شروط اشهار الإفلاس

شروط شهر الإفلاس
       إن عدم تمكن التاجر المدين من الحصول على صلح مع دائنيه يعرضه لشهر الإفلاس إذا ما تحققت الشروط التي يتطلبها القانون، وهذه الشروط منها ما هو موضوعي يتعلق بشخص المدين وبطبيعة دينه و منها ما هو شكلي يتعلق بالمحكمة المختصة واجراءات شهر الإفلاس، لذا لابد من بيان هذه الشروط وكما يأتي :
أولاً : الشروط الموضوعية لشهر الإفلاس :
        تنص المادة (566) من الباب الخامس النافذ من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970 على أن " كل تاجر وقف عن دفع دينه التجاري يعتبر في حالة افلاس بحكم يصدر بذلك"(57).
        من خلال النص أعلاه نجد انه لا بدّ من توافر شروط معينة تبرر الحكم بشهر الإفلاس والتي تتمثل بما يأتي :-
1-أن يكون الشخص تاجراً .
2- أن يتوقف عن دفع الدين .
3- أن يكون الدين المتوقف عن دفعه تجارياً .
لذا سنتناول هذه الشروط تباعاً :-
1- أن يكون الشخص تاجراً :
        تنص الفقرة الاولى من المادة السابعة من قانون التجارة العراقي النافذ رقم 30 لسنة 1984 على أنه " يعتبر تاجراً كل شخص طبيعي أو معنوي يزاول باسمه ولحسابه على وجه الاحتراف عملاً تجارياً وفق أحكام هذا القانون " .
        في ضوء النص أعلاه يشترط لكي يعتبر الشخص تاجراً أن تتوافر جملة شروط تتمثل بما يأتي :-
أ-أن يحترف عملاً تجارياً .
ب-أن يزاول العمل التجاري باسمه ولحسابه الخاص .
ج-أن يكون متمتعاً بالأهلية اللازمة لمزاولة التجارة .
وللإحاطة بهذه الشروط سوف نتعرض لها تباعاً :-
أ- ان يحترف عملاً تجارياً :
     يقصد بالاحتراف "ممارسة العمل بصورة مستمرة ومنتظمة واتخاذ ذلك مهنة للحصول على مورد للرزق"(58)، و يعـــرف بأنه " توجـيه النشاط بصفة معتادة للقيام بعمل معين ولتحقيق غرض معين "(59) .
     و لا يكفي الاحتراف لاكتساب شخص ما الصفة التجارية و اخضاعه لنظام الإفلاس بل لا بدّ أن يحترف عملاً تجارياً و ليس عملاً مدنياً فمن يحترف اعمال الرياضة البدنية ويقوم بالمباريات من دون أن يسعى إلى تحقيق ارباح لا يعدُّ تاجراً(60) .
    و ما تقدم ذكره يسري على الشركات التجارية ايضاً(61)، فجميع الشركات التجارية يجوز شهر إفلاسها، لأن القانـون لـم يفرق بين التاجر الفرد والشركة التجارية، باستثناء شركات المحاصة(62) لتجردها من الشخصية المعنوية ولبـــقائها مجـــهولة عــند الجمــــهور فلا يشهر إفلاسها(63)، و إنما يشهر افلاس الشريك المحاص الذي يزاول التجارة باسمه الخاص، أما الشريك الذي لم يتعاقد مع الغير فلا يشهر إفلاسه(64)، إلا أنه يلاحظ أن إفلاس شركات الاشخاص يستتبعه إفلاس الشركاء شخصياً ويشهر إفلاس الشركة والشركاء بحكم واحد(65)، والعكس غير صحيح أي إن إفلاس أحد الشركاء لا يؤدي إلى إفلاس الشركة بل تبقى مستمرة بين الشركاء الباقيين(66)، أما في شركات الاموال فلا يشهر إفلاس الشركاء ولو توقفت الشركة عن الدفع، لأن التزامهم بديون الشركة يكون بقدر حصصهم في رأس المال ومن ثم يمكن القول إن شركات الاشخاص ذات طابع شخصي في حين إن شركات الاموال ذات طابع مالي(67) .
        أما الدولة و اشخاص القانون العام فلا يجوز أن يشهر إفلاسها لقيامها على مرافق حيوية للشعب أو ضرورية لخطة التنمية الاقتصادية الأمر الذي يبرر استثناءها من بعض الأحكام التي ينص عليها القانون كالأحكام المتعلقة بالإفلاس(68) .
        والتساؤل الذي يثار في هذا الصدد ما أثر مشروعية العمل التجاري على صفة التاجر كما لو باشر أحد الاشخاص تجارة ممنوعة كتجارة المخدرات أو ادارة ملهى تباشر فيه اعمال غير شرعية قانوناً كلعب القمار ؟
      تجاذب الفقه في حله لهذا التساؤل، إذ ذهب جانب منهم ،إلى أن صفة التاجر لا تثبت للشخص الذي يمارس عملاً غير مشروع، لأن المشرع يعطي لصاحبها مركزاً قانونياً يحدده القانون(69)، في حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى اكتساب الشخص للصفة التجارية و ان مارس عملاً غير مشروع، لأنه لا يجوز اطلاقاً أن يكون الشخص الذي يزاول عمل غير مشروع في مركز افضل من الشخص الذي يزاول عملاً مشروعاً من خلال الإفلات من نظام الإفلاس كما أن هذا الرأي يوفر ضمانات كبيرة لمن يتعامل مع هذا الشخص من حيث النفاذ المعجل وسهولة الإثبات وغير ذلك(70).
       ويرى جانب ثالث من الفقه- وهو الأقرب للصواب - ضرورة التمييز بين الغير الذي يتعامل مع الشخص الذي يمارس عملاً غير مشروع فيما إذا كان حسن النية أو سيء النية فالأول جدير بحماية القانون كمن يقوم بتوريد مواد غذائية لمحل معين معتقداً أنه فندق أو مطعم في حين إنه يستعمل لأغراض منافية للآداب، أما الشخص الثاني فغير جدير بتلك الحماية كمن يشتري سلاحاً من صانع اسلحة بغير ترخيص(71) .
ب- أن يزاول العمل التجاري باسمه ولحسابه الخاص :
     يقصد بمباشرة التصرفات التجارية باسم ولحساب التاجر أن يكون الشخص مستقلاً عن غيره في مباشرة هذه التصرفات ويتحمل نتائجها من حيث الربح والخسارة, فالاستقلال شرط ضروري للتكييف القانوني لحرفة التاجر(72)، لذا لا يعدُّ تاجراً موظفو المحلات التجارية ومستخدموها ومديرو الشركات المحدودة والشركات المساهمة والمدير غير الشريك في شركات الاشخاص لأنهم يمارسون العمل التجاري باسم شخص آخر ولحسابه سواء أكان شخصاً طبيعياً أم معنوياً و من ثم فلا ينطبق عليهم نظام الإفلاس لعدم اكتسابهم الصفة التجارية(73), وكذلك الحال بالنسبة لأرباب الحرف الصغيرة(74)، إلا أنه لا يحول دون اكتساب الصفة التجارية ايضاً منع الشخص من ممارسة الاعمال التجارية كالقضاة وغيرهم و من ثم يجوز شهر إفلاسهم(75) .
        ولكن هل يعدُّ الشخص الساتر و المستتر و التاجر الظاهر تجاراً(76) ؟
        يذهب الرأي الغالب إلى اعتبار الشخص الساتر والمستتر تاجراً وذلك لحماية الوضع الظاهر الذي تقوم عليه التجارة بالنسبة للأول طالما يتعاقد مع الغير باسمه الشخصي لا باسم الشخص المستتر إذ لا يجوز أن يتخلص من أحكام قانون التجارة من استعمل الغش في علاقته مع الغير بالتعاقد باسمه الشخصي، أما الشخص المستتر فيعدُّ تاجراً لأنه يتحمل مخاطر المشروع من ربح وخسارة وتنصرف إليه جميع آثار التصرفات التي يجريها الأول، في حين يكون انتحال التاجر الظاهر لصفة التاجر قرينة قابلة لإثبات العكس على اكتسابه الصفة التجارية، فمن ينتحل صفة التاجر بالاعلان عنها في الصحف أو التلفاز أو أية وسيلة أخرى أو بادعائه بذلك مباشرة عند ابرام العقود أو اجراء المعاملات يكون في حكم التاجر لحين إثبات العكس(77) .
ج- أن يكون متمتعاً بالأهلية اللازمة لممارسة التجارة : 
       تنص المادة الثامنة من قانون التجارة العراقي النافذ رقم 30 لسنة 1984 على أنه " يشترط في التاجر أن يكون متمتعاً بالأهلية و أن يكون عراقي الجنسية، ويجوز لغير العراقي أن يمارس العمل التجاري وفقاً لمتطلبات خطة التنمية و بإذن من الجهة المختصة " .
       يلاحظ أن النص المتقدم يشترط تمتع التاجر بالأهلية اللازمة لممارسة التجارة من دون تحديد سن معينة لذا ينبغي الرجوع إلى القانون المدني(78)، الذي عدَّ الشخص كامل الاهلية إذا اتم الثامنة عشر من العمر بشرط عدم الاصابة بعارض من عوارض الاهلية(79)، إلا أن المشرع العراقي أورد على هذه القاعدة العامة استثناءين الأول يعدُّ الشخص بمقتضاه كامل الاهلية إذا اكمل الخامسة عشر من العمر وتزوج بإذن من المحكمة المختصة(80)، و الثاني إذا اكمل الشخص الخامسة عشر من العمر و اذن له بالتجارة من قبل الولي وبترخيص من المحكمة(81) .
        و لكن ما الحكم في حالة استمرار النشاط التجاري للقاصر من قبل الولي أو الوصي ؟
        يذهب الرأي الراجح إلى عدم اكتساب الولي أو الوصي صفة التاجر و من ثم لا يمكن شهر إفلاسه لمجرد إدارته اموال القاصر إذ إن الولي أو الوصي لا يباشر التجارة لحسابه الشخصي بل لحساب القاصر، أما القاصر فيكتسب الصفة التجارية و من ثم يجوز شهر إفلاسه و لكن بحدود الاموال الداخلة في تجارته حصراً استثناءً من مبدأ وحدة الذمة المالية ولغرض حماية القاصر، فضلاً عن أنّ الآثار الشخصية المترتبة على شهر الإفلاس لا تنطبق عليه وعلى رأسها سقوط الحقوق المدنية والتجارية ومنع المفلس من التقاضي، و لا يجوز عدّه مفلساً بالتقصير أو بالتدليس ومعاقبته جزائياً، استناداً للمادة (243) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 التي تذهب الى ان كل شخص ولو كان غير مميز يحصل على كسب من دون سبب مشروع يلتزم في حدود ماكسبه بتعويض من لحقه ضرر من جراء ذلك، و الحكم أعلاه ينطبق ايضاً على القاصر المأذون بالتجارة(82) .
        وما تقدم ذكره يتعلق بالتاجر العراقي أما التاجر الاجنبي فيسري عليه قانون الدولة الذي ينتمي اليها بجنسيته و لكن إذا كان الاجنبي ناقص الاهلية بموجب قانون جنسيته وتعاقد مع عراقي حسن النية في العراق فيعدّ الاجنبي في هذه الحالة كامل الاهلية و من ثم يجوز شهر إفلاسه(83) .

2- أن يتوقف عن دفع الدين :
        لم تعرف القوانين التي اشرنا اليها في بحثنا مصطلح " التوقف عن الدفع " بل اشترطت حصوله لإشهار إفلاس التاجر، لذا ذهب بعض الفقهاء إلى تعريف التوقف عن الدفع بأنه " عجز التاجر عن اداء دين تجاري حال في ميعاد استحقاقه "(84)، وعرفه آخر بأنه " عدم سداد المدين عما التزم به في الموعد المحدد لذلك أياً كان سبب هذا التوقف و لو كان المدين يملك من الاموال الكثير الذي يزيد على التزاماته "(85) .
        و لكن هل مجرد توقف التاجر عن دفع دين تجاري واحد يكفي لشهر إفلاسه ؟
لقد أثار هذا التساؤل جدلاً قانونياً واسعاً لذا ظهر اتجاهان في بيان مفهوم التوقف عن الدفع :-
الاتجاه الأول : النظرية التقليدية :
        ذهبت هذه النظرية إلى أن التوقف عن الدفع هو عدم اداء الديون التجارية في مواعيد استحقاقها وبصرف النظر عما إذا كان المدين موسراً أم معسراً وبغض النظر عن المركز المالي للتاجر(86)، فهذه النظرية اعتمدت التفسير الحرفي لعبارة " التوقف عن الدفع " وبهذا التفسير يختلف التوقف عن الدفع عن الاعسار الذي يفترض عدم كفاية اموال المدين للوفاء بديونه المستحقة الاداء(87)، لذا لا يجوز اشهار إفلاس التاجر ولو كان معسراً ما دام يفي بديونه في مواعيدها، أما التاجر الذي يتوقف عن دفع دين تجاري يتعرض لشهر الإفلاس و لو كان موسراً أي إن اصوله تزيد على خصومه(88) .
       ويرى اصحاب هذه النظرية أن اشتراط التوقف عن الدفع لشهر الإفلاس وعدم اشتراط الاعسار له مبررات منها تفادي الصعوبات وبطء الاجراءات التي يستتبعها حتماً الزام الدائنين بإثبات اعسار مدينهم و القول بعكس ذلك يدفع كل تاجر توقف عن الدفع إلى الادعاء بأن توقفه عن الدفع لم يكن نتيجة لإعساره وخلال الفترة الطويلة التي تقضيها المحكمة للتأكد من صحة ادعائه وما يستتبع ذلك من فحص لحسابات المدين ومعرفة تفاصيل ذمته المالية يعمد المدين سيء النية إلى تهريب ما تبقى من امواله او تبديدها اضراراً بدائنيه(89)، و أن ثبوت يسار المدين لا يعني شيئاً بالنسبة للدائن الذي لا يحصل على حقه في موعده و أن اعساره لا يمثل خطراً طالما أنه يقوم بالوفاء بالتزاماته في المواعيد المحددة اعتماداً على ثقة المصارف والموردين مما يساعده على الاستمرار في اداء التزاماته رغم تحقق اعساره(90)، فضلاً عن أن توقف التاجر عن الدفع يؤدي إلى الاضرار بدائنيه التجار ايضاً فتوقف تاجر واحد عن الدفع قد يـــؤدي إلى سلـسلة من التوقفات يكون لها خطرها على السوق التجاري(91) .
       و من خـلال مـا تقـدم يتضـح أنـه يترتـــب علـى الأخــذ بهـــذه النظـــرية جــملة نتائج تتمثل بما يأتي :-
1- لا يجوز شهر إفلاس التاجر ما دام يقوم بأداء ديونه في مواعيد استحقاقها و لو كان معسراً أو حصل الوفاء باستعمال وسائل غير مشروعة كالاقتراض بفوائد جسيمة، إذ إن المحكمة لا يجوز لها أن تحكم بشهر الإفلاس إلا إذا توقف التاجر فعلاً عن الدفع(92) .
2- يجب على المحكمة شهر إفلاس التاجر متى عجز عن الوفاء بديونه في مواعيد استحقاقها و إن كان موسراً كما لو كانت اصوله معظمها عقارات يتعذر بيعها بسرعة أو حقوق له لم تحل آجال استحقاقها بعد(93) .

الاتجاه الثاني : النظرية الحديثة :
        لم يقتنع اصحاب هذه النظرية بالتفسير الحرفي لمفهوم التوقف عن الدفع، إذ يقررون أن توقف التاجر عن دفع ديونه ليس معناه مجرد امتناعه عن الدفع و إنما معناه تهدم تجارته وانهيار الثقة فيه ووقوعه في ضيق عام أو بعبارة اخرى عجزه عجزاً حقيقياً عن الوفاء بديونه، ومسألة قدرته على الدفع أو عدم قدرته مسألة وقائع تستنتجها المحكمة المختصة(94)، فأصحاب هذه النظرية يرون أن مجرد امتناع التاجر عن دفع دين واحد أو عدة ديون مستحقة الاداء لا يكفي لتكوين حالة التوقف عن الدفع و من ثم شهر إفلاسه بل لا بدّ أن يكون الامتناع عن الدفع ناشئاً عن مركز مالي ميؤوس منه بحيث يكون التاجر عاجزاً عجزاً حقيقياً عن الوفاء بديونه التجارية، أما إذا كان التوقف عن الدفع ناشئاً عن صعوبات طارئة و اضطراب مالي مؤقت بحيث يستطيع التاجر التغلب عليها فلا يمكن والحال هذه اعتباره متوقفاً عن الدفع ومن ثم اشهار إفلاسه(95)، كأن يكون لدى التاجر اموال متمثلة في عقارات ومنقولات متجمدة وبضائع في المخازن وتوقف عن الدفع فلا يكون أمام حالة إفلاس بموجب هذه النظرية و على العكس من ذلك إذا توقف التاجر عن الدفع و كان في وضع مالي سيء وضائقة مستحكمة فيكون أمام حالة إفلاس(96) .
       ويترتب على الآخذ بهذه النظرية جملة نتائج تتمثل بما يأتي :-
1- أن التوقف عن الدفع المبرر لشهر الافلاس إنما يتحقق بتوفر عنصرين اساسيين، الأول هو التوقف المادي أي التوقف الفعلي عن الدفع، و الثاني أن يكون التوقف ناشئاً عن فقدان التاجر لائتمانه وعجزه الحقيقي عن الاستمرار في ممارسة النشاط التجاري(97)، فليس من العدل شهر إفلاس تاجر لا يزال يتمتع بالثقة في الوسط التجاري .
2- أن استمرار التاجر في الوفاء بديونه ولكن بطرق غير مشروعة لا يحول دون امكانية شهر إفلاسه، لأنه في هذه الحال يكون من ذوي المراكز المالية المضطربة(98)، و أن عدم شهر إفلاس التاجر ليس من مصلحة الثقة التجارية من جهة كما يساعد التاجر على العبث بامواله اضراراً بدائنيه من جهة أخرى(99)، فضلاً عن ذلك يعدُّ عدم شهر الإفلاس خروجاً على مبدأ تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه مبدأ حسن النية الوارد بالمادة (150) من القانون المدني العراقي، فالمنطق يقضي بمعاقبة التاجر على غشه باستعماله وسائل غير مشروعة في الوفاء وليس مكافأته على ذلك بعدم جواز شهر إفلاسه والذي قررته النظرية التقليدية .
        أما التشريعات الوطنية فقد تباينت في موقفها، إذ ذهب بعضها إلى الأخذ بالنظرية التقليدية في حين ذهب بعضها الآخر إلى الأخذ بالنظرية الحديثة في بيان مفهوم التوقف عن الدفع، فقد نصت المادة (566) من الباب الخامس النافذ من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970 على أن "كل تاجر وقف عن دفع دينه التجاري يعتبر في حالة إفلاس..."، فمن خلال ظاهر هذا النص يمكن القول أن المشرع العراقي أخذ بالنظرية التقليدية في تحديد مفهوم التوقف عن الدفع إلا أن القضاء العراقي في العديد من قراراتـــــه خفف من حدة هذا المفهوم و اشترط لشهر الإفلاس فضلاً عن توقف التاجر عن الدفع اضطراب مركزه المالي(100)، أما المشرع المصري فقد أخذ بالنظرية الحديثة في تحديد مفهوم التوقف عن الدفع إذ نصت المادة (550) من قانون التجارة على أنه " يعدُّ في حالة إفلاس كل تاجر...إذا توقف عن دفع ديونه التجارية اثر اضطراب اعماله المادية "(101)، والحكم نفسه ينطبق بالنسبة لقانون الاصلاح والتصفية القضائية الفرنسي(102) .


3- أن يكون الدين المتوقف عن دفعه تجارياً :
        يشترط لتطبيق نظام الإفلاس أن يمتنع التاجر عن تسديد دين تجاري و عليه لا محل لإشهار إفلاس التاجر المدين بسبب توقفه عن دفع دين مدني(103)، وهذا الأمر ينسجم تماماً مع الفكرة التي حملت المشرع على وضع نظام خاص بالتجار هدفه حماية الائتمان التجاري من دون أن تمتد هذه الحماية إلى الائتمان المدني الذي أفرد له المشرع نظاماً قائماً بذاته في القانون المدني وهو نظام الاعسار(104)، كتوقف التاجر عن دفع ديون مدنية ناجمة عن بدلات ايجار مسكنه(105)، والجدير بالإشارة ان بعض التشريعات جاءت خالية من ذكر شرط تجارية الدين المبرر لشهر الإفلاس إلا أن الاجتهاد الفقهي والقضائي استقر على ضرورة توافر شرط تجارية الدين لتطبيق نظام الإفلاس(106)، و أن عبارة الديون التجارية الواردة في التشريعات جاءت مطلقة تشمل الديون النقدية والعينية على حد سواء والقول بعكس ذلك يؤدي إلى افلات الكثير من التجار من الخضوع لنظام الإفلاس عند عجزهم عن دفع ديونهم العينية(107) .
     وشرط تجارية الدين ينظر إليه من جانب التاجر المدين لا من جانب الدائن في دعوى الإفلاس، لأن المشرع حصر عنايته بالمدين وبطبيعة دينه مشترطاً أن يكون المدين تاجراً و أن يكون دينه متصفاً بالصفة التجارية(108)، فإذا كان المدين تاجراً وكان دينه المستحق الاداء تجارياً جاز للدائن طلب شهر إفلاسه(109)، إلا أن المشرع العراقي اشترط فوق ذلك أن تزيد قيمة الديون عن خمسمائة الف دينار و أن يمتنع المدين عن سدادها لمدة تزيد على ثلاثين يوماً من تاريخ استحقاقها(110)، ولم يكن المشرع العراقي –باعتقادنا- موفقاً في ذلك، لأن هذا الأمر يدفع التاجر إلى العزوف عن دفع ديونه التجارية التي تبلغ قيمتها خمسمائة الف دينار فما دون ما دام ذلك لا يؤدي إلى شهر إفلاسه الأمر الذي يؤدي بالأخير إلى الاضرار بدائنيه و لاسيما التجار منهم، فضلاً عن أن العبرة في صفة الدين وقت التوقف عن الدفع فإذا كان الدين تجارياً عند نشأته ثم أصبح مدنياً عند استحقاقه فلا يجوز شهر إفلاس التاجر بمقتضاه والعكس صحيح(111)، مثال الحالة الأولى توافق الدائن والمدين على تحويل الدين التجاري إلى دين مرتب مدى الحياة، أما الحالة الثانية فمثالها ادخال التاجر الدين المدني المترتب في ذمته في الحساب الجاري(112) .
       والجدير بالذكر أنه كما يجوز للدائن بدين تجاري حال طلب شهر إفلاس مدينه التاجر، يجوز للدائن بدين تجاري آجل طلب شهر إفلاس مدينه إذا لم يكن له محل اقامة معروف في العراق أو إذا لجأ إلى الفرار أو اغلق متجره أو شرع في تصفيته أو اجرى تصرفات ضارة بدائنيه بشرط أن يقدم الدائن ما يثبت ان مدينه متوقف عن دفع دينٍ تجاري حالٍ(113) .
       والتساؤل الذي يثار في هذا الصدد هل يحق للدائن بدين مدني المطالبة بشهر إفلاس مدينه التاجر ؟
        يلاحظ من خلال نصوص الباب الخامس النافذ من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970 أن الدائن بدين مدني لا يحق له المطالبة بشهر إفلاس مدينه التاجر(114)، تماشياً مع الاتجاه الفقهي الذي يرى أنه يلزم في الدين الذي يمتنع التاجر عن الوفاء به أن يكون تجارياً، فإذا استمر التاجر في الوفاء بديونه التجارية فلا يقبل طلب شهر إفلاسه و لو توقف عن دفع أحد ديونه المدنية ذلك لأن الإفلاس نظام تجاري لا يسري إلا على التجار الهدف منه حماية الثقة بين الدائنين اصحاب الحقوق التجارية ثم أن التوقف عن دفع الديون المدنية لا يترتب عليه ذات الآثار الخطيرة التي تنجم عن التوقف عن دفع الديون التجارية(115)، أما المشرع المصري فقد اجاز ذلك بشرط أن يثبت الدائن توقف مدينه عن دفع دينٍ تجاري حالٍ(116)، تماشياً مع الاتجاه الفقهي الحديث الذي يرى بأن منع الدائن بدين مدني من طلب شهر الإفلاس قد يمنح التاجر تسيير شؤون تجارته بأساليب غير مشروعة لدرجة تراكم الديون وتفاقم الاوضاع على نحو يضر بكافة الدائنين سواء من كان دينه تجارياً أم مدنياً، و أن منح الدائن بدين مدني طلب شهر الإفلاس لن يثير عقبات قانونية، لأن المحكمة لن تقضي بشهر الإفلاس إلا إذا تحققت أن التاجر قد انهار ائتمانه التجاري وتوقف عن دفع ديونه التجارية(117)، وهذا هو الرأي الصائب .
        ويجمع الفقه القانوني على أنه يشترط في الدين المبرر لشهر الإفلاس فضلاً عن كونه تجارياً، أن يكون محققاً خالياً من النزاع الجدي الذي يدور حول صحة نشأة الدين أو مقداره كادعاء التاجر انقضاء الدين بالمقاصة أو التجديد أو الابراء أو انكر توقيعه على اصل السند المثبت للدين وغير ذلك(118)، أما إذا كان النزاع غير جدي أي كان قائماً على مجرد ادعاءات أو دفوع غير مؤيدة بدليل يقصد المدين من ورائها ستر موقفه وعرقلة سير الدعوى فلا يؤثر ذلك على سير دعوى الإفلاس(119)، و يشترط في الدين الموجب لشهر الإفلاس ايضاً أن يكون معين المقدار أي أن يتبين مقدار المبلغ الذي تم المطالبة به(120)، و يجب أن يكون مستحق الاداء أما إذا كان ديناً طبيعياً، أو معلقاً على شرط واقف، أو كان مضافاً لأجل، فإن رفض وفائه يكون له مبـرر قانوني و من ثم لايمكن شهر إفلاس التاجر بمقتضاه(121) .