طرق الكشف عن الوراثة الإجرامية

طرق الكشف عن الوراثة الإجرامية


الـــوراثـــة الإجـــرامـــيـة
      لإبراز الدور الذي يمكن أن تلعبه الوراثة Hérédité في الدفع نحو الجريمة يتعين علينا أن نوضح أولاً المقصود بالوراثة وأنواعها ، ثم نبين الأساليب المستخدمة في الكشف عن الصلة بين الوراثة والسلوك الإجرامي
    مضمون الوراثة :
    يقصد بالوراثة انتقال خصائص معينة من الأصل إلى الفرع بطريق التناسل لحظة تكوين الجنين ، أي لحظة التقاء الحيوان المنوى للأب Spermatozoïde ببويضة الأم Ovule. والوراثة بهذا المعنى تختلف عن الوراثة الجماعية أو العامة والتي تعني انتقال صفات وخصائص معينة من سلالة إلى أخرى تشمل جماعة بأكملها أو جزء منها.

    ويقرر علماء الوراثة أن الإنسان في خصائصه وصفاته يخضع لقوتين تتجاذبانه في اتجاهين متضادين : قوة الوراثة وتعمل على أن يستمر في الفرع خصائص وسمات السلف أو الأصل ، وقوة التغيير أو التطور التي تعمل على الحد من تأثير قوة الوراثة بحيث تختلف الصفات والسمات التي يتميز بها الأصل.

    وبفعل قوة الوراثة تنتقل من الأصل إلى الفرع بعض الخصائص الفردية العضوية والعقلية والنفسية في إطار عملية معقدة ودقيقة. فكل خلية من خلايا جسم الإنسان تحتوي على مجموعة جزئيات دقيقة تسمى بالكروموزومات Chromosomes .

    وهي مواد صبغية تقوم بنقل الخصائص الوراثية للفرد ، ويطلق على هذه الخصائص الوراثية اسم الجينات Gènes. وتتشكل كل خلية من عدد ستة وأربعون من الكروموزومات


العوامل المؤثرة في الظاهرة الاجرامية
العلاقة بين الوراثة والإجرام
عـوامـل الـظـاهـرة الإجرامية - سوسيولوجيا البحث العلمي
العوامل الفردية لتحديد الظاهرة الاجرامية *الوراثة*
عمليات بحث متعلقة بـ الـــوراثـــة الإجـــرامـــيـة
نظرية لومبروزو في علم الاجرام
نظريات علم الاجرام
نظرية هوتون في علم الاجرام
صفات المجرم
نظريات علم الجريمة
صفات المجرمين في القران
صفات الرجل المجرم
لومبروزو الإنسان المجرم

     ثانياً : أنواع الوراثة :
         للوراثة أنواع متعددة : فإما أن تكون الوراثة مرضية وإما أن تكون تشويهية. وتعني الأولى(الوراثية) انتقال بعض الأمراض العصبية والنفسية والتناسلية بذاتها التي كان يعاني منها الأصل إلى خلفه.
    أما الوراثة التشويهية وفيها ينتقل فقط إلى الفرع شذوذ في التكوين نتيجة سبق إصابة الأصل بمرض معين أو نتيجة انتهاج الأم لسلوكيات خاطئة في فترات الحمل.

    ويمكننا أن نميز أخيراً بين الوراثة الحقيقية وبين الوراثة الظاهرية.
    والوراثة الحقيقية هي الوراثة بمعناها الدقيق والتي تعني انتقال خصائص الأصل إلى الفرع لحظة تكوين الجنين.

    أما الوراثة الظاهرية Pseudo hérédité فهي مجمل العوامل التي تعاصر لحظة الإخصاب أو فترة الحمل فتظهر في الخلف خصائص وصفات لم تكن لدى السلف.
    كميلاد الطفل مصاباً بمرض عقلي نتيجة أن أحد الأبوين أو كلاهما كان وقت الإخصاب مدمناً للخمور والمخدرات ، أو كانت الأم في فترة الحمل مصابة بمرض نفسي أو جنسي.

طرق الكشف عن الوراثة الإجرامية

     تتنوع الطرق التي اتبعها العلماء من أجل الكشف عما يربط الوراثة بالسلوك الإجرامي.
    ويمكننا أن نذكر على وجه التحديد أربعة طرق :1- إما دراسة شجرة العائلة ،
    2- وإما المقارنة الإحصائية ،
    3- وإما دراسة التوائم ،
    4- وإما دراسة  الخلل الكروموزومي.

    أولاً : دراسة شجرة العائلة :
         يهدف أسلوب شجرة العائلة L’arbre de la famille إلى دراسة عائلة أو أكثر لتحديد مدى انتشار السلوك الإجرامي بين أفرادها ،  ولبيان مدى انتقاله من السلف إلى الخلف.
    فقد أثبتت بعض الدراسات التي أجريت على أسر بعض المجرمين أن كثيراً من المجرمين يغلب أن يكونوا من أسر تناقل الإجرام بين أفرادها ، أو شاعت فيهم الأمراض العقلية.

    ومن أقدم الدراسات وأشهرها في هذا المجال ما قام به ريتشارد دوجادل Dugdale من بحوث حول أسرة شخص يدعى ماكس جوكس Max Jukes عاش في القرن الثامن عشر والمنحدر من أصول هولندية وكان مدمناً للخمر ومولعاً بالنساء وكانت له زوجة اشتهرت بالسرقة. وكانت البداية لدى هذا العالم عندما لاحظ في أثناء زيارته لأحد سجون نيويورك ارتفاع معدل الجريمة بين أفراد يبدو أنهم ينحدرون إلى أصل واحد. 

    وقد اتضح له من تعقب حياة 709 شخصاً من أفراد عائلة الجد المشترك ماكس ، والبالغ عدد أفرادها حوالي 1200 خلال مدة خمسة وسبعين عاماً ، أن هذه العائلة قد قدمت لمدينة نيويورك نحو 280 مشرداً ومعوزاً ، ونحو 50 من محترفي الدعارة ، و60 لصاً محترفاً ، و300 من الأطفال غير الشرعيين ، و7 من القتلة ، و31 شخصاً مصاب بأمراض عقلية ، و46 شخصاً مصاباً بالعقم.

  ثانياً : المقارنة الإحصائية :

     يعتمد الأسلوب الإحصائي على المقارنة بين إجرام الآباء والأبناء وذلك من خلال اختيار مجموعة غير منتقاة من المجرمين أو المصابين بأحد الأمراض العقلية ، وتتبع الباحث أصول وفروع وكافة أقارب كل مجرم من جهة الأب ومن جهة الأم وحساب نسبة شيوع الإجرام أو المرض

    وفي المقابل يتم إجراء بحوث على مجموعة ضابطة من غير المجرمين أو من غير المرضى وتتبع بالمثل أصولهم وفروعهم وكافة أقاربهم.
    وقد طبق هذا الأسلوب العالم ستمبل F. Estempel على 195 من المجرمين العائدين و166 من غير العائدين  و177 من غير المجرمين. وقد شملت الدراسة ما يقرب من عشرين ألفا من أسلافهم وأقاربهم.

    وقد خلص الباحث إلى أن 5% فقط من أسلاف فئة غير المجرمين كانت لهم ميول إجرامية ، في حين أن ما يقرب من 66% من أسلاف المجموعة الأولى من المجرمين من مدمني المسكرات والمصابين بأمراض عقلية ونفسية ، وأن أغلب أمهات هذه المجموعة قد أصبن باضطرابات نفسية

    وهو ما لوحظ أيضا ولكن بنسبة أقل بين أمهات المجموعة الثانية.
    كما أثبت هذا العالم أن عدد المجرمين فيما يتعلق بأخوة المجرمين العائدين تصل إلى 17% وبالنسبة لأخوة المجرمين غير العائدين أي المجرمين لأول مرة تصل إلى10.8%.

    - ثالثاً : دراسة التوائم :
         اتبع البعض من الباحثين في علم الإجرام أسلوب دراسة التوائم Méthode des Jumeaux لتحديد مدى التماثل أو الاختلاف بين التوأمين من حيث السلوك الإجرامي. ويشمل هذا الأسلوب التوائم المتماثلة Les jumeaux univitellins والتوائم غير متماثلة Les jumeaux bivitellins.

    وتكون التوائم متماثلة متى كانت ناتجة عن تلقيح بويضة واحدة لحيوان منوي واحد.
    ويتشابه هؤلاء التوائم في كل الخصائص العضوية والنفسية والعقلية ، كما يتشابهون في ملامحهم الخارجية تشابهاً تاماً بحيث يكون من العسير على أقرب الناس إليهم أن يميز بينهم.
    في حين تكون التوائم غير متماثلة إذا كانت ناشئة عن تلقيح بويضتين

    وقد دلل الباحثون على صلة الوراثة بالسلوك الإجرامي بارتفاع معدل الإجرام ، فضلاً عن تشابه وتطابق السلوك الإجرامي ، بين التوائم المتماثلة إذا ما قورنوا بغيرهم من التوائم.

    كما قام لاجراس Lagras  بفحص أربع أزواج من التوائم المتماثلة فكانوا جميعا متوافقين.
    ثم قام بفحص 5 أزواج من التوائم غير المتماثلة فكانوا جميعاً غير متفقين في السلوك الإجرامي.

    كما كشف روزانوف Rosanoff عن أن 25 زوجاً من التوائم المتماثلة من بين 37 زوجاً شملتهم الدراسة تتوافق سلوكياتهم الإجرامية ، وأن 12 منهم غير متوافقين سلوكياً. كما ثبت أن 5 أزواج من بين 28 زوج من التوائم الغير متماثلة كانوا متوافقين سلوكياً ، وأن البقية منهم كانوا غير متوافقين.

    وقد كشف عن ذات الملاحظة - ولكن بنسب مختلفة - باحثين آخرين من أمثال كرانزKranz، في دراسة شملت 32 زوج من التوائم المتماثلة و43 من التوائم غير المتماثلة ؛ ومن أمثال Stumpfl في دراسة شملت 18 زوجاً من التوائم المتماثلة و19 زوجاً من التوائم غير المتماثلة.

    والحق أنه قد وجه إلى أسلوب دراسة التوائم من أجل الكشف عن أثر الوراثة على السلوك الإجرامي العديد من الانتقادات منها :
    1- قيل أنه يتعذر في الكثير من الحالات تحديد طبيعة التوأمين وما إذا كانا متماثلين ناتجين عن بويضة واحدة أم غير متماثلين ناتجين عن بويضتين مختلفتين.

    2- أن الدراسات التي اعتمدت على تلك الوسيلة لم تستعين بمجموعات كافية من التوائم ، مما لا يسمح بتعميم النتائج المستخلصة.
    3- كما أن تلك الدراسات قد أهملت البحث في مدى جسامة الجريمة لكل من التوائم ، واكتفت فقط بمجرد صدور حكم بالإدانة.
    فلو أنها  أولت جسامة الجريمة المرتكبة اهتماماً لكان من المحتمل أن يتفاوت التوأمين المتماثلين في درجة الخطورة الإجرامية.

    4- كما عيب أخيراً على تلك الدراسات أنها لم تفسر لنا ما أثبتته من أن التوافق في السلوك الإجرامي بين التوائم المتماثلة ليس تاماً.
    فلقد ثبت أن هناك ما يقرب من ثلث عدد هذا النوع من التوائم غير متوافقين في سلوكهم الإجرامي