زيد أمام مشكلته مباشرة، فهاهو يعود إلى الوطن ويطلب منه أن يفتح له ذراعيه، ويبرر لنا مخاطرته بالعودة بأن الأرض ضاقت به،(68) وبعد نجاحه في عبور النهر يفاجئه نداء يقطع صمته.." ادخل البيارة بسرعة ".. " أخذ يركض دون تفكير ، فما كان أمامه غير تلبية النداء ، وبصعوبة وصل إلى طرف البيارة .. انبطح أرضاً، لمح نصف مجنزرة قادمة تهدر من طرف البيارة الشرقي .. لقد مروا بجواره ، لكن كثافة  الموز أنقذته. "(69) وبعد ذهاب المجنزرة يناوله الرجل مجرفة ويطلب إليه أن يتظاهر بالعمل، وتتعدد الأصوات السردية في الرواية حيث يتحول الراوي من راوٍ مشارك إلى راوٍ مشاهد يحكي لنا ما حدث مع زيد يقول :"يذهب الرجل لإحضار الطعام، ويتأخر فيشك زيد، لكن الرجل يعود فيتعارفان، ويقول لزيد إن اسمه هو سالم عوض الله."(70) وينبئنا الراوي أن زيداً إنسان رومانسي يصاب بحالات من الاكتئاب ـ أحياناًـ تدفعه إلى الابتعاد عن الناس والخلو بنفسه، وهو هادئ بطبعه ، دائم الابتسام و المرح ، من الصعب أن يمنح ثقته للآخرين، وحين يمنحها فإنه يمنح هذه الثقة بلا حدود ، و هو شفاف ورقيق ، يحرص على توسيع دائرة أصدقائه و معارفه ، وهو يحسن الاستماع للآخرين ويحسن مجاملتهم ، وهو كتوم إلى درجة بدت معها حياته لغزاً لأقرب المقربين له من أصدقائه، (71) هذا الوصف المعنوي لزيد يختلف عن ذلك الوصف المادي و الجسدي لأبي فيصل الذي قدمه لنا أحمد رفيق عوض، في روايته " العذراء والقرية ". لقد جسد أحمد رفيق عوض شخصية أبي فيصل تجسيداً متكاملاً بينما لم يقدم لنا أسعد الأسعد هنا سوى الأوصاف المعنوية و الأخلاقية لزيد .
        يعود بنا الراوي إلى الوراء عبر الزمن الماضي ليحدثنا عن اهتمام زيد بالعمل السياسي، وبأنه أراد أن يفصل تنظيماً على مقاسه يتوافق و رومانسيته .(72) " و لا يزال زيد يذكر صديقه علياً حين جاءه بجريدة الحزب و قد خبأها في علبة السجائر، سأله يومها عن المنجل والشاكوش اللذين كان رسمهما يزين رأس الصفحة الأولى، وسأله عن معنى وحدة عمال العالم."(73) والراوي هنا يشير إلى أن زيداً كان على علاقة بالحزب الشيوعي دون أن يقول ذلك صراحة.
        و يحصل زيد على بطاقة هوية عن طريق أحد المتعاونين ، حيث كان والده قد تدبر أمر إحصائه ضمن العائلة ، ثم قام بالبحث عن عمل له ، و يخبره بأن يذهب إلى بيت أبي وليم، الذي كان بحاجة إلى مدير مبيعات ، و قد باشر زيد عمله الجديد دون أن تكون لديه أدني فكرة عن ذلك العمل، ينجح زيد في عمله ويتسلم أول مرتب له فيسلمه إلى والده، وكان زيد يقضي وقته كله في المشغل لأنه لم يكن لديه بديل ، كان أول من يحضر إلى المشغل وآخر من يغادره ، و قد طلب منه أبو وليم أن يحصل على رخصة قيادة سيارة. (74)
        يتسلم زيد استدعاءً من ضابط المخابرات في المنطقة ، يطلب منه الحضور لمقابلة كابتن روني مصطحباً معه هويته و جواز سفره و صورتين شخصيتين ، يبحث زيد في حياته عن شيء مهم يكون سبباً لاستدعائه ، فلا يجد سوى المشغل و رباب ، فقد فصل إحدى العاملات حين ضبطها تقرأ منشوراً في المشغل. (75)
        يحاول كابتن روني استغلال ضبط زيد  ورباب في فندق داخل إسرائيل ، و يهدده بفضح علاقته برباب ، أو أن يوافقه على لقائه أمام فندق الأمريكان كولوني في القدس ، ويوافق زيد تحت وطأة التهديد ، و حين بقابل الكابتن يخبره هذا أن رباب تخونه ، و يقدم له صورة رباب مع شخص آخر ، وهي شبه عارية بين يديه، (76) وحين يخبر زيد سالماً بالقصة ينصحه بتوكيل فولا المحامية ، و يتم تقديمه للمحاكمة و يحكم عليه وعلى رباب بالسجن ثلاثة شهور مع وقف التنفيذ وغرامة خمسمائة ليرة .
        بعد ذلك يعرض سالم على زيد العمل في التنظيم ، و يقوم زيد بنقل مواد متفجرة إلى شخص اسمه سمير بعد أن يسمع منه كلمة السر ، و تمر التجربة الأولى بسلام ، " وكما يتألق عباد الشمس، كان زيد يتألق حيوية و ثقة بنفسه ، افتقدها ردحاً من الزمن ، تبدلت أحلامه، وصارت أكثر تفاؤلاً ، و عزيمته أكثر مضاءً، كانت تملؤه النشوة كلما سمع عن عبوة ناسفة انفجرت هنا أو هناك ، يغمره إحساس بالتفوق ، و تدغدغه أحاديث الناس في الشارع والحوانيت تمجد الفدائيين. "(77)
        لكن الأمل لا يطول ، إذ سرعان ما ينكشف أمر زيد، يعترف عليه سمير ؛ و يأتي كابتن روني لاعتقاله، ينهال الجنود عليه ضرباً وجلداً، وفي السجن يضعون على رأسه كيساً ويربطون يديه للخلف، تتيبس ساقاه ، و لم يعد يستطيع الاحتمال أكثر من ذلك ، فيغمى عليه ، يفيق بعد ذلك ليجد نفسه في زنزانة ضيقة ، لا يزيد عرضها عن متر و نصف وطولها عن المترين ، (78) ومع كل التعذيب لم يعترف زيد وعندما ينقل إلى السجن العمومي يحذره السجناء من العصافير ، و لكنه لم يستوعب التحذير ، فيوقع به أبو كمال ، و يكشف سره ويجبره كابتن روني على التوقيع على اعتراف مكتوب باللغة العبرية ، يشعر زيد بالخجل ، ولا يخرج من الغرفة في أثناء الفورة ، فيعود إليه يسري ، يشده ويسير برفقته ليجد سالماً وقد  انتحى جانباً. (79)
        تغير هذه التجربة شخصية زيد، وحين حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات يبدو موضوعياً مع ذاته، اعترف بخطئه ولام نفسه على ما بدر منه، ويقرر ألا يضيع مدة السجن سدى  وأن يبني نفسه من جديد، إن هذا التطور في حياة زيد يتم بمؤثرات خارجية ، عن طريق سالم تارة، وعن طريق التأثر بطيف علي زغلول تارة أخرى ، ومع ذلك فقد أدت هذه المؤثرات الخارجية  إلى تولد قناعات داخلية ، لقد نجح الكاتب في وضع بذور التطور داخل شخصية زيد في أثناء  وجودها في السجن.
الشخصيات المتطورة عند جمال بنورة:
شخصية سميحة :
        قدم لنا الكاتب سميحة على أنها إحدى خمس أخوات ثلاث منهن متزوجات ، و أنها ليست على جانب من الجمال ، و هي تكره الحديث عن الزواج و تقول إنها ستبقى لخدمة والديها في كبرهما ، و قد كانت ترغب في إكمال تعليمها ، و لكن أهلها أخرجوها من المدرسة قبل أن تنهي المرحلة الإعدادية (80)، وتمتلك سميحة قدرة كبيرة على احتمال الشدائد، فقد تحملت مسئولية الأسرة بعد وفاة والديها، وهي مقتنعة بأن البنت يجب ألا تكون عالة على المجتمع ، بل يجب أن تكون شخصيتها مستقلة ، وانطلاقاً من هذه القناعة تخرج إلى العمل والحياة دون إرادة أخيها سمير،(81) وعندما تنشأ علاقة بين سميحة وفتحي؛ يشعر سمير أن فتحي هو الذي يفرق بينه وبين أخته ، وتبدأ سميحة بالتدخين دون علم سمير، (82) وتؤكد عملياً ما قالته له بأنها ستتخذ قرارها بنفسها ، وبالتالي فقد رفضت الزواج من يوسف ، و في إحدى المظاهرات تعتقل سميحة، وبعد الإفراج عنها يطلب منها سمير أن تقطع علاقتها بفتحي بعد خروجه من السجن ، وعندما يبعد فتحي إلى عمان، تقرر سميحة الذهاب إليه و الزواج منه ، و تبلغ سميراً أن يظل على اتصال بوليد ، يقول صالح زقوت:" فهذه الفتاة التي أريد لها أن تكون أسيرة العمل المنزلي ، أسيرة  المطبخ ، تخرج إلى العمل في مصنع خياطة وتتعرف على الحركات العمالية والنسائية، وتنمو شخصيتها وتقود نضالات نسائية، وتنظم الاجتماعات والاعتصامات."(83)

شخصية سمير :
        سمير إنسان متردد لا يستطيع أن يجزم أمراً ، فهو يحسد فتحي لأنه على استعداد للتضحية بحياته في سبيل ما يؤمن به، وهو يحب ناهدة، ولكنه يتردد في الزواج منها ؛ فتتزوج غيره، وتحاول أختها التحرش به، لكنه يظل أسير تردده، ويحاول نسيان سائدة أيضاً، ولكنه في النهاية يتخلص من خوفه وتردده، ويتأثر بكفاح شقيقته؛ ويعدها بأن يفعل ما تريد. يقول صالح زقوت عن سمير: " وهو أخو سميحة ، وصديق فتحي ، وهنا يطور الكاتب هذه الشخصية الرئيسية عبر تعرجات وأوهام وسقطات كثيرة؛ لكي يكشف زيف هذه الفئة الاجتماعية، ويكشف ترددها وأوهامها، ويحاول سمير في الشهور الأولى من الاحتلال أن يندمج في الواقع الجديد."(84)
       سمير هذا يحاول الانتقام لكرامته الشخصية والوطنية من خلال إقامة علاقات جنسية مع نساءٍ إسرائيليات، لقد حاول الكاتب  هنا أن يقتفي أثر الطيب صالح في روايته " موسم الهجرة إلى الشمال"، لكنه لم ينجح في ذلك لأن بطله متردد ؛ لا يجرؤ على اتخاذ موقفٍ واضحٍ من أية مشكلة تواجهه، ولكنه يبدأ في التفكير بعد إلقاء القبض عليه في أثناء ركوبه سيارة إسرائيلية، بعد وقوع انفجارٍ داخل تل أبيب؛ يدخل السجن وعند خروجه منه؛ يشعر أنه يعيش في سجن كبير، وعندما يحضر اجتماعاً سرياً بمناسبة الأول من آيار يشعر وكأنه ارتكب مخالفةً فظيعةً فيعود متخفياً، ويصاب سمير بصدمةٍ ثانيةٍ بعد صدمة السجن ، حيث تتخلى يوديت عنه وتختار صديقها شاؤل شريكاً لحياتها، وعندما يعرف أن أخته ستوزع بعض المنشورات يقرر هو أن يقوم بذلك، لم يتولد هذا القرار عن قناعة بهذه الخطوة ، وإنما جاء انطلاقاً من عقلية الرجل الشرقي الذي يؤمن أن مكان المرأة الوحيد هو البيت.
       ولكن سمير يقرر الانضمام إلى التنظيم، فقد بدأ يشعر أن لا معنى لحياته دون ذلك، وقد أخذ شعوره بالخوف يزول تدريجياً، (85) وعلى الرغم مما أقدم عليه سمير ،فإن التغير الذى طرأ عليه إنما جاء نتيجة مؤثرات خارجيةٍ ولم ينتج عن قناعات داخلية ، لذا فإن شخصيته أقرب إلى الشخصية المتحولة منها إلى الشخصية المتطورة .