الضمانات السياسية

الضمانات السياسية
تتخذ الضمانات السياسية للحريات العامة داخل المجتمعات الحديثة عدة مظاهر يمكن تلخيصها على الشكل التالي:
أولا: رقابة الرأي العام
يلعب الرأي العام في أيامنا هذه دورا كبيرا في الحياة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات المنظمة في إطار  الدولة الحديثة ومع أنه كان دائما موجودا عبر العصور إلى أن شكل التعبير عنه لم تتخذ صفته المتطورة إلا في عصرنا الحاضر.[1]
وثمة تعريفات كثيرة جدة للرأي العام يقول أحدها أنه: "مجمل وجهات النظر والاتجاهات والمعتقدات الفردية التي تعتنقها نسبة لها دلالتها من أعضاء المجتمع حول موضوع معين بالذات". وتكاد كل التعريفات تجمع على أن التعبير عن الرأي العام من ناحية ومحاولة تغييره وتوجيهه والتأثير فيه أو حتى تكوين رأي عام من جديد من ناحية أخرى لن يتم إلا عن طريق الإقناع الذي يتطلب التوصل بكل ما يستلزمه من مناقشة مختلف الآراء وفحصها ونقد الأفكار المعارضة، مع الاستعداد لقبولها إن ثبتت صحتها ففرض الرأي أو الفكر عن طريق القهر والقسر والإملاء ومطالبة الآخرين باعتناقه والأخذ به بغير اقتناع منهم لا يعني أبدا "رأي عام" بالمعنى الدقيق للكلمة أي أن حرية التفكير وحرية التعبير وحرية إبداء الرأي هي الأساس الذي يقوم عليه الاتجاه العام في المجتمع الذي يمثل الحد الأدنى من الاتفاق حول موضوع معين أو قضية معينة أو أوضاع معينة بالذات. وواضح من هذا أن الرأي العام لا يعني أبدا الرأي الواحد أو الرأي الموحد، ما دام الأساس الأول في تكوينه وظهوره هو الحوار الحر الذي يترك الباب مفتوحا طيلة الوقت لاختلاف الآراء وتباين وجهات النظر، التعبير عن هذه الاختلافات.[2]
من هذا المنطلق لا نبالغ كثيرا في القول أن الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية المتطورة هو الضامن الأساسي من الناحية السياسية للحريات العامة. وهو يستطيع ممارسة دور مباشر في حمايتها لاسيما عن طريق الاستفتاءات أو عن طريق الاحتجاجات المباشرة كالتظاهرات وغيرها من الممارسات
أ- رقابة الشعب:
إن إحدى أبرز أشكال رقابة الرأي العام يظهر في نظام الديمقراطية نصف المباشرة، حيث يقوم إلى جانب المجلس التشريعي الذي يمثل الإرادة العامة في وظيفة التشريع حق الشعب في إجراء شبكة من الممارسات الديمقراطية للرقابة على أشخاص السلطة العامة وتتمثل هذه الأعمال في ما يلي:
1- الاستفتاء الشعبي: وهدفه التعرف على رأي الشعب في قضية من القضايا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو دستورية... الخ
2- حق الاعتراض الشعبي: ويقضي بأن يتقدم عدد من الناخبين بالاعتراض على قانون صادر من البرلمان خلال فترة معينة من تاريخ نشره، وبذلك يتعين وقف تنفيذ القانون وعرضه على الشعب فإذا لم يوافق عليه ألغي.
3- حق الاقتراح الشعبي: حيث يساهم الشعب فعليا في عملية التشريع فإذا ما رأى عددا معينا من الناخبين أن الحكومة إصدار تشريع ما مع ضرورته وحيويته للشعب فلهم حق التقدم باقتراح مشروع قانون ورفعه إلى البرلمان ومناقشته وللبرلمان حق الموافقة على المشروع أو رفضه بعد مناقشته.
4- عزل رئيس الجمهورية: تقرر بعض الدساتير حق الشعب في عزل رئيس الجمهورية بشروط خاصة وفي حدود معينة* ويعتبر الشعب في هذه الحالة حكما بين رئيس الجمهورية والمجلس التشريعي، وعموما فإن هذه تعتبر من أهم مظاهر الديمقراطية غير المباشرة، وهي تكفل نوعا من الرقابة الحقيقية للشعب بعيدا عن سيطرة الأحزاب السياسية وذلك لما توضحه من رغبات الشعب وتحقيقها والسير على مداها.[3]
ب- الأحزاب السياسية:
قبل منتصف القرن التاسع عشر وقبل وجود الأحزاب السياسية كان الأفراد منقسمين فكريا وعقائديا انقسامات شتى لأن لكل فرد فكره الخاص الذي ينبع من مصلحته الشخصية وظروفه الاجتماعية والاقتصادية وانتماءاته الثقافية والحضارية، حيث أنه رغم وجود بعض التشابه والتقارب في آراء ومصالح وظروف بعض الأفراد، إلا أنه غير منظم غير مستقر وغير مستمر أيضا، لأنه إذا اختلفت وتباينت المصالح والظروف، ووجهات النظر بينهم سرعان ما يضعف هذا التعاون إلى درجة التلاشي أو يزول نهائيا، لكن بعد ظهور الأحزاب، وضعت حدا لهذا التشتت عن طريق تجميع وتكتيل الأفراد المتقاربين في المصالح والظروف والمبادئ والأفكار السياسية في تنظيم أو حزب سياسي يبلور ويصقل تقاربهم في إطار واحد بعيدا عن أهوائهم الشخصية أو مصالحهم الخاصة والذاتية، ذلك أن الحزب يخلق بالتدريج كتلة متماسكة من الأفراد تخضع لتنظيم معين وتسير وفق توجيه واحد لتحقيق الأفكار والمبادئ والإيديولوجيات التي جمعتهم ووحدتهم، وبذلك تكون الأحزاب قد نقلت الخلافات الفكرية والسياسية بين الأفراد من نطاق الصراع بين المصالح الخاصة إلى نطاق المنافسة بينهم لتحقيق المصلحة العامة.[4]
فبدون الأحزاب لا يتصور لرغبات الأفراد أن تجد متنفسا لها وأن تصل إلى آذان السلطات الحاكمة ولا يتصور أن يكون بمقدور المواطن التأثير على المسائل المتعلقة بالحياة العامة فالفرد منعزلا عن أقرانه من أعضاء الجماعة لا تأثير له حتى لو مارس حقوقه وخاصة حق التصويت إذا كيف تتاح له فرصة اللقاء وتبادل الرأي العام مع غيره ممن يعتقدون نفس أفكاره وأيا كانت درجة الاقتناع الفردي ومهما بلغت وجهة النظر الفردية من صحة فإن العمل الفردي لا يؤدي إلى ضياع الجهود وتشتيت القوى وهنا تبدو أهمية الحزب أي يعمل على تمكين الجماعات المختلفة من التعبير عن رغباتها ومعتقداتها بطريقة منظمة وفعالة.[5]
وهنا يكون تأثير الأحزاب السياسية ضخما لأن كل نظام حزبي يشكل إطارا يفرض على الرأي العام ويمثله، ويعتبر النظام الحزبي الموجود في بلد معين كنتيجة لبقية الرأي العام فيه، فبنية الرأي العام هي إلى حد بعيد نتيجة لنظام الأحزاب كما تكون بحسب الظروف التاريخية والتطور السياسي وبحسب مجموعة أخرى من العوامل النفسية والاقتصادية. وفي كل هذا يلعب النظام الانتخابي دورا مؤثرا وعليه فالعلاقات بين الرأي العام والأحزاب السياسية لا تسير أبدا في اتجاه واحد، بل أنها نسيج من الأفعال وردودها المعاكسة والمتداخلة بشكل ضيق. وكل نظام حزبي يشكل إطارا خاصا يعبر فيه الرأي العام عن نفسه ويولد نموذجا مختلفا من التمثيل السياسي. إن الرأي العام هو أحد عناصر النظام السياسي ولكنه نظام يتعلق بعناصر أخرى وبالأخص النظام الانتخابي، إذن فالرأي العام والنظام الانتخابي ونظام الأحزاب تشكل جميعا ثلاث أبعاد متداخلة ببعضها، وعلاقاتها ليست ذات اتجاه واحد.[6]
وتساعد الأحزاب السياسية على وجود وتنمية الوعي السياسي لدى المواطنين، فهي بسعيها نحو نشر إيديولوجيتها تكون في مواجهة الأحزاب الأخرى ونقد برامجها، وهي بذلك تمد الرأي العام بالمعلومات اللازمة لتغطية وجهة نظرها وهذه المعلومات التي تقدمها الأحزاب للمواطنين ضرورية لتكوين رأي عام مستنير، إذ يستحيل على الناخبين الوصول لهذه المعلومات بمجهوداتهم الفردية فهي التي تنشر الوعي بين الناخبين وتزودهم بالمعلومات وهي التي تجعل النظام الديمقراطي ممكنا.[7]
وعلى العموم فالنظام الحزبي يعتبر في الديمقراطيات الغربية من بين إحدى الوسائل التي تؤدي إلى تقسيم السلطة وعدم تركيزها في يد هيأة واحدة مما يؤدي إلى تحديد السلطة وتقييدها.[8] إنها حسب عبد الحميد متولي "في العصر الحاضر في الأنظمة الديمقراطية إحدى الضرورات وبالنسبة للحرية في مقدمة الضمانات" وأنها على حد التعبير الأستاذ البريطاني "جننز" أساس الديمقراطية، وكما يقول الفقيه النمساوي "كلسن" إن العداء نحو الأحزاب يخفي عداء للديمقراطية ذاتها. ويقول الأستاذ "جارنر" إن الأحزاب تقوم في تسيير الأداة الحكومية بمثل ذلك الدور الذي يقوم به البخار في تسيير القاطرة البخارية. أما الفقيه الدستوري "إزمن" فيقول أنه لا حرية سياسية بدون أحزاب.[9] أما روبرت ميشيل فيقول لا يمكن تصور الديمقراطية دون تنظيم والأحزاب هي التي تتولى ذلك التنظيم فالتنظيم هو الوسيلة الوحيدة لخلق إرادة عامة.[10]
ج- المعارضة البرلمانية:
إن نظرة فاحصة في أصول الديمقراطية تبين ذلك الاتفاق حول الحاجة إلى المعارضة، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الانتخاب لا يمكن أن يكون اختيارا بأي معنى ولتحقيق هذا الخيار لا بد من تنظيم المعارضة تنظيما يبين مهمات وأدوار هذه المعارضة. كما هو الشأن بالنسبة للديمقراطية الغربية حيث يكون التمييز بين الوظيفة الحكومية ووظيفة المعارضة.[11]
وعليه تعد المعارضة جزءا متمما للنظام السياسي وهي لا يجب في إطار هذا النظام أن يكون هناك تسامح بين الجماعات المتنافسة ذات الاتجاهات المختلفة، لأنه دون ذلك التسامح لن يكون هناك قبول بالممارسة السليمة، أي تقييد الذين خارج الحكم بالقرارات التي يتخذها الذين في الحكم، واعتراف الذين في الحكم بحقوق الذين هم خارجه.[12]
وتعتمد المعارضة في وجودها على أساس نظام حزبي ثابت هدفه التوصل إلى الحكم لعرضه لمبادئه وسياساته على الناخبين والمنتخبين كمبادئ وسياسات الحكومة أو مجلس منتخب في المستقبل ولذلك فهي تستطيع السير في مناقشة مستمرة داخل المجلس التشريعي وفي البلد حول كيفية إكمال المنجزات الحكومة وكيفية حماية الحريات الفردية والجماعية. فالهدف الأبعد الذي تجاهد من أجله الأحزاب السياسية والجمعيات والجماعات والنقابات هو استمالة الرأي العام من جهة، وضمان ممارسة منظومة الحقوق والحريات من جهة ثانية، بالوسائل المنظمة أو بواسطة الحكام والقادة لأن الرأي العام هو ضمير الأمة الداخلي فهو تلك القوة التي لا يستطيع الحكم أن يستقر ويدوم بدون أن تكون راضية عنه وراغبة فيه، والثابت هو أن للرأي العام وجودا وتأثيرا في كل عهد ودولة مهما كان النظام السياسي الذي يحيط به.[13]
بيد أن دور الرأي العام في العصر الحديث، بدأ يتضاءل أمام تغول وسائل الإعلام وأمام هيمنة أجهزة الدولة والحقيقة أن الرأي العام لم يعد خالقا لاتجاهات أو تيارات فهو لا يختار موضوعاته، بل هي مفروضة عليه من قبل الحكومة أو الأحزاب أو الجماعات ذات المصالح المتباينة بتزكية وسائل الإعلام الحديثة.[14]
ومن جانب آخر، إن الزيادة الهائلة لمهام الدولة في ميادين متنوعة ومتخصصة بدقة جعلته لا يصدر أحكامه أي الرأي العام بناءا على معرفته الفنية بل استنادا على دوافعه القومية والسياسية الصرفة هذا زيادة على أن العصر الحديث يتسم بالصبغة الدولية لكثير من المشاكل السياسية لأن الدولة لم تعد بمقدورها السيطرة على العوامل المؤثرة في حل مشاكلها السياسية والاقتصادية نظرا لتدويل وترابط أوجه الصراع والتعاون بين دول المعمور.[15]


[1] خضر خضر م.س. ص: 248
[2] رفيق سكري، دراسة في الرأي العام والإعلام والدعاية جروس برس ط 1991 ص 18
* كان يكون ذلك بناء على اقتراح نسبة معينة من أعضاء المجلس التشريعي وبمجرد حدوث ذلك يوقف رئيس الجمهورية عن العمل ثم يعرض الأمر على الشعب للاستفتاء فإذا وافق عليه عزل وإذا لم يوافق الناخبون على قرار المجلس اعتبر ذلك بمثابة انتخاب جديد للرئيس ويحل البرلمان التشريعي لإجراء انتخابات جديدة.
[3] م.س. ص: 90 - 91
[4] حسن البرلاوي: الأحزاب السياسية والحريات العامة دار المطبوعات الجامعية ط 2000 ص: 278
[5] م.س. ص: 279
[6] حماد صابر م. س. ص: 92
[7] م.س. ص: 282
[8] م.س. ص: 92
[9] م.س. ص: 12 - 13
[10] م.س. ص: 93
[11] موريس دو فرجيه: الأحزاب السياسية دار النهار ط 1977 ص 40
[12] م.س. ص: 93
[13] م.س. ص: 94
[14] انظر:  مريرت أ. سيللر: المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان عالم المعرفة عدد 106 1986 ص:  16
[15] م.س. ص: 94