حرية الاجتماع والتجمع بين الأفراد

حرية الاجتماع والتجمع بين الأفراد
أن "ميل" يعتقد بقوة في ضرورة وجود الدولة، وأهميتها بالنسبة للفرد، إلا أنها يجب ألا تطغى على حرية الفرد فتقضي عليه، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في كيفية الجمع بين فكرة الدولة صاحبة السيادة المطلقة وبين المحافظة على حريات الأفراد المكونين لها، ولتجاوز ذلك يقترح "ميل" أن تقوم الدولة بالعمل على إنشاء شخصية الفرد.[1]
البعد الاقتصادي للمذهب الفردي الحر
أدت الأفكار التي نادت بها نظرية العقد الاجتماعي ومدرسة القانون الطبيعي إلى تبلور اتجاه فكري معين في العالم الغربي يقوم على أساس أن الفرد هو محور النظام السياسي والاقتصادي في المجتمع، وقد عرف هذا الاتجاه بالمذهب الفردي[2] أو التحرري.
ويذهب أنصار المدرسة الحرة إلى القول بأن القضايا الاقتصادية يحكمها نظام طبيعي لا يتغير بتغير الأزمان، ويقوم على أساس أن السعي وراء المصلحة الخاصة الشخصية يعتبر المحرك الأساسي للحياة الاقتصادية بأسرها، لكونه يشجع الأفراد على النشاط الاقتصادي ومضاعفة الجهود، وهذا النظام الطبيعي الذي لا بد للإنسان في إيجاده، هو الذي يحقق المصلحة العامة على أحسن وجه، نظرا لكونه يترك للأفراد حرية ممارسة نشاطهم الاقتصادي، الأمر الذي يجعلهم يبذلون قصارى جهودهم لخدمة مصالحهم الشخصية، وبالتالي تحقيق المصلحة العامة، ذلك أن التقاء المصالح الخاصة في مناخ حر، يؤدي تلقائيا إلى تحقيق المصالح العامة.[3]
وقد عبر "آدم سميث" في كتابه "بحث في طبيعة وثروة الأمم"، بشكل واضح عن هذا الاتجاه، يقول "الحرية الطبيعية، والعدالة التامة، والبرهان على أن المنافسة، والبحث عن المنفعة الشخصية يمكن أن يسمحا بخلق نظام اجتماعي متناسق. فهناك انسجام تام بين مختلف المصالح الفردية وبين المصلحة العامة، ومع أن المنتج لا ينظر إلا إلى ربحه الخاص، فإن يدا خفية تدفعه دفعا ومن حيث لا يعلم، إلى الهدف الأسمى الذي يتلاءم مع المصلحة العامة.[4] وبما أن "سميث" يؤمن بالحرية الاقتصادية فإنه لا يسمح بتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، ويعتبر هذا التدخل ضارا بالمصلحة العامة.
وهكذا فقد أضافت المدرسة الحرة في الاقتصاد، والتي يجسدها شعارها "دعه يعمل، دعه يمر، أطلقوا حرية العمل، أطلقوا حرية المرور والانتقال"، دعما جديدا وقويا للمذهب الفردي، وأصبحت الحريات الاقتصادية، حرية التجارة والصناعة، حرية العمل، من الحريات العامة واللصيقة بحياة الأفراد شأنها في ذلك شأن الحريات السياسية.
1- الليبرالية والحريات:
تتسم الليبرالية بنوع من الفردية الحادة التي تجعل من وجود الكائن الإنساني محور اهتمامها. وهي تتمسك بكل ما يضمن وجود حياة فردية متكاملة تسهل لهذا الكائن التمتع بالحقوق الأساسية التي منحته إياها الطبيعة، وترى بأن واجب الدولة هو العمل باستمرار لتحقيق اتخاذ الحياة الفردية أرقى أشكالها في التطور والتقدم، وأن الأهداف النهائية للحكومة تنحصر بتأمين السلام والازدهار.[5]
لهذا فالليبرالية تعد بمثابة الضمانة الفكرية للحريات والفلسفة السياسية للبرجوازية التي أمنت الحرية لنفسها فقط. وعليه فالليبرالية بمختلف وجوهها الفكرية والسياسية والاقتصادية، كثلة واحدة ذات طابع ذاتي صرف.[6]
2- أشكال الليبرالية
مع بداية القرن التاسع عشر، وبتأثير من المبادئ التي جاءت بها الثورات الفرنسية والأمريكية، برزت أشكال متعددة من الليبرالية تتمثل فيما يلي:
* الليبرالية الاقتصادية: وتقوم على مبدأين: الثروة والملكية وهي تعارض السياسة التدخلية للدولة، مع الاستفادة من أفضليات الدولة في مجال الأمن والمرافق الكبرى، ولذلك اعتبرت بمثابة الأساس العقائدي للرأسمالية.
* الليبرالية السياسية: وتعارض الاستبداد، ولذلك اعتبرت بمثابة الأساس العقائدي للحكومة التمثيلية والديمقراطية النيابية.
* الليبرالية الفكرية: وتتميز بحرية الرأي والتعبير وبروح التسامح والمصالحة.
ثانيا: مدلول الحريات العامة في ظل المذهب الفردي.
إذا كان المذهب الفردي بالشكل الذي أبرزناه يمثل اتجاها فكريا يقوم على تقديس الفرد ومنحه قيمة في ذاته ولذاته، فإن الدولة تبعا لذلك تعتبر مجرد أداة وجدت من أجل خدمته وتأكيد حرياته وتحقيق مقومات ذاته.
أ- مركز الفرد وحرياته
تعتبر حريات الفرد وحقوقه تبعا للمذهب الفردي، حقوقا ثابتة له ولصيقة بشخصه، سابقة على وجود الجماعة السياسية، لا يمكن التنازل عنها أو المساس بها. وعليه إذا كان هذا المذهب يقوم في أساسه ويستند في جوهره على تغليب مصالح الفرد وجعل الدولة في خدمته، فإن ذلك أدى إلى التقرير بالنتائج التالية:
1- الفرد لم يوجد لخدمة الجماعة، بل هذه الأخيرة هي التي وجدت من أجل خدمة الفرد الذي لم يوجد كوسيلة لتحقيق أغراض غيره من الناس.
2- يعتبر النشاط الفردي الحر شرطا لتحقيق أعلى درجات الخير الاجتماعي، وعلى ذلك تحتل المبادرة الفردية في المجال الاقتصادي المكانة الأولى والفرد له أن يعمل وينشط كما يشاء لتحقيق مصلحته الخاصة دون أن يؤدي ذلك إلى إهدار المصلحة العامة، لأن هذه الأخيرة تتحقق آليا بمجرد ترك الحرية للأفراد ينظمون علاقاتهم بمحض إرادتهم.
3- الملكية الخاصة تعتبر من الحقوق المقدسة، لأنها تدفع المالك إلى النشاط في استغلال أمواله، فيزداد الباعث الشخصي على الربح، وحرية التملك يعتبر حقا مطلقا يستطيع صاحبه أن يستعمله على النحو الذي يريده، شريطة أن يتم ذلك في إطار القانون الذي يحقق التوافق بين المصالح المتباينة.
4- من أجل الدفاع عن حريات الفرد، يجب التسليم له بحق المشاركة في أعمال السيادة، حتى تكون الحقوق والحريات مكفولة. إذ بدون مشاركة الفرد في الحياة السياسية، بفقد أهم الضمانات التي تدرأ الاستبداد والافتئات على حرياته. والحرية في النطاق السياسي تعني المشاركة الحرة في شؤون الحكم؛ ولهذا يجب أن تكفل للفرد حرية الرأي والتعبير والاجتماع...الخ
ب- مركز الدولة:
ينادي المذهب الفردي بعدم تدخل الدولة في السوق والاقتصاد ومن ترك المجال واسعا أمام المبادرة الفردية. وأن الغاية من قيام الدولة هي حماية الحريات والحقوق؛ وأن مهمة الدولة الأساسية تنحصر فقط في الدفاع واستتباب الأمن وإقرار العدالة؛ وما خرج عن ذلك فهو محظور عليها ويتنافى مع دواعي وجودها. وينتج عن هذا التصور لدور الدولة ما يلي:
1- تقتصر وظيفة الدولة على المحافظة على سلامة الأفراد وذلك بإقرار العدالة في الداخل ورد الاعتداء الخارجي، وفيما عدا ذلك، تترك الدولة للأفراد ممارسة مختلف أوجه النشاط الأخرى، وإذا تدخلت الدولة فإن تدخلها يجب أن يكون من أجل الإشراف والرقابة بهدف التوفيق بين الاستعمال المتعارض للحريات المقررة للأفراد حتى لا يتعارض الاستعمال السيئ للحريات مع وظيفة الدولة.[7]
2- الدولة وجدت من أجل الفرد لخدمة مصالحه وحماية حرياته وحقوقه، لذلك فإن الدولة لا تتمتع بسلطان مطلق فيما يتعلق بالمجال المحجوز للأفراد، لأنها إن فعلت ستتسبب في مشاكل وارتباكات تؤذي بالحريات. فالدولة ليس بإمكانها إصدار تشريعات تمس بحريات الأفراد، لأنها تعتبر لصيقة بالفرد بوصفه إنسانا، وتحتل مكانة تفوق مرتبة الدولة، بيد أن تسخير الجماعة للفرد لا يعني مطلقا أن يكون الفرد طليقا من أي قيد، لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى والاضطراب وتهديد أمن الجماعة، لهذا لا بد من بعض القيود الاستثنائية التي يقررها القانون، لكي يكون هناك تقابل بين الحق والواجب.
3- يجب على الدولة أن تترك للأفراد أكبر قدر من الحرية في ممارسة نشاطهم، وألا تتدخل في الحياة الاقتصادية إلا في ظروف استثنائية، لأن تدخل الدولة في هذا المجال يعتبر أمرا غير مرغوب فيه، لما يترتب عليه من عرقلة للمبادرة الفردية التي يجب ألا تعوقها الدولة بالتدخل، لكي لا تعطل مفعولها بما يعود بالضرر على الجماعة.
4- على الدولة في المجال الاجتماعي أن تقف موقفا محايدا، فهي غير مطالبة بالتدخل لمصلحة فريق من الأفراد ضد فريق آخر بحجة تصحيح الخلل الاجتماعي وإعادة النظام الاجتماعي إلى مساره الطبيعي، ذلك أن الدولة إذا تدخلت في هذا المجال، فعملت على إعانة الفقراء والعاجزين، والأخذ بيد الضعفاء والمعدمين، تكون الدولة بذلك قد خالفت مبدأ المساواة بين الأفراد الذي يقضي به القانون الطبيعي، كما أن الأخذ من حق الغني لإعطاء الفقير ما ليس من حقه يعتبرا عملا يتعارض مع قانون البقاء للأصلح الذي يعد أيضا من مبادئ القانون الطبيعي. زيادة على أن تدخل الدولة في المجال الاجتماعي يؤدي إلى إضعاف اعتماد الأفراد على أنفسهم وتعطيل روح الإبداع لديهم، وهذا كله يتعارض مع سير القوانين الطبيعية والوضع الاجتماعي للجماعة الذي يجب أن يتغير تلقائيا بإرادة الأفراد أنفسهم وبفعل الظواهر الطبيعية دون تدخل الدولة.[8]
نستنتج من خلال كل ما سبق، أن الفكر المسيحي، ونظرية العقد الاجتماعي ومدرسة الطبيعيين، كانت من أهم الروافد الفكرية للحرية في المذهبية التحررية، وإن هذه الروافد قد امتزجت مع بعضها فكونت ما يعرف بالمذهب الفردي؛ وهو المذهب الذي انعكس بتعاليمه التقليدية عن الواقع الأوربي والأمريكي وشكل قاعدة لحياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية.


[1] م س ص: 20 - 21
[2] هاني سليمان الطعيمات: حقوق الإنسان وحرياته الأساسية م س ص: 85
[3] مصطفى قلوش: م س ص 28
[4] خضر خضر م س ص: 84
[5] م س ص: 88
[6] حماد صابر م س ص: 22
[7] مصطفى قلوش: م س ص: 41
[8] م س ص: 43