البعد العالمي لحقوق الإنسان

الحقوق بين الأنظمة الشمولية والأنظمة الليبرالية والنظام الإسلامي

       إن حقوق الإنسان وفقا لما تقرر في بعدها الفلسفي ترتبط بالإنسان نشأة وتكوينا، وتغييرا وتطورا. ونظرا لاختلاف الفكر الإنساني باختلاف مصادره وما يرتبط بهذه المصادر من اعتبارات، فإن استهداف حقوق الإنسان أصبح وما زال يتحقق بأنظمة متعددة ومختلفة، ولكن بينها قواسم مشتركة باعتبار أن موضوعها واحد وهو الإنسان.
      
أولا: البعد العالمي لحقوق الإنسان

بالنظر في كتاب الله تعالى يتقرر بأن الكرامة التي هي استيعاب لكل ما يحفظ على الإنسان إنسانيته، فإننا نجد الله سبحانه وتعالى يجعلها لبني آدم دون نظر للانتماء أو حتى الإيمان، وفي ذلك يقول جل في علاه: < وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا >.[1]
فالتكريم بذلك يتقرر للإنسان المجرد دون النظر إلى انتماءه أو عقيدته، فتكفي فيه الآدمية لتكريمه وتفضيله على سائر المخلوقات بما قدره الله سبحانه وتعالى له من تسيير وإدارة لحركة الحياة باعتباره خليفة لله في أرضـه.

وقد رد في مقدمة الكتاب الذي صدر بمناسبة الذكرى الأربعون لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي احتوى على مجموعة من الصكوك الدولية، بأن هذا الإعلان قد وضع ليكون المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه الشعوب والأمم كافة، والذي وفّر الأساس لوضع العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وهو كان وما زال بحق مصدر إلهام أساسي للجهود الوطنية والعالمية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسيـة.[2]
ثم إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد قرر في ديباجته بأن لجميع أعضاء الأسرة البشرية الكرامة الأصيلة فيهم، والتي تقرر لهم حقوقا متساوية وثابتة، وأنه بناء على ما ورد في هذا الإعلان، فإن الأمم المتحدة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم.
وقد قرر هذا الإعلان في نصوص مواده الكثير من الأنظمة التي من شأنها أن تحفظ الكرامة الإنسانية كما يراها واضعوا الإعلان، والتي منها ما لا مجال للاختلاف فيه فيما تقرّه بشكل عام كحق الحياة، والحرية، وحق الإنسان في الأمان على شخصه، وغيرها من الحقوق، ومنها  كذلك ما تختلف فيها الأنظمة فيما يتصل به من حدود واعتبارات، والتي منها ما قررته المادة    ( 18 ) من الإعلان، والتي تقرر حق الشخص في تغيير دينه كيفما شاء، ووقتما شاء، وهو لا شك يتعارض ما هو مقرر وفق بعض الآراء في التعامل مع المرتد بموجب ما تقرره نصوص النظام الإسلامي، وكذلك المادة ( 19 ) فيما تقره من حرية للشخص في اعتناق ما يراه من آراء أيا كانت، قد يتعارض في جانب منه مع النظام الإسلامي في تنظيمه لحقوق الإنسان.
وبما أن واضعوا الإعلان كانوا ممن انتصر في الحرب العالمية الثانية، فقد قرروا في ختام هذا الإعلان بأن هذا النظام هو النظام الذي ينبغي أن يسود، فلا يجوز تأويل أي نص وارد في هذا الإعلان على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق أو الحريات المنصوص عليها. [3]
       ثم إن حقوق الإنسان لا تناقض بين قول الإنسان بوجود قيم خلقية عالمية تعد معيارا لتقويم القيم المحلية، وبين قوله بأن بعض ما يدّعى بأنه قيم عالمية ليس في الحقيقة عالميا، بل هو معبّر عن ثقافة أو حضارة معينه. ولكن القول بنسبية الحقيقة أو القيم الأخلاقية يتناقض مع القول بعموم الرسالة المحمدية، حيث أنها جاءت بما قررته من أحكام وتعاليم وقيم سلوكية بحيث تكون موافقة لكل فطرة بشرية. وبذلك فإن للعالمية معنيان ليسا بمتلازمين، فهي قد تعني كون الشيء موجودا أو منتشرا في العالم كله، وقد تعني كون الشيء متعلقا بفطرة الناس ومهم لها ومتصل بها.
ومن جانب آخر يقرر جعفر شيخ إدريس في مناقشة له لأفكار غربية حول حقوق الإنسان وجهة نظر مغايرة حول الإعلان العالمي، حيث يقرر بأن هذا الإعلان يعتبر عالميا باعتبار انتشاره ووجوده في العالم، وهو بذلك قد يصلح لأن يكون محلا لالتزام الدول الموقّعة عليه، إلا أنه لا تكون له عالمية بكونه متعلقا بفطرة الناس وبكرامة الإنسـان، حيث أن الحجة التي اعتمـد عليها الغربيون في إقرار هذا المعنى واهيـــة لعــدة أسبـاب، فمنها التسـاؤل بما إذا كان الإعلان هو الذي جعل منها حقوقا معتبرة بأن استقرت في فطرة الناس بعد أن وردت فيه، أم أنه مجرّد معبّر عنها ؟ ... لا بد أن يكون الأخير هو الصواب، ومنها كذلك التساؤل عما إذا كان يمكن اعتبار هذه الحقوق جامعة مانعة أم لا، وعندئذ فإنه لا بد أن تكون الإجابة بنعم؛ ذلك أنه لا يوجد اجتهاد بشري يكتب له الكمال، هذا فضلا عن أنها لو كانت عالمية لما آمن بها ولا احترمها ولا التزم بها إلا قلة من الناس.[4]
       إن حقوق الإنسان نظرا لارتباطها بالإنسان، فإن القاسم العالمي والمشترك فيها متحقق بلا جدال، ولكن ثمة خصوصيات تقوم على اعتبارات تميز كل أمة على الأخرى في عدد من القضايا والمسائل؛ لذلك تعددت الأنظمة في تفعيلها لهذه النصوص، وذلك وفق الخصوصيات التي تنطلق من خلالها كل أمة من الأمم.
       وبذلك فإن هذه المسائل المقرة لا شك أنها وفق ما تقره بشكل عام محل اتفاق من مختلف الانتماءات الإنسانية، ولكن ثمة خصوصيات لها اعتبارات انتماءية وولاءية من شأنها أن تخلق أنظمة تتمايز بين بعضها البعض، وتفرض تحفظات على بعض نصوص هذا الإعلان الذي انطلق من نظرة غربية ليبرالية بحتة.
وبذلك فإن حقوق الإنسان وإن كان لها بعدا عالميا باعتبار الانتشار وليس باعتبار ما هو مستقر في الفطرة الإنسانية، والذي هو في الأساس مستقر قبل الإعلان، إلا أن ما يرد عليها من قيود، وما يطبق بشأنها من وسائل لكفالة احترامها وعدم انتهاكها تختلف فيه الأوضاع ما بين أمة وأخرى، وهو ما ينبغي وضعه في الاعتبار، لا سيما وأن توظيف حماية حقوق الإنسان تقوم على تحقيق المصالح الفئوية التي تغلّب مصلحة جماعة على الجماعات الأخرى، حيث يكون فرض ذلك للأقوى.


[1] الإسراء 70.
[2] حقوق الإنسان – مجموعة صكوك دولية صدرت بمناسبة الذكرى الأربعون لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( 1984 – 1988 )، مركز حقوق الإنسان، جينيف – سويسرا، الأمم المتحدة، نيويورك – أمريكا، ص 1.
[3] حقوق الإنسان – مجموعة صكوك دولية صدرت بمناسبة الذكرى الأربعون لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( 1984 – 1988 )، مركز حقوق الإنسان، جينيف – سويسرا، الأمم المتحدة، نيويورك – أمريكا، ص 5.
[4] جعفر شيخ إدريس، الإسلام وحقوق الإنسان ... مناقشة لأفكار غربية، من أبحاث ندوة حقوق الإنسان في الإسلام، مرجع سبق ذكره، ص 313.