اجراءات الافلاس

كيفية تنفيذ مفاعيل حكم الافلاس في غير الدولة التي صدر فيها، او ما يعرف بحالات الافلاس عبر الحدود faillite transnationale
هذه المشكلة تطرح بالنسبة لمدى امكانية متابعة تنفيذ حكم الافلاس بشكل ناجع في غير الدولة التي أصدرته لتمكين الدائن من متابعة تنفيذ اجراءات الافلاس في دولة أخرى تكون فيها أموال عائدة للمدين المفلس، ذلك ان هذا الأمر يتطلب تعاوناً وتشريعات خاصة ترعاه سواء اتفاقيات بين الدول او قانون موحد ألخ... وقد طرحت هذه المسألة أمام القضاء اللبناني في معرض حكم صادر عن محكمة ابوظبي الابتدائية التجارية بتاريخ 31/5/2009 قضى بشهر إفلاس احد التجار ... وبتعيين قاضىٍ مشرف على  التفليسة لمراقبة إجراءاتها واعمالها كما عيّنت تلك المحكمة أميناً مؤقتاً للتفليسة لاستلام أموال التفليسة لادارتها وتحصيل حقوق الدائنين، وقد تم اعطاء هذا الحكم الصيغة التنفيذية في لبنان  حيث جرى التقدم على أثر ذلك بطلب تعيين وكيل تفليسة في لبنان لادارة أموال المفلس وتصفيتها، فأصدرت محكمة الافلاس في بيروت بتاريخ 22/2/2010 حكماً قضى برد الطلب للاسباب التالية ([1]).
     يتبين مما تقدم ان هناك صعوبات تنشأ في متابعة اجراءات التفليسة خارج حدود الدولة التي صدر فيها حكم الافلاس، ولا سيما لناحية عدم وجود مرجعية قضائية تشرف على هذه الاجراءات وتتابع  حسن سير عملها مما يمكن ان يعرّض حقوق الدائنين لخطر الضياع  اما بسبب سوء تصرف وكيل التفليسة نظراً لعدم وجود رقابة مباشرة على أعماله في هذه الحالة واما لعدم وجود مرجعية قضائية (قاضٍ مشرف ومحكمة افلاس) يمكن لهذا الوكيل ان يلجأ اليها عندما تعترضه بعض المشاكل في معرض قيامه بمهامه.
ان تزايد حالات الاعسار عبر الحدود([2]) يعكس استمرار توسع التجارة والاستثمار على الصعيد العالمي.  بيد ان قوانين الاعسار الوطنية لم تستطع بصفة عامة مواكبة هذا الاتجاه، وكثيراً ما تكون غير مهيأة ومقصّرة في معالجة القضايا ذات الطابع الذي يتخطى الحدود cas internationaux وغالباً ما يؤدي ذلك الى اتباع طرق قانونية غير ملائمة وغير متجانسة مما يعرقل سبل انقاذ الأعمال التجارية التي تواجه صعوبات مالية ولا يفضي الى ادارة حالات الاعسار عبر الحدود بانصاف وفعالية، ومما يحول دون حماية أصول المدين المعسر من التبديد ويمنع من الحفاظ على قيمة تلك الأصول الى أقصى حد ممكن. وعلاوة على ذلك فإن انعدام امكانية الارتقاب والتوقع في معالجة قضايا الاعسار عبر الحدود يعيق تدفق رؤوس الأموال ويحبط الرغبة في الاستثمارات الدولية.
وان الهدف من طرح هذه المسألة هو توفير آليات ووسائل فعالة لمعالجة حالات الاعسار التي تتخطى حدود الدولة الواحدة وذلك من أجل تحقيق بعض الأهداف، منها:
1.  توفير التعاون بين المحاكم والسلطات الأخرى المختصة في الدولة التي تحصل فيها الاجراءات ودول أخرى أجنبية معنّية بحالات الاعسار عبر الحدود؛
2.  توفير ضمانة قانونية اكبر واكثر فاعلية في المسائل القانونية المتعلقة بالتجارة والاستثمار؛
3.  ادارة حالات الاعسار التي تتخطى حدود الدولة الواحدة ادارة منصفة وناجعة، بحيث تتأمن حماية مصالح كل الدائنين وسائر الأشخاص المعنيين بمن فيهم المدين؛
4.  حماية موجودات المدين والمحافظة على قيمتها وزيادتها الى اقصى حد ممكن؛
ان الحل العملي لهذه المسألة يمكن ان يكون عن طريق الاسترشاد بما اقترحته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الاونيسترال) للفريق العامل الخامس المعني بقانون الاعسار (القانون النموذجي)، وذلك عن طريق الاعتراف بالقرار الاجنبي القاضي بإعلان الافلاس واعطاءه المفاعيل القانوينة في الدولة التي  قدم لها طلب الاعتراف.
اذ انه في مجال البحث في الاعتراف بالاجراءات الأجنبية، فقد وضع القانون النموذجي معايير للبت فيما اذا كان ينبغي الاعتراف بالاجراء الأجنبي، اذ ورد انه يجوز للمحكمة في الحالات الملائمة ان تمنح تدابير مؤقتة الى حين اتخاذ قرار بشأن الاعتراف. ويتضمن هذا القرار تحديداً لما اذا كان الأساس المستند اليه من حيث الاختصاص القضائي في بدء الاجراء الأجنبي يجعل من الواجب الاعتراف بالاجراء الأجنبي بوصفه اجراء اعسار أجنبي "رئيسي" او بدلاً من ذلك "غير رئيسي". ويعتبر الاجراء الاجنبي اجراءً "رئيسياً" اذا بدأ في الدولة التي "يوجد فيها مركز مصالح المدين الرئيسية". وهذه الصيغة مماثلة للصيغة الواردة في المادة 3 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي بشأن اجراءات الاعسار، مما من شأنه  ان يوضح المفهوم الواجب اعتماده للاجراء "الرئيسي". ويمكن ان يترتب على اتخاذ قرار بأن الاجراء الأجنبي هو اجراء "رئيسي" تأثير في طبيعة التدبير الذي يمنح للممثل الأجنبي(الذي يماثل وكيل التفليسة).
وانه في سياق الاعتراف بالاجراءات الأجنبية والتعاون مع المحاكم الأجنبية، يمكن اعتماد طريقة الاعتراف بالاجراءات والقرارات الصادرة  دون اللجوء الى اعتماد الصيغة التنفيذية في دولة أخرى وذلك لتسهيل تطبيق المفاعيل والتدابير المناسبة الناشئة عن هذه الاجراءات، اذ ان الاعتراف بهذه القرارات يتم من قبل المحكمة ذاتها التي تنظر في اجراءات الافلاس بعد التحقق من توافر الشروط المطلوبة له (صورة مصدقة عن القرار ببدء الاجراء الأجنبي، افادة من المحكمة الأجنبية تثبت وجود الاجراء او التدبير الأجنبي...).  وينتج الاعتراف بحكم أجنبي المفاعيل ذاتها التي ينتجها هذا الحكم في الدولة التي صدر فيها، كما يمكن للمحكمة التي اعترفت بالقرار اوبإجراء أجنبي ان تتخذ التدابير التي تقتضيها الضرورة لحماية موجودات المدين اومصالحه بناءً على طلب الممثل الأجنبي (وكيل التفليسة) الذي جرى تعيينه بموجب القرار المعترف به... وفي النتيجة يمكن القول ان هذه القواعد ترمي الى ايجاد طرق تعاون واتصال مباشر بين محكمة الدولة التي طلب منها الاعتراف بالقرارات والموجودة فيها أموال للمدين المفلس اوفروع للشركة الأجنبية وبين المحكمة الأجنبية التي اتخذت هذه القرارات نظراً لوجود المركز الرئيسي للمدين فيها.
واننا نرى انه يمكن اعتماد قواعد قانون الأونيسترال النموذجي بشأن الاعسار عبر الحدود كونها تهدف الى مساعدة الدول على تزويد قوانينها بشأن الاعسار بإطار حديث ومنسّق لمعالجة حالات الاعسار عبر الحدود بمزيد من الفاعلية، ولكونها تتضمن الحالات التي تكون فيها للمدين المعسر أصول في أكثر من دولة واحدة، او التي يكون فيها بعض دائني المدين غير منتمين الى الدولة التي تتخذ فيها اجراءات الاعسار، بحيث ان اعتماد هذه القواعد من شأنه ان يعطي نتائج ايجابية وناجحة جداً في مجال تحصيل الديون في حالات الافلاس عبر الحدود ويحول دون امكانية التفلّت من مفاعيل حكم الافلاس في حال تهريب الأموال العائدة للمدين المفلس الى دولة أخرى غير تلك التي صدر فيها حكم الافلاس.








[1] -"وحيث انه وفقاً للمادة 1010 أصول مدنية، فان حكم شهر الافلاس الصادر عن محكمة أبوظبي الابتدائية-المحكمة التجارية- موضوع هذا الاستدعاء، يمكن قبل اقترانه بالصيغة التنفيذية ان يتخذ وسيلة ثبوتية أو مستنداً لاجراءات احتياطية كالقيد الاحتياطي العقاري والحراسة القضائية وطلب وكيل التفليسة الديون التي لها أو تدخله في دعاوى المفلس والحجز الاحتياطي...؛
    وحيث ان المستدعي استحصل بتاريخ 30/12/2009 على قرار صادر عن الرئيس الأول لمحكمة استئناف بيروت قضى بإعطاء الصيغة التنفيذية للحكم الصادر عن محكمة ابوظبي المشار اليه أعلاه؛
     وحيث انه مما لا خلاف عليه في حقل القانون الدولي الخاص ان إعطاء الصيغة التنفيذية لحكم الافلاس الاجنبي في لبنان يبقي الحكم المذكور خاضعاً لأحكام القانون الذي يسوده في البلاد الأجنبية وهو الذي يحدد أهلية ووظيفة السنديك وصلاحياته المتعلقة بإدارة وتصفية أموال طابق الافلاس، إلا انه يشذ عن هذه القاعدة عندما يتعارض مع قواعد الانتظام العام كما يحددها القانون اللبناني؛ 
     وحيث انه تبعاً لذلك فإن الحكم المذكور لا يبقى قاصراً بآثاره على أراضي إمارة ابوظبي إذ انه يمتد بآثاره الى الأراضي اللبنانية؛ فتكون بذلك قد تكوّنت تفليسة واحدة في نطاق أراضي إمارة ابوظبي  والأراضي اللبنانية ويكون بالتالي من حق وكيل التفليسة المعين بموجب هذا الحكم المذكور ان يمارس في لبنان جميع مهامه مع الاحتفاظ بتطبيق قواعد الانتظام العام اللبناني؛
يراجع: محكمة التمييز المدنية الأولى، قرار رقم 18 تاريخ27 شباط1975، حاتم161، 211.
    وحيث ان الأخذ بهذه الوجهة يؤدي الى اعتبار انه ينشأ عن هذا الافلاس أثر شامل يتناول جميع أموال المدين في أية دولة وجدت، إذ انها تراعي وحدة الذمة المالية للمدين وتساعد على حل جميع المسائل الناشئة عن الافلاس بوجه سريع ومتجانس، مع تفادي المساوىء التي قد تترتب على تقديم الديون وتثبيتها أمام مراجع متعددة؛
يراجع بهذا الشأن:
 Fabia et Safa C.C.L.a, art.490, no55 et suiv.
   وحيث ان اعطاء الصيغة التنفيذية للحكم الصادر بإعلان الافلاس في ابوظبي ليس من شأنه ان يجعل محكمة الافلاس في بيروت مختصة للنظر بالنزاعات وبالاجراءات التي ترافقها والتي تكون قد نشأت عن هذا الافلاس، بحيث ان الطلب الذي تقدم به المستدعي أمام هذه المحكمة لم يكن بصدد إنشاء حالة إفلاس وطني إنما كان في صدد النفاذ الدولي لاثار حالة إفلاس أنشئت خارج لبنان وامتدت اليه بحكم اعطاء الصيغة التنفيذية لحكم الافلاس الأجنبي؛
   وحيث انه تبعاً لذلك يكون الاختصاص بتعيين وكلاء طابق الافلاس من الناحية الدولية لمحكمة ابوظبي مصدرة حكم الافلاس وليس لمحكمة الافلاس في بيروت، ذلك لأن تعيين وكلاء التفليسة هو من مستلزمات حكم شهر الافلاس عملاً بأحكام المادة 512 تجارة معطوفة على المادة 74 أصول مدنية، إذ يكون لوكيل التفليسة المعيّن من محكمة ابوظبي الصفة الكافية في لبنان لاتخاذ جميع الاجراءات المتعلقة بالتنفيذ بعد اعطاء الحكم الأجنبي المذكور الصيغة التنفيذية في لبنان؛
    وحيث انه إضافة الى ذلك فإن المحكمة التي تعلن الافلاس تعيّن في حكمها أحد اعضائها ليكون قاضياً منتدباً(م521 تجارة) يشرف على أعمال وكلاء التفليسة ويعجّل إجراءات الافلاس وتصفية الموجودات ويفصل بالاعتراضات التي يمكن ان تقام على بعض أعمال الوكلاء(المادة 517 تجارة)؛
   وحيث انه بموجب أحكام الافلاس والوكالة يتعين على وكلاء التفليسة القيام بأعمال معينة دون إهمال أو مخالفة أو خطأ فادح أو تجاوز للصلاحيات، وان القانون أخضع  هؤلاء الوكلاء في تنفيذ الموجبات المذكورة المترتبة عليهم لمراقبة دائمة من قبل القاضي المشرف والمحكمة على مدار الزمن الذي يستلزم فيه تنفيذ المهمة، الأمر غير الممكن تحققه بغياب وجود قاضٍ منتدب ليعجل ويراقب أعمال التفليسة وادارتها؛
    وحيث انه تأسيساً على كل ما تقدم يكون طلب المستدعي الرامي الى تعيين وكيل للتفليسة تسلم اليه إدارة ممتلكات المفلس في لبنان بالاستناد الى الحكم الصادر عن محكمة ابوظبي هو في غير محله القانوني ومستوجباً الرد".
(محكمة الدرجة الأولى في بيروت، الغرفة الأولى، حكم رقم 24، تاريخ 22/2/2010، العدل 2010 العدد 2، صفحة 738 وما يليها).
[2] - جرى استعمال عبارة الاعسار عبر الحدود من قبل لجنة الاونيسترال التابعة للأمم المتحدة بموجب القواعد التي وضعتها للافلاس عبر الحدود كونها لم تفرّق بين الافلاس والاعسار بالنسبة للتاجر معتبرة ان كلا الكلمتين تعطي المفهوم نفسه. الا ان بعض القوانين الداخلية ومنها القانون اللبناني تعتبر ان الافلاس faillite هو الحالة القانونية التي يوجد فيها التاجر المتوقف عن دفع ديونه في موعد استحقاقها، فيما ان حالة العجز او  الاعسار   déconfiture  هي الحالة التي يكون فيها المدين بدين مدني عندما يتخلف عن دفع ديونه وهي لا تتطلب على غرار حالة الافلاس صدور حكم قضائي لاثباتها بل ان مسألة الاعسار يحتج بها عادة في سياق دعوى يرفعها الدائن ضد مدينه بقصد اسقاط حقه من أجل الدين بسبب إعساره مما يستوجب من المحكمة التثبت من قيام حالة الاعسار والقضاء بها.
وفي هذا السياق فإن قانون الموجبات والعقود اللبناني عندما استعرض الآثار التي تترتب على الاعسار نص في المادة 113على ما يلي:"ان المديون الذي يستفيد من الأجل يسقط حقه في الاستفادة منه اذا أفلس او أصبح غير مليء..."، مما دفع البعض الى اعتبار ان لا فرق في التسمية بين الافلاس والاعسار، لكن في مطلق الأحوال يبقى نظام الافلاس خاصاً بالتاجر فقط دون المدين بدين مدني.