المنهج البنيوي في النقد الادبي الحديث



تعريف النقد البنيوي
النقد البنيوي
المنهج البنيوي في النقد الادبي الحديث
تعريف المنهج البنيوي وخصائصه
المنهج البنيوي في تحليل الخطاب
تعريف البنيوية لغة واصطلاحا
المنهج البنيوي
عيوب المنهج البنيوي

المعضلة البنيوية تفسر السبب الذي دفع النقد البنيوي الى القيام بوظيفة ثنائية  فهو أولاً يقوم بتحليل العمل الفني . ويسعى ثانياً الى اكتشاف البنى الادبية الكامنة او تعريفها"(2). ومع ذلك " لم يكتشف الى الآن او لم يُفهم الى الان ما المقصود بالبنى في الادب او ما المقصود ببنية الادب حقيقة ، ولهذا السبب مازالت البنيوية في مراحلها الاولى في الادب على الرغم من بعض الانجازات الكبرى التي قدمت في هذا الحقل"(3) بل حتى في حقول المعرفة الاخرى ، يشكك العديد من الباحثين والنقاد بإمكانات المنهج البنيوي ويرى بعضهم ان البنيوية تعيش حالة انقسام بين ما تعد به وبين ما انجزته او حققته "وفيما اذا تعلق الامر بعلم الاحياء او باللسانيات او بالادب فإن السؤال الذي يظل قائماً هو : هل بالامكان تحقيق كلية منظمة دون الاخذ بالاعتبار ما تهدف اليه او دون افتراض معرفة ذلك الهدف على الاقل ؟ واذا كان المعنى لا ينطوي على خاصيته المعنوية إلاّ ضمن اُطر تلك الكلية ، فكيف يتشكل هذا المعنى اذا لم تتجه الكلية الى قصد او هدف تريد تحقيقه . والاكثر من كل هذا كيف يتكرس الانتباه حول وجود علاقة ترابط ضرورية بالوعي "(4) مع إهمال البنيوية للمعنى في خصوص النص الادبي رغم تسليمها بتعدد المعاني فيه ، مما يعني ان "البنيوية تمنح بصيرة عميقة بأساس الفهم وسيرورته ، إلاّ انها حينما تواجه الادب تخفق في تقديم اجابات مقنعة .
   ويمكن القول ان مواجهة الادب تعني مواجهة الذهن الانساني المعقد ، و لذا يكون الفشل مفهوماً"(5). وفضلاً عن ذلك فإن التحليل البنيوي للادب" ليس هو التحليل القادر على ربط الادب بالقارئ وإنما هو أقرب الى تحليل المختبرات الرياضية التي يعنيها النص بحد ذاته كجسم لغوي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إشكالية تأصيل الحداثة /98
(2) س. رافيندران ، البنيوية والتفكيك /28
(3) المصدر السابق /17 
(4) عبد الله ابراهيم وآخران ، معرفة الاخر/27
(5) البنيوية والتفكيك /61

صوتي او دلالي ... النقد هنا هو نص معملي وليس خطاباً . هذا الاتجاه في الغرب هو حصيلة دراسات مستمرة منذ عشرات السنين في مجالات اللغة واللسان والاصوات والانثروبولوجيا البنيوية . وقد تفرعت عنها علوم اخرى كعلم الدلالات وعلم الاجتماع الادبي "(1) ولكن حصيلة كل ذلك بالنسبة للمنهج البنيوي في النقد ، هو عزل النص عن الخارج . وقد يصحّ العزل المؤقت لبنية النص الادبي عن الخارج "ولكن هل يمكننا ان نبقي النص في عزلته ؟ وهل ان النص حقاً هو معزول ؟ وهل ان استقلالية النص تعني اقامة الحدود بينه وبين ما هو خارج او قطعه عن هذا الخارج ؟ ان النص الادبي على تميزه واستقلاله ، يتكون او ينهض وينبني في مجال ثقافي هو نفسه – أي هذا المجال الثقافي – موجود في مجال اجتماعي .
   وان ما هو داخل في النص الأدبي هو – وفي معنى من معانيه –خارج ، كما ان ما هو خارج هو ايضاً – وفي معنى من معانيه – داخل ... النص أو النصوص الادبية التي يمكننا ان ننظر فيها ، في استقلالها كبنية ، هي ومن حيث وجودها في المجتمع ، عنصر في بنية هذا المجتمع . وإذا كان المنهج البنيوي لا يمكنه ان ينظر بحكم عامل العزل  الى هذه الصفة المزدوجة لموضوعه ، أي الى كونه بنية وفي الوقت نفسه عنصراً في بنية ، فانه أي المنهج البنيوي يتحدد كمنهج يقتصر على دراسة العنصر "(2) ويعجز عن إدراك العلاقة بين داخل النص وخارجه وقد انتقل هذا المنهج النقدي الى بلادنا بنتائجه وحدها دون المقدمات أو السياق الذي لم يتوافر لتطورنا الأدبي ". هذا الاتجاه في وهم البعض يعيد للأدب كينونته المستقلة ذات السيادة والمستلبة منذ أمد بعيد من جانب مختلف الأيديولوجيات.
   هذا الاتجاه أخيراً ينقذ النقد من الانحياز الفكري الاجتماعي فيصير وكأنه دولة فوق الطبقات يلوذ به الهاربون من الالتزام والمواجهة فينعقد لهم الصلح التاريخي مع اهل اليمين الذين يتسترون بجمال الفن لحماية القبح في الحياة "(3) وأول هؤلاء هم دعاة الحداثة العربية المفتونون بصرعات الغرب وهرطقاته وحذلقاته العابثة فقد" سعت المدارس النقدية الحديثة التي نقلت الينا على انها طفلة غريرة بعد ان هرمت وشاخت في الغرب ، سعت الى اقناعنا وما زال اتباعها عندنا يسعون الى اقناعنا بان دراسة النص بنيوياً هي الوسيلة الأحدث ، بمعنى انها الوسيلة الافضل والاشمل لدراسته. واذا سألناهم :الافضل لماذا ؟ سكتو. فإذا قلنا :أهي الافضل لفهم النص ؟ صاحوا مستنكرين :لا... ليس الفهم او الافهام غايتنا ،واذا قلنا لهم :وكيف يكون الجزئي هو الاشمل ؟ تمادوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غالي شكري ، برج بابل . النقد والحداثة الشريدة /101
(2) يمنى العيد ،في معرفة النص/38
(3) برج بابل . النقد والحداثة الشريدة /102
وسخروا من سذاجتنا ، ونصدق اتهامهم لنا بالسذاجة ، فنحن فعلاً لا نفهمهم جيداً وكثيراً ما نعزي عدم فهمنا لهم الى نقص فينا لا فيهم ونعكف على دراستهم جيداً ، نقرأ صابرين اهم ما يصدرونه من دراسات ، ونجد ان مدرستهم صارت مدارس وان بنيتهم صارت بنى ، وصارت بنيويتهم بنيويات كثيرة"(1) يسودها الاضطراب والتناقض وتداخل مناهج النقد الحداثية " فهذه المناهج مازالت بدورها محاولات رغم الخطوات الكبرى والهامة التي خطتها وهذا ما يضع نقدنا الحديث المستفيد من هذه المناهج موضع القلق والاضطراب الدائمين ويفرض عليه العمل لتأسيس فكر علمي يستحيل ان يتحقق مقتصراً على ميدان من الميادين بل لابد من تحقيقه ككل وفي مختلف الميادين وخاصة ما كان منها متصلاً بالنقد الادبي كعلوم اللسانيات من فنولوجيا وتركيب ودلالة"(2). ولكن واقع حال النقد العربي المعاصرهو اتخاذه شكل المراجعات السطحية التي تكتب للصحف والبرامج الاذاعية ، او شكل الدراسات الاكاديمية التي تتخذ من الحذلقة اسلوباً ومن التعالم هدفاً .
   وهذه الدراسات نجحت فقط في صرف القارئ عن الشعر والنقد معاً حين اضافت الى غموض النص الشعري غموض التعالم ورطانة الحذلقة (3). وراح نقاد الحداثة العربية يشكو بعضهم لبعض سوء فهم المنقول الحضاري عن الغرب والعجز عن تمثله والتباس المصطلح واغواء الحداثة في بعدها الشكلي فقط والوقوع في دائرة المتشابه وانتفاء الخصوصية بالاضافة الى افتقاد الاصول وغير ذلك من نقائص المنهج البنيوي الذي يدعي كل منهم انه الأحق بتبنيه والاكثر صواباً في تطبيقه ، وتعالت صيحات الادباء والشعراء بحاجتهم الى الحركة النقدية المواكبة لهم وبأن الموجودين الآن هم إما صحفيون وإما اولئك الذين يكتبون نصوصاً عمياء من البنيوية التي تصلنا في اردأ صور الترجمة العربية ، وراحوا يطالبون بالخروج من هذا المأزق وعودة النقد (4). ونجد ان معظم النقد الموجه الى المنهج البنيوي لدى العرب هو من اتباع هذا المنهج انفسهم وذلك من خلال نقد بعضهم لبعض وبيان اخطائه في الفهم او التطبيق ، فنسمع بعضهم ينقد الاتجاهات والمقاربات النقدية الحديثة بأنها " بانهماكها الكبير بفحص آليات النص الشكلية والبنيوية ، نسيت او تناست المستوى الدلالي للنص الادبي عموماً والنص الشعري بشكل اخص واكتفى بعضها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اسئلة الحداثة بين الواقع والشطح /14  
(2) في معرفة النص/121
 (3) ينظر: محمد دكروب ، تساؤلات امام الحداثة والواقعية /58
(4) ينظر: برج بابل . النقد والحداثة الشريدة /47

بملامسة المستوى الدلالي ملامسة محدودة وجزئية وشكلية او لغوية في الغالب  ، فيما احجمت مقاربات اخرى عن الاقتراب من تحليل المعنى والدلالة بشكل ملفت للنظر انطلاقاًَ من فكرة ان النص الادبي والشعري خاصة هو بنية السنية (لغوية) مكتفية بذاتها ، وليست بحاجة الى الاحالة الى أي مرجع خارجي او وقوف امام دلالة او معنى "(1) ثم يرى هذا الناقد الحداثي بان الحاجة اصبحت ماسة لضمان تأسيس مقاربة او مجموعة من المقاربات الدلالية التي تهدف الى ردم هذه الثغرة والاتجاه صوب استنطاق المعنى والدلالة في الخطاب الادبي عموماً ، والخطاب الشعري بشكل اخص .
   ويدافع بعضهم الآخر عن القارئ والجمهور وحركة التاريخ بوجه هذا النقد البنيوي الحداثي فيقول :"وكما يعزل هذا النمط من النقد النص عن كل ما هو خارج النص ، دون ان يسمح لنفسه – منهجياً – ان يرى هذا الخارج في الداخل أي في حركة البناء الداخلي للنص نفسه ، كذلك فقد اتى هذا النقد الينا حاملاً اسواره العازلة عن القارئ والجمهور وحركة التاريخ وبهذا لم يسمح للقارئ ان يتفاعل مع منجزات هذا النقد ويتخذ منها ضوءاً للتفاعل الأعمق مع نصوص الشعر العربي الحديث ، كما لم يسمح لنفسه ان يفك بعض فعاليته الاكاديمية ليتفاعل هو مع الناس وحركة التاريخ فظل منغلقاً في عليائه بين عدد محدود ومحدد من الباحثين الاكاديميين يسبح ذاته بذاته"(2). وفي مجال التطبيق يعيب هذا الناقد على معظم الآخذين بهذا المنهج الحديث" أن الناقد منهم يتعامل مع النص كأنه – مسبقاً – بنية مكتملة وعمل فني كامل ، ويحلله على هذا الاساس فتصير الدراسة وصفاً للعمل وتحليلاً حيادياً له وتبتعد عن كونهاً نقداً .
   فتتساوى بهذا كل البنى! وهي غير متساوية لا في اكتمالها ولا في نقصانها او خللها ، ولا خاصة في قيمتها الفنية المعرفية ولا في قولها "(3). ومن ثم يطالب الناقد امثاله الحداثيين بالاجتهاد والتطوير والتطويع لهذه المناهج الحديثة لغرض التوصل الى ذلك المعادل النقدي المنهجي الذي يسمح بدراسة النص واكتشاف دلالته وجماله . ومن الجدير بالذكر ان نقاد العرب الحداثيين المطالبين بتطوير المنهج البنيوي بعدم عزل العمل الفني عن مهاده الاجتماعي وعدم حصر الدراسة داخل بنية النص وضرورة اعتبارها عنصراً في بنية اشمل اجتماعية وثقافية ، هؤلاء النقاد ليسوا مجددين في دعوتهم هذه ، بل هم مقلدون للغرب ايضاً يجترون ما هضموه من افكار دعاة البنيوية التكوينية (الماركسية) التي مر ذكرها في هذا المبحث ، وليس ادلّ على تقليد هؤلاء النقاد من ان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تساؤلات امام الحداثة والواقعية /61
(2) المصدر السابق /56
(3) المصدر السابق/18
معظمهم ذوو توجه ماركسي ، وهم يواجهون نفس المشاكل التي واجهها قبلهم دعاة البنيوية التكوينية ، من صعوبة بل استحالة تطبيق هذا المنهج لما يتصف به من طابع الشمول والكلية ، وما يفرضه من حتمية العلاقة بين بنية النص وبنية المجتمع ، وتجاوزه ذات الاديب ووعيه الفردي كمصدر للمعنى ، وتركيز الاهتمام نحو النسق الذي تنزاح فيه الذات عن المركز .
   ولذلك فلا يمكن لهذا المنهج ان يحقق التوازن المطلوب في دراسة النص الادبي وتحليله وتحديد قيمته الفنية . وهكذا يشترك البنيويون – على اختلاف توجهاتهم – بجملة نقائص ومآخذ تقدح في صحة المنهج البنيوي وتشير الى ضعفه في مجال النقد الادبي رغم مارأه بعضهم في البنيوية من ميزات ايجابية اهمها تحرير ذات الانسان من سطوة الفلسفات العقلية السائدة كما يرى ذلك الدكتور عبد السلام المسدي حيث يقول :" لكن اهم مميز يمكن لنا اليوم ان نستنبطه من خصوصيات البنيوية على صعيد القراءة النظرية هو الموقع الجديد الذي احتله الانسان ضمنها ، فالفلسفات المألوفة كانت دائماً حسب تقديرنا تنطلق من شيء ما هو خارج الانسان لتنتهي الى شيء ما يتجاوز حدود الانسان بعد ان تكون قد غاصت في عالم الوجود عبر الكائن البشري ، فالانسان من حيث هو بذاته قد كان دوماً واسطة العقد في القلق الفلسفي ولكنه لم يكن في حد نفسه علة وجوده ولا غاية مطافه "(1) . ولكن البنيوية التي حررت الانسان من عبودية الفلسفات العقلية – على رأي المسدي – هي التي جعلته حبيس انساق النص خاضعاً لبناه مزاحاً عن مركزه اللائق به في هذا العالم ، فليست حريته – مع البنيوية – الا ضرباً من الوهم والسراب الخادع الذي يبحث عنه في متاهات النص من غير ان يدرك له بداية او نهاية كمثال رولان بارت الذي "شبه فيه النص بفصّ البصل حيث لا لب ولا نواة ولا قلب ولكن هناك بصلة تتكون من أغشية متتالية بعضها فوق بعض . ونزع الغشاء يكشف عن غشاء مماثل حتى النهاية حيث لانهاية ولابداية فكلها اغشية وكل الاغشية لب "(2). ويزجّ هذا المثال بالناقد البنيوي في بيداء النص المظلمة ويبعثر جهده في عالمه المجهول بعد ان يقنعه بأن وجود النص الادبي ذاتي فيه وليس لشيء مخبوء فيه، وبهذا يرجع الناقد القهقرى الى نظرية الفن للفن وما دعا اليه لوكنت دوليل وجوتيه من ان الادب لاغاية له لانه غاية في حد ذاته حيث لا اخلاق ولا خير ولا شر في المذهب البرناسي . ولكن الناقد البنيوي لا يعترف بهذا التراجع الى مذهب قديم ونظرية عتيقة ، بل يلبس دعوته رداء الحداثة والتقدم العلمي في بحث اللغة وتطور الدراسات اللسانية في القرن العشرين بدءاً من العالم اللغوي دي سوسير الذي تجاوز النظرة التاريخية في دراسة اللغة وأحل مكانها النظرة الآنية التي ترى في اللغة نظاماً من العلامات لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د.عبد السلام المسدي، قضية البنيوية /28
(2) د.عبد الله محمد الغذامي ، الخطيئة والتكفير/15
تربطها بالعالم الخارجي عنها رابطة لأن لها قوانينها الداخلية التي تجعلها متفردة عن الأشياء بل هي بيت الوجود الذي تولد فيه الأشياء وليست مجرد تعبير عنها ، ولذلك قال سوسير بأن المدلول صورة ذهنية وليس شيئاً خارجياً يمثله الدال . ونمت هذه الفكرة في مدرسة الشكلانيين الروس الذين قادهم الاهتمام بالجانب الفني في دراسة النص الى أن يعاملوا الأدب بوصفه استعمالاً خاصاً للغة يحقق لها التمييز بانحرافه عن اللغة العملية المشوهة أو كما يرى ياكوبسون أن هذا "يحدث من خلاله حركة ارتدادية ترتدّ فيه الرسالة الى نفسها . فالرسالة – كقول لغوي – تتجه بحركة سريعة من باعثها الى متلقّيها وغايتها هي نقل الفكرة ، واذا ما فهم المتلقي ذلك إنتهى دور المقولة عندئذ.
   ولكن في حالة (القول الأدبي) تنحرف الرسالة عن خطها المستطيل وتعكس توجه حركتها وتثنيها اليها ، الى داخلها بحيث لا يصبح المرسل باعثاً ، والمرسل اليه متلقياً ، وإنما يتحول الاثنان معاً الى فارسين متنافسين على مضمار واحد يضمهما ويحتويهما هو القول أي (النص) ويتحول القول اللغوي من رسالة الى نص ولا يصبح هدفها نقل الأفكار أو المعاني بين طرفي الرسالة ، ولكنها تتحول لتصبح هي غاية نفسها وهدفها هو غرس وجودها الذاتي في عالمها الخاص بها وهو جنسها الأدبي الذي يحتويها "(1). ورغم أن دي سوسير لم يستعمل كلمة (بنية) أبداً لأن المفهوم الجوهري في نظره هو مفهوم النسق أو النظام، الاّ أن رولان بارت أوضح صلة البنيوية بمفهوم النسق من خلال اشارته الى: أن البنيوية في معناها الأخص هي محاولة نقل النموذج اللغوي الى حقول ثقافية اخرى .
   وعرفت أمريكا تياراً عرف باسم (علم اللغة البنيوي) وقد شهد هذا التيار ازدهاراً على يد عالمين أمريكيين هما سابير وبلومفيلد ، كما دخلت البنيوية حقل الانثروبولوجيا على يد شتراوس . وقد واجهت البنيوية في الغرب نقداً فلسفياً من قبل ثلاثة تيارات رئيسة هي : النقد الوجودي ، والنقد التاريخي ، والنقد التفكيكي . وفي العالم العربي ظهرت اولى محاولات البنيوية في وسط المآخذ التي سجلت على جماعة مجلة (شعر) والمتعلقة باستعارتهم عمراً ثقافياً لا يناسب العمر الثقافي العربي ، بل إن (شعر) نفسها صرحت في آخر اعدادها أنها اصطدمت بجدار اللغة . ولم تكن الأذرع مفتوحة دائماً للبنيوية ، وواجهت إنتقادات كثيرة لافتقاد اصحابها النموذج اللغوي المطلوب في النص العربي ، وعدم اطلاعهم على مفاهيم البنيوية في مصادرها الأصيلة مما أوقعهم في الاضطراب وعدم التمكن من استخدام الجهاز المفاهيمي الذي تتحرك فيه البنيوية (2). فكثر لديهم التخبط في استخدام المنهج البنيوي لتنفيذ مطالب الحداثة كرؤية للحياة والكون وعدم الاقتصار على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق/8
(2) ينظر: معرفة الآخر/39-72
الأدب، وكمحاولة لإلغاء القديم والثابت ورفض الدين والتراث المرتبط به ، وتحطيم اللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها شعراً ونثراً ، والاعتماد على الثنائيات المتضادة وشبكة العلاقات في تقييم الاشياء بعد الغاء وجودها الجوهري ، وكثرت لديهم المصطلحات الدالة على حالة التيه وعدم التصور العلمي الدقيق لموضوع البحث فضلاً عن افتقاد الغاية والهدف لهذا المنهج ، فمن مصطلحاتهم : اللامحدود واللانهائي ،اللاحقيقة ،اللاواقع ،الانعتاق من كل القيود ، الثنائيات الضدية(1) وغير ذلك من الالفاظ والعبارات الدائرة في تصوراتهم عن الادب وضرورة تحقق (الشاعرية) فيه ، اذ" يعتمد النص الادبي – على شاعريته ،على الرغم من ان النص يتضمن عناصر اخرى ولكن الشاعرية هي ابرز سماته واخطرها"(2) ولا تتحقق الشاعرية لديهم الا بانتهاك قوانين اللغة المألوفة وتحويلها الى سحر ينتهك بدوره الواقع المعتاد ويحوله الى خيال ، كما نجد هذا التصور لدى الغذامي حيث يقول :" فان الشاعرية انتهاك لقوانين العادة ينتج عنه تحويل اللغة من كونها انعكاسات للعالم او تعبيراً عنه او موقفاً منه ، الى ان تكون هي نفسها عالماً اخر ربما بديلاً عن ذلك العالم . فهي اذن (سحر البيان) الذي اشار اليه الاثر النبوي الشريف . وما السحر الا تحويل للواقع وانتهاك له بقلبه الى لاواقع او هو تخييل على لغة القرطاجني أي تحويل العالم الى خيال "(3). ويلاحظ هنا ان الناقد يستدل على نظرية (الشاعرية) بالحديث النبوي المشهور:(ان من البيان لسحرا وان من الشعر لحكمة) مستغلاً الشطر الاول من هذا الحديث لدعم نظريته ،غافلاً او متغافلاً عن الشطر الثاني الذي يجعل من الشعر حكمة، ومن الواضح ان الحكمة لاتكون بانتهاك الواقع وتحويل حقائقه الى خيال .
   بل شرط الحكمة أن تكشف عن الحق الثابت الذي يقره العقل السليم والمنطق المستقيم ، اما اوهام الخيال التي تقلب حقائق الواقع ، فليست من الحكمة في شيء وبالنسبة لسحر البيان المذكور في هذا الحديث ، فقد جاء في سياق قصة الزبرقان وعمرو بن الاهتم وهما عند رسول الله(ص) "والذي عناه رسول الله (ص) قوة الحجة المقنعة وسلامة المنطق وبيان المعنى وبلوغ الغاية "(4)، فهو ليس السحر العادي كما تصور ذلك الغذامي رغم اصراره على ان "الشاعر يحرر الكلمة من معانيها ، مما علق بها من غبار السنين فيطهرها ويغسلها ويطلقها حرة تحلّق ... وهو بحساسيته المفرطة يرتقي فوق كل قيود الواقع ... وهذا هو سحرالبيان"(5) ولا يتفق هذا التأويل مع وضوح المعنى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الحداثة في منظور ايماني /251
(2) الخطيئة والتكفير/22
(3) المصدر السابق/26
(4) تقويم نظرية الحداثة /173
(5) الخطيئة والتكفير/27
المقصود من البيان في كلام العرب، وفي الحديث النبوي الجاري على اسلوب العرب في كلامهم . ونجد هذا النوع من التأويل القسري الخاطيء عند الغذامي ايضاً في استشهاده بآيات القرآن الكريم كقوله تعالى: { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ }(1) اذ حاول ان يستدل به على نظرية الشاعرية فقال:"الشعر تحرر للغة والانسان وانعتاق من كل القيود .
   والشاعر ليس الا هائماً منطلقاً خارج نفسه وخارج واقعه ... وكل محاولة لتقييد الشعر فهي تآمر ضده وهي مخالفة لأصوله ، ولذلك فان حالة الوعي تصبح اسوأ حالات التلقي للشعر"(2). ومرة اخرى يتغافل هذا الناقد بل يتجاهل الآية التي تستثني فريق الشعراء المؤمنين في قوله تعالى:        { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا..} (3) ويصر على التمسك بالآيات السابقة عليها ليتخذ منها دليلاً على ضرورة الهيام وفقدان الوعي في الشعر ، ورغم ان هذا النوع من الشعر ورد في تلك الآيات مورد الذم والرفض لفساده وغوايته, ولكن نقاد البنيوية يتخذون من هذا الشعر أساساً لمفهوم الشاعرية أو الشعرية كما يسميها كمال ابو ديب ويجعلها تفيض من أغوار عميقة في الذات الانسانية "وتفسر جوانب منها الدراسات التي تربط بين الشعرية والطقوس والاسطورة والموسيقى كما تفسر جوانب منها الدراسات الفرويدية واليونغية التي تربط بين الشعر وعقد القمع و الجنسية أو اللاوعي الجماعي  والنماذج العليا"(4) والملاحظ أن جميع هذه الدراسات تعنى بالحالات البدائية والوثنية والمرضية والشاذة ، التي اعتورت الانسان منذ عصوره القديمة وحتى عصرنا الحالي، اما الحالات السوية التي يظهر فيها وعي هذا الانسان وصحته النفسية وتقدمه الحضاري ، فليست موضع عناية في تلك الدراسات التي اعتمدها نقاد البنيوية في ميدان تطبيقاتهم للشعرية رغم ادعائهم – على الصعيد النظري – بأن الشِعرية محصورة في مجال البنى اللغوية مما يؤدي بهم الى الوقوع في الاضطراب والتناقض بين تصورات المنهج البنيوي وتطبيقاتهم لهذا المنهج في ما يخص نظرية الشعرية .
   كما نلمس هذا التناقض لدى ابو ديب في تطبيقاته حيث يؤكد أن مكونات الشعرية " كما يمكن أن تكون عناصر لغوية ، يمكن أن تكون كذلك مواقف فكرية او بنى شعورية او تصورية مرتبطة باللغة او بالتجربة او بالبنية العقائدية (الايديولوجية) او برؤيا العالم بشكل عام"(5). وهذا التأكيد الأخير" يضعنا بإزاء شعرية غير لغوية . وعلى الرغم من انها تعاين عبر لغة النص نفسه فان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشعراء ،الآيتان(224-225)
(2) الخطيئة والتكفير/262
(3) سورة الشعراء ،الآية(227)
(4) د.كمال ابو ديب، في الشعرية/14 
(5) المصدر السابق /22
جميع البنى التي تتعلق برؤيا العالم تعد زيادات نصية غير متعلقة بخصوصية النص اللغوية ، وربما تكون قد اوقعت ابوديب في تناقض محير بين اجتزائية مخلة بمفهوم الشعرية وشمولية لهث وراءها ابوديب ولم يطوّعها . ويكمن التناقض في الاعتداد بالنص فقط بوصفه المادة الوحيدة التي تمكّن من تجلية الشعرية عبر اللغة التي تتركب في النص على نحو خاص ، ومن ثم ضعْف هذا الاعتداد ، والتحول الى معالجة بنى رؤيوية وصولاً الى شمولية كانت المطمح الكبير لأبوديب في ان يضفيها على مفهومه ولو استدعى ذلك تشابكاً غير منظم لمفاهيم مستمدة وخلطاً للغوي بالرؤيوي أي خلطاً للفيزيقي بالميتافيريقي على الرغم من أنه يؤكد أن الشعرية خصيصة نصية لاميتافيزيقية"(1) ومن هنا يفتقد ابو ديب التماسك النظري , وتتهاوى دعوى علمية النقد لديه بالنظر الى كونه " من اكثر النقاد المعروفين خطابية وتعلقاً بالشعارات والمبالغة الايديولوجية في حديثه عن نفسه و منهجه .
   ففي مقابلة اجريت معه في البحرين ونشرتها مجلة ثقافات البحرينية في عددها الثالث ذكر ابو ديب بكثير من الثقة بالنفس أنه استوعب مختلف العلوم المعاصرة من اللسانيات إلى علم النفس اللغوي إلى علم الانسان (الانثرو بولوجيا) إلى الاقتصاد وعلم الاجتماع إلى الفلسفة ثم إلى النقد الثقافي والأدبي قديمه وحديثه , ليشير بعد ذلك إلى اعتقاده : أن ما كنت اسعى  اليه بولهٍ مشبوب قد تحقق إلى حد لابأس به , وفيما بعد اثبت أنه – دونما مبالغة في التواضع وأنا لا أحب فضيلة التواضع في هذه الامور ولاأدعي أنني امتلكها اطلاقاً – كان مفتاحاً على مستويات كثيرة في الثقافة العربية والدراسات الاخرى ايضاً . وكان جزءاً منه السعي إلى موضعة التراث النقدي العربي في سياق عالمي "(2) ويعلّق الدكتور سعد البازعي على كلام أبي ديب قائلاً :"كلنا نتمنى لوأن أبا ديب قد وفق فعلاً في موضعة التراث النقدي العربي عالمياً ، لكن الشواهد بكل أسف تقول غير ذلك ، فالذي يعرف موروثنا النقدي في الغرب هم المستعربون أو المستشرقون ، أما النتاج النقدي المعاصر فما زال بعيداً عن العالمية المنشودة أو المتحققة حسب دعوى الناقد العربي.
   ما تحقق هو الاستهلاك الواسع وغير الناقد غالباً للمناهج والنظريات والمفاهيم ومن ذلك مفهوم العلم الذي يوظفه أبو ديب كما يوظفه غيره لوصف النقد الأدبي دونما وعي كافٍ "(3) وذلك حين لجأ أبو ديب وغيره من البنيويين إلى إستخدام المصادر (العلمية) في تحليل النصوص الحافلة في
تصورهم بالثنائيات الضدية وعلاقات التضاد بالاضافة إلى العقد الجنسية وغير ذلك من مظاهر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حسن ناظم، مفاهيم الشعرية/183
(2) د.سعد البازعي،استقبال الغرب في النقد الادبي،المجلة الثقافية العدد(15) السنة2003م .ص14
 (3) المصدر السابق/3
التنافر والاختلال واللاوعي الضروري – في نظرهم – لشعرية النص الأدبي ، كما نلمس ذلك في تحليل كمال أبو ديب لابيات ابن الرومي التالية:
         حـيّتـكِ عنا شـمال طـاف طائفـهـا                  بـجنّة نـفحـت ريـحاً وريحـانــا
         هبت سحيراًفناجى الغصن صاحبه                موسوساً وتداعى الطير إعلانــا
         وُرْق تـغنـي علـى خـضر مهـدلـةٍ                  تسمو بها وتمسّ الارض احيانا
        تـخـال طائـرها نـشوان من طـرب                 والغصنَ من هزّه عطفيه نشوانا
يقول ابوديب في تحليل هذه الابيات :"تبدأ القصيدة بتشكل ثنائية اساسية هي الأنا/الأنت تسود بين طرفيها علاقة بعد مكاني تشير اليه التحية التي تحمّل للريح . عدا البعد المكاني ليس للعلاقة بين الأنا والأنت من طبيعة محددة ، لكن البعد المكاني نفسه يجسد انفصاماً فعلياً قائماً وتلعب الريح دوراً توسطياً في هذا الموقف بين الأنا والأنت "(1) ويستمر ابوديب بهذا الأسلوب من التحليل مستخدماً الأحرف الاجنبية كحرف (A) في الترميز للبنية الاساسية للجملة الأولى ، وحرف(B) رمزاً للبنية الاساسية للقصيدة ، وهكذا خلال تسع صفحات من الرموز والعبارات المعقدة التي ننسى في خضمها الشاعر وشعره لننتهي الى قوله :" أخيراً تتلاقى في القصيدة حركتان ضديتان يجسد تلاقيهما النهائي توحد التصورات ، هاتان الحركتان هما الحركة الافقية ثم الحركة الشاقولية ، تنضحان بشهوة جنسية تنبع من حركة الاتصال الافقية والاهتزاز الشاقولي الصاعد الهابط "(2). وهكذا ينتهي بنا هذا الناقد البنيوي وقد فقد الذوق الفني والشعور بالجمال والفهم المعنوي للحياة والاحساس الخلقي بها، رغم تناوله نصاً يزخر بالقيم الشعورية والتعبيرية الجميلة (3)، اذ تنسحق هذه القيم تحت قلم هذا الناقد (العلمي)  وتتحول الى هبوط في المشاعر وتعقيد في التعبير عنها . في حين نراه يتناول نصاً هابطاً لأدونيس فيعلي من شأنه ويرى فيه معرضاً لأوجه البلاغة والعبقرية، فيقول عن النص :"لكن صورة ادونيس الرائعة تعيد خلق(الأب) في سياق جديد ، يتحول فيه إلى (أب أخضر)! هذا ما يقوله الدكتور كمال ابو ديب ! ثم يورد لنا نص ادونيس الرائع ! على النحو التالي :
        لأب مات أخضراً كالسحابة                    وعلى وجهه شراع ..!
ويبدأ يحلل في عبقرية هذا النص الذي لوسمعه عبد القاهر الجرجاني لرماه في وجه صاحبه ومحلله (أب مات أخضراً كالسحابة) ثم (على وجهه شراع) . ولماذا وضع الالف بعد (أخضر) أهي خطأ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جدلية الخفاء والتجلي/96
(2) المصدر السابق/96
(3) يلاحظ تحليل سيد قطب لهذه الابيات في: النقد الادبي. اصوله ومناهجه/68
مطبعي ام اسلوب لقتل قواعد اللغة . هكذا اذن تقتل اللغة وتموت الكلمات وترمى في تيه . ويستعين في تحليله بنص آخر لخليل الحاوي في (بيادر الجوع) . ثم يقول : فجأة تأتي الصورة المجسدة لهذا اللاوعي المصعوق الذي تنقل فيه اشياء العالم . يقول خليل الحاوي :
             ...  تخضر فيه لحية ،فخذ، وأمعاء تطول
إن سماع مثل هذه النصوص لا يحتاج الى دراسة في الادب لرفضها . إن الفطرة ترفضها وتشمئز منها ، إن السجية النقية تلفظها وترميها "(1). وهناك مثال آخر لهذا الضرب من التحليل عند ابو ديب نجده في تحليله قصيدة (كيمياء النرجس – حلم) لادونيس ايضاً حيث" يعطي كمال ابو ديب لكل سطر حرفاً بالانكليزية او حرفاً ورقماًF-N-2A-3A  ، ثم يبدأ التحليل ليحاول أن يوجد شيئاً يستخرجه من الاسطر ، وانّى له الاّ حين يخاطب سكارى ومخدّرين . ويستغرق هذا بحدود خمس واربعين صفحة .
   وهو يضع لها مخططات ثم جداول مع احرف انكليزية ويحاول أن يبحث عن معنى وعن ايقاع ، فلا تجد معنى ولا ايقاعاً "(2). وامثلة هذه الحذلقة والتعمية في التحليل البنيوي عامة كثيرة لا يجني منها القاريء غير صداع الرأس دون فائدة تذكر للأدب أو للنقد ، "فأن نحصي عدد الافعال والاسماء في هذا النص أو ذاك ، أو أن نحصي الفواصل والنقط وعلامات التعجب والاستفهام وصيغ الافعال الماضية والمضارعة ثم نسمي ذلك مدرسة في النقد الأدبي وفي دراسة الأدب – كما يفعل بعض الذين يكتبون في الروايات الثقافية عندنا – فهذا اضاعة للوقت وللحبر والورق ، وقد يفيد من ذلك علم الاحصاء الادبي إن وجد مثل هذا الاحصاء أو قد يتسلى به اولئك الذين ليس لديهم عمل جاد يعملونه ، اما أن يقال إنه مفيد للأدب وتطوره فتلك اعجوبة من اعاجيب هذا الزمان الأخير الذي كثرت فيه الاعاجيب حتى فاقت عدداً أعاجيب كل الازمنة الغابرة "(3) ذلك لأن البنيوية" تخبرنا برطانة غريبة ورسوم بيانية وجداول معقدة بأشياء نعرفها مسبقاً .
   ولذلك فهي ليست عديمة القيمة حسب وانما مؤذية لأنها تجرد الأدب ونقده من صفاتهما الانسانية"(4) وبالاضافة الى ما تقدم من مآخذ على المنهج البنيوي فإنه يؤخذ عليه ايضاً احتفاله بالاساطير والخرافات واعتمادها في تحليل النصوص ، إذ" يقول هنري سوسمان في كتابه (الصور البعدية للحداثة): إن كتّاب الحداثة اليوم أحيوا الأوديسا والاساطير الاخرى لتكون دليلاً لهم في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحداثة في منظور ايماني /134
(2) المصدر السابق /145
(3) اسئلة الحداثة بين الواقع والشطح /14
(4) النقد الادبي الحديث . من المحاكاة الى التفكيك /103 
جولاتهم القصصية. واصبحت كتب هوميروس تكوّن الاطار الحقيقي للقصة والقاعدة للمنهج البنيوي . ويقول : يمكننا أن ندرك السبب الذي اصبحت الاساطير وصناعتها موضوعاً متميزاً في التحليل البنيوي ، ذلك لأن الاساطير الكلاسيكية احتلت في الأدب والثقافة نفس الدور الذي احتلته الاحماض النووية في علم الوراثة في القرن العشرين "(1) ولهذه النقائص الكثيرة في المنهج البنيوي، فقد تراجع عنه العديد من دعاته ورواده ، "وإن التحولات الظاهرة والملموسة في الرؤية والمنهج لأقطاب النقد البنيوي تعطينا تصوراً لمقدار المأزق الوصفي الذي رسمت البنيوية حدوده ووضعت الباحثين والمحللين والنقاد ضمنه "(2) ولذلك فقد" بدأ ينهض جيل جديد من الباحثين والنقاد الذين تمثلوا الكشوفات البنيوية جيداً ، لكن كفايتها المنهجية وأطرها الضيقة لم تتح لهم الانضواء في ظلالها بل الخروج عليها ومحاولة تحرير المنهجية من القيود الصارمة . ففضلاً عن بارت الذي يعد جاكوبسن البنيوية في تحرره وانتقالاته ، ظهر فيليب سوليروجولياكرستيفا وبول ريكور وجاك دريدا .