النظام الاسلامي

ملامح النظام الإسلامي

بالنظام العقابي في الإسلام، يقوم على فلسفة وموضوعية، وأن قوامه هو تأصيل ثقافة احترام الإنسان للإنسان، وكفالة ذلك بنظام عقابي رادع من شأنه أن يكبح جماح أي انتهاك لهذه الحقوق التي تقررت باعتبارها منظمة لمصالح المجتمعات الإنسانية.
       وكما ذكرت فإن النظام الإسلامي في تحديده لصورة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ينطلق من اعتبار السيادة على الإنسان من الله، وليست سيادة من إنسان على إنسان، حيث يحتكم كل منهما إلى شريعة ونظم ربانية من شأنها أن توجد مرونة في علاقة كل منهما بالآخر.
       إن السلطة تعد حاجة طبيعية وضرورة اجتماعية ومقتضا دينيا لإقامة الدين، فالسلطة ليست جزءا من الإسلام، وإنما هي وظيفة أساسية لقيامه، وليست هناك حاجة إلى النص على إقامة الدولة، وإنما الحاجة إلى ضمانات قيامها بالقسط وحجزها عن الجور، وأن مهمتها الأساسية تتمثل في إقامة العدل وحراسة الدين وتوفير مناخات تتيح لأكبر قدر ممكن من الناس أن يعبدوا الله في اختيار وتوافق مع قانون الفطرة، ومع مبادئ الإسلام، وأن يحققوا أعلى ما تسمح به ملَكَاتهم من السمو المادي والروحي والسعادة في الدنيا والآخرة بعيدا عن ضروب الإكراه.
       إن البشرية كلها وفق هذا التصوّر مستخلفة عن الله تعالى، وهي صاحبة السلطة ليست من نفسها على نفسها، بل نيابة عن الله، ونظرا إلى أن هذه السلطة المخوّلة من الله للجماعة لا يمكن عمليا أن تديرها مباشرة، فقد تحتّم إيكالها بمقتضى عقد " بيعـة " لمن يقوم بها وفق القانون ( النص )، ورقابة الشعب ( الشورى )، وهما السلطة المؤسسة للدولة الإسلامية. [1] 
       إن السلطة تميل بطبيعتها إلى الجور، وهي عند الماركسية مجرد أداة لقمع الخصوم والتوصل إلى الأهداف، وفي الديمقراطية الغربية، وعلى الرغم مما تتوفر عليه من أجهزة الرقابة، فإن قيامها على الفلسفة المادية قد جعل قيم الربح واللذة والكبرياء القومي هو السلطان الأعلى على مؤسسات الدولة، وأعطى ذوي النفوذ المالي نفوذا عظيما على عقول الناس وحياتهم ومصائرهم، وذلك حتى كادت الدولة أداة لتحقيق مآربهم، وإن ترتب على ذلك تدمير الأخلاق والأسرة والمجتمع والبيئة والعالم.
       أما السلطة في الدولة الإسلامية فإن هدفها من خلال علاقتها مع الشعب يتمثل في إتاحة مناخات الحرية والعدالة والتطهّر والترقّي الروحي والمادي أمام أوسع قطاع من الناس، وذلك بما يتيح للمجتمع فرصة معرفة الله وعبادته، وتسخير طاقات هذا الكون وعمارته لصالح تعارف الشعوب وتآخيها وارتقاءها واشتراكها في التمتع بخيرات العالم وبركات التقدم.
       وبذلك فإن المشروعية العليا في الدولة لا تكون بموجب عقد بين السلطة والأفراد، بل هي لله سبحانه وتعالى ممثلا في شريعته، وأن الأمة هي المستخلفة عن الله وليس فردا منها أو مؤسسة أو جماعة، الأمر الذي يضع قيودا على سلطان الدولة التشريعية، وخاصة في المجال المالي وحقوق الإنسان، وسياساتها في الداخل والخارج، كما يعطي الأمة المستخلفة صاحبة القوامة على حكامها من الناحية المبدئية حق الرقابة على تصرفات الحكام، بل يرتفع ذلك إلى مستوى الواجب الديني.[2]
       إن تنظيم العلاقة بين المواطن والسلطة وفق النظام الإسلامي يتقرر على أساس ما يقرره أهل الحل والعقد ممن تشترط فيه الأهلية لمعرفة حقائق الدين والمتغيرات والمستجدات وذلك في ملامحها العامة، ولكنها في تفاصيلها وتطبيقاته ترتبط بالمصلحة المقررة وفق ما يستقر عليه رأي أهل الحل والعقد بالشورى والتشاور بينهم.
       إن السلطة في النظام الإسلامي تستمد قوتها استهداء بالشريعة الربانية، والتي يتقرر بناء عليها المصلحة وفق الضوابط المقررة في نصوصها؛ إذ ليست المسألة خاضعة للاجتهاد المطلق للإنسان، والذي قد لا يدرك في كثير من الأحوال ما يتناسب مع مصلحته الحالّة والمستقبلة. 
وبناء على ذلك، فإن الفلسفة التي يقوم عليها إقرار حقوق الإنسان ودعمه كمشروع وميثاق يكفل للإنسانية استقرارا في العلاقات والمصالح المشتركة، لا بد وأن يقوم على نظام من شأنه ألا يكون محلا لوجهات النظر في أصوله دون فرعياته التي تتجدد بتجدد المتغيرات، وليس أجدر ولا أصلح بحكم وتنظيم حياة الإنسان إلا رب الإنسان، وهو الصانع العالم بمصنوعاته. ولئن كانت نظرية العقد الاجتماعي فيها نسبيا تحقيق للمصلحة الاجتماعية، وذلك بإقرارها عددا من المبادئ التي تخلق توازنا في السلطة بين الحكام والمحكومين، إلا أن هذه المبادئ تكون عرضة إما للانتهاك وإما للإفراط الذي يجعلها ممارسة سلبية تضر الإنسان ولا تدفعه؛ لذلك كانت الضوابط ضرورة ملحّة لممارسة مثل هذه الحقوق، ولكن الإشكالية في اعتماد مصدر هذه الضوابط، وفي تجديد ما يتصل بها مما تقع فيه المسؤولية على الصفوة المثقفة الواعية من أبناء المجتمع، حيث أنها لا يمكن – وفقا لما أرى – أن تتقرر المصلحة بقرار كل الجماهير الذين منها المؤهّل وغير المؤهّل لذلك، وهم من يطلق عليهم أهل الحل والعقد، واختيارهم ومعرفتهم في ظل معطيات الواقع المعاصر معضلة أخرى تحتاج إلى بحث ودراسة مستفيضة.



[1] الغنوشي – راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 322.
[2] الغنوشي – راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 326.