الاعتدال في أخذ الاطعمة والاشربة المباحة في الاسلام


الاعتدال في أخذ الاطعمة والاشربة المباحة في الاسلام  
حيث أباح القرآن الكريم للإنسان أن يستمتع بما شاء من الطيبات التي خلقها الله ، وأنكر على من حرم الله من هذه الطيبات على نفسه ، أو على الناس تدينًا أو شحًّا : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ) [الأعراف:32].
فكأن الطيبات ما خلقت في الدنيا إلا لكي يستمتع بها المؤمن ، وشاركه فيها غيره لأمر عارض، وهو وجوده في هذه الحياة.
وفي آية أخرى يأمر الله : المؤمنين من عباده بأن يستمتعوا بما خلق لهم من الطيبات ليؤدوا حقه في الشكر ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ  ) [البقرة:172].
وتوجيه المؤمنين إلى الاستمتاع بطيبات الحياة ، هذا جزء من عناية الإسلام بصحة الإنسان البدنية لأن الجسد إذا لم يأخذ حظه من العناصر الغذائية
المختلفة بات عليلًا ضعيفًا ، وعرضة للأمراض والأوبئة المعدية.
ولكن قد يسرف الإنسان على نفسه فيعب من هذه الطيبات إلى درجة تزيد على احتياج جسده مرات عديدة ، مما يصيبه بالتخمة والسمنة التي هي أصل العلل في العصر الحديث ، بعد أن عرف الإنسان الآلة ، ولم يعد يبذل من المجهود البدني ما يحتاج معه إلى كمية كبيرة من الغذاء .
والقاعدة العامة في الإسلام هي تحريم الإسراف في كل شيء ، وفي الطعام والشراب على وجه الخصوص ؛ لأن ما زاد عن حاجة الجسد يختزنه في صورة شحوم ضارة مؤذية ، تجلب لصاحبها الكثير من الأمراض لذا نجد في القرآن ما يدل على ضرورة الاعتدال في المأكل والمشرب ( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [الأعــراف:31].
وتفصل السنة المطهرة بعض الشيء في هذا لتبين للمسلم كيف يأكل ويشرب بطريقة مثالية ، تلبي حاجات الجسد ولا تؤذيه باختزان الزائد عن هذه الحاجة ، وذلك في قوله $ : ” ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه  وثلث لنفسه “ ([1]).
وتتجلى حكمة الشريعة الإسلامية وفلسفتها القائمة على الاعتدال وعدم الإسراف في كل شيء في أنها كرهت الإسراف ، ولو كان في العبادة على نحو يضر بصحة البدن ، فقد أنكر $ على ثلاثة رهط من الصحابة أراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام ، وأراد الآخر أن يصوم فلا يفطر ، أما الثالث فقد قرر أن يعتزل النساء أنكر $ على هؤلاء الثلاثة ما عزموا عليه قائلًا : ” أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له ، ولكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني “ ([2]).
كما أنها بالإضافة إلى انتشارها السريع - غدت متعددة التراكيب حتى فاق عددها الخمسمائة مركب ، تتصف جميعها بالسيطرة على المريض، وتؤدي به إلى الاضمحلال البدني ، والانهيار النفسي والعصبي، والضعف العقلي ، والإذعان التام لسيطرة العقار المخدر، حتى اقترحت منظمة الصحة العالمية أن يترك تعبير (الانسجام بالمخدرات) وأن يستعمل بدلًا منه تعبير (الإذعان) أو (الخضوع) لسيطرة العقاقير المخدرة.
وقد أدرك فقهاؤنا الأقدمون ما للعقاقير المخدرة من شر مستطير على عقل الإنسان فحرموها تحريمهم للخمر، ومن هذا القبيل كان تحريمهم للحشيشة لما تحدثه في نفس صاحبها من آثار الخمر ، وقد قرر ابن تيمية في مواضع من فتاويه قال في أحدها : ” وكل ما يغيب العقل فإنه حرام ، وإن لم تحصل به نشوة ولاطرب ، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين ، وأما تعاطى البنج الذي لم يسكر ، ولم يغيب العقل ففيه التعزير، وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة وإنما يتناولها الفجار لما فيها من النشوة والطرب ، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك والخمر توجب الحركة والخصومة ، وهذه توجب الفتور والذلة ، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل ، وفتح باب الشهوة وما توجبه من الدياثة مما هى من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار “.
ومما يؤكد تحريم المخدرات والمكيفات عمومًا : ما روي عن أم سلمة  g قالت : ” نهى رسول الله $ عن كل مسكر ومفتر“ ([3]).
في النهاية لابن الأثير : ” المُفْتِر : الذي إذا شُرِب أحْمَى الْجَسَدَ ، وصار فيه فُتُور، وهو ضَعْف وانكِسار ، يُقال : أفْتَر الرجُل فهو مُفْتر : إذا ضَعُفَت جفونه، وانكسر طَرْفُه ، فإما أنْ يكون أفْتَره بمعْنى فَتَره : أي جَعله فاترًا، وإمَّا أنْ يكون أفْتَر الشَّرابُ إذا فَتَر شارِبه كأقْطَف الرجلُ إذا قطَفَت دابَّتُه “.
وفي لسان العرب: الخدر من الشراب والدواء : فتور يعتري الشارب وضعف ، والخدر : الكسل والفتور .
وبذا يتضح أن المخدر هو عين المفتر من ناحية اللغة ، فالمخدرات على هذا محرمة ؛ لأنها من المفترات ، ولو لم تسكر.


([1]) أخرجه الترمذي ( 2380 ).  
([2]) أخرجه البخاري ( 4776 ).  
([3]) أخرجه أبو داود ( 3686).