الحريات الشخصية المعنوية

الحريات الشخصية المعنوية
انواع الحرية
لا ريب في أن الحريات الشخصية المعنوية هي من أهم الحريات الإنسانية على الإطلاق، لأنها تمثل الجانب المعنوي والروحي للفرد وتسمح له بتكوين آرائه وأفكاره في شتى القضايا، وبالشكل الذي يمليه عليه ضميره أو وجدانه، ونظرا للدور الأساسي الذي تلعبه هذه الحريات في تكوين الشخصية الإنسانية وإبراز ملامحها وخصائصها، وبسبب ما تتركه من انعكاسات مباشرة على تصرفات الفرد وسلوكه داخل المجتمع، فقد خصصت لها الدساتير والقوانين الحديثة ما تستحق من معالجة واهتمام ويمكن تقسيم هذه الحريات إلى:
1- الحرية الدينية:
إن الإيمان هو الحق الأسمى في تسلسل الحريات العامة، ولهذه الحرية وجهان: الأول حرية الإنسان في اختيار المعتقد الذي يريد، أي الحرية في تغيير دينه، والثاني، الحرية في عدم الإيمان بدين معين انطلاقا من معنى الحرية نفسه الذي يجب أن يوفر لهذا الإنسان إمكانية الاختيار، ولتكريس الحرية الدينية بمختلف وجوهها ومظاهرها، فقد فرضت معظم القوانين الحديثة عقوبات مشددة على  كل من يحاول المس بهذه الحرية أو عرقلة أو منع ممارستها. كذلك تحدثت عنها المواثيق والإعلانات الدولية باعتبارها واحدة من الحريات الفكرية الأساسية، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن في عام 1789، أورد في المادة العاشرة منه بأنه: "يجب الامتناع عن إزعاج أي إنسان بسبب آرائه، حتى الدينية، ما دام التعبير عنها لا يعكر النظام العام المرتكز على القانون" ونص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة 18) على أن: "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة".
كما أكدت الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق السياسية والمدنية في (المادة 18) منها على هذه الحرية الأساسية في (الفقرة 1) وأضافت أنه: "لا يجوز إخضاع أحد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد التي يختارها (الفقرة الثانية) وأخضعت حق الفرد في التعبير عن ديانته فقط للقيود المنصوص عليها في القانون (الفقرة الثالثة)، وطالبت الدول الأطراف في الاتفاقية باحترام حرية الآباء والأمهات والأوصياء القانونيين في تأمين التعليم الديني أو الأخلاقي لأطفالهم تماشيا مع معتقداتهم الخاصة (الفقرة الرابعة)
وباعتمادها الحرية كمبدأ لوجود الأديان وممارسة شعائرها انساقت الدولة العصرية بصورة طبيعية وحتمية إلى إعلان العلمانية فيها، وتعني أن الأديان ما هي إلا ظاهرات اجتماعية خارجة عن نطاق الدولة وجوهرها، وقد كان ذلك من تأثير الثورة الفرنسية التي فصلت الدين عن الدولة فصلا ثوريا، واتخذت أخيرا في فرنسا شكلها الشرعي بقانون 9 دجنبر1905 المعروف "بقانون انفصال الكنيسة على الدولة"[1]
2- الحرية الفكرية:
إن حرية الفكر تعد واحدة من أهم الحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان باعتباره كائنا عاقلا، وانطلاقا من هذا المبدأ، اتخذت الحرية الفكرية في المجتمعات الحديثة المقام الأول في انتظام الحريات العامة، لهذا فقد أحاطت الدول الغربية هذه الحرية بهالة من التقديس، ولقد أكد على هذه الحرية تصريح 1789 في (المادة 10) وكذلك (المادة 11) التي تنص على ما يلي: "إن حرية تبادل الأفكار والآراء، إنما هي من أثمن حقوق الإنسان، ولكل مواطن أن يتحدث ويكتب ويطبع بحرية بشرط أن يكون مسؤولا عن الإساءة لهذه الحرية في الأحوال التي ينص عليها القانون" بينما جاء ذكرها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (المادة 19) "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت".
ويمكن تحديد مجالات حرية الفكر، في ثلاثة حريات أساسية، تتمثل في حرية الرأي، وحرية التعبير وحرية التعليم
2-1 حرية الرأي والتعبير:
تعتبر حرية الرأي والتعبير بمثابة العمود الفقري للحريات الفكرية والمرآة الحقيقية لشخصية الإنسان، ذلك أنه إذا كان من حق الإنسان أن يفكر فيما يكتنفه من شؤون وما يقع تحت إدراكه من ظواهر، وأن يأخذ بما يهديه إليه فكره، ويكون عقيدته الداخلية فكريا بصورة مستقلة ومختارة؛ فإن حقه هذا يبقى ناقصا إذا لم يتمكن من التعبير عن أفكاره وآرائه ومعتقداته، بنقلها من مرحلتها الداخلية إلى حيز الوجود الخارجي، لإعلام الكافة بها سواء كان ذلك في أحاديثه بمجالسه الخاصة أو العامة، أم في خطبه ودروسه أم في كتاباته ومقالاته.[2] وعليه فمن الطبيعي أننا لا نستطيع الفصل بين شخص الإنسان وحقه في التعبير عن آرائه كما يريد، بشرط واحد هو عدم استخدام هذا الحق كوسيلة ضغط أو تأثير على الآراء الآخرين الذين يجب أن يسمح لهم بالتعبير عنها بنفس المستوى من الحرية.[3]
والرأي كما هو معروف من صنع العقل، ويعني قدرة الإنسان وحقه في اعتناق الآراء التي يشاء في أي أمر من الأمور، في السياسة والدين والاجتماع والعلم والثقافة إلى ما هنالك من نواحي الحياة.[4] لكن الرأي يمكن أن يبقى في حدود الفكرة الداخلية، مثلما يمكن أن يصل إلى مرحلة التعبير عن هذه الفكرة أي إظهارها بشكلها الخارجي، من هنا تصبح حرية الرأي والتعبير عنه، تلك المقدرة التي يجب أن يتمتع بها الفرد لصوغ قناعاته وإخراجها إلى حيز الوجود.[5]
ويكرس القانون الوضعي، بشكل عام، حرية الرأي، أي أنه يقبل بوجود حق خاص للفرد لامتلاك رأي معين والحرية في التعبير عنه، في الوقت الذي يضع فيه قواعد محددة لممارسة هذه الحرية، وقد جاء في (المادة 10) من الإعلان الفرنسي والمواطن في عام 1789 بأنه: "يجب الامتناع عن إزعاج أي إنسان بسبب آرائه الدينية، ما دام التعبير عنها لا يعكر النظام المرتكز على القانون" كما نصت (المادة 11) على أن حرية إيصال الأفكار والآراء هي واحدة من أغلى حقوق الإنسان، فكل مواطن يستطيع الكلام والكتابة والطباعة بحرية إلا في حالات إساءة استعمال هذه الحرية المحددة في القانون". وفي نفس السياق تشير (المادة 19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية"
وتقول (المادة 19) من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية بأن:
"1- لكل فرد الحق في الآراء دون تدخل
2- لكل فرد الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع ونقلها بغض النظر عن الحدود إما شفاهة أو كتابة أو طباعة سواء أكان في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى تختارها"
وجاء في (المادة 10) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بأن:
"1- لكل شخص الحق بحرية التعبير، ويتضمن هذا الحق حرية الرأي وتلقي أو إيصال معلومات أو أفكار بدون أي تدخل من السلطات العامة وبغض النظر عن الحدود، ولا تمنع هذه الدول من إخضاع مؤسسات الإذاعة والسينما أو التلفزيون لنظام الترخيص"
وعلى العموم فالديمقراطيات التقليدية، تقوم على حرية الآراء وحرية نشر هذه الآراء، وإذاعتها بوسائل الإعلام كافة، أي بجميع الوسائل التي توصل هذا الرأي إلى الناس أجمعين من كتابة وخطابة وطباعة وإذاعة وتصوير وأفلام، إلى ما هنالك من وسائل الإعلام والاتصال العصرية، والتي لا تستطيع الدول أن تتركها حرة، غير مقيدة بقوانين لأنها متصلة بروحها وأحكامها بالنظام العام والمصلحة الوطنية وسلامة الدولة.[6]
بيد أن الصعوبة الحقيقية هنا تتمثل في تقرير الحدود النهائية لاعتبارات النظام العام من جهة، وحرية التعبير من جهة أخرى، ولكن الصيغة الوسطى تأسست حول فكرة أن القانون يجب أن يعنى بالمسائل التي تتعلق بالنظام العام في شموليته الفلسفية وليس في تقييد حرية الرأي وعليه كانت المطالبة بإلغاء مبدأ الرقابة المسبقة، أي حرية نشر أي عمل، على أن يخضع للملاحظة القضائية بعد نشره، والمتابعة القضائية ترتكز على نصوص القانون المتعلقة بالقذف والسب والتحريض على العصيان وما يخل بالآداب والأخلاق العامة وليس على حرية الإرادة في التصرف.[7] وهذا ما تؤكده (المادة 19) من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية في (الفقرة الثالثة) " ترتبط ممارسة الحقوق المنصوص عليها في (الفقرة 2) من هذه المادة بواجبات ومسؤوليات خاصة، ولهذا فإنها قد تخضع لقيود معينة؛ ولكن فقط بالاستناد إلى نصوص القانون التي تكون ضرورية:
أ- من أجل احترام حقوق أو سمعة الآخرين
ب- من أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق"
وجاء في (المادة العاشرة) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان (الفقرة الثانية) ما يلي: "إن ممارسة هذه الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات ويمكن إخضاعها لشكليات وشروط وقيود أو عقوبات ينص عليها القانون باعتبارها إجراءات ضرورية في مجتمع ديمقراطي من أجل الحفاظ على الأمن الوطني، والسلامة الإقليمية أو الأمن العام، وللدفاع عن النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب وحماية سمعة وحقوق الآخرين، ومنع إفشاء الأسرار أو لضمان هيبة وحياد السلطة القضائية".
2-2 حرية التعليم:
إن حرية التعليم على ما يرى فقهاء القانون العام تتضمن ثلاثة أمور هي:
- حق الفرد في أن يلقن العلم للآخرين
- وحقه في أن يتلقن قدرا من التعليم
- وحقه في أن يختار من المعلمين[8]
وإذا كانت حرية التعليم بهذا المعنى مقررة في القانون والتشريعات الوضعية باعتبارها حقا من الحقوق الأساسية للأفراد، فإن الأمم كانت ولا تزال تولي اهتماما خاصا للتعليم، وجعلته ضمن أولوية اهتماماتها، ليس فقط باعتباره حقا من حقوق الإنسان، وإنما أيضا باعتباره الوسيلة اللازمة والضرورية لتفتح الذكاء الإنساني، وصقل طاقات الإبداع الكامنة داخل كل فرد وتربيته على مبادئ التسامح والانفتاح واعتماد لغة العقل والعلم ميزانا لتقدير مختلف القضايا والمسائل. فاتساع دائرة المعرفة بين الشعوب مقابل ضيق دائرة الجهل والانغلاق لا بد من أن يؤدي إلى علاقات أكثر تفهما وتعاونا بين هذه الشعوب وبالتالي إلى احترام حريات بعضها البعض، وحقها في تقرير شؤونها بنفسها على كافة الصعد والمستويات.[9]
وهذا ما يقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مقدمته عندما قال بأن: "الجمعية العامة تعلن بأن الإعلان الحالي هو مثال عام يجب تحقيقه... من أجل أن يقوم كل أفراد المجتمع وهيئاته، الذين يحتفظون بهذا الإعلان في ذهنهم، ببذل الجهود من خلال التربية والتعليم، في سبيل تطوير احترام حقوق الإنسان وحرياته وضمان الاعتراف بها وتطبيقها الفعلي..." وأشارت (المادة 26) إلى حق الإنسان في التربية والتعليم باعترافها بأن:
"1- لكل شخص الحق في التعليم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل مجانيا، وأن يكون التعليم الابتدائي إلزاميا وأن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن يسهل القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة
2- يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام.
3- للأهل الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم"
3- الحرية السياسية:
عرف بعض رجال القانون الحريات السياسية بأنها "الحقوق التي يكتسبها الشخص باعتباره عضوا في هيئة سياسية" أو بأنها الحقوق التي يساهم الفرد بواسطتها في إدارة شؤون الدولة أو في حكمها".[10] على هذا يمكن أن نقول أن الحرية السياسية تعني مساهمة المواطن في تسيير الشؤون العامة، بتولية الحكام ومراقبة أعمالهم، وفي تولي الحكم والوظائف العامة، وفي تأسيس الجمعيات والأحزاب بغية ممارسة حقوقه السياسية في الدولة، إضافة إلى تمتعه بسائر الحريات كحرية الرأي وحرية الصحافة، لما لها من ارتباط وثيق بتحقيق مبدأ المشاركة السياسية، وقد نص تصريح 1789 في (المادة السادسة): "إن القانون إنما هو التعبير عن الإرادة العامة، ولجميع المواطنين الحق بالمساهمة في تكوينه، شخصيا أو بواسطة ممثليهم".
غير أن هذا الحق لم يتخذ شكله النهائي إلا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتعرضه للمبادئ الأساسية التي ترتكز إليها كل ديمقراطية صحيحة، وهي كالتالي:
تنص (المادة 21/2): "إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة، دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت".
وعليه فلتحقيق السيادة تستلزم إسهام جميع المواطنين على قدم المساواة في تسيير شؤون الدولة بالشكل الذي يحدده الدستور بالتصويت والانتخاب والاستفتاء والفيتو، إلا أنها لا تكون مثمرة إذا لم تكن مستمرة، وهذه الصلاحية يمكن أن يفوضها الفرد إلى ممثلين عنه وهو ما نصت عليه (المادة 21/1): "لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا". وتنص (المادة 20/1): "لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجمعيات السلمية، ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما". والمراد من هذه الحرية هو الإعلان عن الحقوق والحريات الجماعية التي يمكن أن يمارسها الفرد، ومنها:
3-1 حرية التجمع بمختلف أشكالها:
ويقصد بها كل أنواع التجمهر العفوي أو المنظم الذي يقوم به مجموعة من الأفراد لسماع أفكار معينة ومناقشتها، أو تشاور حول مسائل محددة، أو الاعتراض على أمر أو موقف ما. ويتم هذا التجمع الطارئ أو المؤقت في مكان وزمان معينين محددين مسبقا، ويختلف مضمونه باختلاف أهدافه. ولذا فإننا نستطيع تصنيفه إلى فئتين: التجمعات ذات الصفة الثقافية، والتجمعات ذات الصفة السياسية والمطلبية[11]
* التجمعات ذات الصفة الثقافية: وهي الاحتشاد أو التجمع العام ذو الصفة الاحتفالية، ويدخل في هذا السياق:
+ المهرجانات الثقافية والفكرية والفنية والرياضية
+ الندوات العلمية والصحية والاجتماعية
+ المؤتمرات التي تضم مجموعة من الباحثين أو المهنيين لمناقشة مسألة علمية محددة
* التجمعات ذات الصفة السياسية والمطلبية: وهي المظاهرات والمواكب الجماهيرية التي تستخدم الطريق العام للتعبير عن موقف معين، سواء اتخذ هذا الموقف طابع الاحتجاج السياسي أو طابع النشاط المطلبي، ومن المتعارف عليه أن المظاهرات السياسية هي تلك التي تتم بدعوة من القوى السياسية على اختلاف أنواعها: أحزاب، شخصيات أو فعاليات. في حين أن المظاهرات المطلبية هي تلك التجمعات التي تقوم بدعوة من التنظيمات النقابية أو المهنية، وغالبا ما تخضع مثل هذه التجمعات لتشريعات تضمها الدول لعدم الإضرار بمبدأ حريتها من جهة، وإخضاعها لترخيص أو إعلام مسبق من جهة ثانية[12]
3-2 حق تأليف الجمعيات والاشتراك فيها
والمراد بالجمعيات هنا تلك التجمعات التي تتخذ صفة الديمومة أو الاستمرارية على  أساس منظم ومدروس، والتي تقوم من أجل تحقيق هدف معين لا يتضمن الربح المادي[13] وتحتل هذه الحرية مرتبة عالية في نظرية الحريات العامة، وقد نشطت في القرن التاسع عشر بضغط من الضرورات الاجتماعية والاقتصادية للدفاع عن المصالح المهنية والطبقية، وهي الحركة التي اتخذت شكل النقابة، أي اشتراك أصحاب العمل الواحد في نقابة خاصة بهم، وما لبث هذا التوجه أن عم جميع أنواع الجمعيات بإطلاق حرية تكوينها، وانصبت على أوجه الحياة كلها، كالدين والثقافة والتعليم والرياضة والفن... مما دفع المشرع في كل الدول إلى وضع القوانين الخاصة بها وتحديد موضوعها وأغراضها، وأن لا يتنافى نشاطها مع العقائد والمثل العليا القائمة في المجتمع، وأن لا تهدد سلامة الوطن ووحدة شعبه، صونا للنظام ومحافظة على السلامة العامة، وكل ذلك على أساس الإقرار للجميع وفقا لأحكام القانون بالشخصية المعنوية التي تجعلها أهلا للتملك والتعامل والتقاضي باسم الجمعية ومصالحها.[14]
وهناك الجمعيات الموصوفة بالسياسية أو الأحزاب، والحزب لا يختلف عن الجمعية إلا بموضوعه، وهو إذاعته أفكار الحزب والدعاية لبرامجه وتسلم السلطة بالطرق المشروعة، وباستخدام وسائل الطباعة والنشر والاجتماع والتصويت مما جعل له دورا جوهريا في الديمقراطية المعاصرة.[15]
وبالنسبة للوظائف العامة تنص (الفقرة الثانية من المادة 21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: "لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد". واليوم تعني الوظيفة العمومية أمرين:
الأول: دستوري: ويتناول الوظيفة العامة ككل وظيفة أو منصب يتولاها المواطن في الدولة، أي لكل من يحتل درجة في النظام الوظيفي للدولة من أدناها حتى الرئاسة.
الثاني: إداري: ويقتصر على الوظيفة الإدارية، أي الوظائف الإدارية البحتة على اختلاف درجاتها ابتداء من الوزير في القمة إلى أدنى درجات السلم الإداري في الوزارة.
وتفترض الديمقراطية، أن يكون من حق كل مواطن في الدولة مهما كان دينه أو طبقته، أن يتقلد أية وظيفة أو منصب من الوظائف العامة، وسواء كانت سياسية أو إدارية، وهذا المبدأ لا تتردد الدساتير الحديثة عن إعلانه بين الحقوق الشخصية والحريات العامة المقررة لجميع المواطنين.[16]
ب- الحريات الشخصية الاقتصادية:
انطلاقا من التطور الذي شهدته المجتمعات البشرية، ظهرت إلى جانب مجموع الحريات الاقتصادية، مجموعة جديدة من الحريات الشخصية، أطلق عليها الحقوق الاجتماعية
I- الحريات الاقتصادية:
ظهرت مع سيادة الفلسفة الليبرالية، حيث كانت حريات الإنسان وحقوقه تستند إلى القانون الطبيعي وهي: حرية التملك، حرية التجارة وحرية الصناعة.
1- الملكية:
يمكن تعريف الملكية بأنها حق الشخص المالك على شيء أو مجموعة أشياء، موضوع الملكية، وهي تنبع أساسا عن نمط معين من العلاقات القانونية التي يوافق عليها المجتمع والتي تعبر عن علاقة اجتماعية.[17]
ولقد نشأت نظرية الملكية من التشبث بالفردانية المطلقة معتمدة على الفلسفة الليبرالية، وقد نصت (المادة 17) من تصريح 1789 على ما يلي: "تؤلف الملكية حقا مقدسا لا يمكن انتهاكه فلا يجوز انتزاع الملكية من أحد إلا إذا قضت به صراحة الضرورة العامة وذلك بعد التحقق من وجودها بصورة مشروعة بشرط أن يتقدم هذا الالتزام، تعويض عادل ومسبق".

وقد جعلتها الثورة الفرنسية من الحقوق الطبيعية والحريات العامة، وهنا يبرز ذلك التلازم بين الملكية والحرية في عهد الليبرالية المطلقة. أما اليوم، فقد ضاقت هذه النظرة لتحل محلها النظرية القائلة بأن الملكية ما هي إلا وظيفة اجتماعية.[18] ولعل هذا التطور في فلسفة الملكية قد نتج عن الأوضاع الاقتصادية الجديدة، وما استتبعها من تضخم في اختصاصات الدولة التي أصبحت ملزمة بالبحث عن الحلول وإيجاد التشريعات لكل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته في التأميم. ولعل هذا يبين الوصف القانوني التقليدي للملكية ويبين أوضاعها الراهنة المتقلبة والتي تزداد القيود حولها ومنها تنبعث أزمة الرأسمالية بل الديمقراطية الليبرالية.[19]
2- حرية التجارة والصناعة:
كانت الليبرالية الاقتصادية أول من نادى وطالب بحرية التجارة والصناعة والمبادرة من أجل تحقيق النمو المطلوب لرفاهية المجتمع، وقد لعبت أفكار الاقتصاديين الفرنسيين والإنجليز دورا رائدا في تكريس هذه الحرية عبر الدراسات التي وضعوها، والتي حاولوا من خلالها البرهان على أن تدخل الدولة في الدورة الاقتصادية يضر بشكل مباشر بها.[20] وفكرتها الأساسية هي المزاحمة الاقتصادية الشاملة، القائمة على العرض والطلب بدون قيد أو تدبير، وقد جسد شعار "دعه يعمل، دعه يمر"، الذي كان يعني بأن لكل إنسان الحق باستخدام رؤوس أمواله العقارية والمنقولة على هواه، وأن أي إضرار بهذا الحق ظلم موجه ضد الشخص، وخطأ بحق المجتمع، ولذا فإن الحل الأمثل يكون في إطلاق الحرية الكاملة للعمل والتجارة.[21]
ومع أن تصريح 1789، لم ينص عليها إلا أن تدارك ذلك وقع بإعلانها في قانون خاص من قبل الجمعية التأسيسية في قانون صدر في 17 مارس1791: "ابتداء من أول أبريل المقبل سيكون لكل شخص الحرية بأن يتعاطى أية تجارة، أو مهنة، أو فن أو حرفة، يراها مناسبة على أن يستحصل مسبقا على ترخيص بذلك". وعلى أساس هذا القانون انطلق مبدأ حرية التجارة وحرية الصناعة في فرنسا وفي الدول التي اقتفت آثارها القانونية والقضائية.[22]


[1] م.س. ص:45
[2] هاني سليمان الطعيمات: م.س. ص 181
[3] خضر خضر م.س. ص: 341
[4] م.س. ص 46
[5] م.س. ص:341
[6] م.س. ص: 46
[7] م.س. ص: 46
[8] م.س. ص: 291
[9] خضر خضر م.س. ص:350
[10] م.س. ص: 206
[11] م.س. ص: 391
[12] م.س. ص: 48
[13] م.س. ص: 393
[14] م.س. ص: 48
[15] م.س. ص:49
[16] م.س. ص:49
[17] م.س. ص: 399
[18] م.س. ص: 50
[19] م.س. ص: 51
[20] م.س. ص: 407
[21] ن.م. ص: 407
[22] م.س. ص: 51