الجريمة والعقوبة قديما في العصور الوسطى وعصر النهضة

الجريمة في المجتمعات البدائية 

من المتفق عليه أن الجريمة في المجتمعات البدائية كانت عبارة عن مخالفة تحريم أمر أو سلوك أملته الاعتقادات الدينية السائدة والتي غالباً ما كانت مستمدة من قدرة مجهولة أي أن الدين وقواعده كانا يمثلان المصدر الأول للتحريم في هذه المجتمعات. ذلك الإنسان البدائي كان يعتقد أن جميع الأوامر والنواهي التي تنظم الروابط والعلاقات الاجتماعية تأتي من عند هذه القدرة الإلهية التي اصطلح علماء الاجتماع علي تسمية عصرها بعصر التابو TABOO.

ففي هذه المرحلة من عمر البشرية كان الأفراد يعتقدون في ضرورة الالتفاف حول رمز الهي أو كائن مقدس قد يكون نباتا أو حيوانا أو مكانا أو إنسانا, وكانوا يطلقون عليه وصف الطوطم : TOTEM وتعتقد القبيلة أو العشيرة أنها مرتبطة به ارتباطا دينيا تمثل في الاعتقاد بأنهم ينحدرون من سلالته, أو أن مخالفة أوامره , أي أوامر الطوطم , أو المساس بقدسيته وحرمته من شأنها أن يحل بالمخالف وبمن حوله الانتقام الإلهي المتمثل في أبشع الكوارث.

وبطبيعة الحال فقد عرفت المجتمعات البدائية أنماط محدودة من الجرائم. فقد كان يسود فيها جرائم الاعتداء علي الأشخاص , أو ما يسمي بجرائم الدم وجرائم العنف , مثل القتل والضرب الجرح, ولكن الجرائم التي كانت أكثر خطورة هي الجرائم الدينية. 

أي جرائم السحر والشعوذة وجرائم الاعتداء علي المقدسات, والسخرية من الآلهة أو إغضابها بأي قول أو فعل وهذه الجرائم الأخيرة أي ذات الطابع الديني المحض هي التي كانت تستلزم ضرورة توقيع أشد العقوبات , وذلك إرضاء للآلهة وتكفيراً عن الذنب الذي اقترفه المجرم.

وكان العقاب عن هذه الجرائم من شأن الأفراد أنفسهم, وهو ما كان يتمثل في الثأر أو الانتقام الفردي( أي الخاص) والذي لم يكن له ضوابط تقيده وكانت سلطة العقاب مقررة في البداية للمعتدي عليه ذاته , ثم انقلبت بعد ذلك إلي رب الأسرة ثم على شيخ القبيلة أو العشيرة وفي خلال فترة طويلة من الزمن حاول الفكر الإنساني أن يخفف من الآثار المشئومة للثأر أو الانتقام الخاص . 

ذلك أن هذا الأخير غالبا ما كان يؤدي إلي الحروب المستمرة بين القبائل والعشائر خاصة في الحالات التي كان المجني عليه ينتمي إلي قبيلة أخري غير تلك التي كان ينتمي إليها الجاني . لذا وجد نظام القصاص ثم نظام الدية, الذي يعني الصلح بين الطرفين علي أن الجاني _أو أهله , أسرته أو قبيلته أو عشيرته) بدفع مبلغ من المال للمجني عليه تعويضا لهذا الأخير عن الأضرار التي لحقته من جراء الجريمة . ثم وجد _ كذلك_ نظام التخلي وهو عبارة عن تنازل قبيلته أو عشيرة الجاني عنه لقبيلة المجني عليه, لتقتله أو تسترقه.

ويؤكد جانب من الفقه علي أنه لا يجوز القول بأن الأذهان لم تتجه كلية خلال هذه المراحل البدائية نحو التساؤل عن سبب إقدام أفراد معينين دون غيرهم علي ارتكاب الأفعال المحرمة. وبأن الإجابة علي هذا التساؤل كانت ذات طبيعة فلسفية أو دينية حيث كان السائد في هذه العصور الاعتقاد بأن أرواحا شريرة تتقمص أجساد بعض الأفراد وتدفعهم بالتالي إلي إتيان المحرمات.

الجريمة في العصور القديمة والوسطي

مع مرور الزمن وازدياد صعوبات الحياة وقسوتها بدأ الأفراد يشعرون بحاجتهم إلي التقارب أكثر فأكثر مع بعضهم البعض . فسعوا إلي الانضمام والتعاون فيما بينهم لكي يحققوا مصالحهم ويشبعوا احتياجاتهم المتزايدة بصورة أيسر أفضل مما كان. لذلك انضمت بل اندمجت العشائر والقبائل في نظام سلطة عامة موحدة يخضع لها الجميع , وهي سلطة شبيهة بسلطة الدولة الحالية, ولكنها ليست دولة.

فتكونت بذلك القرى ثم المدن ولعلنا نجد في المدن الإغريقية القديمة دليلا ملموسا علي هذا التطور ثم انضمت المدن لبعضها فنشأة الدولة في وضعها الحالي كسلطة عامة تمثل الجميع ويخضع لها الجميع. وكان نتيجة ذلك أن أصبح لزاما علي الأفراد أن يكفوا عن بعض نزاعاتهم الفردية , التي كانوا يتصفون بها قبل نشأة السلطة العامة , والتي أصبحت تتعارض مع مصالح المجتمع الجديد وبقائه كما أصبح إلزاما علي هذا الأخير أن يعمل علي استمراره. وهذا ما يفسر أن أخطر الجرائم وأقساها عقابا كانت تلك التي تتناول بالاعتداء أو حتى بالتهديد مصالح المجتمع ككل.

وبنشوء مجتمع المدينة والدولة, عمدت السلطة العامة إلي التدخل في مجال التجريم والعقاب في البداية بفرض نظام القصاص ونظام الدية في صورة عامة وإحاطتها ببعض الضمانات في التنفيذ , بهدف أن يكون القصاص هو التماثل التام مع فعل الاعتداء , وتكون الدية محددة سلفا طبقا لجسامة الجريمة.

ثم استقلت الدولة بعد ذلك بالحق في العقاب, سواء من حيث تحديد الوقائع المعاقب عليها, أم من حيث تحديد مقدار ونوع العقاب عليها. وتحول حق العقاب من عقاب فردي خاص , إلي عقاب عام تتولاه سلطة عامة باسم ولمصلحة المجتمع وانتهت بذلك أفكار الانتقام الفردي والقصاص والدية وبعابرة أخري موجزة لقد تحولت قواعد التجريم والعقاب المستمدة من التابو أو الطوطم إلي قواعد خلقية اجتماعية ولكنها مع ذلك لم تفقد تماما طابعها الديني.

وفيما يتعلق بأصول أو جذور علم الاجرام في هذه المرحلة يؤكد الفقه أن كتابات الفلاسفة اليونانيين _الاغريقين) تتضمن الإشارة إلي بيان دوافع الجريمة وأسبابها أو عواملها . بل إن البعض منهم قد اقترح سبل الوقاية منها فقد ارجع ((ايبوقراط))الجريمة إلي خلل أو اضطراب في عقل الجاني وبصورة غبر مباشرة أشارة(ايبوقراط) إلي سبب الجريمة حينما تحدث عن طبيعة المعرفة وطبيعة الجهل فاعتبر أن (الجهل) هو سبب الجريمة وأن المعرفة هو سبب السلوك القويم .

أما ((أفلاطون)) فقد قرر أن الفرد يرتكب الجريمة رغما عنه لأنه مدفوع إليها دفعا ولا دخل لإرادته في ذلك . لذا فانه يوصي باعتبار الجاني كالمريض الذي يجب علاجه وإصلاحه إذا كان ذلك ممكنا أما إذا كان العلاج والإصلاح مستحيلين فقد طلب بضرورة أن يتخلص المجتمع  من الجاني بنفيه أو إعدامه كذلك ذكر ((أرسطو)) أن سبب الجريمة يتمثل في النفسية المضطربة التي ترجع إلي عيوب خلقية وعضوية وجسمية لدي الجاني وقرر أنه عن طريق دراسة هذه العيوب يمكن معرفة طباع الجاني وسلوكه. كما أيد ((أرسطو)) العقوبات التي أوصي بها ((أفلاطون)) بالنسبة للمجرم الذي يستحيل إصلاحه وهي عقوبتي الإعدام والنفي .

وفي أواخر القرن السادس عشر وبالتحديد في سنة 1586 أصدر ((ديلابورتا)) مؤلفاً له عن((علم الاجرام)) موضحا فيه أسباب السلوك الإجرامي حيث أسند هذا الأخير إلي السمات أو الخصائص الفردية المتمثلة في بعض العيوب الخلقية الظاهرة في ملامح الوجه خاصة في العينين أو الجبهة أو الأنف وقد أيد هذه الوجهة من النظر في تفسير السلوك الإجرامي بعض الفلاسفة والعلماء الطبيعيين مثل ((داروين Darwin)) و((دولاشامبر De la CHambre))  وهما من مؤسسي المذهب التطوري .

وقد تبني هذا الاتجاه الفردي في تفسير الظاهرة الإجرامية بعض فلاسفة وعلماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل ((لافايته Lavater)) (1741-1801) و((جال Gall))(1958-1828) و((مورو دو تور Moreau de Tours )) (1804-1884) و((ديسبين Despine))(1913-1892) , حيث عزوا السلوك الإجرامي إلي ضعف خلقي يتمثل في خلل وقصور في النمو الطبيعي لأجزاء في الرأس , خاصة المخ.