الحريات العامة في العصور القديمة

الحريات العامة في الحضارات القديمة
 الفرق بين حقوق الانسان والحريات العامة
نظرا لأن الإنسان منذ القديم كان بحاجة إلى تنظيم شؤونه مع جماعته لدرء المخاطر التي كانت تتهدده وتأمين قوته وضمان معيشته، فقد تكون له سلوك ونظام معين وعلائق تطورت بمرور الزمان أخضعته لقيود وأثرت بشكل أو بآخر على حياته الخاصة والعامة، وجعلته يحتل مكانة معينة في إطار جماعته، وقيدت أو وسعت من حرياته.
أ- الحرية في مصر القديمة
تعتبر حضارة مصر من أعرق حضارات العالم القديم، وقد عرفت أنظمة حكم مختلفة، نظم اختلفت باختلاف الزمان والمعتقدات، وتباينت أشخاص وأساليب حاكميها وعاشت مصر خلالها مع العدل تارة وعانت من الظلم والاستبداد مرات[1]، ففي العصر الفرعوني تمكن الفراعنة من تنظيم مجتمعهم على أسس بسيطة تؤمن فرض سلطة مطلقة من جانب الفرعون على شعبه فالحكم كان ملكيا مطلقا يقوم على فكرة ألوهية الملك الذي يلقب بالفرعون ويعد سيد الأرض ومن عليها، فلم يكن من حق الشعب أن يشارك في إدارة شؤون الحكم وإنما على جميع أفراد الشعب السمع والطاعة.[2]
وانطلاقا من المكانة السامية التي يحتلها الفرعون في هرم السلطة فقد كانت له عدة وظائف، منها ما هو ديني تتمثل في تعيين مراتب ودرجات الكهنة الذين يقومون على خدمة الآلهة في المعابد ويتقبلون من الناس القرابين التي تقدم على مدار أيام السنة باسمه، ومنها ما هو عسكري، تتمثل في حماية شعبه وبلاده من الأخطار، أما الوظيفة السياسية فكانت ترتكز على استتاب الأمن والنظام في البلاد، وإشاعة نوع من العدل بين الرعية.
ونظرا لأن الكلمات التي ينطق بها تصدر عن إله فإن كل ما يتفوه به يجب أن يتم وأن يتحقق فورا. وهو يتصرف بالشكل الذي يريد ويرغب، وليس هناك من قوة تستطيع إجباره على القيام بما لا يرضى به، وإرادته هي القانون وعلى المواطنين الخضوع لهذه الإرادة مهما كانت قاسية، لأن هذه الإرادة لا يمكن أن تتوخى سوى سعادة الشعب، فالآلهة لا تتصرف إلا ضمن إطار الحق ولتكريس هذا الحق وإعلاء شأنه في المجتمع.[3]
لكن مع ذلك، كان الفرعون يسمح للمواطنين برفع شكاواهم ضد الولاة أو حكام المناطق مباشرة إليه، وكان يعاقب بقسوة أولئك الولاة الذين يقومون بممارسات تعسفية بحق الشعب؛ وهو ما كان يزيد من سلطة الفرعون باعتباره الموجه الأول للحياة العامة في البلاد، ومن تكريس الخضوع الشعبي التام للأوامر والتعليمات التي يصدرها، وبموجب هذه السلطة التي يمتلكها كان الفرعون يدير شؤون البلاد بصورة مباشرة، وبمعاونة وزراء يعنيهم ويقيلهم على هواه. وعليه فليس هناك من مجال لممارسة الحرية الفردية الاجتماعية أو الاقتصادية أمام الفرعون يحدد دور الأفراد والفئات في المجتمع، ويعين لكل عامل نوعية العمل الذي عليه القيام به، والأجر الذي يجب أن يتقاضاه وهو يفرض القيام بأعمال السحرة في مراقبة أقنية الري وغيرها، ومن واجب الطبقات الشعبية أن تتحمل كل أنواع المشاق في سبيل الفرعون والبلاد.
ب- الحرية في الديمقراطية اليونانية
استندت الحضارة اليونانية في تطورها التاريخي على المدينة أو "البوليس" "Polis" التي كانت تشكل وحدة سياسية مستقلة بحد ذاتها أي دولة تتجمع فيها كافة النشاطات الأساسية من اقتصادية وسياسية وفكرية، ويمارس فيها الشعب سلطات الحياة الجماعية وكانت الدولة المدينة تتمتع بسيادة مطلقة على الكائنات والأشياء، وتستمد سيادتها من القوانين والشرائع والعادات التي تسمو بالاحترام الذي توحيه، والنفوذ الذي تفرضه على كل الإرادات الفردية وخاصية هذه المدينة اليونانية هي أنها جمهورية ترفض الملكية الوراثية وتجهل معنى الحكم الفردي، فالجماعية في إدارة شؤون العامة هي السمة السائدة.[4]
ومنذ قيام الحضارة اليونانية برز المفهوم السياسي للكلية وتجسد في صورة المشاركة في الحكم من خلال الجمعية أو المؤتمر الشعبي الوطني العام التي تظل مفتوحة أمام كل المواطنين الأحرار البالغين سن الرشد، حيث يتمتع جميع الأعضاء فيها بحقوق متساوية وخاصة إبداء الرأي، وتعني عضوية الجمعية حق الاشتراك في حياة المدينة السياسية، وهو حق شخصي لا يمكن تفويضه لشخص آخر.[5]
فـ"بركليس" واضع ما أسماه بالنظام الديمقراطي، حيث دعا إلى أن يحكم الشعب نفسه وإلى أن يعيش جميع المواطنين متساوي، لهم نفس الحقوق سواء أكانوا فقراء أو أغنياء،[6] لكن مع ذلك فديمقراطية "بركليس" أبقت العبيد خارج نطاق الحرية والمساواة زيادة على ذلك، أن الديمقراطية اليونانية بشكل عام، لم تدرك أن للإنسان كيانا ذاتيا وأنه بفعل طبيعته البشرية يمتلك حقوقا يتوجب احترامها وحمايتها، ذلك أن الحريات التي منحت له كانت تابعة لمركزه في الجماعة، أي باعتباره عضوا في الجماعة لا بصفته الشخصية[7]، أي أنه لم تكن الحريات وهي أهم الحريات في ظل الديمقراطية اليونانية التي نشأت قبل الميلاد مكفولة للأفراد، فلم تكن هناك حرية معتقدات دينية. إذ كان على الفرد أن يعتنق دين الدولة كما لم تكن هناك حرية الملكية إذ كانت أملاك الفرد وثروته تخضع لتصرف الدولة خضوعا مطلقا وهو ما يعني أنه لم تكن ثمة حدود أو قيود على سلطان الدولة القديمة فيما يتعلق بحرية الأفراد.[8]
إذا كانت الديمقراطية اليونانية قد كفلت لمواطنيها ممارسة الحرية السياسية والاشتراك في شؤون المدينة، فإنها لم ترتق للاعتراف للأفراد بالحرية المدنية الحديثة، مثل الحرية الشخصية، حرية التملك، حرية العقيدة وحرية المسكن.[9]
الفصل الثاني: المصادر الفكرية للحريات العامة وتحديدها
لا يمكن فهم واقع الحريات العامة وعلاقتها بالسلطة بمجرد التعرض لنشوء وتطور مفهومها، بل يجب أن نضيف إليها دراسة نظرية تبين الإطار أو المصادر الفكرية التي ساهمت في بلورتها وتحديدها. فالحريات حتى تستقر في الأذهان وتجد طريقها داخل المجتمعات المعاصرة وتتحدد بشكل المعروف بها استلهمت أساسها من مصادر فكرية متعددة والتي مثلت الدعائم الأساسية التي قامت عليها وبالتالي فهي تشمل مجموعة من الاتجاهات والمدارس الفكرية (المبحث الأول) التي ساهمت في تحديدها وصدور الكثير من الإعلانات الثورية بشأنها (المبحث الثاني)
المبحث الأول: الحريات العامة من خلال المذاهب المختلفة
لقد تولد عن أفكار وآراء المفكرين الأوروبيين قبيل قيام الثورة الفرنسية وبعدها إحداث عملية تغيير اجتماعي وسياسي في العالم الغربي في القرنين 18 و19. فقد عمد مفكرو أوربا وفلاسفتها إلى البحث عن أسانيد فكرية جديدة تخرجهم من ظلمة الاستبداد إلى فضاء الحرية، فوجدوا في الحضارة الإسلامية أحيانا بعضا من سلاحهم، كما راحوا يتلمسون جزء من زادهم الفكري في تعاليم الدين المسيحي ويفسرونها بما يخدم أهدافهم وتطلعاتهم وأخيرا راحوا يتأملون في الحياة البشرية ابتداء وكيف نشأت السلطة التي تحكم الجماعة، فهداهم تفكيرهم إلى حيل فكرية خيالية زعموا من خلالها أنها كانت في أصل نشأة السلطة وقد تبلورت تلك الحيل فكونت ما يعرف في تاريخ الفكر السياسي والدستوري بـ"نظريات العقد الاجتماعي". ثم تتالت التأويلات والتفسيرات حول هذا الأساس المفترض للسلطة حتى خرجت إلى الحياة الاجتماعية فلسفة جديدة حملت من الملامح والخصائص ما يميزها عن غيرها من النظريات والفلسفات الأخرى، وهي التي عرفت فيما بعد "بالمذهبية التحررية" التي سيطرت – بمفهوماتها التقليدية – على الفكر السياسي في أوربا خلال القرن الثامن عشر.
وخلاصة ما انتهت إليه هذه المذهبية[10] أن الفرد هو المحور والأساس لأي تنظيم سياسي وهو الغاية والمقصد من كل تنظيم أو تشريع وكانت نقطة البداية في هذا الإدعاء هي الافتراض بأن الإنسان حرا، وأنه كان يتمتع بحقوق طبيعية قبل قيام الدولة، وأن تلك الحقوق كانت تكفل له السعادة، وأن الأفراد في سبيل تنمية هذه السعادة والمحافظة عليها، قد تواضعوا فيما بينهم على إنشاء سلطة جماعية، ولا بأس من إعطاء هذه السلطة حق وضع القدر المناسب من القيود التنظيمية التي تضمن للأفراد استخدام حقوقهم الطبيعية استخداما رشيدا، ولكن على هذه السلطة الجماعية أن تدرك أن الفرد هو الغاية وأنها هي الوسيلة فلا تجوز لها أن تسرف في استخدام القيود التنظيمية لأنها في هذه الحالة ستخرج عن غايتها، فلا يسوغ لها –مثلا – أن تحد كثيرا من مصالح الأفراد بحجة الحفاظ على مصلحة الجماعة، لأن هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون حاصل جمع مصالح الأفراد الذين يكونون مستقلين لا تجمعهم إلا علاقة الجوار المكاني.
وقد تولدت من رحم هذه المذهبية التحررية بمفاهيمها التقليدية، نظم سياسية واقتصادية حكمت الحياة الأوربية زمنا ليس بالقليل بعد أن تم إخراج مفهوماتها من حيز التنظيم الفكري المجرد  إلى الحيز العملي لكل ما يحمله من ملابسات.
ومما لا ريب فيه، أن المذهبية التحررية قد أحدثت ثورة عظيمة في الفكر الأوربي بفضل تعاليم هذه المذهبية، تغيرت النظرة الأوربية إلى السلطة والحرية، فكانت هذه الأخيرة هي الغاية والأولى هي الوسيلة.
بيد أنه إذا كانت المذهبية التحررية في صورتها التقليدية، قد حققت ذلك الإنجاز الإيجابي فإنها لم تدم على هذا الحال، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى مشارف القرن العشرين شهدت أوروبا تطورات فكرية واجتماعية واقتصادية ضخمة قوضت البنية الاجتماعية للقرن الثامن عشر من أساسها، كما عدلت من موازين القوى السياسية والاجتماعية في الدول الأوربية المعاصرة. فبموجب التعاليم الاقتصادية التقليدية للمذهبية التحررية ترك العنان للمبادرات الفردية الجامحة أن تتحكم في السوق بلا حدود أو قيود تذكر، حتى تحول النظام الرأسمالي وهو الوجه الاقتصادي للمذهبية التحررية، من نظام رأسمالي تجاري إلى نظام رأسمالي صناعي، ثم ما لبث هذا الأخير أن تحول إلى نظام رأسمالي احتكاري.[11]
وقد أدى الجموح في النزعة الفردية، وما ترتب عليه من احتكارات رأسمالية إلى تغيير مشوه في الخريطة الاجتماعية الأوربية، فصار الناس فريقين: فريق يملك، ويمثل الأقلية وفريق لا يملك ولا يمثل الأغلبية، فاختل التوازن الاجتماعي، واهتز السلام السياسي، وخاصة بعد أن سعت الرأسمالية إلى الاستيلاء على السلطة بالإضافة إلى الثروة، بعد أن كانت لا تطمح في القرن الثامن عشر سوى في تحييد سلطان الدولة من التدخل في شؤون السوق.
وقد نتج عن هذا الخلل الاقتصادي خلل مماثل في البنية السياسية نتيجة الاحتكارات الرأسمالية أفرغت الأدوات السياسية والدستورية من مضامينها الحقيقية فغذت سرابا خادعا بالنسبة للأغلبية، بينما صارت امتيازات واقعية بالنسبة للأقلية التي تملك الثروة[12]
وأمام هذا الواقع الاقتصادي والسياسي المختل كان لا بد من رد فعل مضاد، وهو ما تجسد في ظهور المذهبية الماركسية التي كشفت عبث النزعة الفردية في الاستغلال غير الشريف للتناقض الأساسي بين الطابع الجماعي للإنتاج، والطابع الفردي للملكية، مما دفع هذه المذهبية الجديدة إلى الدعوة إلى استيلاء الجماعة على السلطتين: السياسية والمالية.[13]


[1] هاني سليمان الطعيمات م س ص: 45
[2] ن م ص: 46
[3] خضر خضر م س ص : 21
[4] م س ص: 38
[5] ن م ص: 38
[6] هاني سليمان الطماوي م س ص: 41
[7] م س ص: 42
[8] م س ص: 16
[9] م س ص: 42
[10] م س ص: 68
[11] م س ص: 69
[12] م س ص: 69
[13] ن م ص: 70