أنواع الملكية الفكرية

أنواع الحقوق الفكرية

للملكية ( الحقوق ) الفكرية أنواع كثيرة، يجمعها : أنَّها حقوق ذهنية، فهي نِتَاجُ الذِّهن البشري وابتكاره، وقد يُطلَقُ عليها : حقوق الإنتاج العلمي، أو الذهني، كما سبق في تعريفها، وتشمل الحقوق التالية :
1- حقُّ التأليف والنشر ( أو الحقُّ الأدبي للمؤلِّف والناشر ) :
وهو مجموع الامتيازات التي يحصل عليها العالم أو الأديب أو المؤلِّف عموماً من وراء مُؤَلَّفِه الذي نشره منسوباً إليه، سواء بذكر اسمه عليه، أو بأيِّ طريقة أُخرى، ما لم يقم دليل على نفيه عنه، ويشتمل هذا الحقِّ على حقٍّ مالي، يعود على المؤلِّف ( أو على الناشر، أو عليهما معاً ) من وراء مؤَلَّفه العلمي، وحقٍّ أدبيٍّ في نسبة هذا المؤَلَّف إلى مؤَلِّفه، وعدم الاعتداء عليه (85) .
والمؤلفات المحميَّة التي يحقُّ لصاحبها الاحتفاظ بحقوقها بالتتبُّع نوعان :
الأول : المُحَرَّرات ؛ وتعني : أيَّ مؤلَّفٍ مكتوبٍ في أيٍّ من العلوم ؛ كالتفسير والحديث، والفقه والأصول، والتوحيد، وعلوم الآلة، والرياضيات، والتأريخ، والجغرافيا، والطب، والهندسة، وما جري مجري ذلك .
ويلحق بها الآن مؤلفات الكمبيوتر المتمثلة في برامج الحاسب الآلي .
الثاني : الشفويات ؛ وتشمل : الخطب، والمحاضرات، والمواعظ والندوات، وما جرى مجرى ذلك مما يُلقى شِفاهاً، فلا يصحُّ في القانون الوضعي تسجيل أيٍّ من هذه الأشياء، ونشرها بدون إذن سابقٍ من المؤلِّف، لكن العرف في كثير من البلاد الإسلامية جرى على أنَّ هذا حقٌّ مشاعٌ لكلِّ مسلم تلقيه وتسجيله، ونشره (86) .
وهذا وإن كان يُسقط الحقَّ المالي لصاحب الخطبة أو المحاضرة، إلاَّ أنَّه لا يُسقط الحقَّ الأدبيَّ له ؛ المتمثِّل في نسبة هذه المحاضرة أو الخطبة إليه، إضافةً إلى أنَّه قد يُرتِّب حقَّاً مالياً للجهة الناشرة لهذه الخطب والمحاضرات، بحيث لا يحقُّ لأحدٍ غيرها أن ينسخ منها نسخاً، إلاَّ بإذن منها ؛ لأنَّها صاحبة السبق إلى إصدار هذه الأشياء، وقد تأخذ امتيازاً من صاحب الشأن في هذا .
2- حقُّ الترجمة :
والمقصود بالترجمة : نقل إنسانٍ لمؤَلَّفٍ ما من لُغَةٍ إلى أخرى . وهو وإن كان قد يُلْحَقُ بحقِّ التأليف، إلاَّ أنَّه يُرَتِّب للمُتَرْجِمِ حقَّاً على العمل الذي قام بترجمته؛ لأنَّ المُتَرْجِمَ يعاني في الترجمة من المشقَّة ما عاناه المؤلِّف الأصلي، فيبذل جهداً مضنياً في سبيل الترجمة، لتصل إلى غاية المطابقة لمعنى ما يحويه الكتاب الأصل، مفرغاً للمعاني في مباني اللغة المُتَرْجَمِ إليها، مراعياً لخصائصها ومعانيها، مما يستحقُّ معه أن يُسمَّى عمله تأليفاً مبتكراً محميَّاً، ويكون له من الآثار ما لمؤلِّف الأصل، بشرط أن تُحفظ لمؤلِّف الأصل حقوقه الأدبية ؛ من نسبة الكتاب إليه، والمحافظة على مادَّته وأفكاره وعنوانه (87) .
3- حقُّ الابتكار والاختراع :
وقد سبق تعريفه بأنَّه : اختصاص شرعيٌّ حاجزٌ، يمنح صاحبه سلطة مباشرة على إنتاجه المبتكر، ويُمَكِّنَهُ من الاحتفاظ بنسبة هذا النِّتاج لنفسه (88) .
وهو جُهدٌ ذهنيٌّ أدَّى إلى إيجاد شيءٍ أو نظرية لم تكن معروفة من قبل، ويُسَمَّى : براءَة الاختراع، وقد يمتدُّ استغلال هذا الحقِّ إلى البيئة التجارية (89) .
والمقصود بحقِّ الابتكار : أنَّ هذا الرجل المُبْتَكِرَ – أو الشركةَ المُبْتَكِرَةَ – ينفرد بحقِّ إنتاجِ ما ابتكره، وعرضه للتجارة، والتصرُّف فيه، وتحصيل المنافع والأرباح التجارية التي تتحقَّق من وراء هذا الابتكار (90) .
    والابتكار قد يكون نِتَاجَاً علميَّاً مُؤَلَّفَاً في فنٍّ من الفنون ؛ كالنظريات المختلفة في تأصيل العلوم وبيانها، والقوانين الرياضية ونحوها، وقد يكون نِتَاجَاً صِناعِيَّاً وتجاريَّاً ؛ كالأجهزة والبضائع المختلفة، والأدوية، والابتكارات المختلفة في عالم الكمبيوتر والاتصالات، ونحوها .
وقد يكون نِتَاجَاً فنِّيَّاً مبتكراً ؛ كاللوحات والرسوم الفنية الجميلة التي يُبْدِعُها الرَّسَّام بريشته وألوانه (91) .
وهذه تحميها القوانين الوضعية على إطلاقها، أيَّاً كان نوعها (92)، أمَّا في الشريعة الإسلامية فيُشترط فيها : ألاَّ تكون منافية في أصلها للأحكام الشرعية ؛ كصناعة التماثيل، والأصنام، والصُّور العارية، والمؤلفات الهدَّامة المنحرفة، وآلات اللهو المحرَّمة (93) .
4- الاسم التجاري ( أو العلامة التجارية والرسوم ) :
وهو اصطلاح تجاريُّ يستعمل في التعبير عن أحد المضامين الثلاثة التالية :
أ- الشِّعار التجاري الذي يُتَّخذُ عنواناً لسلعة معينة ذات صناعة متميِّزة ؛ وهو ما يُسَمَّى اليوم بالماركة المسجلة ؛ وهي علامات مميِّزة تُمَيِّز المنتج الصناعي أو المحلِّ التجاري عن غيره من المنتجات والمحال التجارية، سواء أكان ذلك في بلده الخاص، أو في العالم (94) .
ب- الاسم الذي أصبح عنواناً على محلٍّ تجاريٍّ نال شهرة مع الزمن، بحيث تتجسد هذه الشهرة في الاسم المعلَّق عليه، وقد يكون هذا الاسم هو اسم صاحب المحلِّ ( التاجر نفسه، أو لقبه )، وقد يكون اسماً أو وصفاً اصطلاحيَّاً لُقِّبَ به المحلُّ، ورُبَّما أُطْلِقَ على هذا المضمون الثاني كلمة : الشهرة التجارية .
ج- الوصف الذي يتمتَّع به المحلُّ التجاريُّ بحدِّ ذاته ؛ أي من حيث إنَّه موقع ومكان، لا من حيث الجهد الذي بذله صاحبه، أو الشهرة التي حقَّقها .
والمضمونان الأول والثاني هما المقصودان هنا، أمَّا الثالث ؛ فهو راجع إلى ما يُسَمَّى اليوم بالفراغ أو الخُلوِّ ؛ وهو اصطلاح على المال الذي يُدفع علاوة على قيمة العقار أو أجرته، مقابل ما يمتاز به من أهميَّةٍ أو موقعٍ تجاريٍّ (95) .
فحقُّ المُنْتِجِ في احتكار علامة تُمَيِّزُ منتجاته عن مثيلاتها في السوق، هو الحقُّ في العلامات الجارية والصناعية، وحقُّ المُنْتِجِ في احتكار علامة تُمَيِّز المصنع أو المتجر هو الحقُّ في الاسم التجاريِّ (96) .
أمَّا الرُّسوم والنماذج الصناعية : فيُقصد بها تلك اللَّمَسَات الفنيَّة، والرسوم والألوان، والشكل الذي يختصُّ به المُنْتَجُ نفسه، والتي من شأنها أن تستجلب نظر العملاء واهتمامهم، وحرصهم على الحصـــول على هذا النوع من البضائع
والمنتجات (97) .
هذا وقد عرَّف نظام المعاملات التجاريَّة السعودي العلامات التجارية في مادته الأولى بتعريف كاشفٍ، يُوضِّح أنواعها وأصنافها، حيث جاء فيها : (( تعتبر العلامة تجارية في تطبيق أحكام هذا النظام : الأسماء المُتَّخذة شكلاً مميِّزاً، والإمضاءات، والكلمات والحروف، والأرقام والرسوم، والرسوم والأختام، والنقوش البارزة، وأيَّة إشارةٍ أخرى، أو أيُّ مجموع منها تكون صالحة لتمييز منتجاتٍ صناعيَّةً أو تجاريَّة، أو حِرَفِيَّة، أو زِرَاعِيَّة ... )) .
5- الترخيص التجاريًُّ :
ويُقصَدُ به : الرُّخصة التي تمنحها الحكومات للتجَّار، للسماح لهم باستيراد البضائع والمنتجات المختلفة من الخارج، أو إصدارها للخارج ؛ وبعبارة أخرى : إذن تمنحه جهة مختصَّة بإصداره، لفرد أو جماعة، للانتفاع بمقتضاه (98) .
والأصل في الشريعة الإسلامية هو حريَّة التجارة المشروعة، وعدم تقييدها إلاَّ لضرورة، أو حاجة تقتضيها السياسة الشرعية، والمصلحة المرسلة، إلاَّ أنَّ الواقع اليوم هو أنَّ معظم الدول لا تسمح للاستيراد أو التصدير مطلقاً، أو لبعض السِّلع إلاَّ بإذن خاصٍّ من الدولة، يتطلَّب شروطاً معيَّنةً، وجهداً خاصَّاً يبذله التاجر، ويُكلِّف في الغالب مالاً ووقتاً، وعند حصول الشخص على هذه الرخصة، تُمنح له صفة قانونية ونظامية، وتتحقَّق له تسهيلات توفِّرها له الحكومة، وبذلك تكون للترخيص التجاري قيمة مالية في عرف التجارة، وهذا الترخيص الخاص بالاستيراد والتصدير هو المقصود عند إطلاق الترخيص التجاريِّ (99) .
وهناك نوع آخر من التراخيص التجارية، يكتسب أيضاً قيمة مالية ؛ وهو الترخيص لإقامة مصنعٍ، أو مُنْشَأَةٍ صناعية أو تجارية أو زراعيَّة، فهذا النوع من التراخيص يعتبر ذا قيمة تجارية، خصوصاً في البلاد التي لا يمكن الحصول على مثل هذا الترخيص فيها إلاَّ ببذل مالٍ وجهد، وشروطٍ ومواصفات، قد لا تتحقَّق بسهولة، ومع أنَّ بعض الباحثين لا يُدخلون هذا النوع من التراخيص في الترخيص التجاريِّ بمفهومه السابق، إلاَّ أنَّ التحقيق : أنَّ هذا النوع يُلْحَقُ بالأول، ويمكن بيعه وحده بين التجار ؛ لأنَّ الحصول عليه ليس سهلاً، بل يتطلَّب جهداً ومالاً (100)


ثانياً : الحقوق المترتبة على الملكية الفكرية :
يترتَّبُ على الملكية الفكرية عدد من الحقوق تتمثَّل في الحقوق التالية :
أولاً : حقوق خاصَّةٌ ؛ تتعلَّق بالمُنْتِجِ نفسه ( صاحب الإنتاج )، أو المؤلِّف،
أو التاجر، ومن أتى من طريق هؤلاء ؛ كالوارث، والناشر، والموزِّع، وهي ما اصطلح على تسميته : بالحقوق الأدبية والمالية (101) .
فأمَّا الحقُّ الأدبي، ويُسَمَّى أيضاً : الحقّ المعنوي ؛ فهو يشمل مسائل ترتبط بشخص المؤلِّف ( والمُنْتِجِ ) ؛ وهي بمثابة الامتيازات الشخصية للمؤلِّف (أو المُنْتِجِ) على مؤلَّفه ومُنْتَجِه، وهي :
1- حقُّ نسبته إليه، فليس له حقُّ التنازل عن صفته التأليفية فيه لأيِّ فرد
أو جهةٍ حكوميَّة أو غيرها، ولا يسوغ لأحدٍ انتحاله والسطو عليه، وله ولورثته حقُّ دفع الاعتداء الواقع عليه .
2- حقُّ تقرير نشره ؛ بمعنى : التحكُّم في نشر مصنَّفه ومُنْتَجِه وابتكاره .
3- حقُّ السُّمعة ؛ بمعنى أنَّ له سلطة الرقابة عليه بعد نشره، فمن حقِّه أن يسحبه من التداول عندما يتَّضح له مثلاً رجوعه عمَّا قرَّره فيه من رأي أو أداء،
أو بقصد التطوير للمُنْتَجِ .
ومن هذا أيضاً : سلطة التصحيح لما فيه من أخطاء وتطبيعات عند إرادة الناشر إعادة نشره . ومنه أيضاً : سلامة التصنيف وحصانته .
4- استمرار هذه الحقوق له مدَّة حياته، فلا تسقط بالتقادم أو بالوفاة، وتنتقل بعد وفاته لورثته .
5- وللدولة في هذا حقٌّ أدبيٌّ ؛ فلها أن تأذن في طبعه ونشره، أو لا ؛ لأنَّها الجهة التي تملك الإذن بالطبع ؛ ومعيار هذا الإذن : أيكون نافعاً أم ضاراً ؟ فلها الحقُّ في منعه إذا كان غير صالحٍ للنشر ؛ لتأثيره على النظام العامِّ دينيَّاً أو أمنيَّاً أو غير ذلك من التأثيرات العامة (102)
وأمَّا الحقُّ المالي ؛ أو المُسَمَّى ( بالحقوق الماديَّة ) : فهي بمثابة الامتيازات المالية للمؤلِّف ( أو المُنْتِجِ ) لقاء إنتاجه العلمي أو ابتكاره، وهو حقٌّ عينيٌّ أصليٌّ ماليٌّ منقولٌ، قسيم للحقِّ الأدبي المعنوي الشخصي المتقدِّم ؛ وهو يُفيد إعطاء المصنِّف أو المبتكر دون سواه حقَّ الاستئثار بمُنْتَجِهِ العلمي، لاستغلاله بأيِّ صورةٍ من صور الاستغلال المشروعة، وله عائداته المالية طيلة حياته، وهذا الحقُّ يعود لورثته شرعاً بعد وفاته على قدر الفريضة الشرعية في الميراث، فإن لم يكن له ورثة فلشركائه في التأليف والإنتاج (103) .
وهذه الحقوق – بشِقَّيْهَا : الأدبي، والمالي الشخصي - مخدومة مصونة لصاحبها في الشريعة الإسلامية، وباتِّفاق الدول جميعاً بنظام الاحتفاظ بحقوق المؤَلِّف، وحقوق الطبع والنشر والتأليف (104) .
ثانياً : حقوق عامَّةٌ ؛ وهو حقُّ الأمَّة في هذا المُنْتَجِ، وفوائده العلمية والعملية التي تعود على الأمَّة بالنفع والخير الماديِّ والمعنويِّ، فحين يُقَرَّرُ لصاحبه الحقُّ الخاصُّ، لا ينبغي إغفال حقِّ الأمَّة أو إهداره ؛ من الانتفاع والقراءة، وحرمة كتم العلم، والاستفادة من هذه المُنْتَجَات العلمية المُبْتَكَرة في شتَّى المجالات، والاقتباس من المؤلَّفات بشرط الأمانة في نسبة القول والفائدة لقائلها، دون غموضٍ أو تدليس أو إخلال (105) .