أسباب قطع صلة الرحم

العلاقات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي‏
إن المجتمعات الإسلامية رغم عدم التزامها بالإسلام التزاماً تاماً، إلا أنه لا تزال الروح الاجتماعية موجودة فيها.
فحسب دراسات أجريت على المجتمعات العربية وهي جزء من الأمة الإسلامية أنه لا تزال في المجتمعات العربية روح العاطفية والترابط، وحب المعاشرة، وهي قيم تعكس أهميّة الجماعة لدى الفرد... وليس الامتثال لرغبات الأسرة والخوف من كلام الناس، والاهتمام بالمحافظة على السمعة، والمكانة العالية التي تحتلها المجاملات الاجتماعية العربية إلا تأكيداً، لأهمية الجماعة لدى الفرد.

وقد لاحظ أحد الباحثين أن العرب على خلاف الأوروبيين والأميركيين، عادة ما يفضلون الوقوف والجلوس على مقربة شديدة من بعضهم البعض في الأماكن العامة7.

أسباب القطيعة قطع صلة الرحم

بعد أن قارنّا بين المجتمع الإسلامي وقيمه من حيث الاتجاه الجماعي، وبين المجتمع الغربي من حيث فرادنيته وأنانيته، يحسن بنا أن نعرف الأسباب التي تدعو إلى تقاطع الناس وتنافرهم،
وهذه الأسباب تجري على قطع الرحم أيضاً.

1- سيطرة روح المادّية على المجتمع والأفراد، مما يسبِّب تمحور كل إنسان حول ذاته، بالشكل الذي يؤدي إلى عدم الاهتمام بالآخرين. وهذا ما نراه في المجتمعات الغربية التي لا تقيس علاقاتها مع الآخرين إلا بالقياس المادّي، ويختصرون علاقاتهم بقياس الجيب وما يحويه من المال.

وهذه الروح المادّية رفضها الإسلام العزيز، داعياً إلى عدم الاستغراق في حبّ‏ِ الدنيا، وحبّ‏ِ المال، المؤدِّيان إلى كثير من المساوئ، ومنها قطع الرحم.

إننا نرى كثيراً من الأغنياء المنكبين على جمع المال، لا يتواصلون مع أقاربهم، وما ذلك إلا لأنّهم فقراء، لا يستفيدون منهم شيئاً، بمقياس الجيب والمصالح المادّية.

2- التكبُّر: وسيطرة الروح المادّية، تؤدي بالإنسان الذي تغلبت عليه هذه الروح، إلى التكبُّر على الآخرين واحتقارهم وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله:

"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر"8

وإذا كان التكبُّر مذموماً في الإسلام، فإن التكبُّر على ذي الرحم أشدُّ قبحاً، فكم نرى غنياً، أو ذا جاه، لا يصل رحمه الفقير أو الذي لا جاه له، ولا يعرف له قرابته ويتكبَّر عليه، أما إذا رأى رحمه الغني الوجيه احترمه،
وهذا في الحقيقة ليس صلة للرحم، بل اعتناء بالمال والمصالح الضيقة، لا بشخص الرحم، فهذا احترم المال ولم يحترم قريبه، ألا يعلم هذا المتكبِّر أن اللَّه.

﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾9

3- سوء الظن: وهو مسبِّب للكثير من العداوات والأحقاد، وكم من أخوين تقاطعا لأنهما أساءا الظن، وكم من عائلات وأسر تفككت بسبب هذه الخصلة المدمِّرة.

ولذلك حذّرنا اللَّه من هذه الرذيلة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾10.

وكثير من الأحاديث ذكرت حول هذا الموضوع، يقول أبو عبد اللَّه عليه السلام، قال: أمير المؤمنين عليه السلام:

"ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً"11.

4- الحسد: وهو أيضاً ماح أو حال للدِّين، ومقطِّع أوصال الأحبّة والمؤمنين، ولقد حذّرتنا الشريعة الإسلامية من هذه الخصلة.

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾12
﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾13

وقال رسول اللَّه لأصحابه:

"ألا إنه قد دبّ إليكم داءُ الأمم من قبلكم وهو الحسد ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدين"14.

ألم يكن الحسد سبباً لقتل قابيل لأخيه هابيل، قال الإمام الصادق عليه السلام:
"والحسد أصله من عمى القلب... وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً..."15.

والنبي يوسف عليه السلام ألم يحاول إخوته قتله انطلاقاً من صفة الحسد، وقصته معروفة.

5- الغيبة: وهي أيضاً مسبّبة لتفكك العوائل، في حين أن اللَّه تعالى ينهانا عنها لمصلحتنا.

﴿... وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾16.

6- النميمة، وفحش الكلام، وعدم وجود الاحترام المتبادل، والعقد النفسية خجل، حياء، فضلاً عن الغزو الثقافي الغربي لنا، بحيث نكاد نصير كالغرب في أخلاقه وقيمه وتوجهاته.
هذه الأسباب لم نفصِّل فيها، حتى لا يطول المقام، ويحسن مراجعة الكتب الأخلاقية، التي تتحدَّث عن هذه المواضيع بإسهاب، وتعطي العلاج لهذه الرذائل، فبعلاجها يعالج موضوع قطيعة الرحم، وكثير من العداوات والأحقاد في المجتمع ككل.

بين العصبية وصلة الرحم‏

صحيح أن الإسلام دعا إلى التواصل والمرحمة، كما سيأتي في الأحاديث والآيات القرآنية، إلا أنه نهى عن التعصُّب الأعمى للعائلة والأرحام.

يقول الإمام الخميني رحمه الله: "العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية، ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الديني أو المذهبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه...

والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل...

إن المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبّته ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحق ودحض الباطل، فهو تعصب محمود ودفاع عن الحق والحقيقة...

أما إذا تحرّك بدافع قوميته وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبته في باطلهم وسايرهم فيه ودافع
عنهم، فهذا شخص تجلّت فيه السجية الخبيثة، سجية العصبية الجاهلية، وأصبح عضواً فاسداً في المجتمع... وصار في زمرة أعراب الجاهلية...

جاء في الكافي عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام قال:

"من تعصَّب أو تعصِّب له فقد خُلِع رِبقُ الإيمان من عنقه"17

وعن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام قال: "من تعصّب عصّبه اللَّه بعصابة من النار"18.."19.

فصلة الرحم والأقرباء والتعاون معهم والتكافل مطلوبة إسلامياً، ولكن إذا كان التعاون معهم على الباطل والظلم فهذا غير مطلوب، يقول تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾20.

وقد أمرنا اللَّه تعالى في كتابه الكريم، أن لا نكون متعصِّبين لمن يمتّ‏ُ إلينا بصلة القربى، وأن يكون رائدنا هو الحقّ‏ُ والعدل، وأن نقول الحق ولو على أرحامنا، قال تعالى:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾21
صلة الأرحام والقربى في القرآن الكريم‏
من القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم، قضية الأرحام، وبتعبيره ذوي القربى، فإذا استقرأنا الآيات القرآنية بخصوصهم، نرى بوضوح مدى عنايته واهتمامه بهذا الموضوع، وهنا نورد بعض الآيات في هذا الخصوص كنموذج:
1- قال" تعالى:
﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾22

هذه الآية الكريمة تشير إلى حق الوالدين وتوصي بالإحسان إليهما، ونلاحظ قرن عدم الشرك باللَّه بالإحسان إليهما، وفي هذا لفتة إلى أن ثمة ارتباطاً بين هاتين المسألتين، بحيث يكون ترك حقوق الوالدين وتجاهلها، في مصاف الشرك باللَّه سبحانه، ثم إنها توصي بالإحسان إلى كل الأقرباء.

وفي قوله تعالى أخيراً:

﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾.

إشارة إلى أن سبب قطيعة الرحم أو من أسبابها، التكبُّر، الذي عبّر عنه بالإختيال والفخر.
2- وقال تعالى:

﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى...﴾23

لقد تعدَّدت الآيات التي تأمر بالإحسان إلى ذوي القربى، والإحسان إن كان حسناً، فهو إلى الأرحام أحسن وأجمل.

والمراجع للكتب الفقهية يرى كثيراً من الفتاوى التي تشير إلى مدى اهتمام الإسلام بالإحسان إلى ذوي القربى، كاستحباب الصدقة والزكاة والهدية إليهم، وإلى ما هنالك من أحكام.

3- قال تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾24

الآية الكريمة تؤنِّب بني إسرائيل، لأنهم لم يلتزموا بالأحكام التي وردت فيها، ومنها الإحسان إلى ذوي القربى، وهذا يشير إلى مدى أهميّة هذا الموضوع عند اللَّه تعالى.

23- سورة النحل، الآية: 90.
24- سورة البقرة، الآية: 83.

 4- قال تعالى:

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾25 26

هذه الآية كما يُروى نزلت في بعض الناس، كان قد آذاهم بعض قرابتهم، فحلفوا على أن لا يواصلوهم، ولكنّ اللَّه تعالى نهاهم عن ذلك.

وهذا مما يعطينا فكرة مهمّة أنه حتى ولو آذانا ذوو قرابتنا، وقاطعونا، بأي صورة من الصور، فعلينا أن لا نقاطعهم27.