المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الإجراءات الجنائية

المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الإجراءات الجنائية 
شرح قانون الاجراءات الجنائية

    المطلب الأول: مبدأ قرينة البراءة La présomption d΄innocence
    المطلب الثاني: الشك يفسر لمصلحة المتهم
    المطلب الثالث: الحق في الدفاع
    المطلب الرابع: إمكانية التفسير الواسع لقواعد الإجراءات الجنائية
    المطلب الخامس: عدم إلزام المتهم بإثبات براءته

المبحث الثالث
تقسيمات قانون الإجراءات الجنائية وعلاقته بالقانون الجنائي 

    المطلب الأول: أقسام قانون الإجراءات الجنائية
    أولا: القسم العام
    يقصد بقانون الإجراءات الجنائية في قسمه العام القواعد المسطرية المنظمة للخصومة الجنائية الداخلة في اختصاص القضاء العادي والمطبقة على كافة الدعاوى التي ينظرها القضاء الجنائي بصرف النظر عن شخص المجرم، أو طبيعة الجريمة محل المتابعة .
    ثانياً: القسم الخاص
    يدل قانون الإجراءات الجنائية في قسمه الخاص على مجموعة القواعد الإجرائية المنظمة للخصومة الجنائية في نوع معين من الدعاوى، والتي تدخل ضمن اختصاص جهة قضائية متخصصة وتسري عليها قواعد إجرائية خاصة 
    طرق الطعن في الأحكام وقواعد تنفيذها.

المطلب الثاني
علاقة قانون الإجراءات الجنائية بالقانون الجنائي 

    يرتبط قانون الإجراءات الجنائية بعدة روابط مع غيره من فروع القانون الأخرى بشكل عام، ولكن نظراً لخصوصية علاقته مع القانون الجنائي –قانون العقوبات- باعتبار أن تلك العلاقة تمثل علاقة الابن بأبيه والجزء من الكل فبينهما ارتباط مباشر، فإننا سنتطرق في عجالة فقط لهذه العلاقة.
    يوصف القانون الجنائي بأنه قانون قضائي، ومعنى ذلك أنه قانون لا يطبق من تلقاء نفسه وإنما بتدخل القاضي وبناء على دعوى جنائية تحركها النيابة العامة، تتلوها محاكمة قضائية، والقانون الجنائي بهذا المعنى يحدد نشأة حق الدولة في توقيع العقاب على الجاني ومصدره، في حين يتولى قانون الإجراءات الجنائية تنظيم كيفية التجاء الدولة إلى القضاء من اجل المطالبة بإقرار حقها في عقاب ذلك الجاني بهدف إخضاعه للجزاء المستحق، ومن هنا تبدو التفرقة والارتباط في نفس الوقت بين القانونين.
    فمن حيث التفرقة يتضح لنا أن القانون الجنائي هو قانون موضوعي إذ يحدد الجريمة وعقوبتها، في حين أن قانون الإجراءات في اغلب قواعده هو قانون شكلي إذ يبين كيفية ثبوت هذه الجريمة وسبل توقيع العقوبة المستحقة لها، هذا من زاوية.
    ومن زاوية ثانية ندرك أن قواعد القانون الجنائي تبقى جامدة لا تحرك ساكناً في التطبيق حتى ومع وقوع الجريمة، أما قواعد قانون الإجراءات فهي قواعد حيوية تتحرك بمجرد وقوع الجريمة وحتى النطق فيها بالحكم، لا بل يمكن أن تتحرك قبل وقوع الجريمة وذلك من خلال إجراءات منعها، أو فرض بعض التدابير الوقائية للحيلولة دون وقوعها، كما يتجلى لنا من زاوية ثالثة أن قانون الإجراءات قانون تبعي في شكله إذ لا يمكن الحديث عن إجراء معين مع انعدام موضوعه، وهو ما يمثله في الغالب القانون الجنائي، أي قانون العقوبات.

المطلب الثالث : الفرق بين قانون الإجراءات الجنائية وقانون أصول المرافعات المدنية والتجارية

    - الاختلاف من حيث موضوع القانونيين، ومن هذه الزاوية نجد أن موضوع قانون الإجراءات الجنائية يدور حول ممارسة الدولة لحقها في معاقبة الجاني لحماية أمن المجتمع وصيانة استقرار وإبعاد خطر الجريمة عنه وإصلاح أو/ وإقصاء المجرمين وشرورهم، في حين ينحصر موضوع الدعوى المدنية في المطالبة بحق مدني "عيني أو شخصي" بهدف إعادة التوازن للمصلحة المالية أو الشخصية للمتضرر.
    - من حيث الحق في تحريك الدعوى والتصرف في مصيرها والحقوق المخولة لأطرافها، ومن هذه الزاوية نجد أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص في ممارسة الادعاء الجنائي، وتبقى ملتزمة بالسير في مطالبتها الجنائية حتى صدور حكم فيها، وبالتالي فالنيابة العامة ملزمة بتحريك الدعوى إذا توافرت مقتضياتها، وفي الوقت نفسه لا تملك حق التنازل عنها بعد إثارتها، وهي بذلك تتمتع بسلطات أوسع من الأفراد ويعتبر حضور الادعاء العام –النيابة العامة- بالجلسات إلزامياً تحت طائلة البطلان.
    أما في الادعاء المدني فإن المتضرر من ورائه هو من يسعى لإقامته، وهو يملك الحق في التنازل عنه متى شاء، وبالتالي فهو يملك بداية تحريك ادعاه ويبقى مالكاً لهذا الحق وله أن يتنازل عنه متى شاء، كما أنه وفي هذا الادعاء المدني يكون كل من المدعي والمدعى عليه من الأفراد العادين أي الخواص وهما بذلك على قدم المساواة، وقد يمثلهما أو ينوب عنهما نائبان دون أن يكونا ملزمان بالحضور شخصياً.
    - اختلاف المراحل والإجراءات التي تمر بها الدعوى الجنائية عن مراحل وإجراءات الدعوى المدنية، فقانون الإجراءات الجنائية يطبق تلقائياً منذ اللحظات الأولى للكشف عن الجريمة وحتى أخر مراحل عمر الدعوى الجنائية، كما أنه يمكن أن يطبق دون وجود واقع معين "جريمة" لتطبيقه كما هو الأمر بالنسبة للإجراءات التي تقوم بها السلطات المختصة لمنع وقوع الجرائم، أو القيام ببعض التدابير الوقائية، الأمر الذي لا يجد له مثيلاً في القانون المدني.

المبحث الرابع
النظم المتبعة في قانون الإجراءات الجنائية 

    المطلب الأول: النظام الاتهامي أو القانوني (Procedure Accusatoire)
    يعتبر النظام الاتهامي من أقدم النظم ظهوراً في الإجراءات الجنائية، ولقد ارتبط ظهور هذا النظام بمعطيات محيطه الاجتماعي، إذ أن سلطة الدولة في ظل هذا النظام لم تكن بالصورة التي هي عليها في النظم الأخرى، ويتمثل جوهره في اعتبار الدعوى الجنائية بمثابة خصومة عادية بين طرفين متكافئين في مراكزهما القانونية، فهي تجسيم لصراع بين طرفين أمام قاضي محايد ويلتزم بإعلان الحق في جهة هذا الطرف أو ذاك.
    وانطلاقاً من تسميته فإن النظام الاتهامي تنطلق فيه الدعوى الجنائية باتهام يوجهه المتضرر لشخص المتهم وليس بشكاية، بحيث أن المتضرر يتحمل كامل المسؤولية في توجيه الاتهام تجاه شخص تسبب لـه في ضرر نتيجة جرم ارتكبه في حقه.

المطلب الثاني: النظام التنقيبي  والتحري (Procedure Inquisitoire)

    كان لظهور الدولة ولو في شكلها الأولي وتطور وظائفها انعكاساً واضحاَ علي السياسية الجنائية بشكل عام، فلقد أصبحت السياسة الجنائية في العصور القديمة أصبحت غير ذات جدوى مع متطلبات التطور في شكل الدولة وتعدد وظائفها، لأنها لا تنسجم –السياسة الجنائية- مع احتياجات تلك المرحلة المليئة بالتطور والتغير في عالم الجريمة وقوة الدولة ونفوذها معاً، ولعل التأملات الفقهية الحديثة والموسوعات القانونية في الفقه الجزائي لاسيما في العقدين الآخرين استتبعت تطورات جوهرية اشتملت على الإجراءات المتبعة حال وقوع الجريمة وكذلك على أساليب المحاكمة للوصول إلى الحقيقة المرجوة .
    ومن نافلة القول أن رغبة الدولة في المحافظة على هيبتها وضمان استمرارها من جهة، وحفظ أمن مجتمعها وصيانة سلامة أفرادها وفرض نظامها من جهة ثانية، دفع الدولة لدخول ميادين جديدة أهمها الميدان الجنائي، مما مهد لظهور نظام التنقيب والتحري، إذن فالدافع لظهور هذا النظام تطور النظرة إلى الجريمة وآثارها، فلم تعد تلك الآثار تقتصر على المجني عليه وحده بل أصبحت تهدد استقرار المجتمع وأمنه، مما ينعكس ذلك كله على هيبة الدولة وسلطتها وبسط سيادتها.
    هذا التغير في نظرة الدولة للجريمة استتبع تغير في إجراءات الخصومة الجنائية، فقد رأت الدولة ضرورة توافر هيئة أو جهة حكومية تتولى زمام البحث عن الجرائم، وتتبع مرتكبيها، وتسليمهم للقضاء الجزائي الذي يتولى مهمة محاكمتهم، وصاحب ذلك تغير لدور القاضي في الخصومة الجنائية الأمر الذي استدعى توسعاً لدور القاضي الجنائي من كونه دوراً رقابياً بحثاً إلى دوراً أكثر فعالية ومرونة.
    وبالتالي فإن نظام التنقيب والتحري هو عكس نظام الاتهام، ومؤداه أن الاتهام تقوم به سلطة عامة تختارها الدولة لتتوب عن المجتمع في زجر المجرمين وإقصاء خطرهم عنه، كما أن القاضي في ظل هذا النظام لا يعين من طرف الخصوم بل من طرف الدولة، فأصبحنا نسمع ما يطلق عليه السلطة القضائية التي تتمتع بدور فعال تجاه الخصومة الجنائية، حيث أن القاضي يلعب دوراً هاماً في سير الدعوى من خلال مناقشة الأدلة والحجج، أو الأمر بها ويسعي بكل السبل التي وفرها له القانون لمعرفة الحقيقة.
    كما تعددت المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية في ظل هذا النظام تبدأ بالبحث التمهيدي، أو ما يطلق عليه في بعض القوانين الإجرائية الجنائية مرحلة جمع الاستدلالات وتنتهي بمرحلة المحاكمة، وتتصف الإجراءات هنا بالسرية والعلنية والشفهية والتدوين.