تحديد الحريات العامة

صياغة الحريات العامة وتحديدها
سنتطرق في هذا المبحث إلى مسألتين أساسيتين أولا كيف تم صياغة الحريات العامة في إعلانات الحقوق والمواثيق الدولية ثانيا تحديد الحريات العامة

تحديد الحريات و الحقوق العامة
لا تمثل عملية الإعلان عن الحرية في نص أو وثيقة، مجرد إجراء شكلي فقط، وإنما هي تأكيد للمكانة التي تأخذها وللقيمة التي يريد شعب من الشعوب في إعطائها لها، أي أن الإعلان عن تلك الحرية يمنحها في واقع الأمر قيمة فلسفية وأخلاقية إلا أنها ومع ذلك تكون مفتقدة إلى الإلزام القانوني، ومن دونه لن تترسخ تلك الحرية في الوسط الاجتماعي والسياسي وعليه فإذا لم تحدد الحرية بشكل صحيح من حيث مضمونها أو إذا لم يكن لها معنى مقصود بتعيين شروط ممارستها بالقانون، فإن الإفادة الفردية والجماعية منها ستكون ناقصة. ولذا كان من الضروري ربطها بالمساواة من جهة، وتهيئ الأوضاع التنظيمية من جهة أخرى، لأنه هو السبيل لجعلها حرية خلاقة وفاعلة في الحياة العامة للأفراد والشعوب.[1]
أ- تصنيف الحقوق والحريات العامة
في مراحل سابقة من تاريخ البشرية، حيث كان التمييز وليس المساواة هو القانون الأسمى في المجتمعات، كان لمبدأ تأثير ضعيف في وضع القوانين، لأنها أي الحرية كانت تدعو إلى ضمان أمن الإنسان في بيئته فقط. بيد أن التاريخ الاجتماعي والسياسي للبشرية عرف انتفاضات كبيرة كان من ثمارها إعلان مجموعة من شرع حقوق الإنسان كاعتراف لها وتأصيلها انطلاقا من أصليتها في الإنسان نفسه، وعليه فليس للدولة أو سلطة زمنية أو دينية، أو لأي قوة من القوى أن تدعي أنها صاحبة الحق والفضل في منحها للأفراد، ولذلك احتلت الحرية مكان الصدارة وغذت لها وظيفة تحررية بعد أن ارتبطت بالمساواة في سلم القيم الاجتماعية والسياسية
ولتصنيف الحقوق والحريات لا بد من اتخاذ الإنسان كمحور، لأن شخصيته تقوم في المجتمع الإنساني من خلال واجهات متعددة، بدنية ومعنوية، اقتصادية، وعليه فنظرية الحقوق والحريات تستمد أصالتها وقدسيتها من خلال ارتباطها العضوي بالإنسان، ما دام هذا الإنسان راسخ في الوسط الاجتماعي الذي يحيط به ويؤدي فيه وظيفته السياسية والانتاجية.[2]
I- الحريات الشخصية البدنية والمعنوية للإنسان
تقتضي الطبيعة البشرية للإنسان، مجموعة من الحاجات الضرورية التي تتخذ شكل حقوق أساسية بدنية ومعنوية، وهي بمثابة الخصائص التي تنبعث منها مجموعة من الحريات التي تنشأ عنها شبكة من الحقوق الذاتية حيث يصبح تنظيمها في إطار القانون لمنع تضاربها أمرا حتميا في المجتمعات البشرية.[3]
1- الحريات الشخصية البدنية للإنسان
وتتفرع هذه الحرية الأساسية للإنسان في ضمان سلامة بدنه وفي تغذيته وفي حرية تنقلاته.
1-1 السلامة الجسمية للإنسان
يتصدر هذا الحق قائمة حريات الإنسان الأساسية لأنه يمثل الحق الأصلي الذي ترتكز عليه سائر الحريات وذلك لأن الشخص لا يقوى على ممارستها، إلا إذا كان جسمه محميا وطليقا من قيود الاستبعاد ولا تحركه إلا إرادة صاحبه الحرة. وهذا الحق هو أول الحقوق التي ظهرت في تاريخ الحقوق الإنسانية ولاسيما في العهد القديم حيث كانت الحرية تقابل العبودية، أما في العصر الحديث فقد تجلت هذه الحرية الجوهرية في "إنجلترا" من خلال قانونها المعروف باسم "الهابياس كوربيس" والذي ضمن للمواطن "الإنجليزي" سلامته البدنية عن طريق فرض شروط وإجراءات قانونية محددة لتوقيفه أو سجنه ومحاكمته، إلا أن هذه النظرية مبنية في شكلها القانوني الحاضر على تصريح1789 لحقوق الإنسان والمواطن حيث وردت فيه القواعد الأساسية المؤلفة لهذه النظرية.[4]
وقد سارت هذه المبادئ المرتبطة بسلامة الإنسان وهي في أساس حقوقه وحرياته، مألوفة في دساتير الدول وقوانينها وكذلك في الإعلانات الدولية، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد حرص على تعزيز هذه المبادئ في بعض مواده (المادة 3) "لكل فرد الحق بالحياة والحرية وسلامة شخصه" و(المادة 9) "لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفيا". وعليه فقد أضحى الحق في السلامة معبرا عن الحالة النفسية الاجتماعية والقانونية التي يتمتع بها الشخص، عندما يكون آمنا على حياته ومطمئنا إلى حريته وسيدا على تصرفاته.[5]
1-2 الصحة والغذاء والمسكن
إن الحق في الصحة والغذاء والمسكن هو من الحقوق الأساسية المعترف بها في العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهو مرتبط بشكل وثيق بحقوق أخرى للفرد، كالحق بالغذاء والمسكن والعمل والتوعية وغيرها، إذ لا يمكن عزل تطور الوعي الصحي للفرد عن العوامل الأساسية القائمة في مختلف هذه الميادين، حيث يبدو من العسير جدا ضمان حد أدنى من السلامة الصحية للإنسان إذا لم يقطن في المكان الملائم، أو لم يحصل على الغذاء المتوازن أو العمل المناسب وغير ذلك.
ومن الطبيعي أن يكون ثمة فوارق كبرى بين الدول الغنية وبين الدول الفقيرة في هذا المجال، لاسيما وأن مقدرة الدول على تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها تخضع لعوامل سياسية واقتصادية غالبا ما تخرج عن نطاق سيطرتها.
وقد جاء في (المادة 25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن: "لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية". كما قالت منظمة الصحة العالمية بأن: "الصحة هي الحالة الكاملة من الرغد الجسدي والعقلي والاجتماعي ولا تقصر فقط على غياب المرض أو الإعاقة... وأنها حق أساسي للكائن الإنساني" واعتبرت بأن: "الحكومات مسؤولة عن صحة شعوبها، وأنها لا تستطيع مواجهة ذلك إلا باتخاذ التدابير الصحية والاجتماعية الملائمة"[6]، أما (المادة 12) من اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد طالبت الدول الأطراف فيها أن:
* تقر بحق كل الفرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية
* العمل على خفض نسبة الوفيات في المواليد وفي وفيات الأطفال ومن أجل التنمية الصحية للطفل.
* الوقاية من الأمراض المعدية والمتفشية والمهنية ومعالجتها وحصرها
* خلق ظروف من شأنها ضمان الخدمات والعناية الطبية في حالة المرض.
كذلك نصت (المادة 35) من شرعية الحقوق الأساسية الأوروبية على أن: "كل إنسان الحق بالوصول إلى الوقاية الصحية، والاستفادة من العلاجات الطبية ضمن الشروط المقررة في التشريعات والممارسات الوطنية".
1-3 حرية التنقل:
تعتبر حرية الشخص في التنقل الحر أينما شاء وآنا شاء من بين الجوانب الحيوية للحرية الشخصية، وربما تعتبر هذه الحرية هي الأقدم في تاريخ ظهور الحريات الأولية، وقد بقيت هذه الحرية كاملة في العهود القديمة وفي إطار الإمبراطوريات الكبرى.[7]
بيد أن هذه الحريات أخذت تقل في عصرنا، لأنها أصبحت مقيدة  بالمعاهدات والقوانين والأنظمة  وذلك بقدر ما تطورت الدول ووطدت استقلالها السياسي والاقتصادي من تداخل أجزاء العالم، وتجاوب شعوبه، أمسى خاضعا لقيود إدارية واقتصادية ومالية وسياسية، كانت كافية لتجميد تنقلاته، فإدخال فكرة جواز السفر، على نطاق عالمي لتأمين حرية التنقل إلى الخارج، أعطى السلطة التنفيذية سلطة واسعة بوجود أو بدون وجود تشريع صريح، لمجرد حجز جواز سفره من جهة، أو بعدم قبول تأشيرة دخوله أو مروره عبر دولة أخرى من جهة أخرى.[8]
وعليه أن هذه الحرية الأصلية، أضحت مقيدة، وهي الحرية التي أعلنتها شرعة حقوق الإنسان في (المادة 13) "لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة... ويحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه". في حين تنص (المادة 140) "لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد". ويلاحظ أن التصريح ربط بين حرية التنقل وحق اللجوء السياسي التابع له.


[1] م.س. ص 40
[2] م.س. ص 41
[3] م.س. ص 41
[4] م.س. ص: 42
[5] ن.م. ص:42
[6] خضر خضر م.س. ص:427
[7] م.س. ص: 43
[8] م.س. ص: 43