الإفلاس, آثار الحجر على المفلس, تقسيم مال المفلس وفك الحجر عنه

فقه المعاملات
الدرس:
الإفلاس, آثار الحجر على المفلس, تقسيم مال المفلس وفك الحجر عنه.
6a.1 الإفلاس: تعريفه, الحجر على المفلس، وشروطه.
6a.2 تعلق حق الغرماء بالمال, استحقاق الغريم عين ماله, بيع الحاكم مال المفلس.
6a.3 تقسيم مال المفلس وما يطالب به بعده, ما يفك به الحجر وما يلزم به بعده.
التّعريفات:
1      ابتاع   اشترى.
6a.1 الإفلاس: تعريفه, الحجر على المفلس، وشروطه:
1- تعريف الإفلاس لغة وشرعًا:
أ)- العرب يقولون: "أفلس"، ويريدون: أن حاله قد تغيّر من الأفضل إلى الأسوأ, ويريدون به: الخطأ في الموضع, وهناك معنى آخر وهو بمعنى: القهر.
ب)- وفي الاصطلاح يطلق على معنيين:
- المعنى الأول: بمعنى أنه إنسان لا يفي ماله بدَيْنه اللازم.
- والثاني: على الشخص الذي لا مال له, أي: ليس له مال أصلاً، أو ليس له مال معلوم.
2- الفرق بين الإفلاس وبين كل من الإعسار والفقر:
- "الفلَس" معناه: أن شخصًا مدينًا ليس له مال يَفي به.
- "الإعسار" هو: ضد اليسار, والمراد به: الضيق والشدة.
فالمعسر ليس له مال، أو ليس له كسب، أو أن هذا الكسب لا يفي بنفقات أهله.
وقيل: المعسر هو: من زاد إنفاقه على دخله. فمن الضرورة: أن الذي عليه ديْن وليس معه ما يوفي به هو في ضائقة وهو: معسر؛ لكن لا يصحّ أن نطلق على شخص أنه: مفلس إلا إذا كان مدينًا.
فالإعسار قد يكون من شخص مَدين أو غير مدين, ويثبت الإعسار بإحدى طريقتين:
- الأولى: الإقرار، يقول الشخص: "أنا معسر". إذا قال هذا وصدَّقناه، ففي هذه الحالة نعتبره: معسرًا. أو إذا شهد أكثر من شخص. اثنان شهدا بأن فلانًا أصابته فاقة, ولا يحجر عليه، بخلاف المفلس.
ولا توجد مصلحة في الحجر على المعسر. لكن المصلحة في الحجر على المدين المفلس لأنه قد يتصرف في ماله أو فيما بقي من ماله وإن كان صحيحًا لا يفي بكل الدين الذي عليه.
- "الفقر" في اللغة معناه: الحاجة. وفي اصطلاح الفقهاء معناه: أن الإنسان قليل ذات اليد، أصيب بالفقر، يعني: دخْله لا يكفيه؛ ولذلك يستحق الصدقة ويستحق الزكاة.
3- أحوال المدين من حيث التصرف:
المدين له ثلاث أحوال:
أ)- الحالة الأولى: قبل أن يقوم الدائنون بالمطالبة. هو مدين، وديونه كثيرة، وما عنده من مال لا يفي به, لكن الدائنين لم يطالبوه. في هذه الحالة, لا يجوز للمدين التصرف في شيء من ماله بغير عِوَض, وله أن يتصرف بالنفقات الواجبة عليه لمن يعوله.
ب)- الحالة الثانية: بعد قيام الغرماء وقبل حُكم القاضي بالإفلاس. وفي هذه الحالة: لهم منْعه حينئذ من أي تصرف. ولا يجوز له أيّ تصرّف بالبيع، أو الشراء، أو قضاء جزء من ديْن لبعض الغرماء دون البعض. كما لا يجوز له الإقرار بديْن لمن لا يتهم عليه إلا إذا كان بمجلس مطالبة الغرماء.
ج)- الحالة الثالثة: بعد أن يرفع الغرماء الأمر إلى القاضي، والقاضي ينظر في قضية هذا المفلس ويحكم عليه بالإفلاس، هنا يُنزع منه مالُه، ويُقسَّم على الدائنين قسمة الغرماء. يعني: كلٌّ حسب ما له من نسبة مقابل دَينه في مال المفلِس. ولا تتحقق هذه العلة إلا بثلاثة شروط:
- الشرط الأول: أن يطلب الدائنون ذلك كلهم أو حتى بعضهم.
- الشرط الثاني: أن يكون المدين الذي عليه الديْن مَدينًا بدين حالٍّ.
- الشرط الثالث: أن يكون ذلك الديْن الحالُّ يزيد على ما بيده من المال.
فترتب على هذه الحالة: منْع المدين من جميع التبرعات، ومن المعاوضات المالية. كما يمنع من الزواج بأكثر من زوجة. ويقسّم ماله بين الدائنين. ويحلّ ما أجّل من الديون التي عليه. يعني: حتى الديون المؤجَّلة تحلّ لأنه حكم عليه بالإفلاس. وللدائنين منعه من سفر التجارة أو سفر غيرها إن حلّ الديْن أو كان يحلّ أثناء غيابه. كما لهم طلب سجنه، فيسجنه الحاكم استبراءً لأمره عند كثير من الفقهاء.
4- الحَجْر على المفلس، وخلاف الفقهاء في ذلك:
الفقهاء لهم في الحَجْر على المفلس المَدين بالمعنى السابق، وبالشروط السابقة: قولان:
أ)- القول الأول هو: قول جمهور الفقهاء: أنه يَحجر عليه؛ وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة.
واستدلوا:
- بِما روي عن كعب بن مالك عن أبيه: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حَجر على معاذ بن جبل مالَه، وباعه في ديْن كان عليه".
واستدلوا أيضًا بما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "أصيب رجل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تمر أو في ثمار ابتاعها، فكثُر ديْنه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تصدَّقوا عليه)). فتصدَّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءً بديْنه. فقال الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: ((خذوا ما وجدْتم، وليس لكم إلا ذلك)). هذا حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
ويقال: إن هذا الصحابي هو سيدنا جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
- وخالف في ذلك أبو حنيفة، لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحلّ لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه)). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه لا يجوز لحاكم ولا لغيره: أن يأخذ مال أي شخص ويعطيه لغيره إلا إذا طابت نفسه لذلك.
- واستدل هؤلاء من ناحية العقل فقالوا: إن في الحجر: إهدار أهليَّة المدين؛ وذلك ضرر عظيم ولا يجوز إلحاقه به لدفع ضرر خاص.
5- شروط الحَجْر على المدين المفلس عند من يقول بها:
يُشترط الحجر على المدين المفلس عند من يقول بالحجر عليه، وهم: الجمهور:
- الشرط الأول: أن يطلب الدائنون أو بعضهم أو من ينوب عنهم هذا، لكن إذا لم يطلبوا فلا يُحجر عليه.
- الشرط الثاني وهو خاص بالديْن: يشترط في الدين أن يكون حالاًّ لا مؤجَّلاً.
- الشرط الثالث: أن تكون الديون التي على المفلس أكثر من ماله.
- الشرط الرابع: أن يكون الديْن الذي يُحجر بسببه على المدين يكون لآدمي، بمعنى أنه لا يكون لله. صحيح أن دين الله أحق بالوفاء؛ لكن الله -سبحانه وتعالى- كريم, فديون الله كالكفارات، وديْن الزكاة، وديْن النذر، وما إلى ذلك، لا يُحجر على المدين فيها.
- الشرط الخامس: أنْ يكون الديْن المحجور به أو الذي يُطالب الدائنون بالحجر بسببه على المدين, ديْنًا لازمًا.
نشاط: 6a.1
أخي الطالب، لكي تعمّق فهمك لهذا الدرس، قم بهذا النّشاط، ثمّ قارن ما تتوصل إليه بالإجابات النموذجية أدناه:
ضع علامة () أمام العبارة الصحيحة، وعلامة (×) أمام العبارة الخاطئة:
1- يُحجر على الفقير لِما عليه من الديون.
2- قال أبو حنيفة بالحجر على المدين، خلافاً للجمهور.
3- لا حجر على الآدمي في دين الله سبحانه.
4- لا يجوز للمفلس التصرف في ماله بما يضرّ الغرماء، حتى النفقات الشخصية.
الإجابات النموذجية:
                1- (×), 2- (×), 3- (), 4- (×).
6a.2 تعلُّق حق الغرماء بالمال, استحقاق الغريم عين ماله, بيع الحاكم مال المفلس:
1- تعلّق حق الغرماء بالمال:
الغرماء نعني بهم: الدائنين. والمال هنا نعني به: مال المفلس الذي حُكم بالحجر عليه. المال الذي يتعلق به حق الغرماء هو: مال المدين الذي يملكه حال الحجر عليه.
بالاتفاق: لا خلاف في ذلك بين أهل العلم والفقه: المال الذي له حال الحجر عليه هو: المال الذي يتعلق به حق الغرماء.
-  ما يملكه بعد الحجر عليه، ففيه أقوال وآراء لأهل العلم يمكن إيجازها في اتجاهين:
أ)- الاتجاه الأول هو: اتجاه الصاحبين أبي يوسف ومحمد، ومعهم المالكية، وقول عند الشافعية: أن حقّ الغرماء لا يشمل إلا ما كان يملكه المفلس عند الحكم بالحجر عليه. أما ما يملكه بعد الحجر، فلا يشمله حق الغرماء.
ب)- الاتجاه الثاني هو: الأصحّ في مذهب الشافعية، والحنابلة: أن حقّ الغرماء يشمله كذلك. أي: إن حق الغرماء يعمّ بشموله: مالَ المدين المفلس الذي ملكه عند حكم الحَجْر عليه، ويشمل كذلك: ما يملكه بعد الحكم عليه.
- أما إقراره بمال عليه في غير الغرماء في المال المحجور عليه التصرف فيه، فللعلماء فيه عدة أقوال:
أ)- القول الأول: لا يُقبل أي إقرار له بمال عليه لغير الغرماء في المال المحجور عليه التصرف فيه. لا يقبل هذا القول، وذلك عند الصاحبين، والحنابلة، لاحتمال التواطؤ, أي: لاحتمال أن يكون قد حدث نوع من الاتفاق بين المحجور عليه بالفلس ومَن أقرّ له بهذا الدَّين؛ فلا يُقبل إقراره.
ب)- القول الثاني: أن إقراره يقبل في حق الغرماء. يعني: بالنسبة للغرماء الذين حَكم القاضي لهم فحجر عليه، يُقبل في حق الغرماء؛ وذلك عند الشافعية إن أسند هذا الإقرار إلى ما قبل الحجر، أو حتى أطلقه، لا ما بعد الحجر.
ج)- الاتجاه الثالث وهو: اتجاه المالكية، وعندهم شيء من التفصيل. يقولون: يُقبل إن كان الدَّيْن الذي حُجر عليه بسببه فيه ثبت بالإقرار، فالجديد بالإقرار والقديم بالإقرار, وكان الإقرار في المجلس نفسه أو قريب منه، يقولون ذلك حتى يتفادوا حدوث أي تواطؤ فيقبل.
- تصرفات المحجور عليه بحسب رعاية حال الغرماء:
أ)- النوع الأول: التصرفات الضارة بالغرماء:
هذه باطلة قولًا واحدًا، كالتبرعات يريد أن يتبرع، يهب، يُهدي، يتصدَّق صدقات ليست واجبة، إلا الوصية رغم أنها تدخل في التبرعات لكنهم استثنوها من البطلان؛ فهي جائزة.
ب)- النوع الثاني: التصرفات النافعة للغرماء:
مثل: قبوله هو للهدايا، أو الهبات، أو الوقف عليه، أو البيع بثمن المثل أو أزيد من ثمن المثل؛ هذه التصرفات لا تضرهم بل تنفعهم.
ج)- النوع الثالث: تصرفات تدور بين النفع والضرر:
قد ينظر إليها على: أن فيها ضررًا، وقد ينظر إليها على: أن فيها نفعًا، كالبيوع، والإجارات، ونحو ذلك... هذه التصرفات الأصل فيها: البطلان عند الحنابلة والشافعية. وكذلك المالكية، لكنهم يقولون: نجيزها موقوفة، يعني: تجوز وتصحّ موقوفة على رأي الغرماء؛ فإن أجازوها أجيزت، وإن منعوها مُنعت؛ وهذا قول جيِّد.
2- انقطاع المطالبة عنه:
- يدلّ على انقطاع المطالبة عن المحجور عليه ثلاث:
أ)- إذا حدث له عسر وضيق بحيث ليس معه مال يسدد به، فالمطلوب إنظاره, أي: تأجيله إلى ميسرة، لقول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 280). ويدل على ذلك أيضًا، أي: على: أن المدين بعد الحكم عليه بالإفلاس انقطع الطلب عنه: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لغرماء سيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: ((خُذوا ما وجدْتُم؛ ليس لكم إلا ذلك)), وفي رواية: ((لا سبيل لكم عليه)): إشهار الإفلاس. والغرض من إشهار إفلاسه في أماكن الإشهار، في الصحافة، في الإذاعة، في التليفزيون، في المساجد, في كل وسائل الإعلام والإعلان: أن فلانًا أفلس وحُكم عليه بالإفلاس؛ حتى يعلم الناس ذلك. فمَن عامله بعد هذا الإشهار وهذا الإعلان فهو حرّ، عليه أن يتحمل نتيجة عمله، فإن تلف ماله فهو الذي أتلفه. بعض الناس قد يتعاملون معه من باب الشفقة والرحمة وهم بالطبع في هذه الحالة إن كانوا يعلمون فهم يتعاملون معه ولا ينتظرون ردّ هذا المال؛ وبالتالي فهم لن يطالبوه إلا أن يجد من تعامل معه وهو محجور عليه بالفلس عينَ ماله، فله أن يأخذها على قول جمهور أهل العلم.
3- حلول الديْن المؤجَّل:
أ)- الاتجاه الأول هو: اتجاه المالكية والشافعية، وإن كان على خلاف الأظهر يعني: خلاف الأقوى في مذهبهم، ورواية عند الإمام أحمد: أنَّ الديون المؤجَّلة على المفلس المدِين تحلّ إن كانت مؤجَّلة بالحجر عليه، وليس قبل الحجر عليه، وأن التفليس يتعلق به الديْن بالمال. يعني: هو دين مرتبط بالمال، فإذا أفلس حلّ قياسًا على الموت. فالشخص إذا كان مدينًا ومات، إذا كانت هذه الديون حالّة فليس هناك مشكلة. لكن إذا كانت هذه الديون مؤجَّلة سواء حان أجل سدادها أم لا، تصبح حالّة، فقاس أصحاب هذا الاتجاه الحجرَ على المفلس المدين بالموت.
ب)- الاتجاه الثاني وهو: قول الحنفية، والأظهر والأقوى عند أصحاب الشافعي، ورواية أخرى عن الإمام أحمد: أن الديْن المؤجَّل لا يحلّ بالحجر على صاحبه، بل الديْن المؤجَّل يظلّ مؤجَّلًا كما هو.
وحجتهم: أن التأجيل حق للمفلس، فلا يسقط بالحجر عليه كسائر حقوقهم.
فلو أخذنا بالقول الأول، فإنّ أصحاب الديون المؤجَّلة سيشاركون أصحاب الديون الحالّة في تقسيم المال عليهم جميعًا، بينما لو أخذنا بقول أصحاب الاتجاه الثاني فإنهم لا يشاركونهم.
4- استحقاق الغريم عين ماله إن وجدها:
المراد: أنه إذا كان أحد الدائنين قد أدان المحجور عليه بعين مالية: ثوب، سيارة، كتاب، أي شيء, ووجد عينَ ماله موجودة في مال المفلس: هل من حقه أن يستردَّها، خصوصًا وأنّ المدين لم يدفع ثمنها وحُجر عليه؟ أم ينتظر ويأخذ حصته أسوة بالغرماء؟ للعلماء في ذلك اتجاهان:
أ)- الاتجاه الأول: أنَّ صاحب هذه العين أحقّ بها لكن بشروط.
دليلهم: حديث أبي هريرة الصحيح المتفق على صحته عند الشيخين -البخاري ومسلم-، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن أدرك مالَه بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره)).
2)- الاتجاه الثاني: يرى أن صاحب هذه العين ليس أحقّ بها من غيره. هو أسوة بالغرماء، يأخذ حصته من المال ككل، ولا ينفرد بأخذ عين ماله؛ لأن مالَه دخل ضمن المال كلِّه؛ وهو قول الإمام أبي حنيفة وأهل الكوفة.
يقولون: إن الأصول تقتضي أنه إذا حُجر على شخص وأصبح هذا المال للغرماء، أنه لا يتميز واحد منهم عن الآخر. وإذا كان في ذلك خبر فهو خبر آحاد، وهو الحديث السابق الذي ذكرناه عن أبي هريرة في البخاري ومسلم. والقاعدة عندهم: أنه إذا خالف خبر الآحاد الأصولَ يُردّ.
كما استدل أصحاب هذا الاتجاه: بما روي عن أبي هريرة أيضًا من: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أيّما رجل مات أو أفلس, فوجد بعض غرمائه مالَه بعينه، فهو أسوة الغرماء)).
5- بيع الحاكم مال المفلس:
- يبيع الحاكم مال المفلس، وذلك إذا كان من غير جنس الديْن؛ لأنه إذا كان من جنس الديْن، يعني: إذا كان مال المفلس الذي حُكم عليه بالحجر مالَ عُروض والدَّيْن الذي عليه عُروضاً, إذًا لا نحتاج إلى البيع إنما نحتاج إلى التقويم. لكن إذا كان المال الذي له من جنس والمال الذي عليه من جنس آخَر, فنحن إذًا نحتاج إلى البيع، والبيع أو التقويم سيكون بسعر يوم البيع. وينبغي أن يكون البيع بنقد البلد. يعني: يراعي القاضي عند البيع مصلحة المفلس، ومصلحة الغرماء في نفس الوقت؛ فيبيع بنقد البلد، ويحضر المفلس، ويحضر الغرماء، ويبيع كل شيء في السوق الذي يروج فيه. وهذا القاضي الذي يبيع يبدأ بالأهم، يعني: يبدأ بالتدرج، فيبيع المرهون، يبيع ما يسرع إليه الفساد، يبيع الحيوان، يبيع الأثاث، ثم في النهاية يبيع العقارات. ويأخذ بالأحوط فيجعل الخيار خيار الشرط ثلاثة أيام، ويطلب المزيد من الثمن أو رفع الثمن، إلا إذا خاف الهبوط بهذا الثمن فيسارع بالبيع. ويبقي له بعض الأشياء الضرورية، كالثياب الضرورية، والكتب الضرورية، والمسكن الضروري، وآلات الصنعة، وشيء يسير من ماله يتاجر فيه إن كان تاجرًا، والقوت الضروري له ولمن يعول.
نشاط: 6a.2
أخي الطالب، لكي تعمّق فهمك لهذا الدرس، قم بهذا النّشاط، ثمّ قارن ما تتوصل إليه بالإجابات النموذجية أدناه:
ضع علامة () أمام العبارة الصحيحة، وعلامة (×) أمام العبارة الخاطئة:
1- الجمهور على: اشتراك الغرماء بالسوية في ديْن المفلس.
2- أجمعوا على: أن الديْن المؤجَّل لا يحل بالفلس.
3- الإشهار من مسائل انقطاع الطلب عن المحجور عليه.
4- قال بعض العلماء: حقّ الغرماء لا يشمل إلا ما كان يملكه المفلس عند الحكم بالحجر عليه.
الإجابات النموذجية:
                1- (×), 2- (×), 3- (), 4- ().
6a.3 تقسيم مال المفلس وما يطالب به بعده, ما يفك به الحجر وما يلزم به بعده:
1- المبادرة بتقسيم مال المفلس:
معنى المبادرة: أن يبادر القاضي ويسرع بتقسيم مال المفلس؛ وذلك لأن المبادرة فيها فوائد بالنسبة للمدين, وفوائد بالنسبة للغرماء.
فبالنسبة للمدين: تبرأ ذمته وتصبح حرة بريئة. أيضًا عدم إطالة الحجر عليه؛ لأن في الحجر نوعًا من العقوبة, فعدم إطالة هذه العقوبة فيه مصلحة له. أيضًا لكي لا يتأخر إيصال الحق إلى مستحقيه, وتأخير هذا الوصول بالحق إلى مستحقه فيه نوع من المجافاة.
ولكن على القاضي أو من ينوب عنه: ألا يُفْرِط في التعجيل, وبشرط أيضًا: ألا يخشى الحاكم وجود غريم غير الغرماء المعلومين من الدائنين. أيضًا عليه ألا ينتظر في تقسيم المال على الغرماء حتى يُجمَع المال كلّه, مال المدين المحجور عليه؛ بل عليه: أن يبادر بتوزيع ما قُبض منه شيئًا فشيئًا, ولا يشترط حصر الدائنين، خصوصاً بعد إشهار حالة الإفلاس, ومَن أتلف حقه فكقبضه.
2- كيفية قسمة مال المفلس بين الغرماء:
على القاضي- كما ذكر الفقهاء-: أن يبدأ بأجرة مَن كان يصنع ما فيه مصلحة المال, كساقي الزرع, منقي الزرع من الحشائش, الذي يقف ليكيل أو يزن. ثم ينتقل إلى من كان له رهن لازم. ثم ينتقل بعد الرهن إلى من وجد عين ماله أخذها بشروطها. ثم الباقي بعد ذلك كله يوزَّع على الدائنين على قدر حصصهم.
3- ما يطالب به المفلس بعد قسمة ماله:
إذا لم تَفِ أموالُ المفلس بسداد ديونه، فإن الديون المتبقية لا تسقط عنه, بل تبقى شاغلة ذمته لكن لا يطالَب, فتظل ذمته مشغولة حتى يسدِّد آخر شيء عليه. ولن تبرأ هذه الذمة تمامًا إلا بالوفاء الكامل, أو الإبراء إذا شاء دائنوه أن يبروه أبروه.
ويُستوفى ما بقي عليه من ديْن ممَّا أوصي له بمنفعته, أو كان موقوفًا عليه, فيؤخذ من ريعه ويسدد ما عليه من ديون. أو يؤخذ من أجرته ويسدد ما عليه من ديون. ويلزم التكسب إن كانت الديون بسبب معصية كالغصب ونحوه, ولا يلزمه في غيرها عند الشافعية.
- وقال المالكية: لا يلزمه مطلقاً؛ لأن الديْن شغَل الذمة لا البدن.
- والحنابلة قالوا: يلزم القادر على العمل التكسب.
ولا يجبر المدين والمحجور عليه على قبول الهبة والهدية والتبرعات والقرض خشية المنة.
4- ما يفك به الحجر على المفلس:
- لا يُفكّ الحجر على المفلس إذا بقي عليه شيء من الديون عند الشافعية, والحنابلة.
- وقال الشافعية: ولا يُفك عنه الحجر حتى لو اتفق الغرماء على فكه عنه, حتى يفكه عنه الحاكم.
- وعند الحنابلة: يُرفع عنه الحجر إذا سدد جميع ما عليه دون حاجة إلى حكم حاكم.
- ويرى المالكية: أنه يُفك الحجر عن المحجور بفلس بمجرد توزيع الموجود من ماله.
5- ما يلزم المفلس من الديون بعد فك الحجر عنه:
- لو حُجر عليه حجر جديد واكتشفنا أنه قد بقي عليه شيء من الديْن الأول, فالحنابلة يقولون: يشترك جميع الغرماء لاشتراكهم في السبب.
- والمالكية قالوا: إذا حصل على مال جديد بسبب مستقل، شاركوهم. يعني: الكل يشترك في هذا المال.
وإن كان من أثمان ما أخذه من الآخَرين، ففي هذه الحالة لا يشاركونهم، إلا أن يتبقى لهم شيء زائد عن حاجتهم.
- أما مذهب الشافعية: أنه ما دام فك الحجر عنه، فإنه إن تجدد له مال، لا حق لأحد فيه؛ وهو حر في التصرف فيه كيف شاء لأنه فُكَّ عنه الحجر. لكن إن ظهر له مال كان قبل الفك، وتبيَّن بقاء الحجر عليه لأنه كان المفروض ألا يفك الحجر عنه وله مال, ففي هذه الحالة إن تبيَّن أنه كان له مال فقد ظهر أن الفك كان خطأً, سواء حدث له مال بعد الفك أو ظهر له غرماء أو لا, هو للغرماء السابقين لا يشاركهم فيه غيرهم.
نشاط: 6a.3
أخي الطالب، لكي تعمّق فهمك لهذا الدرس، قم بهذا النّشاط، ثمّ قارن ما تتوصل إليه بالإجابات النموذجية أدناه:
ضع علامة () أمام العبارة الصحيحة، وعلامة (×) أمام العبارة الخاطئة:
1- أجمعوا على: أنه لا يرفع الحجر إلا بحكم القاضي.
2- اتفقوا على: وجوب إلزام المدين بالتكسب.
3- إذا استغرق مال المدين الديون, فلا يسقط عنه الباقي من الديون.
4- يقدَّم الرهن اللازم على غيره من الديون.
الإجابات النموذجية:
                1- (×), 2- (×), 3- (), 4- ().
ملخّص الدّرس:
الإفلاس في الاصطلاح يطلق على معنيين:
- المعنى الأول: بمعنى أنه إنسان لا يفي ماله بدَيْنه اللازم.
- والثاني: أنه الشخص الذي لا مال له, أي: ليس له مال أصلاً، أو ليس له مال معلوم. ويخالف الإعسار في: كون الإعسار: زيادة النفقات على الدَّخل، وأنه لا يُحجر على معسر بخلاف المفلس.
والفقر: عدم كفاية الدخل.
وليس للمدين التصرف بماله بما يضر أصحاب الديون في الجملة.
ويُحجر عليه عند الجمهور. ويحجر عليه في ديْن يكون لازمًا، وحالًّا، لا يفي بما عليه المال الذي يملك وغير ذلك...
اتفقوا على: تعلق حق الغرماء بالمال قبل الحجر. واختلفوا في المال الحاصل بعده. وفي إقراره باستحقاق ما عليه بعد الحجر أقوال. كذلك في تصرفه, وفي حلول الدين المؤجل بالحجر والفلس قولان للعلماء. وفي استحقاق الغريم عين ماله إن وجده قولان. وفي بيع الحاكم مال المحجور عليه كلام وتفصيل.
يجب على الحاكم التعجيل في أداء الدين عن المحجور عليه، لِما فيه من مصلحة له وللغرماء.
ولا يجب عليه حصر الغرماء مع إشهار الإفلاس. ولا يسقط ما تبقى من الدين بعد أداء ما أمكن منه.
ويُجبر على التكسب مَن قدَر عليه إذا لم يوفِ المال جميع الديْن.
ولا يجبر على قبول التبرع خشية المنة.
وفي تجدّد الحجر مع ظهور غرماء من الحجر القديم أقوال في الجمع بينهم أو التفريق.
تمارين الدّرس:
أخي الطالب، لكي تعمّق فهمك لهذا الدرس، قم بهذا النّشاط، ثمّ قارن ما تتوصل إليه بالإجابات النموذجية أدناه:
أكمل ما يأتي:
1- مِن طُرق سقوط المطالبة: .................. في الجرائد والمجلات.
2- ذهب المالكية إلى: .................. المَدين على التكسب بسبب ..................
3- يبدأ الحاكم بتقسيم المال، فيعطي .................. أوَّلاً.
4- المُعسِر ..................، بخلاف المفلس.
5- ذهب الشافعية إلى: أنَّ رفع الحجر يكون عن طريق ..................
الإجابات النموذجية:
                1- إشهار التفليس. 2- عدم إجبار, تعلق الديْن بالذمة لا بالبدن.
                3- أجرة عامل على إصلاح المال. 4- لايُحجر عليه. 5- حكم الحاكم.
مراجع الدّرس:
1-     المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، محمد عثمان شبير، دار النفائس للنشر والتوزيع 2001م.
2-     فقه المعاملات المالية، عبد العزيز محمد عزام، مكتبة الرسالة الدولية للطباعة 1998م.
3-     بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده, مصر 1975م.
4-     أحكام المعاملات المالية في الفقه الإسلامي، بجاش سرحان محمد المخلافي، أوان للخدمات الإعلامية 2004م.
5-     شركة المضاربة في الفقه الإسلامي, سعد بن غرير بن مهدي السلمي، دراسة تحليلية مقارنة، طبعة جامعة أم القرى 1997م.
6-     فقه المعاملات المالية في الإسلام، حسن أيوب، دار التوزيع والنشر الإسلامية 1998م.


أحكام الحجر في الفقه الإسلامي

الحجر على المدين المفلس

الحجر على المدين المعسر

الحجر على السفيه في القانون

شروط الحجر على الاب

تعريف الحجر

حكمة مشروعية الحجر

الحجر على المفلس هو حجر لمصلحة